‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد شعبان أيوب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد شعبان أيوب. إظهار كافة الرسائل

السبت، 18 يوليو 2026

الطرق الصوفية جزء من اللعبة الدولية

 الطرق الصوفية جزء من اللعبة الدولية  

غالبا ما نتذكر في الحملة الفرنسية على مصر الخواجة يعقوب النصراني اللي دعم المحتل الفرنسي، وأنشأ ميليشا عسكرية تابعة لهم في حواري القاهرة، خادمة لأهدافهم، وكان سميعا مطيعا لأوامرهم، يدلهم على عورات المصريين ونقاط ضعفهم، ويساعد قواتهم في القضاء على الثورات والثائرين.

ولكن قليلا من يعرج على دور الشيخ خليل البكري زعيم الطريقة الصوفية البكرية، وشيخ السجادة البكرية من قبل مجيء الحملة الفرنسية بخمس سنوات، والبكريون أسرة كبيرة ومؤثرة في تاريخ مصر العثمانية وأواخر المماليك، كان منهم علماء وشيوخ كبار في الأزهر، بل بعضم تولى قضاء إسطنبول، فضلا عن أهم مؤرخيهم في ذلك العصر زي أبو السرور البكري، ومن قبله أبو الحسن البكري.

يعني عيلة مأصلة ولها تأثير ضخم علمي وصوفي في مصر منذ القرن الـ15 لغاية القرن الـ19، ومع رفض عمر مكرم نقيب الأشراف التعاون مع المحتل الفرنسي، عين الفرنسيون مكانه الشيخ خليل البكري في منصب نقيب الأشراف بالإضافة لمنصبه شيخا للسجادة والطريقة البكرية، وكان طوع أمرهم، بل من العجيب أن نابليون كان لشدة تفاني خليل البكري في خدمته يقبل دعوته في حضور الموالد ويهيص معاهم.

يقول الجبرتي في حوادث السنة الأولى من الاحتلال الفرنسي: 
“عُمل المولد النبوي بالأزبكية ودعا الشيخ ‌خليل ‌البكري سارى عسكر الكبير (نابليون) مع جماعة من أعيانهم وتعشوا عنده، وضربوا ببركة الأزبكية مدافع، وعملوا حراقة وسواريخ، ونادوا في ذلك اليوم بالزينة وفتح الأسواق والدكاكين ليلا، وأُسراج قناديل واصطناع مهرجان”

وتتبع سيرة هذا الرجل القميء في تاريخ الجبرتي كفيلة بمقته، ولهذا السبب لما طُرد الفرنسيون من مصر، هاج الناس على هذا الخائن، فقرر والي مصر العثماني محمد خسرو باشا تهدئة لخواطرهم، طرده من نقابة الأشرف والطريقة البكرية كلية، وتعيين رجل آخر قريبه من فرع آخر مكانه، فهدأت النفوس وسكنت.
والشاهد من هذه القصة أن الطرق الصوفية -إلا من رحم ربي منهم- جزء مهم من هندسة اجتماعية وسياسية عليا لحصر الإسلاموية فيهم، وسواء عرف أتباعها هذه الأمور أم لم يعلموا، فإنهم جزء من لعبة دولية أوضحها تقرير راند الشهير الصادر عن الخارجية الأمريكية في 2007 الذي يوصي بضرورة دعم والتعاون مع هذه الجماعات الصوفية وتقوية نفوذها لإضعاف «التيارات المتطرفة» على حد وصفهم.

ولست هنا أتهم أفرادهم وشيوخهم بالخيانة – معاذ الله – وأنا الذي أحترم التصوف السني، وأحد المهتمين به، والقارئين له، ولكن أحببت أن أحلل الصورة التي تقرب وتدعم الصوفية البدعية التي نراها اليوم وتُقصي غيرهم.


تقريرراند 







الاثنين، 13 يوليو 2026

ماذا قدم الفراعنة للمصريين؟

 ماذا قدم الفراعنة للمصريين؟

محمد شعبان أيوب 

ما نعرفه من سور القرآن الكريم، وخاصة القصص ويوسف وطه وغيرها، أن فرعون كان يستعبد المصريين، ويجعل أهلها شيعا، يستضعف طائفة منهم، وأن فرعون أو ملك مصر زمن يوسف لم يكن يؤمن بالله، وأن هذه الطائفة المترفة المنعمة كانت في واد والشعب في واد آخر، رغم ما حباهم الله به من نعمة الأمن والنيل والزراعة والخيرات، حتى إن امرأة العزيز راودت يوسف عن نفسه، لأنه شغفها حبا، بل أعلنت على الملأ أنها ستعاقبه بالسجن أو بغيره إن لم يفعل ما تأمره به.


وإن آثارهم لشاهدة على ظلم القوي منهم للضعيف، والغني منهم للفقير، حتى إنك ترى اكتشافات المقابر الملكية وعلية القوم ولا نكاد نجد إلا في النادر مقابر عامة المصريين، وهذه الأهرامات التي بنوها مع عظمتها وضخامتها وأعجوبتها سخروا لها آلاف الناس جبرا وقسرا ليدفن فيها الفرعون وفقط، فلم تكن ذات عائد أو طائل، ومن العجيب أن صيامنا ليوم عاشوراء كل عام يكون بسبب نجاة موسى وقومه، وغرق فرعون وقومه.

ومن ثم، فهناك فارق كبير بين الاعتبار من سيرة قوم ظلموا أنفسهم، وبين الاحتفاء بهم، واتخاذهم مثالا يرفع من قيمة الظلم والكفر والغدر وقتل النساء والأطفال والاستعلاء على الخلق، والاستهانة بمقام النبوة والتوحيد.

والحمد لله على نعمة الوحي الذي يحدد قيمنا وبوصلتنا، ويرشدنا إلى أقوم السبل

السبت، 6 يونيو 2026

تحت أعين روسيا واليونان.. حين أطلق العثمانيون أول طوربيد تحت الماء في التاريخ

تحت أعين روسيا واليونان.. 

حين أطلق العثمانيون أول طوربيد تحت الماء في التاريخ

الغواصة البخارية من طراز نوردنفلت "عبد الحميد" التابعة للأسطول العثماني عام 1886 (المصدر: لاست ستاند أون زومبي آيلاند)

محمد شعبان أيوب

مع صعود السلطان عبد الحميد الثاني إلى عرش السلطنة العثمانية عام 1876، كانت الدولة تعاني من مشكلات داخلية وخارجية كثيرة، كان أخطرها زجها في حرب خطيرة ضد الروس أدت إلى خسارة فادحة بلغت حد اقتراب القوات الروسية من العاصمة إسطنبول، وتهجير مئات الآلاف من مسلمي البلقان، وخزينة فارغة، ودولة مضطرة إلى تحمل كل هذه التكاليف العسكرية والمالية، بل وتعويض الروس عن هذه الحرب.

وكان الأخطر من ذلك زيادة النفوذ الروسي في البلقان، وصعود القوميات في بلغاريا وصربيا والجبل الأسود والبوسنة والهرسك، وحصول بعضها على الاستقلال، ثم زيادة مساحة الجغرافيا اليونانية على حساب العثمانيين. لقد وصلت الخسائر حد تهديد مستقبل الدولة العثمانية وبقائها، مع صعود ما سُمي في الأدبيات الأوروبية وقتها بـ"المسألة الشرقية"، وهي استعداد الدول الأوروبية لتقسيم الدولة العثمانية والحصول على أقطارها.

وأمام هذا المصير المؤلم، أدرك السلطان عبد الحميد الثاني أنه لا مفر من المواجهة، وبعد أن استحكمت قوته على الداخل العثماني، وتمكن من القضاء على القوى التي تنازعه في الداخل، كما نازعت عمه عبد العزيز من قبل، وخلعت أخاه مراد الخامس، وكان لها رأي ماض في زمن والده عبد المجيد، عمل بكل قوة على زيادة قوة الجيش العثماني أمام التهديدات المتلاحقة، وأخطرها اليونان المدعومة من الغرب الأوروبي ومن الروس.

"أدرك عبد الحميد أن العصر الذهبي للدولة العثمانية قبل سليمان القانوني وبعده إنما اتكأ على أسطول عثماني قوي مخر عباب البحار"

وقد أدرك عبد الحميد أن العصر الذهبي للدولة العثمانية قبل سليمان القانوني وبعده إنما اتكأ على أسطول عثماني قوي مخر عباب البحار، وبلغ مضيق جبل طارق، وسيطر على البحار المتوسط والأسود والأحمر والخليج العربي وأجزاء من المحيط الهندي، وأنه في ظل التطور التكنولوجي السريع في عصره، والتنافس الحضاري والعسكري بين القوى الأوروبية كان لا بد من تحديث الجيش عامة، والأسطول خاصة، ولهذا السبب بدأت الأنظار في عصره تتجه نحو سلاح جديد سيغير المعادلة في البحار والمحيطات فيما بعد، ألا وهو سلاح الغواصات.

نشأة الغواصات

رغم غياب تاريخ محدد لبداية اختراع الغواصة، فإن العديد من الأدلة التاريخية تشير إلى أن التصورات الجادة لتصميمها تعود إلى القرن الخامس عشر، حيث قدم عدد من الباحثين والمهندسين، مثل كونراد كيسر (1465)، وليوناردو دا فينشي (1500)، وويليام بورن (1578)، وكورنيليوس فان دريبل (1603)، وروبرت فولتون (1797)، إضافة إلى المهندس العثماني إبراهيم أفندي (1719)، نماذج مبكرة لغواصات، انطلقت أساسا من دافع علمي يتمثل في استكشاف البيئة البحرية العميقة، ورغم ذلك بقيت هذه المحاولات ضمن الإطار التجريبي، ولم تشهد تطورا نوعيا ملموسا إلا مع اقتراب القرن التاسع عشر.

على أن التحول الحاسم في تاريخ الغواصات ارتبط بسياق عسكري، وتحديدا خلال الحرب الأهلية الأمريكية، حين سجل أول استخدام ناجح لها في القتال، فقد تمكنت غواصة سي إس إس هانلي التابعة للكونفدرالية الجنوبية الأمريكية، من إغراق السفينة يو إس إس هاوساتونيك عام 1864، في عملية استهدفت كسر الحصار البحري الذي فرضته قوات الشمال على ميناء تشارلستون، وتعد هذه الحادثة نقطة الانطلاق الفعلية لتحويل الغواصة من أداة تجريبية إلى سلاح حربي، وذلك كما يرصد أنتوني بريستون في كتابه "الغواصات: تاريخ وتطور السفن القتالية تحت الماء".

"خلال الحرب الأهلية الأمريكية، سُجل أول استخدام ناجح للغواصات في القتال"

وقد فرضت ظروف الحصار البحري القاسي على الولايات الأمريكية الجنوبية البحث عن وسائل غير تقليدية لمواجهة التفوق البحري للشمال، خاصة في ظل تعطل التجارة وانقطاع الإمدادات الخارجية، ومن ثم برزت الغواصات كخيار إستراتيجي يتيح توجيه ضربات تحت سطح الماء ضد سفن الحصار، ومنذ ذلك الحين، أخذت الغواصات تكتسب دورا متزايد الأهمية بين المتنافسين في العالم، لتتحول تدريجيا إلى عنصر ردع فعال، ووسيلة تعزز القدرات العسكرية وتغير موازين القوى البحرية.

وقد شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر طفرة نوعية في تقنيات الملاحة البحرية، مدفوعة بتطور المحركات البخارية وزيادة التدريع، ما أسهم في نقل مركز القوة العالمية تدريجيا من البر إلى البحر، وأصبحت هيمنة الدول الكبرى تقاس بقدرات أساطيلها البحرية وترساناتها، في ظل تصاعد أهمية البحار كمساحة للصراع والنفوذ، وسرعان ما تحولت الغواصات من أداة تجريبية إلى عنصر ذي قيمة عسكرية، خاصة مع التطورات التقنية التي أدخلها مهندسون مثل الأمريكي سيمون لايك والأيرلندي جون فيليب هولاند، الذي يعرف اليوم بوصفه الأب الروحي للغواصات الحديثة.


وفي هذا السياق التاريخي بدأت الدولة العثمانية في عصر عبد الحميد الثاني الانتباه إلى أهمية هذا السلاح، وقدرته الفذة في إغراق الأساطيل والسفن المعادية، وترجع البدايات الأولى لاهتمام الدولة العثمانية بتقنيات الغوص البحري إلى مرحلة مبكرة نسبيا من تاريخها، إذ تسجل المصادر إشارات إلى تجربة لافتة تعود إلى عام 1720، وردت في كتاب سُرنامه لسيد وهبي حسين.


"مهندس الترسانة العثمانية إبراهيم أفندي صمم قاربا في شكل تمساح تحرك من حوض الترسانة إلى محيط قصر السلطان، ثم غاص تحت الماء قبل أن يظهر مجددا أمام خيمة السلطان"


ونرى في روايته أن مهندس الترسانة العثمانية إبراهيم أفندي صمم قاربا في شكل تمساح عُرض خلال احتفالات ختان أبناء السلطان أحمد الثالث، حيث تحرك القارب من حوض الترسانة إلى محيط قصر السلطان، ثم غاص تحت الماء قبل أن يظهر مجددا أمام خيمة السلطان، ثم تضفي الرواية طابعا استعراضيا على الحدث بذكر خروج أشخاص من داخل القارب حاملين أطعمة، في مشهد يوحي بقدرة المركب على العمل تحت الماء، وتعد هذه الواقعة أول تجربة غوص ناجحة معروفة في التاريخ العثماني، بل ظلت أيضا تجربة فريدة لم يتكرر نجاحها لاحقا.

التنافس اليوناني العثماني

بحلول نهاية القرن التاسع عشر، عاد الاهتمام العثماني بالغواصات في إطار عسكري أكثر وضوحا، إذ اقتنت البحرية العثمانية هذا النوع من الأسلحة لأول مرة في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، فتعاقدت مع شركة نوردنفلت البريطانية السويدية لشراء غواصتين متقدمتين، وذلك إثر تطورات تقنية شهدتها أوروبا في هذا الميدان.

كان المهندس البريطاني جورج ويليام غاريت قد طور غواصة تعمل بالبخار عُرفت باسم ريزورغام، غير أنها غرقت أثناء عرض تجريبي، ولكن بعد هذه التجربة تعاون غاريت مع رجل الصناعة السويدي ثورستن فيلهلم نوردنفلت، الذي بادر إلى تصنيع سلسلة غواصات تحمل اسمه ابتداء من عام 1885 في ستوكهولم، حيث أُنتجت أربع غواصات من هذه الفئة.

"تعاقدت البحرية العثمانية مع شركة نوردنفلت البريطانية السويدية لشراء غواصتين متقدمتين"

يرى إفرين ميرجان في دراسته "الغواصات الأولى في البحرية العثمانية" أن غواصات نوردنفلت عكست مرحلة انتقالية في مسار تطور الغواصات وقتئذ، إذ اعتمدت على أنظمة الدفع البخاري، وعلى الرغم من قدرتها على توليد طاقة كبيرة، فإن تطبيق هذه التقنية داخل بيئة مغلقة كالغواصة أفرز تحديات عملية، كان أبرزها ضيق الحيز الداخلي وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات مرهقة للطاقم، مما قيد مدة الإبحار.

كما أن ضعف كفاءة المحركات البخارية أثناء الغوص حد من نطاق العمليات الممكنة، وجعل الأدوار التكتيكية للغواصات محدودة، كما أسهمت الغلايات الثقيلة وخزانات المياه الساخنة في إحداث اختلال في توازن الغواصة تحت الماء، الأمر الذي كان يعرضها لمخاطر الميل غير المستقر، ويؤكد الطبيعة التجريبية لهذه المرحلة من تطور السلاح البحري.

في النهاية، لم تحقق التجارب العملية للغواصة النتائج المرجوة، إذ كشفت عن عيوب تقنية بارزة مثل اختلال التوازن أثناء الغوص، وانبعاث أول أكسيد الكربون، وارتفاع الحرارة داخلها، ما أثر سلبا على كفاءتها، وقد أكد تقرير الموظف العثماني المختص خليل أفندي، المرفوع في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 1885 إلى السلطان عبد الحميد الثاني هذه العيوب، مشيرا إلى بطء السرعة وعدم الاستقرار تحت الماء، ومستخلصا ضرورة إدخال تعديلات جوهرية.

وبناء على ذلك التقرير الفني اتسم الموقف العثماني بالحذر في بادئ الأمر وعدم التسرع، في حين أقدمت اليونان على شراء الغواصة عام 1886 بدعم من الوسيط باسيل زخاروف. غير أن التجارب اليونانية أثبتت استمرار المشكلات التقنية، ما قصر استخدامها على مهام دفاعية محدودة، في وقت أثار فيه هذا السلاح نقاشا داخل الأوساط البريطانية حول جدواه كبديل أقل كلفة من التحصينات الساحلية التقليدية.

يرصد إردنيج سنجار في دراسته "تاريخ صناعة الغواصات التركية" أن التجارب التي أجرتها اليونان عام 1886 على الغواصة -التي اشترتها حينئذ مقابل 9 آلاف جنيهٍ إسترليني- قبالة سواحلها كانت محدودة الكفاءة، إذ اتضح صعوبة التحكم فيها وعدم قدرتها على البقاء تحت الماء لأكثر من 5 دقائق، ما جعلها أداة غير مجدية في نظر اليونانيين، فتراجع الاهتمام بها حتى عام 1911، ولكن بسبب غياب معلومات دقيقة حول هذه التجارب، انتشرت في الأوساط العثمانية شائعات ذات طابع تصعيدي عن نوايا يونانية لاستهداف السواحل وخطوط النقل وصولا إلى إسطنبول، وهو ما أسهم في دفع الدولة العثمانية إلى طلب غواصتين أكثر تطورا من شركة نوردنفلت.

"اتسمت الإستراتيجية البحرية العثمانية في تلك المرحلة بطابع دفاعي، وهدفت إلى حماية المضائق الحيوية"

لقد اتسمت الإستراتيجية البحرية العثمانية في تلك المرحلة بطابع دفاعي، وهدفت إلى حماية المضائق الحيوية، مثل الدردنيل والبوسفور، وتأمين موانئ رئيسية مثل إسطنبول وسالونيك وإزمير وطرابزون وبيروت، وضمان استمرار التجارة، وقد تعزز هذا التوجه بعد الهزيمة الثقيلة في الحرب الروسية العثمانية (1877–1878)، التي كشفت ضعف الأسطول العثماني خاصة في البحر الأسود، مقابل فاعلية زوارق الطوربيد الروسية.

كما استغلت اليونان هذا الضعف عبر دعم تمردات جزيرة كريت ضد الدولة العثمانية، ومضايقة السفن العثمانية، ومحاولات التوسع في مناطق إبيروس وجنوب مقدونيا عام 1885، ما دفع الدولة العثمانية إلى تطوير قدراتها البحرية، والبحث عن وسائل قتالية حديثة، مثل الغواصات القادرة على إطلاق الطوربيدات والعمل في الخفاء.

قصة الغواصات: عبد الحميد وعبد المجيد

استغلت شركة نوردنفلت ووكيلها باسيل زخاروف حالة التوتر السياسي بين الدولة العثمانية واليونان وحولتها إلى فرصة تجارية، فشجّعا الطرفين على اقتناء غواصات كانت لا تزال في مرحلة التطوير، وبعد انتشار خبر امتلاك اليونان غواصة، سارعت الدولة العثمانية إلى طلب غواصتين بسعر أعلى من اليونانيين بلغ 11 ألف جنيه إسترليني لكل واحدة، ووقعت عقد الشراء عام 1886.

وبموجب أمر صادر من السلطان عبد الحميد الثاني تقرر تمويل الصفقة من الخزينة السلطانية الخاصة، على أن تُنجز الغواصتان خلال شهرين ونصف، ثم تُنقلان مفككتين إلى إسطنبول ليعاد تركيبهما في ترسانة طاشكزاق بالقرن الذهبي، وقد صُنعت الغواصتان المعروفتان وقتها باسم "نوردنفلت–2" و"نوردنفلت–3″، في أحواض ديس فين-تشيرستي بإنجلترا، وجاءتا أكبر حجما وأكثر تطورا من النموذج الأول الذي امتلكته اليونان.

"اشترى العثمانيون غواصتين من شركة نوردنفلت بسعر 11 ألف جنيه إسترليني للواحدة، وتم توقيع عقد الشراء عام 1886"

بلغ طول كل غواصة 31 مترا، وعرضها 3.6 أمتار، ووزنها نحو 160 طنا، وزُوّدتا بمحرك ثنائي الأسطوانات بقوة 250 حصانا، وقد تفوقتا في السرعة على النموذج السابق، سواء على السطح أو تحت الماء، واعتمدتا أثناء الغوص على ضغط البخار المتبقي في الغلاية بعد إغلاق المدخنة، وتألف طاقمهما من 5 أفراد.

كما كانتا من أوائل الغواصات القادرة على إطلاق الطوربيدات، رغم أن مدى حركتهما تحت الماء لم يتجاوز 12 ميلا، ما جعل استخدامهما أقرب إلى الهجوم السطحي، وقد بدأ تجميع الغواصتين في ترسانة طاشكزاق بعد تأخير 10 أيام بإشراف المهندس البريطاني ويليام غاريت، الذي كان يتنقل بين جزيرة سالاميس اليونانية وإسطنبول لمتابعة التجارب، في ظل سباق تقني متصاعد بين العثمانيين واليونانيين لامتلاك هذا السلاح الجديد، استغلته الشركة المصنعة بصورة لافتة، كما يقول إفرين ميرجان.

ورغم ذلك، واجهت عملية التجميع عقبات عديدة، إذ وصلت الأجزاء ناقصة وظهرت مشكلات تقنية متكررة، إلى جانب تأخر دفع أجور العمال بسبب الأزمة المالية التي كانت تمر بها الدولة العثمانية، كما أشارت مراسلات رسمية إلى أن غياب المهندس غاريت لفترات طويلة كان من أبرز أسباب التعطيل، نظرا لاعتماد عمليات التركيب والتجارب عليه.

"في عام 1887، سجلت حادثة تجسس على الغواصات وانتهى الأمر بإعدام الجاسوس"

ورغم ذلك استمرت الجهود بوتيرة مكثفة، حيث أشار وزير البحرية حسن باشا في تقريره المؤرخ في 31 يوليو/تموز 1886 إلى أن العمل كان يجري ليلا ونهارا لتعجيل إنجاز المشروع، رغم ضيق أماكن العمل، ويبدو بحسب ميرجان أن هذه الغواصات أثارت اهتمام دول أخرى، حيث سُجّلت حادثة تجسس عام 1887 حين التقطت صور سرية لها (شهد التصوير الفوتوغرافي بدايات انتعاشه في تلك الفترة) وانتهى الأمر بإعدام الجاسوس.

وفي نهاية المطاف اكتمل تركيب الغواصة الأولى التي تقرر تسميتها عبد الحميد في 6 سبتمبر/أيلول 1886 وأُعدّت للتجارب، بينما تأخر إنزال الغواصة الثانية عبد المجيد حتى 4 أغسطس/آب 1887 بسبب النواقص الفنية وتأخر استكمال العمل.

وبالفعل أُجريت التجارب الأولية للغواصتين عبد الحميد وعبد المجيد في منطقة القرن الذهبي بإسطنبول قبالة سراي بورنو ثم أمام أسكدار، بمشاركة 4 ضباط عثمانيين عُيّنوا للحد من الاعتماد التقني على الطاقم البريطاني والمهندس ويليام غاريت. وقد أُسندت قيادة عبد الحميد إلى الضابط العثماني النقيب خليل دولي أوغلو، وكان صاحب خبرة في زوارق الطوربيد، حيث نفذ مع غاريت غطسات ملاحية بين منطقتي قصر عينالي قافاق والديوان خانة.

ولكن من اللافت أن هذه التجارب رصدت اختلالات خطيرة، أبرزها الميول الحادة أثناء الغوص، وعدم بلغ السرعة التي وعدوا بها تحت الماء (5-7 أميال)، إذ لم تتجاوز السرعة الفعلية 3 أميال، فضلا عن عدم القدرة على مجابهة تيارات مضيق البوسفور، كما تبين أن الإبحار الكامل تحت الماء غير آمن، وأن أفضلية الاستخدام تقتصر على وضع يكون فيه برج المراقبة ظاهرا فوق سطح الماء.

"رغم ضعف الأداء تحت الماء، خلصت اللجنة الفنية إلى إمكانية استخدام الغواصتين بفعالية نسبية في الهجوم عندما يكون برج المراقبة فوق السطح"

وبناء على هذه النتائج صدر قرار بإجراء تجارب أوسع في منطقة إزميت لتقييم الإمكانات العملياتية، حيث أُجريت لأول مرة تدريبات إطلاق طوربيد على هدف سطحي خلال إبحار مشترك للغواصتين، ورغم ضعف الأداء تحت الماء، خلصت اللجنة الفنية إلى إمكانية استخدام الغواصتين بفعالية نسبية في الهجوم عندما يكون برج المراقبة فوق السطح.

وأكد التقرير المرفوع من وزير البحرية حسن باشا إلى الصدارة العظمى (رئاسة الوزراء) أن الغواصتين ملائمتان للإبحار السطحي، وأن صعوبة رصدهما مقارنة بزوارق الطوربيد تمنحهما قيمة دفاعية في حماية الموانئ والسواحل، مع الإشارة في الوقت ذاته إلى أن الإبحار الأفقي تحت الماء غير آمن ولا يطابق شروط العقد، ما يستلزم استكمال النواقص التقنية.

يذكر الباحث التركي أمر الله نتكو، في دراسته "الأتراك أول من استخدموا الغواصة"، أن إسطنبول شهدت ذروة هذه التجارب في صيف 1888، حين أطلقت الغواصة عبد الحميد قبالة قصر دولما بهجة، طوربيدا على سفينة قديمة فأغرقتها على الفور، وذلك في أول حادثة مسجلة عالميا لإغراق هدف سطحي بواسطة غواصة وسط متابعة جماهيرية ودبلوماسية واسعة.

وفي خضم ذلك وجّه المهندس غاريت رسالة مؤرخة في 28 فبراير/شباط 1888 إلى حسن باشا، أقر فيها بأن وسطاء الصفقة وبعض غير المختصين بالغوا في عرض قدرات الغواصات أمام السلطان بما خلق آمالا غير واقعية، مؤكدا استعداده لاستكمال النواقص، وعلى الرغم من هذه التحفظات صدر في 22 مارس/آذار 1888 قرار رسمي بقبول الغواصتين في الخدمة، ومُنح غاريت رتبة فخرية، غير أن هذا الإنجاز لم يُترجم إلى استخدام فعلي، حيث سُحبت الغواصتان مباشرة إلى أحواض منطقة القرن الذهبي وفُرضت قيود صارمة على تشغيلهما.

"لم تُوظف الغواصتان في أي عملية عسكرية فعلية رغم دخولهما الخدمة رسميا"

واستنادا إلى العديد من دراسات تاريخ البحرية العثمانية في تلك الفترة، فقد تبين أنه على الرغم من أن الغواصتين عبد الحميد وعبد المجيد قد انضمتا رسميا إلى الأسطول العثماني، وسجّلتا إنجازاً تاريخياً عالمياً بوصفهما أولى الغواصات التي أطلقت طوربيدا من تحت الماء، فإنهما لم توظفا في أي عملية عسكرية فعلية قط في أعقاب تجارب إزميت عام 1888، إذ كشفت تلك التجارب عن قصور تقني جوهري يتمثل في عدم الاستقرار الهيكلي أثناء الغطس وانعدام القدرة على المناورة تحت الماء، فضلا عن عجز المحرك البخاري عن توفير دفع فعال في بيئة الغوص.

وقد آثرت البحرية العثمانية إبقاءهما مسجلتين في قوائم الأسطول النشط لاعتبارات عسكرية ودبلوماسية، وربما كسلاح ردع لتخويف اليونان، في حين ظلتا راسيتين دون استخدام حقيقي قرابة 26 عاما متصلة، حتى صدر قرار تخريدهما وتكهينهما في عام 1914 حين وُجدتا في حالة بالغة التلف، ورغم ذلك يحسب للسلطان عبد الحميد محاولته الجادة إنقاذ الدولة العثمانية، وتطوير جيشها وبحريتها في وقت كان العالم يموج بتغيرات عميقة وخطيرة أدت لاندلاع الحرب العالمية الأولى، وذلك بعد خلع عبد الحميد بـ 5 سنوات فقط.

الخميس، 28 مايو 2026

مسافر على درب الأشواق.. ماذا رأى ابن بطوطة في منى وعرفات؟

 مسافر على درب الأشواق.. ماذا رأى ابن بطوطة في منى وعرفات؟

صحفي وباحث في التاريخ والتراث.

لم تكن مغادرة الشاب الطنجي "ابن بطوطة" لبلاده في عام 725هـ مجرد بداية لأسفار جابت الآفاق، بل كانت تلبية لنداء الحج الشريف الذي حرّك وجدانه، وسال به قلمه بلاغة وعاطفة. لقد خلّد "أمير الرحالين" في كتابه أدق تفاصيل المناسك ومشاعر الطواف وروحانية عرفة في العصر الوسيط، واصفا الكعبة كالعروس في جلالها. وفي هذا المقال، نبحر في أعماق رحلته الحجازية الفريدة، ونقارن مشاهداته برحلة البتنوني التي توثق الحج بعده بستة قرون.

الشوق إلى الحج عند المغاربة

ولم يكن خروج هذا الشاب الطنجي حدثا عابرا، بل كان ثمرة بيئة مغربية عاشت العصر الذهبي للرحلات الحجازية بين القرنين الخامس والثامن الهجريين، حيث حظي الحجاج والرحالة برعاية فائقة وتشجيع ملموس من القادة والحكام الذين سعوا لنقل معارف المشرق إلى قلب المغرب. ورغم أن وهج هذه الرحلات خبا قليلا في بعض الفترات بسبب طغيان وازع الجهاد في الأندلس لحماية ثغور المسلمين، تأثرا بفتوى ابن رشد الشهيرة التي آثرت الرباط على الحج، إلا أن الشوق المشتعل للديار المقدسة ظل يحدو قلوب الأعلام المغاربة، تاركا لنا سجلات خالدة من أدب الرحلات تضيق بها المكتبات.

"حظي الحجاج والرحالة برعاية فائقة وتشجيع ملموس من الحكام الذين سعوا لنقل معارف المشرق إلى قلب المغرب"

هكذا صِيغت سلسلة ذهبية من الرواد الذين مهدوا الطريق لابن بطوطة وساروا على درب الأشواق، فمنهم من طوت الأيام آثارهم، ومنهم من خُلِّد اسمه في الآفاق، كابن جبير الأندلسي الذي خطا بالرحلة خطواتها الواسعة الأولى، وابن رشيد الفهري صاحب "ملء العيبة"، والعبدري في رحلته المغربية، والتجيبي في "مستفاد الرحلة والاغتراب". ليتوج هذا العقد الفريد بظهور ابن بطوطة (عام 725هـ)، متبوعا بأعلام آخرين كالبلوي في "تاج المفرق"، وابن الحاج النّميري في "فيض العباب"، والرَّعيني في رحلته الحجازية المنظومة.

ولم تكن هذه الأسفار تقتصر على نيل البركات وأداء الفريضة فحسب، بل كانت رحلات علمية ودراسية بامتياز، تتوخى لقاء كبار الشيوخ والمحدثين في المشرق، والنهل من معارفهم، والعودة بأثمن الإجازات العلمية التي تُجيز لهم نقل مشاعل العلم ونشرها في ربوع المغرب.


ابن بطوطة في موسم الحج

غادر ابن بطوطة بلدته طنجة في المغرب الأقصى في بداية الأمر في عام 725هـ بقصد الحج. لكن بسبب تعذر الحج ذلك العام لما صادفه من صراعات بين البجا والمماليك على ساحل البحر الأحمر اضطر للانتظار سنة كاملة لحضور موسم الحج عام 726هـ/1326، وهو ما تم له بالفعل لكن عن طريق الشام والالتحاق بالركب الشامي هذه المرة بدلا من الركب المصري، فقد انطلق من مدينة دمشق في شوال من تلك السنة إلى المدينة المنورة ومنها إلى مكة المشرفة.

حين وطئت قدمه البيت العتيق في 20 ذي القعدة من ذلك العام، راح في بلاغة وجزالة يصف مشاعره حين شاهد الكعبة المشرفة لأول مرة في حياته قائلا: "وشاهدنا الكعبة الشريفة زادها الله تعظيما وهي كالعروس تجلى على منصة الجلال، وترفل في برود الجمال، محفوفة بوفود الرحمن، موصلة إلى جنة الرضوان".

"رأى ابن بطوطة عادة غريبة، فقد كانت تُضرب الطبول والدبادب في أوقات الصلوات وبكرة وعشية إشعارا بالموسم المبارك"

وحين أتمَّ طواف القدوم والسعي بين الصفا والمروة راح يقول: "ومن عجائب صنع الله تعالى أنه طبع القلوب على النزوع إلى هذه المشاهد المنيفة، والشوق إلى المثول بمعاهدها الشريفة، وجعل حبها متمكنا في القلوب فلا يحلها أحد إلا أخذت بمجامع قلبه ولا يفارقها إلا أسفا لفراقها، متولّها لبعاده عنها، شديد الحنين إليها، ناويا لتكرار الوفادة عليها، فأرضها المباركة نصب الأعين، ومحبتها حشو القلوب حكمة من الله بالغة، وتصديقا لدعوة خليله عليه السلام، والشوق يحضرها وهي نائية، ويمثلها وهي غائبة، ويهون على قاصدها ما يلقاه من المشاق ويعانيه من العناء، وكم من ضعيف يرى الموت عيانا دونها، ويشاهد التلف في طريقها، فإذا جمع الله بها شمله تلقاها مسرورا مستبشرا كأنه لم يذق لها مرارة".

وإذا كان في 1 ذي الحجة رأى ابن بطوطة عادة غريبة، فقد كانت "تُضرب الطبول والدبادب في أوقات الصلوات وبكرة وعشية إشعارا بالموسم المبارك، وما تزال كذلك إلى يوم الصعود إلى عرفات، فإذا كان 7 ذي الحجة خطب الخطيب إثر صلاة الظهر خطبة بليغة يعلّم الناس فيها مناسكهم ويعلمهم بيوم الوقفة، فإذا كان 8 ذي الحجة بكّرَ الناس بالصعود إلى منى، وأمراء مصر والشام والعراق وأهل العلم يبيتون تلك الليلة بمنى، وتقع المباهاة والمفاخرة بين أهل مصر والشام والعراق في إيقاد الشمع، ولكن الفضل في ذلك لأهل الشام دائما، فإذا كان 9 ذي الحجة رحلوا من منى بعد صلاة الصبح إلى عرفة فيمرون في طريقهم بوادي محسّر، ويهرولون فيه، وتلك سنة".

"رأى ابن بطوطة في مكة بركة الأقوات، وتنوع الحاصلات على الرغم من كونها في أرض جدباء مقفرة"

لقد رأى ابن بطوطة في مكة بركة الأقوات، وتنوع الحاصلات على الرغم من كونها في أرض جدباء مقفرة، يقول: "ولقد أكلتُ بها من الفواكه العنب والتين والخوخ والرطب ما لا نظير له في الدنيا، وكذلك البطيخ المجلوب إليها لا يماثله سواه طيبا وحلاوة واللحوم بها سمان لذيذات الطعوم، وكل ما يفترق في البلاد من السلع فيها اجتماعه، وتجلب لها الفواكه والخضر من الطائف ووادي نخلة وبطن مرّ، لطفا من الله بسكان حرمه الأمين ومجاوري بيته العتيق".


وفي يوم عرفة، يصف لنا ابن بطوطة صعيد عرفة وجبل الرحمة، وبعض الآثار التي كانت في هذه المنطقة في زمنه قائلا: "وجبل الرحمة الذي ذكرناه قائم في وسط بسيط جمع، منقطع عن الجبال، وهو من حجارة منقطع بعضها عن بعض، وفي أعلاه قبة تنسب إلى أم سلمة رضي الله عنها، وفي وسطها مسجد يتزاحم الناس للصلاة فيه، وحوله سطح فسيح يشرف على بسيط عرفات، وفي قبليه جدار فيه محاريب منصوبة يصلي فيها الناس وفي أسفل هذا الجبل عن يسار المستقبل للكعبة دار عتيقة البناء تنسب إلى آدم عليه السلام، وعن يسارها الصخرات التي كان موقف النبي صلى الله عليه وسلم عندها".

ويضيف مستطردا: "وإذا حان وقت النفر، أشار الإمام بيده ونزل عن موقفه فدفع الناس بالنفر دفعة ترتجّ لها الأرض وترجف الجبال فيا له موقفا كريما، ومشهدا عظيما، ترجو النفوس حسن عقباه، وتطمح الآمال إلى نفحات رحماه، جعلنا الله ممن خصّه فيه برضاه".


وفي يوم النحر، يوم العيد، رأى ابن بطوطة كسوة الكعبة المشرفة التي كانت تأتي في محمل الركب المصري وقد وُضعت في سطح الكعبة، وفي اليوم الثالث بعد النحر أخذ بنو شيبة سدنة الكعبة في إسبالها، وقد رأى ابن بطوطة في أعلاها طرازا مكتوب فيه بالبياض "جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما (الآية) وفي سائر جهاتها طرز مكتوبة بالبياض فيها آيات من القرآن، وعليها نور لائح مشرق من سوادها". ولم يفت ابن بطوطة أن يشير أن السلطان المملوكي -وكان في زمنه الناصر محمد بن قلاوون- هو الذي كان يشرف على "كسوة الكعبة الكريمة ويبعث مرتبات القاضي والخطيب والأئمة والمؤذنين والفراشين والقوامة وما يحتاج له الحرم الشريف من الشمع والزيت في كل سنة".

"يوم العيد رأى ابن بطوطة كسوة الكعبة المشرفة التي كانت تأتي في محمل الركب المصري"

وقد لاحظ ابن بطوطة كثرة تصدق الركب العراقي على فقراء مكة ومعوزيها بالذهب، حتى إن الأسعار قد رخصت في مكة بسبب كثرة ما أنفق من الذهب، وكانت العادة أن قوافل "ركاب" الحج تنقسم حينذاك إلى الركب المصري لأهل مصر والمغرب وأفريقيا ومن يأتي عليهم، والركب الشامي لأهل الشام وبلاد الروم والقوقاز ومن يأتي عليهم، والركب العراقي لأهل العراق وإيران ومن يأتي عليهم، وتنظيما للحج آنذاك فقد كان ينطلق الركب المصري في العودة ثم يليه الركب الشامي ثم يخرج الركب العراقي والخراساني في آخر الأمر.

أدى ابن بطوطة فريضة الحج، ثم انطلق مع الركب العراقي، وبدأت رحلته تتوسع في أقطار العالم حتى ظل سائحا في بلاد الله مدة بضعة وعشرين عاما متصلة كان نتاجها رحلته العظيمة التي استقبلها الشرق والغرب بالترجمة والقراءة بنهم وإعجاب، وقد أسماها "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار"، وقد سُمي ابن بطوطة بسببها "أمير الرحالين المسلمين".

البتنوني والرحلة الحجازية

بعد ابن بطوطة بستة قرون، تحديدا في عام 1909، قرر الخديوي عباس حلمي الثاني حاكم مصر أن يحج ويؤدي شعيرة الله، وهي الرحلة التي صار الخديوي يُلقّب بعدها بالحاج عباس حلمي الثاني، وقد اصطحب في حاشيته عددا من الوزراء وكبار رجال الديوان والعسكريين، وكان من جملتهم المؤرخ والرحالة المصري محمد لبيب بك البتنوني الذي كُلف بتدوين هذه الرحلة.

وقد عُرف البتنوني بهذا الاسم نسبة إلى "البتنون" وهي قرية في محافظة المنوفية المصرية نُسب إليها هذا الرحالة. وقد كان البتنوني محبا للرحلات والسفر، على درجة من الثقافة والوجاهة الاجتماعية، ألف في ذلك "رحلة إلى الأندلس"، و"رحلة الصيف إلى أوروبا"، وهذه الرحلة التي نحن بصددها والتي أسماها بـ"الرحلة الحجازية".

كتب البتنوني رحلته هذه، وطبعها بعد عودته في القاهرة، فاستُقبل الكتاب بين الناس آنذاك بالترحاب والحفاوة، حتى قررته وزارة المعارف "التعليم" على الطلبة في المدارس، وقد صدّر البتنوني كتابه برسالة الثناء التي أرسلها رئيس النظار "الوزراء" آنذاك محمد سعيد باشا إليه، وقد عد سعيد باشا هذا الكتاب عملا جليلا ومهما للغاية.


رأى البتنوني أن بلاد الحجاز لم تكن معروفة كما يجب لدى الناس في زمنه "مع أنه يقصدها سنويا أكثر من 200 ألف نفس (في عصره في بداية القرن العشرين) من المسلمين"، وأن كل ما كُتب عن رحلة الحج إليها لا يخرج عن بعض المناسك التي يضل المطلع في كثرة شعابها ووعورة طرقها ومجاهلها، مما يزيده ارتباكا وجهالة. ويعلق قائلا: "رأيتُ أن أضيف إلى الرحلة الخديوية كلمة عن المشاعر الدينية المقدسة، مبتعدًا عن الترّهات التي ألحقها بها مبالغة الوهم أو مغالبة الغرض، مما اتخذه أعداء المسلمين وسيلة للطعن عليهم في دينهم".

"جاءت رحلة البتنوني خليطا بين التاريخ والوصف الاجتماعي، وعرض الجوانب الفقهية والنوازل الملازمة للحج"

وقد جاءت رحلته المدونة خليطا بين التاريخ والوصف الاجتماعي، وعرض الجوانب الفقهية والنوازل الملازمة للحج، ثم أفرد الحديث عن خط سير الخديوي عباس حلمي الثاني وحاشيته منذ خروجه من مصر ووصوله إلى جدة عبر البحر الأحمر، وقد وصف الطريق من جدة إلى مكة، ثم وصف مكة وأيامه فيها قبل يوم عرفة.

ولم يفته الحديث عن أهل مكة في زمنه، وحكّامهم من الأشراف الهاشميين حينئذ، وهم يدينون بالولاء للدولة العثمانية التي كان لها والٍ على مكة أيضا، وقد دون مشاهداته عن بعض الآثار القديمة بها مثل دار خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، ودار الأرقم المخزومي، وعين زبيدة، والتكايا والمدارس، والحرم ومساحته والزيادات التي حصلت فيه، والآثار التي في داخله، وكسوة الكعبة ومصاريفها، واختتم رحلته بالحديث عن القدس والمسجد الأقصى والآثار المتواجدة هناك، ومدينة الخليل وبيت لحم.

في 29 ذي القعدة 1327 (الموافق 11 ديسمبر/كانون الأول 1909) انطلق الركب من القاهرة بالقطار إلى السويس، ومن السويس ركبوا اليخت الخديوي "المحروسة" فوصلوا إلى رابغ، موضع الإحرام للمصريين، فأحرموا ثم انطلقوا بالباخرة مرة أخرى إلى جدة، وفي 1 ذي الحجة وصلوا إليها.

وقد وصف البتنوني جدة التي كان يحكمها الأشراف حينذاك عبر أحد وكلائهم وكانت تابعة للدولة العثمانية قائلا: "وفي موسم الحج ترى في جدة حركة مستديمة لا تنقطع ليلا ولا نهارا من الحجاج الذين إذا وصلوا إليها وجدوا على أبواب جمركها مطوفيهم أو وكلاءهم في انتظارهم وهم يُنادون: يا حاج فلان أو يا حجاج فلان (يعنون المطوّف)، فيعرف الحاج اسم مطوّفه فيُنادي عليه وهو في هذه الشدّة، فيُبادر إلى مساعدته ويأخذ منه ورقة جوازه ليُعلّم عليها من قلم الجوازات".

وبعد نزول الحجاج جدة وبقائهم فيها مدة يوم أو يومين للراحة والنظافة كانوا ينطلقون إلى مكة عن طريق الهجن أو الحمير أو الأحصنة، ولم تكن عربات أو سيارات حينذاك، كما يقول البتنوني.


وفي ليلة 3 ذي الحجة 1327 (الموافق 14 ديسمبر/كانون الأول 1909) وصل الخديوي عباس حلمي الثاني على صهوة جواده إلى مشارف مكة مع الركب المصري، وقد استقبله الشريف حسين وعلية القوم من أهل مكة وأكابر القوات العثمانية والمصرية، وبعد الاستقبال، دخل الخديوي عباس الحرم المكي الشريف، وطاف طواف القدوم، ووصف البتنوني مشاهد الاحتفاء والاحتفال بقدوم الخديوي.

وصف البتنوني مشهد يوم الجمعة في الحرم المكي قائلا: "لما صعد الخطيب المنبر صعد معه أحد الأغوات وجلس على الدرجة التي تلي قدميه، وهذه بلا شك عادة قديمة هدفها المحافظة على أمن الخطيب أثناء اشتغاله بإلقاء الخطبة حتى لا تتسرب إليه يد أثيمة.. وعقب هذه الخطبة أنعم الجناب العالي على الخطيب بخلعة سنية ألبسه إياها سعادة حسين محرم باشا، ثم صلى الخطيب بالناس تحت جدار الكعبة المكرمة".

"عاب البتنوني تخلف بعض وسائل الاتصال في مكة حينئذ مثل التلغراف والبريد"

عاب البتنوني تخلف بعض وسائل الاتصال في مكة حينئذ مثل التلغراف والبريد، وكانا قد بناهما الوالي العثماني عثمان باشا نوري في عصر السلطان عبد الحميد الثاني عام 1882، يقول: "والتلغراف في هذه المدينة لا نظام فيه بالمرة لعدم وصول غالب الإشارات التي تُرسل من وإلى أربابها، ولعل ذلك ناشئ من كثرة الأعمال زمن الحج. أما مكاتب البريد فشيء لا نظير له بالمرة في بوسطات العالم؛ فإن المكاتيب تحضر في زمن الموسم من جدة إلى مكة على الجمال في عدة زكايب، فتُلقى في طرقة مكتب البوستة الضيقة، ويأتي المطوفون أو صبيانهم أو الحجاج أنفسهم فيفرزونها ويأخذ كل ما يعثر عليه صدفة باسمه أو باسم معارفه، وعليه فأغلب الخطابات لا تصل إلى أربابها".

وكانت وما تزال التجارة من أكثر الأمور ذيوعا في موسم الحج وقد وصفها البتنوني بعناية قائلا: "وغالبها من صنف العطريات والسبح والسجاجيد والأقمشة الحرير الهندية والشامية، والصناعة فيها غير مهمة". وقد أسهب البتنوني في وصف أسواق مكة وما اشتملت عليه حينئذ، فمنها "سوق الشامية في شمال الحرم، وهي أشبه شيء بالأسواق التركية، ولها سقف من الخشب على مثال الخان الخليلي بمصر لولا أن شوارعها أضيق، وهذه السوق تضيق بالمارين خصوصا عند مرور الجمال بها. وفيها يبيعون السبح والأقمشة الهندية والتركية وغيرها، وفيها كثير من الفصوص الفيروز والياقوت والعقيق الذي يبيعه على الخصوص حجاج اليمن في شوارع المدينة بأثمان رخيصة جدا".

شاهد البتنوني وقوف الحجيج في عرفة، "وهم وإن انفصلوا في هياكلهم فإن قلوبهم مرتبطة ارتباط ذرّات الجسم الواحد ببعضها، وبعد صلاة العصر يتحرّك المحملان (المصري والشامي) بحرسهما إلى منحدر جبل الرحمة، وينهض خطيب عرفة (وهو في الغالب قاضي مكة الذي يتعين من قبل السلطان العثماني)، فيصعد بناقته إلى صدر هذا الجبل، ويخطب نيابة عن رسول الله خطبة يُعلّم الناس فيها مناسك الحج".

ويظل الناس يدعون ويلبون ويتضرعون إلى الله حتى إذا غابت شمس عرفة "أُطلق صاروخ من قِبل الخطيب إعلاماً بتمام الموقف، عندها تتحرك المحامل بين ضروب المدافع وعزف الموسيقات، وأصوات الابتهالات، وكثرة الدعوات، وانهمال العبرات، ويكون كل حاج قبل ذلك قد حمّل حمولة واستعد للإفاضة".


وفي صبيحة يوم النحر وهو يوم العيد الأكبر يكون عموم الحجاج قد وصلوا إلى منى، وقد كان المحمل المصري يخيم في "شمال المصطبة التي فيها مخيم الشريف (حسين)، والمحمل الشامي إلى جوار مسجد الخيف، وهو مسجد كبير ذو فضاء واسع مربع.. وبمجرد وصول الحجاج إلى منى يقصدون من فورهم جمرة العقبة فيرمونها وينحرون ويحلقون أو يقصّرون ثم يلبسون ملابسهم، وعندها يحل لهم كل شيء ما عدا النساء والطيب".

وفي منى شاهد البتنوني مراسم قراءة الفرمان العثماني، وهذا الفرمان كان يُرسل كل عام من إسطنبول إلى مكة يوصي فيه السلطان العثماني شريف مكة وحاكمها بالحجيج، ويرسل معه خِلعة سنية، وصرة المال، وهي جبة أو عباءة مطرزّة تقديرا لدوره، وكان لقراءة هذا الفرمان طقوس حيث تجتمع الحامية التركية وأشراف مكة وفق مراسم معينة، وفي هذا العام اجتمع معهم الخديوي عباس حلمي الثاني.

"في منى شاهد البتنوني مراسم قراءة الفرمان العثماني الذي يُرسل كل عام من إسطنبول إلى مكة"

يصف البتنوني ذلك المشهد قائلا: "أخذ في تلاوة الفرمان الذي كان يمسك بطرفيه اثنان من التشريفاتية، فتلاه بالتركية.. وبعد تلاوة الفرمان قام كاتب يد الشريف وتلا ترجمته المرسلة معه بالعربية وفحواها: أن مولانا السلطان حفظه الله (محمد الخامس العثماني).. يرجوه على الدوام مساعدة حجاج بيت الله الحرام، والقيام بكل ما فيه راحتهم وصحتهم، مع تأمين الطرق، وتسهيل المواصلات، والضرب على أيدي الخارجين من الأعراب عن الصراط السوي المستقيم". وقد لفت المرسوم النظر أيضا إلى الدقة في صرف المرتبات، وتوزيع الصدقات على أربابها بكل ضبط، مع مساعدة مأموري الدولة من عسكريين وملكيين على أداء وظائفهم.

وهكذا تظل "الرحلة الحجازية" مرآة حية لروح الأمة الإسلامية، تتجاوز حدود الزمن لتؤكد أن شعائر الحج مقدسة وثابتة، بينما تتغير من حولها تفاصيل السياسة والمجتمع ووسائل الاتصال، فمن فيض عاطفة ابن بطوطة وبلاغته في العصر الوسيط، إلى دقة توثيق البتنوني وملاحظاته الاجتماعية في مطلع العصر الحديث، نلمس الشوق ذاته الذي يربط مغرب العالم بمشرقه، لقد نجح كلاهما في تخليد مشاهداته ليتركا لنا إرثا ملهما يُثبت أن أدب الرحلة إلى الحرمين الشريفين سيظل نبعا متجددا، يترقب دائما أقلاما مبدعة تكمل مسيرته الطويلة عبر الأجيال.