إن الخطأ الذي وقع فيه خالد مشعل هو في شكل الخطاب الذي يتناول قضية الجهاد والمعارك واستحقاقاتها وآثارها المعتبرة على الناس، ولا شك بأن هذا الخطأ الذي جاء على لسان أبي الوليد بصيغة غير موفقة في جواب على سؤال حساس، وكأنه فخ ومصيدة، هو إشكال حقيقي في عموم الخطاب العربي والإسلامي، ويستوي فيه خطاب جمال عبد الناصر مع خطاب البعث مع الخطاب الإسلامي، وهنا يتبين تأثير البيئة العربية على الخطاب الرسالي المرتبط بقيم إسلامية وأحكام شرعية، ولا شك بأن هذا جزء من آفات العمل الحركي والمناكفات الحزبية.
ويزيد الطين بلة أن يكون الخطاب العلماني المجرم العاري عن القيم الإنسانية والمعادي للأحكام الشرعية هو الأقدر والأمهر على التعامل مع الخطاب المتعلق بقضايا الصراع اليوم، وهو ما أثمر تفاعلًا مخدوعًا لشرائح من الأمة مع الخطاب العلماني، وتنكرهم وامتعاضهم من الخطاب الإسلامي رغم صدقيته وغش وخداع الخطاب العلماني الفاشل.
ولكن إذا ما فحصنا الخطاب الإسلامي بخصوص معركة السابع من أكتوبر، نجد أن هناك أصواتًا مميزة ضبطت الخطاب بجانبيه القيمي وأحكام الشريعة خارج إطار حركة حماس -المأزومة سياسيًا واجتماعيًا اليوم-، فكان أكثر توازنًا في التعبير عن جوهر الدين، وأكثر مهارة وتوفيقًا في رعاية أحوال العباد، ومن أبرز هؤلاء الشيخ الأصولي فقيه غزة وفلسطين الشيخ سلمان الداية.
أعود فأقول إن إعادة المراجعة للخطاب الإسلامي الثوري ضرورة ملحة لإبراز المفاهيم القرآنية الإسلامية بشكل نقي يتخلص من عقل البيئة العربية الطاغي على الخطاب الإسلامي المعاصر، كما ويحفظ فريضة الجهاد حيوية ومؤثرة في واقع الأمة.
وقد كتبت في هذا السياق مقالات عديدة تناقش إشكالية تضخم فريضة الجهاد في العقل الإسلامي المعاصر، مما يستدعي إعادة ضبط تصور إسلامي يعكس المنهج القرآني والسيرة النبوية، ويتخلص من أزمة وحقبة الإسلاميين في سجون الطواغيت والظالمين في القرن الأخير بعدما زالت الخلافة، حيث أثر ذلك بشكل ملحوظ ابتداء من خطاب صاحب الظلال البديع سيد قطب رحمه الله، وحتى خطاب بن لادن والظواهري رحمهما الله، ومرورًا بعموم خطاب الحركات الإسلامية السلفية الجهادية كما الإخوانية، حيث يتقاطع الجميع في ضعف الخطاب السياسي الإسلامي الذي يتناول فريضة الجهاد ويطرح مقارباته الموضوعية في معاركه مع الأعداء، وذلك بشكل يلتقي مع فكر الثورة والثوار دون أن يعكس ظلال الوحي منضبطًا بأحكام الشريعة وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم.
وإذا كان هناك تميز في التاريخ البشري لجوانب الإنسانية ورعايتها، فهو من حق المسلمين وحظهم، بل إن نصوص الوحي قرآنًا وسنة تشير إلى رحمة ورأفة ورعاية للبهائم والشجر والحجر، فكيف يتصدر الخطاب الإسلامي اليوم ويسقط قيمة وأهمية الدماء والتوقف أمامها وبناء المواقف تجاهها؟
وبكلمة يمكن القول: سيبقى خيار الجهاد أساسيًا في مقارعة المحتلين، ولكن بشرط أن تبقى المركزية للوحي والأمة والدين، وهو ما يقدم ويؤخر الجهاد ويتحكم في صيغه ومقارباته ضمن موازنات شرعية تعتبر المآلات الراجحة وتنضبط بأحكام الشريعة، وهو ما أثرى بحثه علماء الفقه والأصول ثراء عظيمًا. فهل ستعيد الأحزاب والحركات والتنظيمات والجماعات الإسلامية مراجعة مقارباتها لتكون أكثر انضباطًا بالوحي، وتحقيقًا لمطالب الشريعة، وحفظًا ورعاية للإنسان؟
ومن المهم هنا التمييز بين النوع والمعين، وفق ما قرره علماء الأصول، لا سيما عند الشافعية؛ فالكلام على نوع من الخطاب أو نقد صيغة من صيغ الطرح لا يستلزم بالضرورة الطعن في المعين أو نفي فضله أو صدقه أو توازنه.
ومن هنا، فإن النقد المتعلق بخطاب خالد مشعل لا يعني أن الرجل يحمل ذات التصورات المضطربة التي تعكسها بعض صيغ الخطاب الحماسي أو المناكفات الحزبية، بل إن أبا الوليد -فيما يظهر من مجمل تجربته ومواقفه- أكثر توازنًا ونضجًا من كثير من العبارات التي قد تصدر في لحظات الاستفزاز السياسي أو تحت ضغط البيئة الحزبية والإعلامية.
ولعل من المهم إدراك أثر البيئة العربية السائدة في تشكيل الخطاب السياسي؛ إذ إن لغة المبالغات والمناكفات والتعبئة العاطفية سمة بارزة في كثير من الخطابات القومية والبعثية والثورية، وقد ظهرت بوضوح في خطابات ياسر عرفات وغيره، وهو ما يتسرب أحيانًا إلى بعض الخطابات الإسلامية المعاصرة، دون أن يعبر ذلك بالضرورة عن البنية الفكرية العميقة لصاحب الخطاب أو عن قناعاته الحقيقية المستقرة.
مضر أبو الهيجاء فلسطين-جنين 29/5/2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق