‏إظهار الرسائل ذات التسميات أمجد فريد الطيب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أمجد فريد الطيب. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 19 فبراير 2026

السودان ليس شركة خاسرة يا سيد بولس

السودان ليس شركة خاسرة يا سيد بولس
المدير التنفيذي لمركز فكرة للدراسات والتطوير.

على مدى ثلاثة أعوام، منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع، عجزت المنظومة الدولية عن مخاطبة الأزمة السودانية بشكل فعال، لتظل مبادرات الحل أسيرة العجز والفشل. واليوم، يلوح على السودان في أزمته، شبح سلطة الائتلاف المؤقتة (CPA) التي تم تأسيسها في العراق بعد الغزو الأمريكي في 2003 بقيادة بول بريمر.

حينها، افترضت واشنطن أن الدولة العراقية يمكن تفكيكها وإعادة تجميعها عبر مراسيم إدارية وقرارات تكنوقراطية تحمل الصبغة الدولية، وتتجاوز الديناميكيات السياسية المحلية والظروف الداخلية للدولة العراقية.

والنتيجة كما هو معلوم كانت كارثية: ولادة دولة هشة، وتفشي المليشيات، وانهيار كامل لمفهوم السيادة وصولا إلى إطلاق وحش "تنظيم الدولة" في المنطقة والعالم.
وبالرغم من الفشل الكارثي لهذه التجربة على كافة النواحي، فإن ما يحاوله مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية في السودان اليوم، هو النسخة المحدثة من "منظومة بريمر"، ولكن بصبغة استثمارية أكثر فجاجة.

إذ ظهر للعلن اقتراح توسيع مهام "مجلس السلام"- وهو الآلية التي صممت أصلا كأداة استثنائية للتعامل مع كارثة غزة- ليشمل السودان.

في 4 فبراير/شباط 2026، أدلى بولس، بتصريحات نقلتها وكالة الأناضول، مفادها أن إدارة ترامب أعدت خطة سلام شاملة للسودان. إذا تم قبولها من الرباعية، فستقدم لاحقا إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ثم تحال إلى "مجلس السلام" لاعتمادها وتنفيذها.
هذا البيان ليس تفصيلا عابرا، بل يشكل الإعلان الصريح الأول عن نية وضع السودان ضمن نطاق عمل "مجلس السلام" في إطار خطة جديدة من 17 بندا وضعتها الولايات المتحدة وعرضتها في اجتماع المجموعة الرباعية في واشنطن في 4 فبراير/شباط الماضي، ولا يزال مضروبا عليها سياج من السرية المشددة. بيدَ أن ما يتبدى منها يكشف عن جهد مدبر مسبق للسيطرة الشاملة على السودان عبر آليات استعمارية جديدة متعددة الأطراف تقوض سيادته واستقلاله.
وتتضمن الخطة ذات الـ 17 بندا- بالإضافة إلى اللغة التجميلية المعتادة عن تسهيل المعونات الإنسانية، والتمهيد لإنشاء حكم مدني ديمقراطي في السودان- تكوين صندوق إعادة إعمار، تديره وتشرف عليه الدول الداعمة، وتحدد هي أولوياته ومهامه، وليس الشعب السوداني، مع تعهد مبدئي من الحكومة الأمريكية بدعمه بمبلغ 1.5 مليار دولار.

هذه ليست آلية لحل نزاع سياسي، كما أنها بالتأكيد ليست مساعدة تنموية، بل هي نقل قرارات الدولة إلى إدارة خارجية واستعمار مكشوف الحال، وهو عين ما حذر منه كوامي نكروما في نقده للاستعمار الجديد، حيث تعاد صياغة الهيمنة تحت أشكال حديثة أكثر خداعا.

فبطبيعة الحال، إن هؤلاء الشركاء في الإدارة الخارجية سيقدمون مصالحهم الخاصة على مصالح السودانيين، مما يفتح الباب لاستغلال الموارد الطبيعية والموقع الجيوسياسي والفرص الاقتصادية تحت غطاء الإعمار.

في السودان- وهو بلد نال استقلاله عبر نضال مدني مجيد قبل أكثر من سبعين عاما- لا يمكن لأي مبادرة سلام جادة تجاهل واقع أساسي: الذاكرة الشعبية. فوجود دول متهمة بدعم مليشيا قوات الدعم السريع، كجزء من إدارة هيئة مكلفة ظاهريا بالإشراف على السلام وإعادة الإعمار، سيواجه رفضا شعبيا واسعا.

هذا الرفض لا ينبع من أيديولوجيا، بل من تجربة معاشة مليئة بالدماء والدمار. في هذه النقطة، تتوقف القضية عن كونها تمثيلا إقليميا أو جغرافيا. حتى لو تغيرت الدول المعنية، فإن فكرة الوصاية نفسها تبقى غير مقبولة. المشكلة ليست فيمن يحكم، بل في المبدأ بأن السيادة السودانية يمكن أن تدار من الخارج.

كما أن هذا المقترح محاط بمعضلتين هيكليتين:

  • افتراض الشرعية: حيث يعامل بولس "مجلس السلام" كجهاز يمتلك الشرعية الجوهرية لإدارة دولة ذات سيادة، دون أي نقاش عام حول أسسه القانونية، رغم أن القرار (2803) كان مقصورا أصلا على غزة.
  • التناقض الداخلي: هذا الاقتراح يفتقر إلى إجماع حتى داخل الرباعية نفسها: (الولايات المتحدة، بريطانيا، السعودية، والإمارات). بل إنه يتعارض مباشرة مع الاقتراح السعودي-الأمريكي الذي قدم قبل أسابيع، والذي ركز على وقف إطلاق النار، وسحب المليشيات من المناطق المدنية، ومنح دور واضح للأمم المتحدة في المراقبة، وهو مسار قبلته الحكومة السودانية مبدئيا، كما أنه وضع الأمم المتحدة كمنظومة دولية شاملة ومتعددة الأطراف في صدارة المشهد.

عند بولس، تتحول الأزمات إلى فرص صفقات، والمعاناة الإنسانية إلى متغير يدار تحت شعار "دع السوق يعمل". هذا المنطق يختصر أزمة السودان الوجودية في أسئلة اقتصادية مختزلة

غير أن مقترح بولس الجديد في هذه المرحلة يعني عمليا تفكيك ذلك الالتزام، وإعادة خلط الأوراق، وإرسال رسالة مفادها أن موافقة السودانيين ليست ضرورية إذا وُجد نموذج يعتبر أكثر ملاءمة من وجهة نظر الأطراف الدولية النافذة.

وهذا تحديدا ما أثارته السعودية ومصر بوضوح خلال اجتماع الرباعية الأخير في واشنطن، حيث شددتا على افتقار المبادرة إلى الإجماع المطلوب.

وعند النظر لعمق هذه الأفكار التي تطرح على الطاولة سنجدها ترى الحرب في السودان باعتبارها خللا فنيا أو نزاعا بين شركتين متنافستين يتم التحكيم بينهما عبر مجلس فني، وليس صراعا سياسيا على طبيعة الدولة نفسها، يتضمن قضايا معقدة مثل إصلاح المنظومة الأمنية والانتقال السياسي وسيادة حكم القانون ومبادئ احتكار العنف الشرعي. أي نهج يتجاهل هذا الجوهر محكوم عليه بالفشل.

فالمقترح المطروح يحول مأساة متداخلة تتطلب عدالة ومساءلة ومصالحة وطنية إلى مشكلة إدارية تحل بأدوات بيروقراطية. هنا تكمن الخطورة: فالعجز الدولي يصبح بوابة لتطبيع حلول سطحية تشرعن المليشيات، وتخدم مصالح خارجية، محولة القضايا الوطنية إلى مجرد ملفات تدار من قبل جهات خارجية تعمل بدون سياق وطني أو أساس شعبي.

هذا ليس سلاما، بل هندسة وصاية جديدة تحت قناع تقني. ومع توسع نطاق المجلس، يبرز سؤال جوهري: هل هذا إصلاح للنظام الدولي، أم إعادة هندسته لأجل مصالح اقتصادية وسياسية محددة، مستغلة أزمات مثل السودان لترسيخ نموذج يتجاوز الشرعية الدولية التقليدية؟

كما أن نشأة مفهوم هذا المجلس نفسها غير مفصولة عن أزمة الأمم المتحدة، التي تعاني من شلل سياسي، وابتزاز منظم من جميع الأطراف داخل مجلس الأمن، وتآكل مستمر للفاعلية. غير أن معالجة هذا الضعف لا يمكن أن تتم بتجاوز الأمم المتحدة، بل بإصلاحها.

ما يحدث مع "مجلس السلام" هو العكس تماما. عمليا، يحول هذا النهج مركز الثقل الدولي من مؤسسة متعددة الأطراف- قاصرة ومعطلة كما هي الآن، لكنها تضمن المساواة الرسمية بين الدول- إلى هيئة صغيرة غير منتخبة، وغير خاضعة للرقابة الدولية، ومتاحة عبر رسوم عضوية يسيطر عليها الرئيس الأمريكي.

ولا يمكن فهم هذا الاقتراح دون النظر إلى تاريخ وشخصية مسعد بولس نفسه الذي لا يأتي من خلفية دبلوماسية أو أكاديمية في حل النزاعات؛ بل من عالم التجارة النقية.

حتى وقت قريب، كانت خبرته الرئيسية في تجارة السيارات المستعملة والشاحنات الثقيلة في نيجيريا، حيث يشغل منصب الرئيس التنفيذي لشركة "SCOA Nigeria PLC"، وهي شركة تجميع شاحنات وآلات ثقيلة حققت ربحا أقل من 66 ألف دولار في العام الماضي.

عند بولس، تتحول الأزمات إلى فرص صفقات، والمعاناة الإنسانية إلى متغير يدار تحت شعار "دع السوق يعمل". هذا المنطق يختصر أزمة السودان الوجودية في أسئلة اقتصادية مختزلة: كيف ندير الأزمة بأقل تكلفة وأقصى ربح اقتصادي؟ هذا النهج يفرغ السياسة من بعدها الأخلاقي، ويعامل السيادة كبند قابل للتفاوض.

هذا هو الاستعمار الجديد المتعدد الأطراف. فلا تكون قوة استعمارية واحدة هي مسؤولة؛ بل ائتلاف من المصالح المالية الدولية عبر مجالس وصناديق وآليات إدارة. السيادة لا تلغى رسميا، بل تفرغ من محتواها.

في هذا النموذج، لا تحتاج القوى الكبرى إلى احتلال بلد، بل يمكنها السيطرة عليه بالتحكم عن بعد، مستفيدة من أزماته الداخلية وأزمة المنظومة الدولية، ولن تعدم في ذلك مجموعات من المتعاونين الداخليين الذين سيرفعون المصاحف على أسنة الرماح لتبرير أي شيء.

السلام ليس مجلسا أو صندوقا أو آلية تنفيذ. السلام عمل وطني سيادي، يبدأ بتعريف الجريمة، ويمر عبر بوابة المساءلة، ويتوج بعقد اجتماعي جديد.

كل شيء آخر، مهما كان مغلفا بأناقة أو ممولا جيدا، ليس سوى إعادة إنتاج الهيمنة بأدوات حديثة، مما يهدد بتحويل السودان إلى نموذج لاستعمار اقتصادي جديد.

وما يطرحه بولس في ميونخ ونيويورك، هو محاولة لتحويل السودان إلى منطقة خضراء كبيرة، معزولة عن واقعها الشعبي، وتدار بواسطة تكنوقراط أجانب ووكلاء محليين.

وكما علمنا درس العراق القاسي، فإن هذه الهياكل الفوقية، مهما بدت براقة أو مدعومة ماليا، سرعان ما تتحطم على صخرة الواقع المحلي، مخلفة وراءها دولا فاشلة ومجتمعات ممزقة.

إن الطريق إلى الخرطوم لا يمر عبر دافوس، بل عبر استعادة السياسة بمعناها الوطني، ورفض أي وصاية تحاول تحويل الوطن إلى شركة.




الجمعة، 7 نوفمبر 2025

الكتلة العمياء في واشنطن.. غسيل سياسي لجرائم الدعم السريع

 الكتلة العمياء في واشنطن.. غسيل سياسي لجرائم الدعم السريع


أمجد فريد الطيب
المدير التنفيذي لمركز فكرة للدراسات والتطوير
.

حين وصف بن رودز، مستشار الأمن القومي الأميركي السابق في إدارة الرئيس باراك أوباما، مؤسسة السياسة الخارجية في واشنطن بـ"البلوب"، فقد كان يقصد بذلك وصفا دقيقا لمنظومة مترابطة من مراكز الأبحاث، والمسؤولين السابقين، والصحفيين، والممولين، تشكل منظارا ضيقا للسلطة، والنظام العالمي، ومَن يُعد فاعلا شرعيا فيه.

هذه المنظومة لا تكتفي بتكريس الجمود المحافظ، بل تحد أيضا من إمكانات التفكير والسياسة. وفي حرب السودان التي مضى عليها أكثر من عامين ونصفٍ، أضحى هذا التقييد القاتل مصدرا لفواجع مروعة.

[كلمة بلوب Blob تعني حرفيا "الكتلة المتضخمة عديمة الشكل"، وقد استُخدمت للإشارة إلى هذا الكيان غير الرسمي الذي يبدو متماسكا، لكنه فعليا يبتلع كل ما يحيط به ويمنع التجديد، كما في أفلام الخيال العلمي].

من أكثر الأساليب خبثا التي يمارسها "البلوب"، هو إضفاء التكافؤ الأخلاقي والخطابي بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني، وتصويرهما كطرفين متحاربين متكافئين.

هذا الخطاب المتزن ظاهريا، كما يتجلى في تحليلات المؤسسات الأميركية وبياناتها الدبلوماسية، لا يعكس حيادا بل يُعد إنشاء سياسيا مقصودا. إذ إن وضع مليشيا إجرامية مدعومة خارجيا في كفة واحدة مع جيش وطني مناطٍ به واجب الدولة، يُعد تبييضا لجرائم الدعم السريع، وتصويرا لها على أنها من ضرورات الحرب، لا بوصفها حملات تطهير عرقي محكمة، وحصارات مدينية، وإرهابا منظما.

لقد وثقت تقارير "هيومن رايتس ووتش" عمليات تطهير عرقي في غرب دارفور، وعمليات قتل واغتصاب واعتقال تعسفي بحق المدنيين في ولايتَي الجزيرة والخرطوم.

كما أكدت بعثات تقصي الحقائق التابعة للأمم المتّحدة استهداف قوات الدعم السريع، المدنيين عمدا. ووفقا لتقرير صادر عن مشروع "بيانات مواقع وأحداث النزاع المسلح"(ACLED) في أواخر عام 2024، فإن 77٪ من الانتهاكات العنيفة بحق المدنيين، نُسبت إلى قوات الدعم السريع، ما يبرز عدم التكافؤ في العنف، إلا أن خطاب "البلوب" لا يزال يُمعن في طمس هذه الحقيقة.

في الشهر الأول من الحرب، غرّد السفير الأميركي حينها في الخرطوم، جون غودفري، مدينا أعمال العنف الجنسي التي ارتكبتها قوات الدعم السريع، لكنه نسبها إلى "جهات مسلحة" غير محددة.

هذا الإغفال، رغم وفرة الأدلة، لم يكن سهوا، بل أسهم في ترسيخ مناخ من الإفلات المؤسسي من العقاب، حيث بات مقاتلو الدعم السريع يرتكبون الفظائع مطمئنين إلى أن المسؤولية ستتبعثر، ويُعمم جرمهم على كل الأطراف.

لماذا، إذًا، هذا الإصرار على المساواة؟ لأن مؤسسات "البلوب" تُقدّم الوصول إلى الفاعلين كأولوية على الحقيقة. إن تصوير الصراع بشكل متناظر يضمن الحفاظ على العلاقات مع الحلفاء الإقليميين، الذين يقومون بدور الرعاة للدعم السريع، بينما يضفي مسحة من الحياد المزيف. غير أن الحياد في وجه الإجرام غير المتكافئ ليس حيادا، بل تواطؤا ضمنيا.

عندما تُساوَى مليشيا- مُمكّنة دوليا- بجيش دولة ذات سيادة، فإن ذلك يُشرعن وجود الدعم السريع، رغم أنها تحاصر المدن وتجَوّع السكان، وتستخدم الاغتصاب كسلاح، وتقصف الأسواق والمساجد بالطائرات المسيّرة، وتنفّذ إبادة جماعية. ومع ذلك، يُختزل هذا كله بعبارة "انتهاكات من كلا الطرفين"، في تشويه للواقع، وتقويض لمبادئ المحاسبة.

ما يزيد الطين بلة، أن "البلوب" لا يكتفي بغض الطرف عن بروباغندا الدعم السريع، بل يستبطنها في خطابه التحليلي. فقد سعت قوات الدعم السريع لتقديم نفسها كقوة معادية للإسلاميين، في محاولة لتلميع صورتها الإجرامية، وتغطية شبكات رعاتها، ونهبها الموارد.

وعلى المنوال ذاته، عبّرت الدعم السريع علنا عن دعمها لإسرائيل، وعرضت استضافة لاجئين فلسطينيين من غزة، ساعية بذلك إلى التقرب من واشنطن عبر تقاطع المصالح الإقليمية. وقد تبنى بعض دهاقنة "البلوب" هذا الخطاب، وقدموا الدعم السريع كحصن ضد "المد الإسلامي"، مما منح هذه المليشيا الملطخة يدها بدماء الأبرياء صدقية إستراتيجية وأخلاقية مزعومة.

في المقابل، يُتهم الجيش السوداني بالحصول على دعم خارجي من مصر، وتركيا، والسعودية، وإيران. بيدَ أن هذا الطرح الذي يتردد في الإعلام الغربي، تروج له الدعاية المقابلة، ويتغافل عن التناقضات الجوهرية بين هذه الدول.

الأهم أن ما يُقدَّم كدعم للجيش السوداني لا يتعدى تعاملات عسكرية تقليدية مع حكومة معترف بها دوليا في بورتسودان، في حين يُغض الطرف عن الإمداد غير المشروط لقوات الدعم السريع، المصنفة رسميا من قبل واشنطن كمنظمة ترتكب جرائم إبادة جماعية. هذا الخلط يُظهر مجددا كيف يُعيد "البلوب" إنتاج معادلة زائفة تمحو الحدود بين الشرعية والجريمة.

الأسوأ من ذلك أن "البلوب" يمنح الشرعية لما يُسمى "الجهات المدنية" المرتبطة بالدعم السريع، مثل مبادرة "صمود" بقيادة رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك، والذي يرأس كذلك مركزا لدولة إقليمية لترويج الأعمال في أفريقيا. هذه الكيانات تُقدَّم في محافل "البلوب" على أنها "أطراف مدنية معتدلة"، بينما تُقصى القوى الحقيقية في الداخل السوداني.

بهذا يُحول المسار السياسي إلى مسرحية، تُضفى فيها الشرعية على مكاسب الدعم السريع، ويُقصى فيها الفاعلون المدنيون الحقيقيون الذين يمثلون طموحات السودانيين في الديمقراطية. ويحظى متمردو الدعم السريع بدعم لوجيستي وسياسي من دول إقليمية، فضلا عن تضخيم إعلامي مدفوع.

هذه الانحرافات ليست نظرية وحسب؛ بل تُخلّف آثارا حقيقية. إن شرعنة الدعم السريع تُضعف أدوات المحاسبة، وتحصر السياسة الدولية في مسكنات شكلية مثل وقف إطلاق النار الوهمي، ومبادرات سلام جوفاء تُبقي على اقتصاد الحرب وتدفق السلاح. وتُؤجل التدخلات الرادعة حتى يصير وقوع المجازر أمرا واقعا.

ومؤخرا، أعلنت الدعم السريع، مستغلة هذه المعادلة الزائفة، تأسيس بنى حكم موازية في غرب السودان، مُلوّحة بخطر التقسيم، في تجاهل صريح لإجماع المجتمع الدولي على وحدة السودان.

ما العمل إذًا؟

لا بد من تغيير جذري في النهج السائد. يجب على المحللين وصناع السياسات أن ينبذوا هذه التماثلات الزائفة، ويفرقوا بوضوح بين حرب متكافئة، وحملة وحشية أحادية الجانب. وحيثما ثبت وقوع انتهاكات ممنهجة، ينبغي أن تنعكس هذه الحقيقة في العقوبات والقرارات، لا أن تُقبر تحت صيغة "انتهاكات من الطرفين".

كذلك، يجب تفنيد خطاب الدعم السريع، ورفض مزاعمه المعادية للإسلاميين، فهي ليست إلا ذرائع ترويجية. على السياسة الأميركية أن تضع في صلبها حماية المدنيين، وأن تُصغي إلى صوت المجتمع المدني الحقيقي، لا وكلاء الخارج.

من يحكم السودان، هو حق خالص للشعب السوداني، الذي أسقط نظام البشير في أبريل/نيسان 2019 بإرادته الحرة، دون الاتكال على أي جهة خارجية.

كما يجب وقف الاعتراف بـ"المدنيين المصطنعين"، فدور الوساطة يجب أن يكون من نصيب من يستمدون شرعيتهم من الداخل. أما من يرتبطون برعاة خارجيين أو مليشيات، فلا مكان لهم كممثلين عن السودان.

وأخيرا، لا بد من تفكيك منظومة التواطؤ، لا بالاكتفاء بالإدانات القانونية والخطابية، بل بفرض حظر فعلي على السلاح، ومراقبة الطيران، ومعاقبة سلاسل الإمداد. فالعدالة غير المُفعلة ليست إلا عزاء للضحايا.

وإن استمر "البلوب" في تعنته، فعلى القوى البديلة أن تتحرك. فالحركات المدنية السودانية، والشتات، والإعلام الحر، والشبكات الأخلاقية من صناع القرار، تستطيع أن تضغط وتغيّر.

أما الدبلوماسية التي تتستر بالحياد وهي تغذي ماكينة المجازر، فلن تصنع سلاما. وحدها الدبلوماسية المرتكزة إلى الحقيقة، وإرادة الشعب السوداني، والمحاسبة، يمكنها أن تُمهّد لسلام حقيقي.

السودانيون لا يطلبون شفقة، بل صحوة: كفوا عن مساواة الجلادين بالحراس، وترويج دعاية الجريمة، وفرض واجهات مصطنعة بدلا من التمثيل الحقيقي.

ما لم تنظر واشنطن إلى السودانيين كذوي حقوق يطالبون بالعدالة، لا كمواضيع جيوسياسية، فستبقى متاهتها المعرفية تبرر سفك الدماء باسم التوازن.