القِصاصُ أَوْجَبُ أم المصالح السياسية؟
د. عطية عدلان
باحث ومفكر إسلامي متخصص في العلوم الشرعية
بسم الله الرحمن الرحيم .. الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد
تجري في هذه الأيام محاكمات لرموز (نظام الأسد)، وقد قضت المحكمة بإعدام بعض هذه الرموز، وبالحكم غيابيًّا على بعض الهاربين منهم، وعلى أثر ذلك بدأت بعض المؤسسات الدولية كمؤسسة العفو الدولية تناشد النظام السوري الحالي بعدم تنفيذ أحكام الإعدام، وبعدم محاكمة أيّ شخص غيابيًّا، ومع علم جميع المسلمين بأنّ القصاص حقٌّ في دين الله؛ فإنّ الحاجة قائمة للبيان على المستوى الداخليّ والخارجيّ، فالإعلان عن حكم الله في هذه النوازل والأحداث - ولاسيما مع وقوع اللغط – أمر في غاية الأهمية.
والواقع أنّ كثيرًا من المنظمات الدولية - ومعها دساتير وقوانين كثير من دول العالم - لا تقرّ عقوبة الإعدام، وتَعُدّها من العقوبات المنافية لحقوق الإنسان، من هذه المنظمات منظمة العفو الدولية، هذه المنظمة ليست كسائر المنظمات الدولية الأخرى، فهي في الغالب لا تكيل بمكيالين مثلما تفعل أغلب المنظمات الدولية، غير أنّها تُعَدُّ - في نهاية المطاف - من المنظمات الواقعة تحت الهيمنة الثقافية الغربية؛ لذلك فهي معترضة على إصدار المحاكم السورية الحالية أحكامًا بالإعدام على مجرمي النظام السوري البائد، فهل يجوز للمحاكم السورية أن تأخذ في الاعتبار هذه التقارير الصادرة عن تلك المنظمات الدولية؟ هل يجوز هذا من الناحية الحكمية؟ ثم إن لم يجز من هذه الناحية فهل يجوز سياسةً عدم تحريك الدعوى ضدّ هؤلاء المجرمين؛ أو التلكؤ في تنفيذ الأحكام عليهم؟ هل يجوز هذا من قبيل الموازنة بين المصالح والمفاسد؟
أولًا: لا ريب أنّ القصاص في القتل العمد واجب ثابت بالإجماع، فالقتل العمد العدوان المستوفي لشروط القصاص يوجب القصاص، ويثبت لأولياء الدم حق استيفائه، وقد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم، ومستند الإجماع قول الله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يَا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)) (البقرة: 178-179)، والقصاص في القتلى هو إيقاع العقوبة على القاتل بالمثل، بأن يُقتل القاتلُ بقتيله، والآية الأولى تتحدث عن القصاص بطريقة تأسيسية، فهي تؤسس للقصاص العادل، فتخبر أولًا بأنّ الله كتب (أوجب وفرض) على الأمة الإسلامية أن تقيم شريعة القِصاص، من خلال مؤسساتها التي يجب عليها أن تقيمها لهذا الغرض ولغيره من الأغراض التي جُماعها: (أن أقيموا الدين)، وأن تقيمها على العدل المطلق، وأصلُ هذا العدل وأساسه وجوهره أن يُقتل الحرُّ القاتل بالمقتولِ الحرِّ الذي قُتل على يده، وأن يُقتل العبدُ القاتل بالمقتولِ العبدِ الذي قُتل على يده، وأن تُقتل المرأةُ القاتلة بالمقتولةِ التي قُتِلتْ على يدها، وألّا تتجاوز هذه العقوبةُ القاتلَ إلى غيره، سواء كانت الواقعة: حرًّا قتل حرًّا أو عبدًا قتل عبدًا أو امرأة قتلت امرأة، فلا يؤخذ امرؤٌ بجريرة غيره، ولا تزر وازرة وزر أخرى، فالحرّ الذي قَتَلَ يُقْتَلُ بالحر الذي قُتِلَ على يده، وهكذا في العبد والمرأة، فإن قتل الحر عبدا أو قتل المسلم ذميًّا فتلك تفاصيل تُلتمس من كتب الفروع، وهي هنا غير مؤثرة في النازلة، أمّا الآية الثانية فهي تؤكد على وجوب القصاص بذكر حكمته، وهي بإيجاز: (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ)، وهي عبارة أضبط وأحوط وأبلغ وأرفع من قول العرب: "القتلُ أَنْفَى للقتل"، فالقصاص فيه حياة للإنسان، فيه حياة للمجتمعات، وكذلك يعد من مستند الإجماع ودليل الحكم تلك الأحاديث الكثيرة الواردة بتشريع الحكم، مثل حديث: (وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا يُودَى وَإِمَّا يُقَادُ)([1])، والقَوَدُ هو القِصاص، وحديث: (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ) ([2])، فقتل النفس بالنفس (القصاص) مشروع بنصّ الحديث، وغيرهما من الأحاديث.
ثانيًا: جمهور الفقهاء([3]) قالوا تقتل الجماعة بالواحد، منهم مالك وأبو حنيفة، والشافعي، والثوري، وأحمد، والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور وغيرهم، وبه قال عمر حتى روي أنه قال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا، وقال به من الصحابة أيضاً عليّ وابن عباس والمغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنهم، ومن التابعين سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعطاء، استدلَّ الجمهور بما رواه البخاريّ عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن غلاما قُتل غيلة، فقال عمر رضي الله عنه: «لو اشترك فيها أهل صنعاء لقتلتهم»([4])، وروى البيهقي عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قتل نفراً خمسة أو سبعة برجل قتلوه قتل غِيْلة وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا"([5])، وروى الدارقطنيّ عن سعيد بن المسيب أن إنسانا قتل بصنعاء وأن عمر قتل به سبعة نفر، وقال: «لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعا»([6])، وتمالأ بهمزة مفتوحة بعد اللام معناه توافق([7])، والمتمالئون: أي المتعاقدون والمتفقون([8])، وقد فعل عمر هذا والصحابة في المدينة، ولا يعرف له في زمانه مخالف من الصحابة، وذلك كالإجماع أو حلّ محلّ الإجماع([9])، بل هو إجماع سكوتيّ في عهد الصحابة، وأقوى الإجماعات إجماع الصحابة ولاسيما إذا كان على عمل من الأعمال التي قام بها خليفة من الخلفاء الراشدين المهديين الذين دلّنا رسول الله على سنتهم.
وبرغم أنّ الحديث الذي اتكأ عليه الجمهور موقوف على عمر رضي الله عنه، فهو من قبيل فعل الصحابيّ، وفعل الصحابيّ ليس حجة في الراجح، إلا أنّ فعله جاء مشفوعاً بقوله، فهو من قبيل قول الصحابيّ الذي لم ينازعه فيه أحدٌ من الصحابة، إضافة إلى أنّه اعتمد على سدّ الذرائع وعلى المصلحة؛ "فالمستند فيه المصلحة المرسلة؛ إذ لا نص على عين المسألة"([10])، و"مفهوم أن القتل إنما شرع لنفي القتل كما نبه عليه الكتاب في قوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} وإذا كان ذلك كذلك فلو لم تقتل الجماعة بالواحد لتذرع الناس إلى القتل بأن يتعمدوا قتل الواحد بالجماعة"([11])، ثمّ إنّ المعنى الذي من أجله شرع القصاص يقتضي إلحاق المشاركين في الحكم بالمنفرد؛ لأنَّ "الشرع إنما أوجب القتل على القاتل، والشريك ليس بقاتل على الكمال، لكنهم قالوا: إنما اقتص من القاتل لأجل الزجر وعصمة الدماء، وهذا المعنى يقتضي إلحاق المشارك بالمنفرد"([12])، كما اعتمدوا على قول الله تعالى: {ولكم في القصاص حياة} فالمقصد الحفاظ على الحياة، "وسبب الحياة أنه إذا علم القاتل بوجوب القصاص عليه إذا قتل كف عن القتل ... فلو لم تقتص من الجماعة بالواحد، لما كان في القصاص حياة، ولكان القاتل إذا هم بالقتل شارك غيره فسقط القصاص عنهما وصار رافعا لحكم النص"([13])، ولا ريب أنَّ "القتل بغير حق لا يكون في العادة إلا بالتغالب والاجتماع لأن الواحد يقاوم الواحد غالبا"([14]).
ثالثًا: فإذا كان الجماعة الذين يشتركون في قتل الواحد لدوافع شخصية يقتلون به مهما كثروا؛ فكيف بالجماعة الصغيرة تقتل مئات الآلاف من الشعب، بالتمالؤ والتعاون على الإثم والعدوان؟ وكيف إذا لم يكن القتل قد وقع بمجرد دوافع شخصية وإنما وقع في سياق التآمر على الشعب والممالأة لأعداء الأمة، والتكريس لنظام استبداديّ عنصري كافر؟ فلا ريب أنّ جميع المجرمين من نظام الأسد الذين تورّطوا في قتل أبناء الشعب السوري يقعون تحت طائلة حكم القصاص، بلا فرق بين من باشر القتل ومن أمر به ومن حرّض عليه ومن عاون بأيّ صورة من الصور المؤثرة في تحقيق القتل، وهذا مما لا شك فيه ولا ارتياب.
رابعًا: المتأمّلُ في أقوال العلماء يجد أنّ مردّ ذلك التمالؤ والتواطؤ، فمن رأى صورة من الصور يتحقق فيها تمالؤ الجماعة على قتل الواحد قال بالقصاص منهم جميعاً، وهذه نماذج من أقوالهم: روى عبد الرزاق في مصنفه عن معمر قال: أخبرني زياد بن جبل، عمن شهد ذلك قال: كانت امرأة بصنعاء لها ربيب فغاب زوجها، وكان ربيبها عندها، وكان لها خليل، فقالت: إن هذا الغلام فاضحنا، فانظروا كيف تصنعون به؟ فتمالوا عليه وهم سبعة مع المرأة قال: قلت له: كيف تمالئوا عليه؟ قال: لا أدري غير أن أحدهم قد أعطي شفرة قال: فقتلوه وألقوه في بئر بغمدان ..."([15])، فاللافت للنظر هنا هو الجواب عن سؤال: كيف تمالئوا؟ والجواب: لا أدري غير أنّ أحدهم قد أعطى شفرة؛ بما يفهم منه أنهم ما تصوروا أنّ الجميع باشر القتل، وإنما تصوروا التمالؤ يتحقق بمجرد التعاون والاتفاق، وقال الصنعانيّ معلقاً على حديث ابن عمر: "وفي هذا دليل أن رأي عمر أنه تقتل الجماعة بالواحد وظاهره: ولو لم يباشره كل واحد؛ ولذا قلنا إن فيه دليلا لقول مالك والنخعي وقول عمر: لو تمالأ أي توافق دليل على ذلك" ([16]). فظاهر قول عمر يدل على أنّه لا يشترط أن يكون الجميع قد باشر القتل، بما يعني أنّ التمالؤ في مفهومهم هو التعاون مع الاتفاق.
ويقول الإمام الشافعي - فيما نقله عنه الماورديّ - ولو جرحه أحدهما مائة جرح والآخر جرحا واحداً فمات كانوا في القود سواء "([17])، وقد أورد الماوردي كلاماً مطولاً بسط فيه الاحتالات التي عنَّت له، لكنّها صور قديمة أغلبها لا يقع الآن"([18])، لكننا نخرج من ذلك بفائدة عملية، وهي أنّ المسألة متجددة، وأنّ الصور المختلفة مردها جميعاً إلى الممالاة، ويعدد شيخ الإسلام ابن تيمية صوراً من التواطؤ والتمالؤ الذي يضع صاحبة في دائرة القصاص؛ فيقول: "وإن كان بعضهم غير مباشر لكنه متسبب سببا يفضي إلى القتل غالبا: كالمكره وشاهد الزور إذا رجع والحاكم الجائر إذا رجع: فقد سلم له الجمهور على أن القود يجب على هؤلاء"([19])، وابن قدامة يفصل أكثر فيما يتعلق بشهادة الزور فيقول: "وإن شهد رجلان على رجل بقتل أو جرح، أو سرقة قد توجب القطع، أو زنى يوجب الرجم أو الجلد، ونحو ذلك، فاقتص منه، أو قطع بالسرقة، أو حد فأفضى إلى تلفه، ثم رجعا عن الشهادة، لزمهما ضمان ما تلف بشهادتهما، كالشريكين في الفعل، ويكون الضمان في مالهما، لا تحمله عاقلتهما؛ لأنها لا تحمل اعترافا، وهذا يثبت باعترافهما. وقد روي عن علي - رضي الله عنه - أن شاهدين شهدا عنده على رجل بالسرقة، فقطعه، ثم أتيا بآخر، فقالا: يا أمير المؤمنين، ليس ذاك السارق، إنما هذا هو السارق، فأغرمهما دية الأول، وقال: لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما. ولم يقبل قولهما في الثاني، وإن أكره رجل رجلا على قتل إنسان، فقتله، فصار الأمر إلى الدية، فهي عليهما؛ لأنهما كالشريكين، ولهذا وجب القصاص عليهما"([20])، فشاهد الزور الذي أفضت شهادته إلى قتل إنسان أو قطعه تعتبر قتلاً يوجب القصاص، ولو تعدد الشهود يعتبروا مشاركين فيالقتل فيقتص منهما، ويأتي كلام ابن مفلح الحنبليّ أكثر تركيزاً على المناط، فبعد أن قرر الحكم قال: "وهذا إذا كان فعل كل واحد منهم صالحا للقتل به، وإلا فلا ما لم يتواطئوا على ذلك "([21])، أي إذا ثبت التواطؤ كان عليهم القصاص جميعاً حتى ولو لم يكن فعل كل واحد منهم صالحاً للقتل استقلالاً.
وبناء على ما سبق من وجوب القصاص من الجماعة المجرمة التي تمالأت وتواطأت واتفقت على قتل أبناء الشعب السوريّ؛ فإنّ المحرضين لا ينعتقون من طائلة هذا الحكم، ولنبدأ بالإعلام؛ فهل كان بإمكان النظام المجرم أن يرتكب كلّ هذه الجرائم لولا أنّ الإعلام مهد لهذا ووطّدَ له؟ وهل كان من الممكن أن يتمادى المجرمون في القتل لولا أنّ هذا الإعلام بالتعاون - القطعيّ الثبوت - مع القيادات العسكرية والأمنية الباطشة هو الذي مهد الأرض للإجرام، فهو الذي أغرى وحرض، وهو الذي برر وشرعن، بل هو - في الحقيقة التي لا تخفى إلا إذا خفيت الشمس في يوم لا غيم فيه ولا ضباب - ذراع من أذرع القوى الباطشة، وقل مثل ذلك بل أكثر منه في شأن من أفتى بوجوب قتل الثوار والعلماء، وبرر بالحكم عليهم بأنّهم خوارج، وبأنّ الواجب على الأمّة قتالهم وقتلهم، وقام بتنزيل النصوص قسراً عليهم، وهي التي لا تتنزل إلا على من يقاتلهم ويقتلهم، إنّ الجنديّ المسلم البسيط قد تمّت تعبئته بمعاني الحقد والكراهية ضد إخوانه المسلمين حال كونه حاملاً للسلاح محملاً بأمر عسكريّ أن يضرب، وإنّ القاصي والداني ليعلم أنّ هؤلاء المفتين ليسوا سوى ذراعاً آخر للنظام، ولو أنّ هؤلاء الإعلاميين الفجرة وهؤلاء المفتين الفسقة قالوا ما قالوه والسيوف في أغمادها لكان الخطب أهون، ولكان التنزيل للحكم أبعد، ولكنّهم قاموا بما قاموا به من التحريض والتحضيض، والشرعنة والتبرير، والإغراء والإغواء في حالٍ كانت فيها السيوف مسلولة، والأسنّة مشرعة، وأصابع الجند على أزناد البنادق، والأوامر بالقتل قد ازدحمت على أفواه الطغاة.
فإذا لم يكن هذا الذي وقع هو التمالؤ والتواطؤ والاجتماع على القتل فأين نجده، إننا إن افتقدناه في هذه الحال؛ فمن الأولى أن نفتقده في الحال التي حكم فيها الخلفاء الراشدون، ولو صُوِّبنا بتركهم لخُطِّئ الصحابة الكرام في اجتهادهم وحكمهم وإجماعهم، لقد قتُل الأبرارُ بأيدي الفجارِ، والقتلة الفجارُ هم الحكام من عائلة الأسد وأعوانهم من قادة النصيرية الباطنية المارقة، ومعهم بعض المفتين والإعلاميين وغيرهم، فكل من ثبت عليه التورط في هذه الدائرة - التي اجتمع كل من فيها على اختلاف تخصصاتهم ليقوم كل منهم بدوره - داخلٌ حتمًا في دائرة المسئولية، التي هي القصاص العادل.
خامسًا: قد يكون هناك بعض المصالح التي يُتوقع أن تنجم عن الاستجابة للضغوط الدولية في هذا الشأن، مصالح سياسية واقتصادية وأمنية وغير ذلك، لكنّ الواقع يشهد بأنّ جميع هذه المصالح متوهمة وليست حقيقية، ومثلها المفاسد التي يُتوقع أن تنجم عن المضيّ في تنفيذ القصاص، والقواعد الفقهية الثابتة الماضية تنصّ على أنّه: "لا عبرة بالتوهم"، و"لا عبرة بالظنّ البَيِّن خطؤه"، فقد أثبتت التجارب - ولاسيما بعد الربيع العربي وبعد سلسلة الانقلابات على الربيع العربيّ - أنّ الخضوع للضغوط الدولية في مثل هذه المسائل الثورية المفصلية مَقْتَلٌ من المقاتل التي تؤتى من قِبَلِها الثوراتُ.
أمّا المصالح الشرعية المؤكدة التي لأجلها نناشد النظام السوريّ للمضيّ في المحاكمات وتنفيذها بكل حسم وحزم وبلا أدنى تهاون أو هوادة، فهي كثيرة وعظيمة، منها حياة أنفس الشعب السوري في قابل الأيام؛ (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يَا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، ومنها قطعُ دابر القوم الذين ظلموا، وهي سنة إلهية ماضية؛ (فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) (الأنعام: 54)، فَقَطْعُ دابر الظالمين المجرمين مقصدٌ من مقاصد السنن الشرعية والسنن الإلهية في العمران البشري، ومن هذه المصالح الكبرى الاحتراز من عودة النظام السابق في أيّ صورة من الصور، وللسوريين فيما جرى بمصر عبرة؛ فإنّ الثورة المصرية قَطعت ذيلَ الحية وتركت رأسها؛ فلم تلبث الحية أن استعادت قوتها وأَنْشَبَتْ في جسد الأمة أنيابها، ومنها شفاء صدور المؤمنين الذين قتل منهم مئات الآلاف وهجر منهم الملايين وهدمت بلادهم؛ لا لشيء إلا لأنّهم مسلمون سنة أرادوا أن ينالوا حريتهم، والطمأنينة المجتمعية والسكينة الشعبية والرضا العام مقاصد شرعية وسياسية واستراتيجية عالية؛ فمشاعر السكينة والطمأنينة والرضا تطلق الشعب من آسار وأغلال الذكريات الأليمة المحبطة، وتأخذ الأمة السورية إلى آفاق العزّ والتمكين؛ ومن هنا نهيب بالحكومة السورية وبالقضاء السوري وبكافة أجهزة الدولة ألا يلتفتوا إلى المجتمع الدولي ولا إلى مؤسساته.
والأهم من ذلك كلّه أنّ القصاص من الطغاة المجرمين على وفق أحكام الشريعة، وتطهير البلاد من جراثيم الفساد أحد أهم تجليات التدرج في تطبيق الشريعة دون تراخ أو تسويف. والله تعالى أعلم
([1]) متفق عليه البخاري برقم (6880) ومسلم برقم (1355) كلاهما عن أبي هريرة مرفوعًا
([2]) متفق عليه البخاري برقم (6878) ومسلم برقم (1676) كلاهما عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا
([3]) الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (4/ 245) - بداية المجتهد ونهاية المقتصد (4/ 182) - البناية شرح الهداية (13/ 125) - الحاوي الكبير (12/ 27) - روضة الطالبين وعمدة المفتين (9/ 159) - الروض المربع شرح زاد المستقنع (ص: 633)
([4]) صحيح البخاري (9/ 8) برقم (6896)
([5]) السنن الكبرى للبيهقي (8/ 73) برقم (15973)
([6]) سنن الدارقطني (4/ 279) برقم: (3463)
([7]) فتح الباري لابن حجر (12/ 228)
([8]) الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (4/ 245)
([9]) تفسير ابن كثير (1/ 358) - العناية شرح الهداية (10/ 243)
([10]) تفسير المنار (7/ 164)
([11]) بداية المجتهد ونهاية المقتصد (4/ 182)
([12]) المستصفى للغزالي (ص: 330)
([13]) الحاوي للماوردي (12/27)
([14]) البناية شرح الهداية (13/ 125)
([15]) مصنف عبد الرزاق الصنعاني (9/ 477) – وانظر: الاستذكار (8/ 155)
([16]) سبل السلام (2/ 353)
([17]) الحاوي الكبير (12/ 29)
([18]) الحاوي الكبير (12/ 29 - 31)
([19])مجموع الفتاوى (20/ 382)
([20]) المغني لابن قدامة (8/ 432)
([21]) المبدع في شرح المقنع (7/ 202)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق