هيّا بنا نلعب

نتذكّر تفاصيل مسلسلات كرتونية من طفولتنا، بل نستعيدها بالشجن ذاته، ونُردّد أغاني التتر، ونحن نقود سياراتنا أو نبتكّر أشياء في مطابخنا. نتذكّر ملامح الأبطال والأشرار، كأنّها البارحة. بل أكثر من ذلك، نتذكّر محاولاتنا لتعديل النهايات وتغيير أسماء الأبطال.
بمستطاعنا أن نحكي عن رواية قرأناها في طفولتنا، بما في ذلك روايات "التيار العام" التي تتشابه كلّها. قد نتعثّر قليلاً في تذكّر اسم بطلة في رواية كلاسيكية، غير أنّنا سنقول في النهاية "ماجدولين".
إذا نزلنا بضع درجات إلى الطفولة، وجلسنا لنتذكّر: سنرى القميص الذي حصلنا عليه في "ليلة الشعبانية"، الهدية التي أُعطيت لنا "في الوقفة"، والمطعم الذي زرناه بصحبة العمّة والشمس تحجبها الغيوم. كانت الأشياء قليلة، لذا كنّا قادرين على الدهشة، والدهشة هي الذاكرة.
كانت الأشياء قليلة، لذا كنّا قادرين على الدهشة، والدهشة هي الذاكرة.
كان لكل منّا حبيبة واحدة، بدلة واحدة، كتاب واحد، أغنية واحدة، وقرية من الأصدقاء. كنّا ننتظر الغسق كلّ يوم لنجلس أمام التلفاز على الموعد. لم نكن قادرين على التحكّم بأيّ شيء، كان علينا الانتظار والامتثال، كلّ ذلك كان يعزّز من ذاكرتنا، ويربّي شبكة انفعالاتنا، ويعلّمنا احترام المواقيت والنظام.
نتذكّر الجزء من المسلسل حين ألقت الفتاة بنفسها في النهر، والكرة التي أصابت العارضة، وقفزت إلى الأعلى. نفكّر الليل كلّه، النهار كلّه: هل سينقذها الصياد، وهل سيقفز الكابتن وليد، رغم وجع ساقيه، خلف الكرة.
تتدافع السيناريوهات في خيالنا، وكان خيالنا يتسع، يصير أكثر ليونة وطراوة. الخيال هو الذي أعاننا، في تلك الطفولة البعيدة الصعبة، على تجاوز ظروف هذا العالم الذي تفشل أمامه الحضارة نفسها.
عندما زارتنا العمّة من مكان بعيد كنّا قد فرغنا للتو من غدائنا، تناولنا الأرز بالصلصة والبطاطا، ووزّعت أمي نصف الدجاجة علينا. حصلتُ، في ذلك اليوم البعيد، على جزء من ظهر الدجاجة، كانت دجاجة بيضاء اشتريناها بكذا، وكان البائع يحكّ ذقنه، ويسأل: هل أذبحها لكم؟ عندما قال "لكم" رأينا ضروسه الناقصة، ولم يكن قد تجاوز الثلاثين من عمره. كلّ هذا في الذاكرة، في الخيال، في الوجدان، في التجربة. لا يفلت منه شيء، يزداد اختماراً مع الأيّام، الماضي يُعيد إنتاج نفسه، ثم نعيد خلقه في النصوص والآداب، في الفنون والحيل والتجارب الجديدة. كان ساراماغو، الروائي البرتغالي، يقول "دع الطفل الذي بداخلك يتحدث"، وقال ماركيز إنّه عندما أراد أن يكتب على نحو مختلف قرّر أن يحكي كما كانت جدّته تحدّثه في طفولته.
أعاننا الخيال، في الطفولة البعيدة الصعبة، على تجاوز ظروف هذا العالم الذي تفشل أمامه الحضارة نفسها.
تعلّمنا التاريخ على رويّة، بصرف النظر عن جودة المادة التي قُدِّمت لنا من وجهة نظر علمية. التاريخ، أو الحكاية، كان متعدّد الطبقات والأبطال والذرائع، فيه تحوّل البطل إلى شرير، وعاد الشرير ليلتحق بجيش الأخيار قبل المعركة بساعة. كانت الغجرية ترقص، وتغنّي عالياً، وكان "علي أحمد باكثير" يحيط برقصتها، وينقلها لنا حركة حركة. لا يزال صوتها يرنّ في الأذان، وكلّما شاهدنا فيلم "أحدب نوتردام"، ورأينا إزميرالادا هتفنا "نعرف هذه الغجرية، رأيناها في مكان آخر".
لماذا أقول كلّ هذا؟
فيما بعد اعتقدنا أن تعدّد الخيارات في الدنيا سيصبّ في صالحنا. من الأفضل أن نجد عشرين نوعاً من الجبنة، وثلاثين نسخة من الموبايل، ومئة تصميم للفستان. هذا أفضل، لأنّه يحقّق في النهاية رفاهاً وسعادة. الاختيار بين "بضاعتَين" كان يعود علينا، في القديم، بشيء من القلق. نسأل أنفسنا في طريقنا إلى البيت، ما إذا كانت البضاعة الأخرى هي الأفضل، هل اخترنا الأسوأ؟ بيد أنّ الأمر بات مدمّراً الآن، على المستوى النفسي. يسأل المرء نفسه: لماذا اخترت هذه النسخة، وتركت الأخريات، ويفكّر بمئة نسخة استبعدها. ما إن يصل الفرد البشري إلى منزله حتى تكون علاقته بما اشتراه قد انهارت. الوفرة غمرتنا بالقلق، بالتوتّر، باللايقين، وأفقدت أشياءنا جاذبيتها، وهكذا جعلتنا غير قادرين على إنشاء علاقة اجتماعية- نفسية مع ما نملكه، من اللعبة إلى الحب، ومن جهاز الموبايل إلى الصداقة.
أتذكر حكاية مع ابنتي، سبعة أعوام آنذاك، وهي تلقي بالآيباد على الأريكة قائلة "الآيباد خلص". تقصد أنّها شاهدت كلّ المواد المُتاحة للأطفال على تطبيق ديزني. الآن، بعد خمسة أعوام، لم تعد تتذكّر شيئاً من كلّ تلك البحيرة التي شاهدتها وعايشتها. تعيش بلا أبطال في الذاكرة، ويتداخل عليها الخيال، ولا تبدو قد استفادت عاطفياً من تجربتها المُبكّرة مع الفن، باستثناء الأعمال الكلاسيكية المركّبة.
كانت الندرة كنزاً، لم تكن معضلة. كانت منصّة للتربية العاطفية المعمّقة، لتدريب الخيال.
كانت رواية واحدة تجعل من المرء منّا كاتباً. وكانت قصيدة واحدة، ربّما بيت شعر واحد، يخلق عدداً من الشعراء. وكانت القبيلة يهنّئ بعضها بعض إذا نبغ فيها شاعرٌ أو وُلِدت لهم فرس. كانت الندرة كنزاً، لم تكن معضلة. كانت منصّة للتربية العاطفية المعمّقة، لتدريب الخيال. الخيال هو أعظم ما يملكه الإنسان، يقول بورخيس. هو كذلك، مع الحلم. الوفرة جعلتنا خائفين، قلقين، غير ناضجين، وأفسدت طبائعنا. كان ويلسون يتحدث عن الخيول التي جيء بها من البادية إلى المدينة، وقُدّمت لها العصيدة. يقول: أحبّت العصيدة اللينة السهلة، ومع الأيّام سقطت أسنانها.
أسنان الخيول للشوك والبريّة لا للعصيدة. هكذا صار لدينا خيول بلا أسنان، وبشر لم يعودوا قادرين على الحب، وأجساد مُكتشفة لم تعد تُخفي سرّاً، وحياة بلا غموض، وذاكرة يتسرّب منها كلّ شيء.
صار لدينا خيول بلا أسنان، وبشر لم يعودوا قادرين على الحب، وأجساد مكتشفة لم تعد تخفي سرّاً، وحياة بلا غموض.
ثم أضيف إلى كلّ هذه "المأساة" التعقيد البيروقراطي لحياتنا، الحصار القانوني، القيود، والنماذج السلطوية بالمعنى الذي يذهب إليه فيكون، السلطوية البنيوية الكامنة في كلّ التمظهرات. من الضحية؟ يجيب ماكس فيبر، قبل قرن من الآن: الخيال والإبداع. عندما مات مارادونا، وبكته الصحف، كتب المحرّر الرياضي في صحيفة Neue Zürcher Zeitung السويسرية الناطقة بالألمانية: دعوا الرجل يذهب، فلو كان يلعب الآن لأوقفه المدربون، وأجلسوه في دكّة البدلاء.
نسمع هذا الأسى على لسان إدوارد غاليانو، الكاتب الأوروغواني، إذ يقول: في الماضي كان المدرب يجتمع مع لاعبيه قبل المباراة، ويقول لهم "هيا بنا نلعب". الآن يسمع اللاعبون جملة واحدة "هيا بنا نعمل". ليتنا، مثل زمان، نذهب لنلعب، ونقف في السوق، ولا نرى سوى شيئَين أو ثلاثة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق