وقفات مع آيات (30).. النجاة في القرآن
وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة تتحدث عن النجاة، لا بوصفها حادثة عابرة، بل بوصفها سنّة من سنن الله في عباده؛ فهو سبحانه ينجي من يشاء برحمته، ويفتح لعباده أبواب الفرج حين تضيق عليهم الأسباب.
ويتكرر هذا المعنى في قصص الأنبياء، ومن ذلك قوله تعالى في شأن يونس عليه السلام:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾
فقد كان في ظلمات متراكبة: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، فنادى ربه بقلب منكسر: ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فجاءت الاستجابة، وجاء معها هذا الوعد الواسع: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾.
فكأن الآية تقول: ليست هذه النجاة خاصة بيونس وحده، بل باب الله مفتوح لكل مؤمن صدق في لجوئه، وأخلص في دعائه، واعترف بضعفه وتقصيره.
والنجاة في القرآن لها معنيان كبيران:
نجاة خاصة بأهل الإيمان والتقوى، وهي نجاة نصر ورحمة وتثبيت ومآل حسن، ونجاة عامة قد تقع لبعض الناس في الدنيا، رحمةً وإمهالًا وفتحًا لباب الرجوع. غير أن أعظم النجاة أن ينجو العبد بدينه وقلبه، وأن يردّه الخوف إلى ربه، لا أن يخرجه من خطر عارض فحسب.
وقد عرفت معنى النجاة معرفة قريبة حين اقتربت يومًا من الموت. كان ذلك في ماليزيا، قبل أكثر من ربع قرن، في أول سفرة لي إلى شرق آسيا. كنت مع أحد أقاربي، وذهبنا إلى شلال يبعد بضع ساعات عن كوالالمبور. نزلنا نسبح في النهر، في موضع ظننته غير عميق؛ فأنا لا أتقن السباحة، وإن كنت أستطيع التحرك داخل الماء دقائق معدودة.
اقتربت قليلًا من الشلال، وفجأة شعرت بشيء يجذبني إلى الأسفل. حاولت الابتعاد، لكن الشد كان يزداد، وقوتي تضعف. كنت أقاوم لأبقى على سطح الماء، ثم أغيب، ثم أعود، ثم تغلبني الدوامة من جديد. أدركت حينها أن الأمر ليس خوفًا عابرًا؛ لقد كنت في قبضة دوامة مائية لا ترحم.
صرخت بأقوى ما أستطيع. وكان بالقرب مني شاب ماليزي، يبدو أنه سباح ماهر، فانتبه إلى حالي، وأسرع نحوي، وأمسك بي، ثم أخذ يسحبني بعيدًا عن موضع الدوامات حتى أوصلني إلى الضفة. خرجت من الماء منهكًا، وسقطت شبه مغشيٍّ عليّ من هول الصدمة والخوف.
في تلك اللحظة رأيت الموت أمام عيني، وشعرت بمعنى أن يكون الإنسان عاجزًا تمامًا، لا يملك من أمره شيئًا. كنت أدفع عن نفسي، وأحاول النجاة، لكن النجاة لم تكن بقوتي ولا بحيلتي، وإنما بلطف الله الذي سخّر لي ذلك الشاب في اللحظة المناسبة.
حمدت الله كثيرًا، وبقي ذلك الموقف درسًا لا أنساه: أن الإنسان قد يكون بينه وبين الهلاك لحظات، ثم يفتح الله له باب نجاة من حيث لا يحتسب.
ومن عرف ضعفه في مثل تلك اللحظات، أدرك أن المنجي على الحقيقة هو الله، وأن العبد مهما أخذ بالأسباب، فلا نجاة إلا برحمته ولطفه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق