الأحد، 31 مايو 2026

الكتابة بالقلم.. أو بنصف دماغ!

 الكتابة بالقلم.. أو بنصف دماغ!

سليم عزوز


انتَقَلنا في الكتابة من الطقوس إلى النظرية العلمية؛ فباحثة من النرويج توصلت، من خلال دراسة على المخ، إلى الفروق في نشاط الدماغ بين الكتابة اليدوية والكتابة على الكيبورد، فهل أصدقها وأكذب نفسي؟!
أتذكر عندما انتشَرت الكتابة بواسطة الكيبورد، أن من بين الكُتَّاب من كان يقول إن هذا هو المستحيل بعينه، فالإلهام لا يتنزل عليه إلا وهو ممسك بالقلم ليكتب به، وينشط به قريحته، وهو يحك به فروة رأسه محاولًا الإمساك بالفكرة المراوغة، أو بالجملة التالية، وهكذا.
وقبل أربعين عامًا نَشرت صفحة الأدب بجريدة «الأخبار» اليومية تحقيقًا صحفيًا يحمل عنوان «كيف يبدعون؟»، وتحدث فيه عدد من الأدباء الكبار عن طقوسهم في الكتابة ولحظة التجلي أو الإلهام، وكل واحد منهم وطريقته، التي تختلف عن الآخر، فهناك من يكتب صباحًا، ومن يكتب إذا جن الليل وحل السكون، وهناك يوسف إدريس الذي يظل الليل كله يطارد فكرة للإمساك بها وهي تتمنع، حتى الصباح، فينظر من شرفة منزله، ويحسد عامل النظافة الذي وقف يستريح متكئًا على عصا مِقَشَّته!
وكان من فضول القراء معرفة نوع القلم الذي يكتب به الكاتب، ولا أدري لماذا لم تستغلهم مصانع الأقلام في الترويج لمنتجاتها بهذه الطريقة، ولست متأكدًا أن كاتبًا كبيرًا يمكن أن يوافق على استغلاله في الدعاية لمنتج، ولو كان قلمه المفضل!
وكان من عادة الكُتَّاب أن تُلتقط لهم صور للنشر مع إنتاجهم، فقد كان للقلم في هذه الصور نصيب، فهناك من كانوا ينشرون مقالاتهم مع أقلامهم وبأوضاع مختلفة، بشكل لا يظهر نوع القلم أو ماركته، وكان الشائع هذه الصورة التي يضع فيها الكاتب رأسه على راحته، أو يمسك بسماعة التليفون المنزلي أو المكتبي، وقد ظلت مجلة «المصور» تنشر مقال الساخر الكبير محمود السعدني مع صورته بالسماعة، حتى ظهور الهاتف النقال!
وكان البعض يطلب أحيانًا من كاتب أن يهديه قلمه، وكأنه سينتقل إليه بإلهامه، وفي ندوات معرض القاهرة الدولي للكتاب قديمًا، قالت فتاة ليوسف إدريس، بعد محاضرة له، إنها في بداية حياتها الصحفية وتريد منه أن يهديها قلمه، وكتبت هذا في ورقة أرسلتها له عبر جامع الأسئلة من القاعة، وبعد أن قرأها بصوت مسموع، طلب منها أن تأتي لاستلام هديتها، فكشفت عن نفسها!
ويبدو أنها فهلوة الأجيال الجديدة، وكل جيل جديد يظن أنه على درجة من الذكاء، بشكل يجعله يمارس «الشطارة» على الأجيال السابقة لأنهم «دقة قديمة». فلما كان اليوم التالي أرسلت للمنصة نفس الرسالة، ولكنها إلى الكاتب صلاح منتصر، الذي استهان بالسؤال، وأعلن أنه لا قلم ثابتًا له، وأنه يكتب بأي قلم. وقطع عليها الطريق لكي تتحول إلى جامعة أقلام كبار الكُتَّاب، ولم تعد لهذا الأسلوب مع آخرين من كبار الكُتَّاب.
لقد بدأتُ حياتي المهنية مع رحلة البحث عن نوع ملائم من الأقلام، ومن الجاف إلى الحبر، إلى أن اهتديت إلى القلم الاختراع، الذي لا يزال يلازمني إلى الآن، لأدون به ملاحظاتي الجانبية، بعد الانتقال إلى الكيبورد، ولا أعرف إن كان كتابة اسمه من الدعاية المنهي عنها مهنيًا أم لا؟!
وكل كان يختار قلمه حسب طبيعته الخاصة، وكنت بحاجة إلى قلم سيال، بغض النظر عن لونه، فأتنقل بين ألوانه، لكن عندما كنا محررين صغارًا لم نكن نستخدم ألوانًا سوى الأسود والأزرق، وأحيانًا نكتب العناوين الفرعية باللون الأحمر للتمييز، ربما لنعوض حرمانًا من هذا اللون، الذي كان حكرًا على المعلمين، يستخدمونه في تصحيح الاختبارات والواجبات المدرسية!
كنت، كأي عصبي، لا أميل إلى الأقلام الجافة التي أضغط عليها فيرهقني الضغط، ويشعرني بالتعب، كما أنني بحاجة إلى سيولة ليمشي القلم على الورق، لعله يستوعب تدفق الأفكار، ولهذا ولغيره أعتبر الانتقال للكتابة على الكمبيوتر اختراعًا عظيمًا؛ لأنه مهما كان تدفق القلم، فإنه لا يعادل الكيبورد، كما أن القلم، في مسيرته لصياغة الأفكار، ينتج كلمات غير واضحة، وكنت أبذل جهدًا مضاعفًا في فك هذه الرسوم!
وقد بدأت الكتابة على الكمبيوتر قبل سبعة وعشرين عامًا، ومنذ البداية لم أشعر بقصة الإلهام الذي لا يتنزل إلا إذا أمسكنا بالقلم، ورأيي أن الطقوس جميعها هي مسألة اعتياد لا أكثر، بيد أن عالمة الأعصاب النرويجية أودري فان دير مير أكدت أن الكتابة بالقلم أكسب، وأن نشاط الدماغ يكون أكثر من نشاطه عند الكتابة بالكيبورد.
ربما نكتب بنصف دماغ!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق