(الميثاق العام للمشروع الإسلاميّ)
د. عطية عدلان
باحث ومفكر إسلامي متخصص في العلوم الشرعية مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول- أستاذ الفقه الإسلامي
بسم الله الرحمن الرحيم .. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد، فهذا ميثاق عام للمشروع الإسلاميّ، يشتمل على مواد مركزة موجزة، تتحدث عن هذا المشروع، عن طبيعته وأهدافه ومراحله ومنطلقاته وقيمه ومفاهيمه، وغير ذلك، ونحن هنا ندعو كل مسلم إلى فهمها واستظهارها، والالتزام بمضمونها كعقد بين العاملين للإسلام.
مواد تمهيدية
1. مصدر هذا المشروع الكتاب، والسنة، والإجماع، وسنة الخلفاء الراشدين، ثم الاجتهاد الجماعيّ.
2. المشروع الذي يمثل الأمَّة الإسلامية هو الذي تلتقي عليه كلمة علمائها وأهل الحل والعقد منها.
3. المشروع الإسلاميّ واجب الوقت، والاجتماع عليه يمثل منصة الانطلاق الكبرى للأمة الإسلامية.
4. المشروع الإسلاميّ هو: الخطط والاستراتيجيات والمنهجيات، التي ترسم بوضوح طريقَ التمكين للدين الإسلاميّ، وتُبَيِّنُ بجلاء سبيلَ الخروجِ بالأمة الإسلامية من نفق الاستضعاف والوصولِ بها إلى مستوى التمكين الحضاري الشامل القائم على منهج الله تعالى.
5. جميع ما هو من قبيل الأدوات والأمور الفنية لا يشترط أن يكون قد ورد به شرع، إنّما يشترط فقط ألا يصادم الشرع وأن يكون محققًا للمصلحة.
أهداف المشروع الإسلاميّ
6. للمشروع الإسلاميّ جملة من الأهداف الاستراتيجية؛ يجب استحضارها في جميع المراحل.
7. يهدف المشروع الإسلامي إلى تمكين الأمة الإسلامية تمكينًا حضاريًّا شاملًا في كافّة الميادين، وإقامة دولة إسلامية مستقلة قوية تقيم منهج الله وتحمي بيضة الإسلام، وتحقق الاستخلاف.
8. يهدف المشروع الإسلامي إلى تعبيد الناس لله رب العالمين اعتقادًا وعملًا ومنهجًا وسلوكًا.
9. يهدف المشروع الإسلامي إلى إحياء مفهوم الأمة، وإبراز وترسيخ هويتها، واستعادة التموضع الصحيح لأهل السنة في قلب الأمة، وللطائفة المنصورة في قلب أهل السنة.
10. يهدف المشروع الإسلامي إلى إعداد الأمة إعدادا شاملا: وعيًا وفهمًا، وعلمًا وعملًا، وعبادة وسلوكًا، وإخلاصًا واتباعًا، ودعوة وجهادًا، وولاءً لأهل الإيمان وبراءً من أهل الكفران.
11. يهدف المشروع الإسلامي إلى استعادة دور الأمة الإسلامية؛ كأمَّة صاحبة رسالة عالمية، وصاحبة منهج ربانيّ، وإحياء الروح الجماعية لهذه الأمَّة، وبعثها لتقوم برسالتها العالمية.
12. يهدف المشروع الإسلامي إلى استعادة وإحياء دور أهل الحل والعقد في الأمة.
13. يهدف المشروع الإسلامي إلى مواجهة المشاريع المحاددة للمشروع الإسلامي.
مراحل المشروع الإسلاميّ
14. يمر المشروع الإسلاميّ بمراحل ثلاثة: مرحلة الإعداد، ومرحلة التغيير، ومرحلة البناء.
15. الإعداد هو بناء القاعدة الصلبة، وإعداد القوة، وتهيئة الأمة، وإحياء دور أهل الحل والعقد.
16. التغيير يكون بأدواته التي تناسب المكان والزمان، وإن كان أغلبه يستدعي المواجهة.
17. البناء بناء مؤسسات المجتمع ومؤسسات الدولة وإقامة نظام الحكم الإسلاميّ.
18. كل مرحلة من مراحل المشروع الإسلاميّ بها فرص وروافع، وبها عقبات وتحديات، فينبغي في سياق تنضيج المشروع الكشف عن ذلك كله واقتراح البرامج التي تصلح له.
19. كل مرحلة من المراحل الثلاثة الرئيسية تنقسم إلى مراحل جزئية، بحسب الحال والزمان والمكان، وبيان المراحل عمومًا ليس على درجة واحدة؛ فأمّا البدايات والنهايات فيجب التفصيل في بيانهما، وأمّا ما بين البدايات والنهايات فيكتفى ببيان الخطوط العريضة الكلية.
20. المشروع الإسلاميّ في مراحله الثلاثة يمتد ليشمل - وإنْ بنسب متفاوتة - جميع المجالات والميادين التربوية والدعوية والسياسية والاقتصادية والعسكرية والحضارية وغير ذلك.
ركائز المشروع الإسلاميّ
21. يعتمد المشروع الإسلاميّ على جملة من الركائز الأساسية، المستمرة في جميع المراحل، والمتغلغلة في كافّة الميادين، وهي:
أولًا: أهل الحل والعقد وفي القلب منهم الولاية العلمية، ثانيًا: طلائع الأمة وفي القلب منهم الرواحل، ثالثًا: المنهج وفي القلب منه المشروع الإسلاميّ، رابعًا: الشعوب في القلب منها الحاضنة الشعبية المخلصة للمشروع، خامسًا: البؤر المتقدة وفي القلب منها المكونات المجاهدة التي لم تتلوث بالغلو والتكفير واستباحة الدماء المعصومة.
22. لا يتأبّى المشروع الإسلاميّ على الاستفادة مرحليًّا من بعض الركائز غير الرئيسية، بشروط شرعية صارمة، كالتحالف، والاستناد إلى ظهير متاح، والاستثمار لتدافعات سياسية وعسكرية.
منطلقات المشروع الإسلامي
23. هناك جملة من المنطلقات التي تعدّ منصات للانطلاق، منصات شرعية وعقدية وواقعية وفكرية، كالهوية والمرجعية والمنهجية والوحدة والأخوة وعالمية الإسلام، وغير ذلك.
24. الهوية منطلق كبير فلا حيدة عن الهوية الإسلامية الجامعة؛ (هو سمّاكم المسلمين من قبل)
25. المرجعية منطلق عاصم؛ فالوحيان (الكتاب والسنة) هما دستور الأمة الدائم.
26. المنهجية منطلق رشيد، وتعني الاعتصام بمنهج أهل السنة في التلقي والاعتقاد والجهاد.
27. الوحدة منطلق أكيد؛ فالوحدة فريضة، ولا يلزم لتحققها انصهار الجميع في كيان واحد.
28. الأخوة منطلق رقيق، فالأخوة الإيمانية معتصم لا تنفصم عراه.
29. عالمية الإسلام وعموم الرسالة أصل ثابت لا يتغير.
30. التفريق في التعامل مع الوافد بين ما كان من المبادئ وما كان من الأدوات منهج سديد.
31. المفاصلة التامّة مع الفكر الحداثيّ العلمانيّ من صلب المنهج الإسلاميّ.
32. المصطلحات الوافدة فخ يجب الحذر والاحتياط منه.
33. قيام الحياة على أساس من رفض سلطان الله وسيادة شريعته هو جوهر الجاهلية.
34. العهد النبوي مع الخلافة الراشدة يمثلان المرجعية العملية للمشروع الحضاري الإسلامي.
35. السنن الإلهية قوانين ونواميس تحكم الحياة ينبغي مراعاتها.
36. الأحكام والمقاصد صنوان متعانقان لا يفترقان ولا يتعارضان.
37. المرحلية والتدرج ضرورة حركية بشرط ألا تفضي للتسويف.
38. حتمية المواجهة على وجه العموم مع عدم انتفاء الحلول السلمية.
39. استبانة سبيل المجرمين وفهم واقع الصراع ركيزة أساسية للعمل الإسلاميّ.
40. بناء التصورات على الجمع بين فقه الشرع وفهم الواقع هو المنهج الرشيد.
41. العلم والعبادة والحركة خطوط متوازية من المبدأ إلى المنتهى.
42. العمل الجماعي المنظم ضرورة حركية لا تلغي المنصات الفردية وأهميتها.
43. الشعوب ورقة لا يصح إهمالها كما لا يصح التعويل عليها تعويلا كاملًا.
44. التعددية مقبولة ونافعة إذا لم تهدد الوحدة والاجتماع ولم تخرق المنهج والاتباع.
45. التحالفات إذا احتيج لها، وصَحَّ المتحالف عليه، ولم يكن فيها ضرر؛ فهي مشروعة ونافعة.
46. توسيع المشتركات والاستفادة منها في تقوية التحالفات صالح مالم يكن على حساب الحق.
47. بلورة المحكمات واتخاذها ميثاقا عامًّا مع فن إدارة الاختلاف يحققان الحد الأدنى للوحدة.
48. إذا تعذر الجهاد لأي سبب معتبر شرعًا بقي واجب الإعداد.
49. الإعداد عملية تراكمية تبدأ من الدعوة والتربية وتنتهي بامتلاك القوة بكافّة أنواعها.
50. أهل الحل والعقد في الأمة هم أولو الأمر على الحقيقة والحكام نوابهم على الحكم.
51. النظام العربيّ الحالي نظام منعدم الشرعية قائم على مضادة الشريعة وموالاة أعداء الإسلام.
52. وسائل التغيير اجتهادية لا توقيفية، لا يشترط لها أن يأتي بها الشرع، ويشترط الا تصادمه.
53. استيعاب المشروع الإسلاميّ لجميع أطياف أهل السنة دون غيرهم من المبتدعة كالرافضة.
54. شمول وعموم المشروع الحضاري ينطلق من شمول وعموم الإسلام وشريعته.
55. التجارب السابقة سواء كانت إصلاحية أو جهادية يستفاد منها، لكنّها ليست معصومة.
56. النازلة الكبرى للأمة تتمثل في ضعفها وهوانها واستيلاء الأعداء عليها وتحكمهم في مصيرها، ومن هذه النازلة العامة تتفرع النوازل المتعددة كنازلة فلسطين والأقصى، ونازلة سوريا، وهكذا.
القيم الحاكمة للمشروع الإسلاميّ
57. يحكم المشروع الإسلاميّ جملة من القيم العليا الحاكمة، وجملة أخرى من القيم العامّة، وجملة من القيم المركزية الخاصة بكل ميدان.
58. التوحيد قيمة إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، وكلمة الإخلاص (لا إله إلا الله) تخط طريق الحرية الحقيقية، وتخط بذلك طريق الحضارة الراشدة؛ لأنَّها - عمليًّا - تحطم أكبر معوقات التقدم الإنسانيّ، وهو الطاغوت، كما أنّها تردّ الحكم والتشريع لله وحده.
59. الإيمان بالغيب قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، لها أثر بالغ في البِنْية الفكرية الحضارية التي تُنْبِت النظمَ كافّة، تماما كأثر الحداثة المنكرة للغيب في بِنْية الفكر الغربيّ المعاصر وفيما صدر عنها من نظم سياسية واقتصادية واجتماعية وتربوية وتعليمية وغيرها.
60. جوهر الإسلام هو الاستسلام والخضوع والانقياد والدينونة والتسليم والطاعة؛ وهو بهذا المعنى قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، تنبثق عنها جملة عظيمة من المبادئ والأسس والأحكام، قيمة محورية تؤسس لمنظومة من النظم الرشيدة.
61. الإحسان قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، وبناء المؤسسات وتفعيلها وتطويرها ومأسسة أدائها من الإحسان، وانتهاج المؤسسية في عمل الدولة من الإحسان.
62. الاتباع قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، وهو اتباع المنهج الربانيّ، وسَنَنِ الأنبياء والحنفاء، وهو يؤسس لمنهجية لا تدع العقل وحده يستقل بتحديد الوجهة.
63. الاستخلاف قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، قيمة تؤسس لنظم إنسانية تحقق الغاية من خلق الإنسان، وتحقق الانسجام بين الإنسان وبين ما حوله قيمة لها دور كبير في حسم الكثير من القضايا الكبرى التي حيرت الفلاسفة والمفكرين ولم يهتدوا إلى شيء.
64. الأمانة قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، والمقصود بها إحياء "الناموس الشرعيِّ" ويتعدى أثر الأمانة إلى أمانة الحفاظ على الطبيعة التي يحيا فيها الإنسان، كما يتعدى أثرها إلى الحفاظ على مصادر الأرزاق ومعاقد الأقوات، وإلى الحفاظ على المنظومة الأخلاقية الطبيعية الفطرية للإنسان، وهذا ما فعله الإسلام، وهذا ما فعل الغرب عكسه على الدوام.
65. المسئولية قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، وتتشعب من المسئولية الجذرية كلّ المسئوليات الكبار، مسئوليات الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والأمّة.
66. الإنسانية قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، ونعني بها ما عناه القرآن بذكره للإنسان وعنايته به وجعله هو موضوع هذا القرآن، ومن هنا وجدنا القرآن الكريم يُحَمِّلُ الأمةَ الإسلامية واجبَ إخراجِ البشرية من ظلمات المنكر إلى نور المعروف؛ لتكون خير أمّة.
67. تقوم القيم العامّة، وكذلك القيم المركزية الخاصة، إلى جانب القيم المعيارية العليا الحاكمة؛ لتكون جميعُها منظومة قيمية متماسكة، تنشعب عنها مبادئ وأحكام وسلوكيات وممارسات.
68. تُعَدُّ القيم العامة قيمًا معيارية بالنسبة لما يندرج تحتها من قيم مركزية، وما يدور في فلكها من مبادئ وأسس وأحكام وقواعد، لكنّها بالنسبة للقيم العليا الحاكمة محكومة لا حاكمة.
69. القيم العامّة كثيرة وهامّة، أهمها: (قيمة العدل - قيمة المساواة فيما تصح المساواة فيه - قيمة الحرية المنضبطة بالشرع - قيمة الصدق - قيمة الوفاء - قيمة التسامح - قيمة الرحمة)، وجميع هذه القيم تُعَدُّ أخلاقًا فطريّةً يُسَلِّمُ بها الخلق، لكنّ الذي يميزها عن سائر الأخلاق أنّها تُعَدُّ قيمًا عامّةً تتسم بالمعيارية، يمكن في ضوئها تحديد الموقف من كثير من الأمور المتعلقة بالإنسان.
70. أهم ما يميز قيمة العدل في الإسلام العموم والإطلاق؛ إذْ إنّ العدل في الشريعة الإسلامية مطلق ليس مقيدًا ولا نسبيًّا، لا يحابي أحدًا، ومما يميزه أيضًا الشمول؛ والعمق التشريعيّ.
71. الإسلام في جوهره تحرير للإنسان، وكلمة الإخلاص التي هي رأس الدين هي الحريّة في أسمى مراتبها؛ لأنّها إعلان عام لتحرير الإنسان من الخضوع والدينونة والعبودية لغير الله تعالى.
72. الشريعة الإسلامية عندما تقرر حريات الناس وتضع القيود والضوابط التي تنظمها لا تنطلق من المنطلقات التي ينطلق منها الفكر الغربيّ، ولا تبني على أصول مستعارة من الإغريق أو الرومان، وإنّما تنطلق من منطلقات قرآنية ربانية.
73. القيم الركزية الخاصة بكل ميدان من ميادين النشاط البشريّ لها دور كبير في استقامة الحياة، ففي ميدان السياسة توجد قيم مركزية مثل: مبدأ "السيادة للشرع" ومبدأ: "السلطان للأمة"، ومبدأ "الشورى منهج الحكم" وفي عالم الاقتصاد تسود جملة من القيم المركزية، مثل مبدأ "الاستخلاف" ومبدأ "الوفرة والكفاية"، ومبدأ "القصد والاعتدال"، وهكذا في سائر الميادين.
المفاهيم العامة الكلية للمشروع الإسلاميّ
74. في الإسلام جملة من المفاهيم العامّة الكلية ينبغي أن تُضبَط؛ لئلا تضطرب الخطى على الطريق، بعضها يتعلق بالعقيدة وبعضها يتعلق بالشريعة وبعضها يتعلق بالاجتهاد في فهم الواقع.
75. يدخل الكافر في الإسلام بنطقه بالشهادتين، ولا يخرج المسلم من الإسلام إلا بجحود الشهادتين أو بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام.
76. لا يجوز تكفير المسلم ولا الشهادة بالإسلام لكافر، فمن كان مسلمًا وأتى ناقضًا من نواقض الإسلام كمظاهرة الكافرين على المسلمين، والحكم بغير ما أنزل الله، ومدح عقائد الكافرين، واستحلال ما حرمه الله، وإنكار معلوم من الدين بالضرورة؛ فقد خرج من الإسلام وصار مرتدًا، ومن شهد بالإسلام لكافر أصليّ نص القرآن على كفره كأحد من اليهود أو النصارى أو المجوس أو المشركين أو الملحدين أو غيرهم، كفر بذلك، ويلزم لتكفير المعين توافر الشروط وانتفاء الموانع.
77. المعلوم من الدين بالضرورة هو بنود العقيدة والشريعة التي أجمعت الأمة عليها ونُقلت بالتواتر واستوى في العلم بها الخاصة والعامة، فكل ما توافرت فيه هذه الشروط الثلاثة - سواء كان خبرًا أو أمرا لا يعذر فيه بالجهل في ديار الإسلام؛ لكونه من المعلوم بالضرورة.
78. ثنائية العقل والنقل أزمة مفتعلة لا رصيد لها في الواقع، فالأصل هو موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، فإن وقع تعارض؛ فإمّا أن يكون المنقول غير صحيح أو يكون المعقول غير صريح.
79. الأصل أنّ الرسول أسوة في كل تصرفاته، وأنّ تقسيم السنة إلى سنة تشريعية وغير تشريعية قول محدث، وإذا كان العلماء قد أخرجوا بعض تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم من دائرة التشريع لكونها من الأفعال الجبلية أو من الأمور الدنيوية، فإنّ هذا لا يعني أنّ تلك الأفعال أصل بذاتها.
80. ليس من العقل والرشد أن نبحث بعقولنا في غيبيات ضنّ الوحي بها علينا، ولا عن تكييف غيبيات أخرى أخبرنا بها الوحي على سبيل الإجمال، وإنّما العقل أن نقف في ذلك على الوحي.
81. في القرآن الكريم آيات محكمات وأُخَرُ متشابهات، والواجب تجاه ذلك ردّ المتشابه إلى المحكم، أمّا اتباع المتشابه بدون ردّه للمحكم فهو الزيغ والضلال.
82. المسلمون متَعَبَّدون بالأحكام لا بالمقاصد، فلا يصح الاستغناء بالمقاصد عن الأحكام، والأحكام والمقاصد لحمة واحدة كالشمس وفلكها الذي تدور فيه.
83. ولا تضييق على الناس فيما يصطلحون عليه من أسماء وعناوين وغير ذلك، بشرط أن يكون المصطلح منتزعًا من لغتنا وثقافتنا، أمّا إذا كان مصطلحًا وافدًا دخيلًا فإنّه ينبغي الحذر منه.
84. شرع الجهاد لغاية تعدُّ هي المقصد الجامع للجهاد، وهي إزالة الفتنة وإحلال سيادة الشريعة: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)؛ ومن الفتنة سيادة مناهج الجاهلية.
85. الأنظمة الجاهلية التي تقيم الحياة على أساس من رفض حاكمية الشريعة وسيادتها يجب قتالها، لأنّنا أمرنا أن نقاتل الناس حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله.
86. الكفّ المرحليّ عن نظام لا يقيم منهج الله ولا يقود الأمة بكتاب الله لا يعطيه شرعية، فإذا قامت الأمة عليه في أيّ وقت لا تكون خارجة على حاكم له شرعية.
87. يحرم الخروج على الحاكم المسلم العادل الذي يقود الأمة بكتاب الله، أمّا الخروج على الحاكم الكافر أو الذي ظهر في حكمه الكفر البواح أو الذي يقود الأمة بغير كتاب الله أو الذي يسعى لتعطيل فرائض الله وحدوده فهو واجب عند القدرة على ذلك، وعند العجز يعلق واجب الجهاد ويبقى واجب الإعداد، أمّا الحاكم الفاسق الجائر فإنْ تعدى فسقه وجوره حتى صبغ المجتمع بالفسق وهدد هويته الإسلامية فالخروج عليه مشروع، وإلا فالكفّ مع النصح هو المشروع.
88. يشترط لشرعية المتغلب أن يقود الأمة بكتاب الله وألا يظهر في حكمه الكفر البواح، كما يشترط ألا يأتي تغلبه في سياق الخروج على حاكم له بيعة وله شرعية مستمدة من الأمة، فإن توافرت الشروط وجب على الأمة أن تسمع له وتطيع في المعروف، وإلا فليس عليها تجاهه حق السمع والطاعة، وإنّما يجب خلعه عند القدرة، وعند عدم القدرة يشرع الكفّ عنه مرحليًّا.
89. الإمامة رئاسة تامّة وعامّة للأمّة الإسلامية؛ فإذا استطاعت جماعة من الناس أن تقيم النظام السياسي الإسلاميّ في أي صقع من الأصقاع - متوسطًا كان أو متطرفًا - فإنّ حكمهم ليس من قبيل الإمامة والخلافة العامة للمسلمين، فإذا تعددت الإمارات حرم عليها التقاتل طلبًا لمنصب الإمامة العامّة، ووجب على الجميع الدخول في الوحدة عبر الشورى التي يديرها أهل الحل والعقد.
90. تعتمد النهضة الاقتصادية في الإسلام على مقومات ثلاثة، هي: تعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية، وحسن إدارة الموارد البشرية، عدم إضاعة الوقت.
91. القوة السياسية تقوم على استدامة ثلاثة مقومات، هي: تحكيم الشريعة، وتقديم النصيحة، وحفظ الوحدة.
92. يقوم الاقتصاد الإسلاميّ على أسس عقدية، أهمها مبدأ الاستخلاف، مبدأ الكفاية، وأسس شرعية، أهمها: العدالة في توزيع الثروة، وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص، ومنع الربا وكل صور أكل أموال النماس بالباطل، وأسس أخلاقية، كالرحمة، والكفالة، والكرم.
93. عمد الإسلام إلى الحفاظ على الأبنية الثلاثة: الأسرة والمجتمع والدولة، وتحقيق التوازن بينها.
94. الولاء والبراء في الإسلام يرسم خطًا فاصلًا بين المسلمين والكفار، من اقتحمه وتعاون مع الكفار على من يختلف معهم من المسلمين فقد تردى في الهلكة.
95. الولاء والبراء والمفاصلة مع الكافرين وجهاد القوى الكافرة، كلّ هذا لا يمنع من القسط معهم والبر بمن لا يقع في الحرابة للإسلام وأهله.
96. يجب أن نفرق في موقفنا من الأمم الكافرة بين الأنظمة الحاكمة وجيوشها وسدنتها وكهنتها وقوى الشرّ فيها وبين الشعوب المستسرلة، فالأولى نبتدئها بالسيف والسنان بعد الدعوة والبيان، أمّا الثانية فنحررها ثم نخيرها بين الإسلام وبين دفع الجزية والتزام الصغار (القانون العام للإسلام).
97. تهدف التربية الإسلامية إلى صياغة الشخصية صياغة كاملة، من جميع الجوانب العقدية والعاطفية والسلوكية والشعورية والمنهجية والعلمية، وتعتمد على وسائل، أهمها: القدوة والتربية بالحدث، والمعايشة الهادفة، والممارسة العملية للشعائر والشرائع، والتلقين بكل صنوفه.
98. مصادر المعرفة في الإسلام تقوم على مصدرين رئيسيين، الوحي للعلوم الشرعية، والكون للعلوم الطبيعية، ومناهج التفكير والنظر في الإسلام ليست محصورة في قالب من القوالب التي فرضتها الفلاسفة، فالاستدلال والاستقراء والتجريب وتوثيق الأخبار وغير ذلك كلها مناهج معتمدة في الإسلام، بشرط أن تسلم من تحكمات الفلاسفة والمناطقة.
99. مصدر سلامة النفس الإنسانية (السيكولوجيا) والمجتمعات الإنسانية (السيسيولوجيا) والوضع الإنسانيّ بالنسبة لما حوله (الإنثروبيولوجيا) هو العبودية الحقيقية للرحمن، وترك العبودية للشيطان، وتدبر القرآن، وهذا لا يمنع من الاستفادة بما أنتجته العلوم الإنسانية مما لا يخالف مقاصد الكتاب العزيز، ولا أحكام الشريعة الغراء.
100. لا يقع التمكين الصحيح للأمة الإسلامية إلا باجتماع القدوة والقوة.
22. لا يتأبّى المشروع الإسلاميّ على الاستفادة مرحليًّا من بعض الركائز غير الرئيسية، بشروط شرعية صارمة، كالتحالف، والاستناد إلى ظهير متاح، والاستثمار لتدافعات سياسية وعسكرية.
منطلقات المشروع الإسلامي
23. هناك جملة من المنطلقات التي تعدّ منصات للانطلاق، منصات شرعية وعقدية وواقعية وفكرية، كالهوية والمرجعية والمنهجية والوحدة والأخوة وعالمية الإسلام، وغير ذلك.
24. الهوية منطلق كبير فلا حيدة عن الهوية الإسلامية الجامعة؛ (هو سمّاكم المسلمين من قبل)
25. المرجعية منطلق عاصم؛ فالوحيان (الكتاب والسنة) هما دستور الأمة الدائم.
26. المنهجية منطلق رشيد، وتعني الاعتصام بمنهج أهل السنة في التلقي والاعتقاد والجهاد.
27. الوحدة منطلق أكيد؛ فالوحدة فريضة، ولا يلزم لتحققها انصهار الجميع في كيان واحد.
28. الأخوة منطلق رقيق، فالأخوة الإيمانية معتصم لا تنفصم عراه.
29. عالمية الإسلام وعموم الرسالة أصل ثابت لا يتغير.
30. التفريق في التعامل مع الوافد بين ما كان من المبادئ وما كان من الأدوات منهج سديد.
31. المفاصلة التامّة مع الفكر الحداثيّ العلمانيّ من صلب المنهج الإسلاميّ.
32. المصطلحات الوافدة فخ يجب الحذر والاحتياط منه.
33. قيام الحياة على أساس من رفض سلطان الله وسيادة شريعته هو جوهر الجاهلية.
34. العهد النبوي مع الخلافة الراشدة يمثلان المرجعية العملية للمشروع الحضاري الإسلامي.
35. السنن الإلهية قوانين ونواميس تحكم الحياة ينبغي مراعاتها.
36. الأحكام والمقاصد صنوان متعانقان لا يفترقان ولا يتعارضان.
37. المرحلية والتدرج ضرورة حركية بشرط ألا تفضي للتسويف.
38. حتمية المواجهة على وجه العموم مع عدم انتفاء الحلول السلمية.
39. استبانة سبيل المجرمين وفهم واقع الصراع ركيزة أساسية للعمل الإسلاميّ.
40. بناء التصورات على الجمع بين فقه الشرع وفهم الواقع هو المنهج الرشيد.
41. العلم والعبادة والحركة خطوط متوازية من المبدأ إلى المنتهى.
42. العمل الجماعي المنظم ضرورة حركية لا تلغي المنصات الفردية وأهميتها.
43. الشعوب ورقة لا يصح إهمالها كما لا يصح التعويل عليها تعويلا كاملًا.
44. التعددية مقبولة ونافعة إذا لم تهدد الوحدة والاجتماع ولم تخرق المنهج والاتباع.
45. التحالفات إذا احتيج لها، وصَحَّ المتحالف عليه، ولم يكن فيها ضرر؛ فهي مشروعة ونافعة.
46. توسيع المشتركات والاستفادة منها في تقوية التحالفات صالح مالم يكن على حساب الحق.
47. بلورة المحكمات واتخاذها ميثاقا عامًّا مع فن إدارة الاختلاف يحققان الحد الأدنى للوحدة.
48. إذا تعذر الجهاد لأي سبب معتبر شرعًا بقي واجب الإعداد.
49. الإعداد عملية تراكمية تبدأ من الدعوة والتربية وتنتهي بامتلاك القوة بكافّة أنواعها.
50. أهل الحل والعقد في الأمة هم أولو الأمر على الحقيقة والحكام نوابهم على الحكم.
51. النظام العربيّ الحالي نظام منعدم الشرعية قائم على مضادة الشريعة وموالاة أعداء الإسلام.
52. وسائل التغيير اجتهادية لا توقيفية، لا يشترط لها أن يأتي بها الشرع، ويشترط الا تصادمه.
53. استيعاب المشروع الإسلاميّ لجميع أطياف أهل السنة دون غيرهم من المبتدعة كالرافضة.
54. شمول وعموم المشروع الحضاري ينطلق من شمول وعموم الإسلام وشريعته.
55. التجارب السابقة سواء كانت إصلاحية أو جهادية يستفاد منها، لكنّها ليست معصومة.
56. النازلة الكبرى للأمة تتمثل في ضعفها وهوانها واستيلاء الأعداء عليها وتحكمهم في مصيرها، ومن هذه النازلة العامة تتفرع النوازل المتعددة كنازلة فلسطين والأقصى، ونازلة سوريا، وهكذا.
القيم الحاكمة للمشروع الإسلاميّ
57. يحكم المشروع الإسلاميّ جملة من القيم العليا الحاكمة، وجملة أخرى من القيم العامّة، وجملة من القيم المركزية الخاصة بكل ميدان.
58. التوحيد قيمة إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، وكلمة الإخلاص (لا إله إلا الله) تخط طريق الحرية الحقيقية، وتخط بذلك طريق الحضارة الراشدة؛ لأنَّها - عمليًّا - تحطم أكبر معوقات التقدم الإنسانيّ، وهو الطاغوت، كما أنّها تردّ الحكم والتشريع لله وحده.
59. الإيمان بالغيب قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، لها أثر بالغ في البِنْية الفكرية الحضارية التي تُنْبِت النظمَ كافّة، تماما كأثر الحداثة المنكرة للغيب في بِنْية الفكر الغربيّ المعاصر وفيما صدر عنها من نظم سياسية واقتصادية واجتماعية وتربوية وتعليمية وغيرها.
60. جوهر الإسلام هو الاستسلام والخضوع والانقياد والدينونة والتسليم والطاعة؛ وهو بهذا المعنى قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، تنبثق عنها جملة عظيمة من المبادئ والأسس والأحكام، قيمة محورية تؤسس لمنظومة من النظم الرشيدة.
61. الإحسان قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، وبناء المؤسسات وتفعيلها وتطويرها ومأسسة أدائها من الإحسان، وانتهاج المؤسسية في عمل الدولة من الإحسان.
62. الاتباع قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، وهو اتباع المنهج الربانيّ، وسَنَنِ الأنبياء والحنفاء، وهو يؤسس لمنهجية لا تدع العقل وحده يستقل بتحديد الوجهة.
63. الاستخلاف قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، قيمة تؤسس لنظم إنسانية تحقق الغاية من خلق الإنسان، وتحقق الانسجام بين الإنسان وبين ما حوله قيمة لها دور كبير في حسم الكثير من القضايا الكبرى التي حيرت الفلاسفة والمفكرين ولم يهتدوا إلى شيء.
64. الأمانة قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، والمقصود بها إحياء "الناموس الشرعيِّ" ويتعدى أثر الأمانة إلى أمانة الحفاظ على الطبيعة التي يحيا فيها الإنسان، كما يتعدى أثرها إلى الحفاظ على مصادر الأرزاق ومعاقد الأقوات، وإلى الحفاظ على المنظومة الأخلاقية الطبيعية الفطرية للإنسان، وهذا ما فعله الإسلام، وهذا ما فعل الغرب عكسه على الدوام.
65. المسئولية قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، وتتشعب من المسئولية الجذرية كلّ المسئوليات الكبار، مسئوليات الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والأمّة.
66. الإنسانية قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، ونعني بها ما عناه القرآن بذكره للإنسان وعنايته به وجعله هو موضوع هذا القرآن، ومن هنا وجدنا القرآن الكريم يُحَمِّلُ الأمةَ الإسلامية واجبَ إخراجِ البشرية من ظلمات المنكر إلى نور المعروف؛ لتكون خير أمّة.
67. تقوم القيم العامّة، وكذلك القيم المركزية الخاصة، إلى جانب القيم المعيارية العليا الحاكمة؛ لتكون جميعُها منظومة قيمية متماسكة، تنشعب عنها مبادئ وأحكام وسلوكيات وممارسات.
68. تُعَدُّ القيم العامة قيمًا معيارية بالنسبة لما يندرج تحتها من قيم مركزية، وما يدور في فلكها من مبادئ وأسس وأحكام وقواعد، لكنّها بالنسبة للقيم العليا الحاكمة محكومة لا حاكمة.
69. القيم العامّة كثيرة وهامّة، أهمها: (قيمة العدل - قيمة المساواة فيما تصح المساواة فيه - قيمة الحرية المنضبطة بالشرع - قيمة الصدق - قيمة الوفاء - قيمة التسامح - قيمة الرحمة)، وجميع هذه القيم تُعَدُّ أخلاقًا فطريّةً يُسَلِّمُ بها الخلق، لكنّ الذي يميزها عن سائر الأخلاق أنّها تُعَدُّ قيمًا عامّةً تتسم بالمعيارية، يمكن في ضوئها تحديد الموقف من كثير من الأمور المتعلقة بالإنسان.
70. أهم ما يميز قيمة العدل في الإسلام العموم والإطلاق؛ إذْ إنّ العدل في الشريعة الإسلامية مطلق ليس مقيدًا ولا نسبيًّا، لا يحابي أحدًا، ومما يميزه أيضًا الشمول؛ والعمق التشريعيّ.
71. الإسلام في جوهره تحرير للإنسان، وكلمة الإخلاص التي هي رأس الدين هي الحريّة في أسمى مراتبها؛ لأنّها إعلان عام لتحرير الإنسان من الخضوع والدينونة والعبودية لغير الله تعالى.
72. الشريعة الإسلامية عندما تقرر حريات الناس وتضع القيود والضوابط التي تنظمها لا تنطلق من المنطلقات التي ينطلق منها الفكر الغربيّ، ولا تبني على أصول مستعارة من الإغريق أو الرومان، وإنّما تنطلق من منطلقات قرآنية ربانية.
73. القيم الركزية الخاصة بكل ميدان من ميادين النشاط البشريّ لها دور كبير في استقامة الحياة، ففي ميدان السياسة توجد قيم مركزية مثل: مبدأ "السيادة للشرع" ومبدأ: "السلطان للأمة"، ومبدأ "الشورى منهج الحكم" وفي عالم الاقتصاد تسود جملة من القيم المركزية، مثل مبدأ "الاستخلاف" ومبدأ "الوفرة والكفاية"، ومبدأ "القصد والاعتدال"، وهكذا في سائر الميادين.
المفاهيم العامة الكلية للمشروع الإسلاميّ
74. في الإسلام جملة من المفاهيم العامّة الكلية ينبغي أن تُضبَط؛ لئلا تضطرب الخطى على الطريق، بعضها يتعلق بالعقيدة وبعضها يتعلق بالشريعة وبعضها يتعلق بالاجتهاد في فهم الواقع.
75. يدخل الكافر في الإسلام بنطقه بالشهادتين، ولا يخرج المسلم من الإسلام إلا بجحود الشهادتين أو بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام.
76. لا يجوز تكفير المسلم ولا الشهادة بالإسلام لكافر، فمن كان مسلمًا وأتى ناقضًا من نواقض الإسلام كمظاهرة الكافرين على المسلمين، والحكم بغير ما أنزل الله، ومدح عقائد الكافرين، واستحلال ما حرمه الله، وإنكار معلوم من الدين بالضرورة؛ فقد خرج من الإسلام وصار مرتدًا، ومن شهد بالإسلام لكافر أصليّ نص القرآن على كفره كأحد من اليهود أو النصارى أو المجوس أو المشركين أو الملحدين أو غيرهم، كفر بذلك، ويلزم لتكفير المعين توافر الشروط وانتفاء الموانع.
77. المعلوم من الدين بالضرورة هو بنود العقيدة والشريعة التي أجمعت الأمة عليها ونُقلت بالتواتر واستوى في العلم بها الخاصة والعامة، فكل ما توافرت فيه هذه الشروط الثلاثة - سواء كان خبرًا أو أمرا لا يعذر فيه بالجهل في ديار الإسلام؛ لكونه من المعلوم بالضرورة.
78. ثنائية العقل والنقل أزمة مفتعلة لا رصيد لها في الواقع، فالأصل هو موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، فإن وقع تعارض؛ فإمّا أن يكون المنقول غير صحيح أو يكون المعقول غير صريح.
79. الأصل أنّ الرسول أسوة في كل تصرفاته، وأنّ تقسيم السنة إلى سنة تشريعية وغير تشريعية قول محدث، وإذا كان العلماء قد أخرجوا بعض تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم من دائرة التشريع لكونها من الأفعال الجبلية أو من الأمور الدنيوية، فإنّ هذا لا يعني أنّ تلك الأفعال أصل بذاتها.
80. ليس من العقل والرشد أن نبحث بعقولنا في غيبيات ضنّ الوحي بها علينا، ولا عن تكييف غيبيات أخرى أخبرنا بها الوحي على سبيل الإجمال، وإنّما العقل أن نقف في ذلك على الوحي.
81. في القرآن الكريم آيات محكمات وأُخَرُ متشابهات، والواجب تجاه ذلك ردّ المتشابه إلى المحكم، أمّا اتباع المتشابه بدون ردّه للمحكم فهو الزيغ والضلال.
82. المسلمون متَعَبَّدون بالأحكام لا بالمقاصد، فلا يصح الاستغناء بالمقاصد عن الأحكام، والأحكام والمقاصد لحمة واحدة كالشمس وفلكها الذي تدور فيه.
83. ولا تضييق على الناس فيما يصطلحون عليه من أسماء وعناوين وغير ذلك، بشرط أن يكون المصطلح منتزعًا من لغتنا وثقافتنا، أمّا إذا كان مصطلحًا وافدًا دخيلًا فإنّه ينبغي الحذر منه.
84. شرع الجهاد لغاية تعدُّ هي المقصد الجامع للجهاد، وهي إزالة الفتنة وإحلال سيادة الشريعة: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)؛ ومن الفتنة سيادة مناهج الجاهلية.
85. الأنظمة الجاهلية التي تقيم الحياة على أساس من رفض حاكمية الشريعة وسيادتها يجب قتالها، لأنّنا أمرنا أن نقاتل الناس حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله.
86. الكفّ المرحليّ عن نظام لا يقيم منهج الله ولا يقود الأمة بكتاب الله لا يعطيه شرعية، فإذا قامت الأمة عليه في أيّ وقت لا تكون خارجة على حاكم له شرعية.
87. يحرم الخروج على الحاكم المسلم العادل الذي يقود الأمة بكتاب الله، أمّا الخروج على الحاكم الكافر أو الذي ظهر في حكمه الكفر البواح أو الذي يقود الأمة بغير كتاب الله أو الذي يسعى لتعطيل فرائض الله وحدوده فهو واجب عند القدرة على ذلك، وعند العجز يعلق واجب الجهاد ويبقى واجب الإعداد، أمّا الحاكم الفاسق الجائر فإنْ تعدى فسقه وجوره حتى صبغ المجتمع بالفسق وهدد هويته الإسلامية فالخروج عليه مشروع، وإلا فالكفّ مع النصح هو المشروع.
88. يشترط لشرعية المتغلب أن يقود الأمة بكتاب الله وألا يظهر في حكمه الكفر البواح، كما يشترط ألا يأتي تغلبه في سياق الخروج على حاكم له بيعة وله شرعية مستمدة من الأمة، فإن توافرت الشروط وجب على الأمة أن تسمع له وتطيع في المعروف، وإلا فليس عليها تجاهه حق السمع والطاعة، وإنّما يجب خلعه عند القدرة، وعند عدم القدرة يشرع الكفّ عنه مرحليًّا.
89. الإمامة رئاسة تامّة وعامّة للأمّة الإسلامية؛ فإذا استطاعت جماعة من الناس أن تقيم النظام السياسي الإسلاميّ في أي صقع من الأصقاع - متوسطًا كان أو متطرفًا - فإنّ حكمهم ليس من قبيل الإمامة والخلافة العامة للمسلمين، فإذا تعددت الإمارات حرم عليها التقاتل طلبًا لمنصب الإمامة العامّة، ووجب على الجميع الدخول في الوحدة عبر الشورى التي يديرها أهل الحل والعقد.
90. تعتمد النهضة الاقتصادية في الإسلام على مقومات ثلاثة، هي: تعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية، وحسن إدارة الموارد البشرية، عدم إضاعة الوقت.
91. القوة السياسية تقوم على استدامة ثلاثة مقومات، هي: تحكيم الشريعة، وتقديم النصيحة، وحفظ الوحدة.
92. يقوم الاقتصاد الإسلاميّ على أسس عقدية، أهمها مبدأ الاستخلاف، مبدأ الكفاية، وأسس شرعية، أهمها: العدالة في توزيع الثروة، وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص، ومنع الربا وكل صور أكل أموال النماس بالباطل، وأسس أخلاقية، كالرحمة، والكفالة، والكرم.
93. عمد الإسلام إلى الحفاظ على الأبنية الثلاثة: الأسرة والمجتمع والدولة، وتحقيق التوازن بينها.
94. الولاء والبراء في الإسلام يرسم خطًا فاصلًا بين المسلمين والكفار، من اقتحمه وتعاون مع الكفار على من يختلف معهم من المسلمين فقد تردى في الهلكة.
95. الولاء والبراء والمفاصلة مع الكافرين وجهاد القوى الكافرة، كلّ هذا لا يمنع من القسط معهم والبر بمن لا يقع في الحرابة للإسلام وأهله.
96. يجب أن نفرق في موقفنا من الأمم الكافرة بين الأنظمة الحاكمة وجيوشها وسدنتها وكهنتها وقوى الشرّ فيها وبين الشعوب المستسرلة، فالأولى نبتدئها بالسيف والسنان بعد الدعوة والبيان، أمّا الثانية فنحررها ثم نخيرها بين الإسلام وبين دفع الجزية والتزام الصغار (القانون العام للإسلام).
97. تهدف التربية الإسلامية إلى صياغة الشخصية صياغة كاملة، من جميع الجوانب العقدية والعاطفية والسلوكية والشعورية والمنهجية والعلمية، وتعتمد على وسائل، أهمها: القدوة والتربية بالحدث، والمعايشة الهادفة، والممارسة العملية للشعائر والشرائع، والتلقين بكل صنوفه.
98. مصادر المعرفة في الإسلام تقوم على مصدرين رئيسيين، الوحي للعلوم الشرعية، والكون للعلوم الطبيعية، ومناهج التفكير والنظر في الإسلام ليست محصورة في قالب من القوالب التي فرضتها الفلاسفة، فالاستدلال والاستقراء والتجريب وتوثيق الأخبار وغير ذلك كلها مناهج معتمدة في الإسلام، بشرط أن تسلم من تحكمات الفلاسفة والمناطقة.
99. مصدر سلامة النفس الإنسانية (السيكولوجيا) والمجتمعات الإنسانية (السيسيولوجيا) والوضع الإنسانيّ بالنسبة لما حوله (الإنثروبيولوجيا) هو العبودية الحقيقية للرحمن، وترك العبودية للشيطان، وتدبر القرآن، وهذا لا يمنع من الاستفادة بما أنتجته العلوم الإنسانية مما لا يخالف مقاصد الكتاب العزيز، ولا أحكام الشريعة الغراء.
100. لا يقع التمكين الصحيح للأمة الإسلامية إلا باجتماع القدوة والقوة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق