على بصيرة
من أعظم ما يحتاجه شباب هذه المرحلة ألّا يرثوا عن الجيل السابق من شيوخهم وآبائهم وأساتذتهم الصراعات الفكريّة الاستنزافيّة التي أكلت أعمار جيلٍ كامل حتى شاخ وهو يدور في حلقات الجدل العبثي ويستهلك طاقته في معارك الفروع العقدية والفقهيّة ويغيب عن معركة البناء الكبرى.
أعمارٌ طويلة مضت في الخصومات حول فروع العقيدة وفي المعارك حول الفروع الفقهيّة الموسميّة؛ وكلّها مسائلُ خلافيّةٌ يمتدّ فيها النظر وتتعدّد فيها مسالك الاجتهاد، وتحمل بطبيعتها مساحةً يتجدّد فيها الخلاف مع تجدّد العقول والمدارك، وموضع هذه المسائل مجالسُ العلم التخصّصيّة بعيدًا عن ضجيج الاستقطاب وحرارة التنازع.
أمّا نقلها إلى ساحات الاشتباك الفكريّ العام وإلى المنابر المسجديّة والمساحات الإعلاميّة المفتوحة وتحويلها إلى معارك تعبئةٍ واصطفاف فإنّه يعني استنزاف أعمارٍ جديدة في الدوران داخل الدائرة نفسها ويعني توريث الشباب خصوماتٍ قديمة بدل توريثهم مشروعًا للبناء والنصر والتمكين الحقيقيّ.
أيّها الشباب:
كونوا أوعى من شيوخكم وكونوا أبصر من أساتذتكم ولا تسمحوا لهم أن يورّثوا عقولكم معاركهم القديمة تلك التي ما أورثت الأمّة إلا مزيدًا من الفرقة وما وسّعت في المجتمع إلا مساحات التنازع والتشظّي وما استهلكت إلا الأعمار والطاقات والقلوب حتى غدا كثيرٌ من الجهد يُبذل في إدارة الخلاف أكثر مما يُبذل في صناعة المستقبل.
وانطلقوا في بناء أفكاركم بناءً متكاملًا؛ يبتدئ من الأصول قبل الفروع ومن الكلّيّات قبل الجزئيّات ومن الأسئلة الكبرى قبل سجالات الهوامش؛ ابحثوا عن المعاني التي تبني المستقبل وعن الرؤية التي تُقيم الإنسان وعن الفكر الذي ينهض بالمجتمع من ركام القهر ومن نير التخلّف ومن ظلمات الجهل الطويلة إلى أفقٍ أوسع من الحرية وأرسخ من الفكر وأقدر على حمل الرسالة وصناعة العمران.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق