الجمعة، 27 مارس 2026

مشاريعنا بين التَّجْرِبة والجَلَّاد

 بسم الله الرحمن الرحيم

مشاريعنا بين التَّجْرِبة والجَلَّاد

د.عطية عدلان 

أستاذ الفقه والساسة الشرعية

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

"أَوَكُلَّما فشلنا في تجربة من التجارب تجاهلنا أسباب الفشل ولَعَنَّا التجربة بِرُمَّتها ؟!" 

هذه هي صرخة الضمير المسلم الحائر بين الجلادين الذين يشنقون التجارب على أعواد المراجعات، ويجلدون الماضي بسياط الندم الهوجاء الطائشة.

   ما أكثر التراجعات التي أخذت في تاريخنا المعاصر اسم المراجعات، وما أكثر التجارب التي أضحت في حياتنا عوراتٍ نزفف عليها ونجتهد في إخفائها أو إعلان التوبة منها، فلم يبق أمامنا - لكثرة ما تنكرنا له وتبرأنا منه - إلا أن نبحث لنا عن صوامع نلوذ بها ونتحنث فيها بعيداً عن فتنة العمل ومزالق الجهاد، على خوف أن ينالنا منها مانال "برصيصا" العابد المفتون.

   لقد أخطأنا يوم أن رشحنا رجلاً مِنَّا لرئاسة الدولة؛ ما لنا وللدولة؛ إنَّها ليست سوى حقل ألغام كبير لا ينجو منه إلا من نأى عنه، كان من الواجب علينا أن نتركها لأي كلب ضال مُشَرِّقٍ في مذهبه أو مُغَرِّب، ها نحن قد أوقعنا عدونا في الفخ، كالفأر الأحمق الذي صار حبيس المصيدة الموصدة.

   ومن قبل ضيعنا أنفسنا وضيعنا الإسلام معنا عندما واجهنا السَّفَّاح بالسلاح، ثم اكتشفنا - بعد فوات الأوان -  أنّنا لم نكن سوى فئة باغية خارجة على الإمام، وأنّ الشهيد المظلوم راح ضحية فتنة عمياء، فلنعلن توبتنا، ولنظهر أوبتنا، ولنلعن الإرهاب لعن الغادين المصبحين للضباب.

   هكذا صنعنا، ولو صنع الصحابة صنيعنا عقب هزيمتهم في أحد لكان المجتهد منَّا في التحنث يحمل اليوم على صدره صليباً أثقل من جبل أحد، لو صنعوا مثل صنيعنا اليوم لجلسوا على سفح أحد بعد الهزيمة حول نبيهم؛ ولتذاكروا خطأهم الأكبر، إذ تعجلوا إقامة الدولة وسط محيط من العداوات وفي أدغال من الجاهلية تعوي فيها الكلاب والذئاب، ولقال قائل من المهاجرين: ألم يكن جديرا بنا أن نلحق بإخواننا الآمنين في الحبشة فنعبد الله معهم هناك إلى أن يجعل الله لنا فرجا ومخرجاً، ولصاح آخر من الأنصار: لقد ضيعنا سعد بن معاذ، ألم نبايع رسول الله على الدفاع عنه ومنعه ممن يبغي عليه؛ فمالنا وقتال الناس خارج المدينة، وليس بعيداً أن يقول قائل: نحن الذين أخطأنا بعدواننا على قافلتهم التجارية، أقطاع طريق في الإسلام؟ .. 

ولك أن تتخيل حجم الهرج والمرج الذي كان يمكن أن يحدث في جو تلك المراجعات !! 

ولك الحق أن تجزم بأنّه لو كان ذلك وقع لكانت القاصمة التي تحرم البشرية كلها من نور الله.

   والحمد  لله أنَّ المصاب وقع على حياة رسول الله، وأنّه وقع أول ما وقع في عهد ذلك الجيل الفذُّ الذي تربي على يدي رسول الله، وأنَّ الصدمة الأولى حلت والوحي ينزل؛ لتتعلم الأمَّة إلى يوم الدين كيف تعالج مثل هذه التجارب؟ وكيف تتخذ من المصائب منصات للانطلاق والوثوب لا محطات للتراجع والرسوب.

   وارجعوا إلى سورة آل عمران لتتأكدوا أنّ المعالجات القرآنية كانت في اتجاه انهاض الأمة من كبوتها، وتثبيت خطاها على ذات الطريق الذي سالت على جوانبه دماؤهم في أحد، فتبدأ الجولة بالتربيت على قلوبهم وإعادة الثقة إليهم: "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين" ثم بالتخفيف من آلامهم: "إن يمسسكم قرح فقد مس القوم  قرح مثله" ثم يطرق السياق على مواقع الخطأ طرقاً خفيفاً: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم  خبالاً "، ثم  يقرع عليها قرعاً مدوياً لكنه في ذات الوقت ستير غير فاضح: "منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة" "وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية"، ويتولج السياق جمل هامة ترسي أعمدة ثابتة، فهذا تنبيه على مكانة القيادة التي لا يمكن أن تهزها الوقائع: " لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين"، وهذا تنبيه على حق الجند وشرفهم مهما كانت أخطاؤهم: " فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر".

   والعجيب أنّ الآيات التي أسهبت في علاج الأخطاء المنهجية والخلقية لم تتطرق قط للخطأ الاجتهاديّ الكبير الذي تمثل في الخروج للقاء العدو خارج المدينة، بل إنّه قد ورد في السياق ما ينفي عنه وصف الخطأ لأنّه كان عن مشورة واجتهاد؛ إذ احتفظت الآية الكريمة لهؤلاء الذين أخطأوا بحقهم في المشورة: "وشاورهم في الأمر".

   وهكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث لقن الصحابة أن يجيبوا على استعلاء الكفار بلغة ملؤها الاستعلاء بالإيمان: " الله أعلى وأجل" "لسنا سواء؛ قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار" ثم أمر فرقة منهم أن تخرج للقاء الكفار مرة أخرى عندما  علموا أنهم جمعوا لهم لينقلبوا عليهم في المدينة، وفيهم أنزل الله قوله: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا".

   فيا أيها الإسلاميون، كفُّوا عن جلد الذات ولعن الماضي وشنق التجارب على أعواد المراجعات، فما أخطأتم يوم أن قدمتم رجلاً منكم لتولي مسئولية الحكم، بل فعلتم ما يمليه عليكم الواجب؛ إذ لا يليق بمثلكم أن يترك البلاد وقد أثقلتها الديون وأنهكتها الخطوب نهبة لكل طامع، كما لا يليق بكم أن تعرضوا عن فرصة مهيأة تنطلقون منها إلى التمكين لشريعة الله في الأرض.

   إنما كان الخطأ في أنكم لم تأخذوا الأمر على الوجه الذي ينبغي، ولم تستكملوا له عدته التي تليق به، ولم تتعاملوا مع المواقف بما تتطلب، فركنتم إلى الذين ظلموا، واتخذتم ممن لا يألونكم خبالاً بطانة من دون المؤمنين المخلصين، ووليتم وجوهكم شطر العسكر المجرمين وظهوركم للشباب المناضلين؛ فظفر بولاء قطاع كبير من الشباب مَنْ لا يرقبون فيكم ولا فيهم إلَّاً ولا ذمة، ثم بعد ذلك أعرضتم عن قول الله تعالى: " وإعدوا " إعراض العرب عن قول رسول الله: "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا".

   وما أخطأ سلفكم عندما كان لهم جهاز سريّ، ولا كان الإمام على ضلالة عندما شكله وهيكله على عينه، أم إنكم تؤمنون ببعض ما رباكم عليه وتكفرون ببعض؟! كذلك ما أخطأ إخوانكم الذين جاءوا من بعدكم فتوسعوا في هذا الأمر وأحيوا فريضة كادت أن تموت في الأمّة، وشرقوا بها وغربوا وصالوا في أرض الله وجالوا؛ فكان لهم أثر بلغ من قوته أنه دق ألف مسمار في نعش امبراطورية قامت على الإلحاد، وضرب شبابهم في سجون الطواغيت أروع الأمثلة في الصبر الأسطوريّ.

   ما  أخطأوا؛ وإلا لوجب أن نتهم الإسلام بأنَّه دين إرهاب وسفك للدماء؛ فنشهد لأعداء الله في طعنهم على دين الله، وإنما كان الخطأ فاشياً في نواح أخرى، بعضها يقفون هم فيها، وأكثرها يقف فيها غيرهم من الإسلاميين وغير الإسلاميين، فاستعجال المواجهة استجابة لاستفزاز العدو المتربص خطأ، واتهام الآخرين لهم بالإرهاب والتطرف خطأ، وإعراض العلماء عن البيان الذي يكشف حقيقة العدو فيخفف من الغلواء ويقلل من سفك الدماء خطأ، وانقسام الإسلاميين في كل بلد إلى فريقين أحدهما يجاهد الطواغيت والآخر يباركهم خطأ.

   وليس صحيحاً أنَّ موجات الربيع العربيِّ نسخت بمنهج التظاهر السلمي آيات السيف، ومن الظلم والجور الزعم بأنّ تحول الثورة في بعض البلدان إلى ثورة مسلحة هو الذي قضى عليها وأطفأ جذوتها؛ أو هو الذي جرَّ على البلاد الويلات والخراب، فهذا - على ما فيه من ظلم وجور - يعمي أبصارنا عن مواضع الخطأ والتقصير، فالخطأ يكمن في إعراض الكبار عن دورهم في قيادة الشباب والترتيب لهم؛ مما ترتب عليه أن يأتي الأمر على النحو الذي يريده العدو لا على النحو الذي يقتضيه مشروع الأمّة الواضح الذي يتبناه الكبار ويعلمونه للشباب.

   ولسنا نجهل ولا نغفل عن السبب الأكبر في كل هذه المصائب أننا لم  نفلح يوماً في تحقيق الواجب الأكبر - واجب الوحدة الإسلامية - ولو في حدها الأدنى بحسن إدارة الاختلاف، فكثرت إخفاقاتنا، وضاعت إنجازاتنا، وتكسرت على صخور الأهواء والنزاعات آمالنا آمال أمتنا.

   إننا نمارس الهروب من تحمل المسئولية، ونخلق بهذا الهروب ألف (داعش) تقوم حيث نتخلف وتتقدم حيث نتأخر؛ لتلتهم الساحة وتحقق مقصود العدو في حرق المشروع الإسلاميّ كله لصالح المشاريع الكبرى: الصليبي والصهيوني والصفوي.

   ولست بهذا متقدماً على علمائنا ولا مفتاتاً عليهم، فهذا قولي؛ فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء.   

                               

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق