‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات الدكتور جابر قميحة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات الدكتور جابر قميحة. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 12 يناير 2021

النصارى والقوى الخارجية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

 النصارى والقوى الخارجية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

            


      أ.د/ جابر قميحة                

   gkomeha@gmail.com                                

الإيمان بالأنبياء والرسل والكتب السابقة أصل من أصول الدين الإسلامي، فلا يصح إسلام المرء إلا به، وقد تواترت الآيات القرآنية التي تقطع بذلك، كقوله تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ...) (البقرة: 285)، وقوله تعالى: (قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (آل عمران: 84).

 وقد عرف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الإيمان بقوله: "... أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره".

 والمسلمون يؤمنون بأن النصرانية دين توحيد مطلق، وأنها تعترف أن الله وحده هو الخالق القادر المختص بالعبادة، وأن المسيح عبد الله ونبيه ورسوله، وأنه بشر، وإن ولد بصوره غير الصورة المطردة المعهودة بقوله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) (المائدة: 72).

 وقد أرسل المسيح ـ عليه السلام ـ إلى بني إسرائيل بخاصة، يقول تعالى: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ...) (آل عمران: 48 ـ 49)، وفي إنجيل متى يقول المسيح عليه السلام: "لم أرسل إلا إلى خراف بني إسرائيل الضالة" وقد بُعث المسيح إلهيم مصدقًا لما بين يديه من التوراة، وجاءهم من الدين بما فيه هدى لهم ورشاد في شئون معاشهم ومعادهم، ولم يطالبهم بتعطيل قوة من قواهم التي منحها الله تعالى لهم، بل طالبهم بشكر الله تعالى عليها .

 ولأن بني إسرائيل قد استغرقتهم المادية الطاغية، وشغلتهم الدنيا، وأصبح جمع المال هو غايتهم على حساب الأخلاق والقيم الإنسانية العليا، جاءت المسيحية جرعة روحية قوية لتقضي على هذا النزوع الدنيوي الحاد، فهي ـ في مجموعها ـ قيم روحية خالصة ـ تنزع الإنسان من غمرات الواقع المادي الخسيس، وتسمو بروحه، فهو لم يخلق لهذه الأرض، وإنما خلق لملكوت السماء.

 فاليهودية والمسيحية كلاهما "ديانة مرحلية" وجاءت الثانية كرد فعل قوي لغلو بني إسرائيل وإغراقهم في المادية، وكان منهم من يفهم أن الحياة الدنيا هي غاية بني الإنسان، بل إن التوراة التي بين أيديهم خلت من ذكر اليوم الآخر ونعيمه أو جحيمه، وأن الثواب، والعقاب في الدنيا لا الآخرة.

 ثم جاء الإسلام الدين الخاتم للناس كافة موفقًا بين المادي والروحي، بين الواقعي والمثالي، بين مطالب الجسد والروح والعقل في اعتدال وتوازن.

 والمسيحية دخلت جزيرة العرب، وانتشرت فيها بالتبشير لا الهجرة كما فعل اليهود، فقد دخل بعض رجال الدين النصراني جزيرة العرب، ونشروا دعوتهم بين البدو، وعاشوا معهم عيشتهم، حتى عرفوا بأساقفة الخيام، أو أساقفة أهل الوبر.

 وكان القسس والرهبان يردون أسواق العرب، ويعظون، ويبشرون، ويذكرون البعث والحساب والجنة والنار، وكان من هؤلاء شعراء كقس بن ساعدة الإيادي، وأمية بن أبي الصلت، وعدي بن زيد.

 ومال كثير من العرب إلى الرهبنة، وبناء الأديرة، ومنهم "حنظلة الطائي" الذي يقال إنه بني ديرًا بالقرب من شاطئ الفرات، يعرف "بدير حنظلة"، وترهب فيه حتى مات، وكانت نجران أهم مركز للنصرانية جنوب بلاد العرب، وربما جزيرة العرب كلها، وكان فيها أكبر كنيسة وأفخمها.

 يقول ياقوت الحموي: "... وكعبة نجران يقال لها بيعة بناها بنو عبد المدان بن الديان الحارثي على بناء الكعبة، وعظموها مضاهاة للكعبة، وسموها كعبة نجران، وكان فيها أساقفة معتمون، وهم الذين جاءوا إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ودعاهم إلى المباهلة، وكانت قبة من أدم من ثلاثمائة جلد، كان إذا جاءها الخائف أمن، أو طالب حاجة قضيت، أو مسترفد أرفد .

 ولم تخل مكة ويثرب من المسيحيين، فيقال إن معظم الرقيق في مكة كانوا من النصارى، وكذلك الجواري الروميات، وكان في الأحابيش كذلك عدد كبير منهم، وفي يثرب عاش بعض النصارى في موضع يسمى "سوق النبط.

 وكان انتشار النصرانية في الشام أوقع وأوسع بحكم قرب هذه المناطق من الإمبراطورية الرومية التي كانت النصرانية دينها الرسمي، فتنصر الغساسنة، وأصبحوا قوة عسكرية، يعتمد عليها الروم، ويشتركون معهم في القتال، وكذلك قبائل أخرى مثل كلب، وقضاعة، وجذام، وعاملة.

 ****** ****

 وتنصرت قبائل إياد، ومنهم من سكن السواد والجزيرة، ومنهم من سكن الشام. وتنصر عدد كبير من قبيلة طئ منهم عدي بن حاتم الطائي، وتسربت النصرانية إلى الحيرة منطقة المانذرة على الرغم من تبعيتها للفرس المجوس، ومن الحيرة والشام تسربت النصرانية إلى كثير من المدن والمحلات، منها دومة الجندل، وأيلة، وتيماء، واليمامة، وغيرها.

 ولسنا في مقام التأريخ المفصل للنصرانية في بلاد العرب، ولكن هناك من الحقائق التي ينقلها التاريخ ما يرتبط بموضوع بحثنا، وهي في مجموعها تطرح طبيعة العلاقات بين النصارى وغيرهم من أصحاب الأديان والمذاهب الأخرى، ومن أههما الحقائق الثالث الآتية:


الحقيقة الأولى: أن النصارى في جزيرة العرب لاقوا على أيدي اليهود أذى كثيرًا، بل نكبات، وأشهرها تلك "المحرقة" التي أقامها الملك اليهود ذو نواس الحميري لنصارى نجران حتى يتركوا دينهم، ويعتنقوا اليهودية، وفيهم نزل قوله تعالى: (قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (البروج: 4 ـ 8).

 وينكر ـ أو يستبعد ـ أحمد أمين هذه الواقعة، ونزول هذه الآيات فيها؛ لأن كلا من اليهود والنصارى يؤمن بالله العزيز الحميد .

 وهي حجة واهية؛ لأن ذونواس الحميري عرف بظلمه وجبروته , ومسألة العقيدة قد لا تهم هذا النوع من الطغاة، بقدر الهيمنة وبسط السلطان: على أن أحمد أمين ذكر قبل ذلك بأسطر أن هذا الملك "أوقع بأهل نجران وقتلهم".

 والحقيقة الثانية: أن النصارى كانوا حريصين على ألا يكون في الجزيرة مذهب أو ديانة أخرى، فيروى أن نجاشي الحبشة أرسل إلى اليمن جيشًا قضى على الملك الحميري "ذونواس" وجيشه، وضم إليه اليمن، وإرضاء له بنى قائده "أبرهة الأشرم" كنيسة في صنعاء لم يُبن مثلها من قبل ضخامة وارتفاعًا، وجمالاً، وأراد أن يصرف كل العرب إلى الحج إليها فزحف بجيش كبير، ومعه عدد من الأفيال، "ليهدم الكعبة بأن يجعل السلاسل في أركانها وتشدها الفيلة، فتهدمها مرة واحدة" ولكن الله سبحانه وتعالى أهلكهم (...وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) (الفيل: 3 ـ 5).

 والحقيقة الثالثة: أن القرآن ـ كما ذكرنا من قبل ـ عرض ملامح المسيحية في صورتها الصحيحة، وكذلك شخصية المسيح من ميلاده إلى رفعه، ولا يكون المسلم مسلمًا إلا إذا آمن بكل أولئك، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل.

 ولأمر ما كان أول من بشر بنبوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم , قبل بعثه ـ نصراني مشهور في أوساط مكة هو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وهو ابن عم خديجة بنت خويلد زوج النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومما قاله لها: "... إن محمدا نبي هذه الأمة، وقد عرفْتُ أنه كائن لهذه الأمة نبي يُنتظر، هذا زمانه "، ولما نزل الوحي لأول مرة على محمد في غار حراء، وقص على خديجة ما حدث، ذهبت إلى ابن عمها ورقة، فأخبرته بما أخبرها به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكان جوابه: ".. لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له فليثبت"، فلما لقيه وهو يطوف بالكعبة، وسمع منه ما رأى وما سمع، قال له مثل ما قاله لخديجة، وقال: "ولتكذبنه، ولتؤذينه، ولتخرجنه، ولتقاتلنه، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرك لله نصرًا يعلمه" . ثم أدنى رأسه منه، فقبل يافوخه، وعاش الرجل ـ وإن لم يسلم ـ متعاطفًا مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن أسلم، وخصوصًا العبيد والمستضعفين، ويرى أنه مر ببلال وهو يعذب، ويقول: أحد أحد، فيردد ورقة: " أحد أحد والله يا بلال "، ثم يقبل على أمية بن خلف وتابعيه ممن يعذبونه، فيقول مهددًا، "أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لأتخذنه حنانًا ".(وليا من أولياء الله , ويتخذ قبره مزارا) .

 ولما رأى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ اشتداد الأذى والبلاء على أصحابه أشار عليهم بالهجرة إلى الحبشة، وقال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه.

فكانت أول هجرة للمسلمين إلى أرض يحكمها ملك نصراني عادل صادق، وقد أكرمهم الملك: نجاشي الحبشة، وأمنهم، ورفض أن يعيدهم مع رسولي قريش: عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص.

 ومن الحبشة قدم وفد من النصارى على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو بمكة بعد أن سمعوا به وهم بالحبشة، وحاوروا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فتلا عليهم القرآن، ففاضت أعينهم من الدمع، وآمنوا به وصدقوه، فنزل قوله تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (المائدة: 82 ـ 83)

 وقيل أنها نزلت في النجاشي ومن حوله من القسيسين والرهبان في مجلسهم حينما قرأ عليهم جعفر بن أبي طالب سورة مريم، فآمنوا بالقرآن، وفاضت أعينهم من الدمع.

 وسواء أوقعت هذه الحادثة في مكة أم في الحبشة، فإنها تدل على مصداقية قوله تعالى أنهم كانوا أقرب مودة للذين آمنوا، ويزيدالإيمان بهذه الحقيقة إذا أدخلنا في الاعتبار شخصية ورقة بن نوفل، الذي كان يبشر بظهور النبي، وكان يشجعه ويخفف عنه وهو يلاقي من قريش من عنت وإيذاء، كما وقف بجانب المستضعفين من المسلمين في مكة.

 **********

 وشرع الإسلام في التعامل مع الذميين قواعد ومبادئ تقوم على الرحمة والعدل والإنسانية، من ذلك ما روي عن عبد الله بن عمرو أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "من قتل نفسًا معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا".

 وجاء في العهد الذي كتبه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعمرو بن حزم الأنصاري وقد بعثه إلى بني الحارث بن كعب "وأنه من أسلم من يهودي أو نصراني، ودان بدين الإسلام، فإنه من المؤمنين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، ومن كان على نصرانيته أو يهوديته فإنه لا يفتن عنها . وجاء في عهده ـ صلى الله عليه وسلم ـ لنصارى نجران "... ولنجران وحاشيتهم جوار الله وذمة محمد على أمواله وأنفسهم، وأخيهم وثلثهم، وغائبهم وشاهدهم، وعبادتهم، وبيعهم، وملتهم، لا يغير أسقف من سقيفاه (أي مركزه الديني) , ولا راهب من رهبانيته ...

 وقد أكد أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ هذا العهد بعهد مماثل يكاد يكون في أسلوبه ومضمونه كعهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأهل نجران، وقد أملاه أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ في مرض موته .

الاثنين، 15 يونيو 2020

القصة التي سوف يكملها قراؤها.. (أرض النفاق)

القصة التي سوف يكملها قراؤها.. (أرض النفاق)

                                  
    أ.د/ جابر قميحة

دلفت إلى فراشي ذات ليلة والحزن يلفني نتيجة إلقاء القبض على مجموعاتٍ من إخواني وأصدقائي كلهم ذوو مكانة مرموقة علميًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا، يحظون بحب واحترام كل مَن يعرفهم، مخلصون بل متفانون في حب أهلهم ووطنهم، يتمتعون بمستوى أخلاقي في غاية الرقي، كالنسيم في الرقة في تعاملهم مع الناس وفي مسارهم لتحقيق الإصلاح في مجتمعهم، مهتدين بنور الله، ومقتدين بسيرة سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا، ولا يرجون من أحدٍ غير الله جزاءً ولا شكورًا.
ولم يكتفِ سجانوهم باعتقالهم وإنما نسبوا إليهم سلسلة من الأكاذيب والافتراءات، وراحوا يطلقون أبواقهم في الصحافة والإعلام لتشويههم وتنفير الناس منهم، وتمر الأيام ويأتي الشهر المبارك شهر رمضان ويمر ويأتي العيد، وينصرم وهم قابعون في سجونهم وأهلهم وأولادهم يتجشمون العناء للاطمئنان عليهم وتوفير ضرورات الحياة لهم، والتخفيف عنهم في هذه الأيام الطيبة، بينما هم يحتاجون إلى مَن يسليهم ويصبرهم ويهون عليهم.
نمتُ في هذا الجوِّ النفسي العصيب، فرأيتُ فيما يرى النائم أنني في قصرٍ شديدِ الفخامة أدركتُ أنه قصر الرئاسة، وإذا بجرسٍ يرن فيهرع رئيس الديوان إلى مكتب الرئيس ويقف منتبهًا قائلاً: أمرك يا فندم، فيرد الرئيس: اسمع يا فلان لقد فكرتُ في أمر الإخوان، ورأيتُ أنهم أناس وطنيون وأنهم طيبون مسالمون مخلصون للبلد فعمم أمرًا إلى كافة الوزارات والمؤسسات والهيئات بمراعاة هذا التوجه الجديد والعمل بمقتضاه، فقال رئيس الديوان: حاضر يا فندم، أمرك يا فندم.
وعلى الفور بدأت أجراس الهواتف ترن في المؤسسات التشريعية والوزارات ومكاتب رؤساء مجالس إدارات الصحف وأجهزة الإعلام لإخبار الجميع بأمر التوجه الجديد، وعلى الفور أيضًا بدأت كل مؤسسات الدولة كخلايا النحل تجتمع لتبحث ما يستوجبه هذا الأمر السامي من سياساتٍ وخططٍٍ وواجباتٍ يتم توزيعها على المسئولين للعمل بها في التو واللحظة.
وقادتني قدماي إلى إحدى أكبر المؤسسات الصحفية فوجدتُ رئيس مجلس الإدارة مجتمعًا برؤساء تحرير إصداراته وجميع صحفييها لم يتخلف منهم أحد، وسمعت منه محاضرة ضافية في الثناء على القرار الديمقراطي الحكيم وعلى التوجه القانوني والإنساني العظيم، وعلى الواجبات الوطنية الكبيرة التي يعلقها هذا القرار في عنق كل صحفي منهم.
وبعد فترة وأنا خارج من ممرات المؤسسة وجدت صناديق القمامة قد امتلأت حتى فاضت بأشياء غريبة سألت عنها أحد رجال الأمن فأخبرني أنها جلود، وقد غيروها لأنها لا تتناسب مع المناخ الجديد، ووجدت صندوقًا كبيرًا قد امتلأ بأقلام قبيحة، وعندما سألت رجل الأمن عنها أخبرني أنهم استلموا أقلامًا نظيفةً ابتداءً من اليوم.
وعندئذٍ استيقظت من الحلم الجميل آسفًا أن لم أستطع زيارة بقية مؤسسات الدولة، ولكن عزائي أن السادة القراء يستطيعون- وخصوصًا من لديهم موهبة كتابة القصة- أن يتخيلوا وأن يكتبوا باقي فصول قصة أرض النفاق.
-------------
من تراث أ.د. جابر قميحة

السبت، 10 أغسطس 2019

البحث عن وطن قومي للعربي في أرضه (1) (2)

البحث عن وطن قومي للعربي في أرضه
(1) 



نشر في 27/09/2013


قد يبدو عنوان هذا المقال غريبا مثيرا, ولكن يعلم الله أنني ما أردت غرابة, ولا قصدت إثارة, ولكني حرصت -ابتداءً- علي تصوير واقع نعيشه -نحن العرب- وتقييم هذا الواقع برؤية نأمل أن تكون صادقة, لا قصور فيها, ولا غلوّ ولا إسراف, ونحاول بهذه الكلمات أن تكون الرؤية شاملة حتي لا يفلت من دائرة النظر شريحة تنقض حكما -أو جزءا من حكم- خلصنا إليه بالاستقراء والوقوف, والتأمل, وهذا يقتضينا استصحاب بعض المعطيات اللغوية والتاريخية ذات الصلة الوثيقة بموضوع المقال. وأعتقد أن الوقوف عليها ضرورة ملحة في عصرنا الذي نعيشه, وخصوصا بعد قيام “الميمونة” سنة 1952. ذلك العصر الذي تاهت فيه الحقائق وضاعت فيه القيم, واختلت فيه المعايير, وضيعت فيه الأمانة, وكثر فيه الخبث, ووُسّد فيه الأمر غير أهله, ونري من ملامحه -كما قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم- شحا مطاعا, وهوي متبعا, ودنيا مؤثرة, وإعجاب كل ذي رأي برأيه.

تعالوا نعرف معني الوطن

الوطن -في كليمات كما نصت معاجم اللغة- هو محل الإنسان, ومكان إقامته ومقره, وُلد به أو لم يولد. ووصف الوطن القومي من الأوصاف المستحدثة -وهو ذو ارتباط سياسي وتاريخي نعرض له فيما بعد- يوسع من دائرة الوطن, وينقله من المفهوم الفردي إلي المفهوم الجماعي ليكون محل إقامة دائمة معتبرة لقوم أو جماعة تلتقي علي عقيدة معينة أو مصالح مشتركة, أو وحدة الجنس… إلخ.

وكتب الأدب غاصة بدرر عن حب الوطن, والولاء له والشوق إليه في حالي الابتعاد والاغتراب, وكان من أسبق أبيات الشعر إلي حافظتنا ونحن أطفال قول أحمد شوقي:

وطني لو شُغلت بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي
ومن أقدم ما قيل في الولاء للوطن والاعتزاز والتمسك به قول ابن الرومي الشاعر العباسي:

ولي وطنى آليتُ ألا أبيًعَهُ وألا أري غيري لهُ الدهرَ مالكا

وأنبه القارئ إلي أن ابن الرومي لا يقصد بالوطن المفهوم المشهور الدارج, ولكن يقصد به بيته الذي استولي عليه ظلما وعدوانا واحد من “ذوي الحيثية” فشكاه للوالي “سليمان بن عبد الله” بقصيدة من أربعة وعشرين بيتا, تحدث فيها عن شبابه الناعم في منزله هذا, وعن ألفته له كأنه روحه أو جسده. 

فبعد البيت السابق مباشرة يقول:


عهدتُ به شرخ الشباب ونعمة 
كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا


فقد ألفَتْه النفسُ حتي كأنه لها 
جسدى إنْ بانَ غودرتُ هالكا

الإسلام .. ومفهوم جديد


كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يحب وطنه مكة, ويروي عنه -صلي الله عليه وسلم- أنه قال ما معناه مخاطبا مكة: والله إنك أحب بلاد الله إليّ, ولولا أن أهلك اخرجوني ما خرجت.. 
ويقال إن أحد الصحابة وصف مكة أمامه وهو في المدينة, فظهر التأثر علي وجهه وقال له: “… دع القلوب تقر”.

فلما أصبحت مكة تربة رافضة للإسلام ذلك النبت الجديد. واشتد الإيذاء علي المسلمين أذن الله لهم بالهجرة إلي الحبشة, هاجر منهم اثنان وثلاثون, وفي الهجرة الثانية ثلاثة وثمانون, وعلل النبي -صلي الله عليه وسلم- اختياره الحبشة مهجرا بأن فيها “ملكا لا يُظلم عنده أحد”. 
وكان هو أصحمة النجاشي الذي أواهم وأكرمهم . 
وبهذا الاختيار وهذه المقولة, يفتح رسول الله -صلي الله عليه وسلم- عيوننا علي مفهوم جديد “للوطن”, فلم يعد الوطن هو تلك الرقعة من الأرض التي يسكنها جماعة من الناس ويتعايشون فيها, وهذا هو المفهوم العادي الدارج السائد آنذاك, ولكن الوطن -كما أشار النبي صلي الله عليه وسلم- أصبح ذا مفهوم “قيمي”.. فهو “وطن” بما يسوده من قيم العدل والتكافل والأمن والسلام.

وهذا المفهوم “القيمي” للوطن أرساه, ورسَّخه القرآن الكريم في سورة قريش, وهي مكية بلا خلاف.

الوطن وإشباع حاجات الإنسان

يقول تعالي:


{لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنم من خوف }[قريش: 1-3].

والنظر المتأني لهذه السورة يقودنا إلي تبين الحقائق الآتية:

1- أن المذكورات فيها جاءت علي سبيل التمثيل لا الحصر, فذكر “الطعام” جاء تمثيلا للحاجات المادية. وذكر الأمان والشعور بالطمأنينة جاء تمثيلا للحاجات النفسية. يدل علي هذا ما ذُكر في سور وآيات أخري من ألوان النعم المتعددة: كإنزال الماء, وتسخير الأرض للزراعة, والبحر للتنقل, ومصدر من مصادر الطعام والحلي, والزواج لحفظ النوع, واستشعار المودة والرحمة والاستقرار والسكينة, وغير ذلك كثير وكثير.

2- أن الآيات ربطت بين تحقيق هذه الحاجات وإشباعها من ناحية, وبين السعي والتنقل والعمل من ناحية أخري, وذلك بالإشارة إلي رحلة الشتاء والصيف.

3- أن الآيات ربطت بين هاتين النعمتين -المادية والنفسية- وقيمة روحية عليا هي عبادة الله دون سواه, ويُستأنس لذلك بأن الله جعل البيت مثابة وأمنا. 
قال تعالي: (ا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْء)(القصص: من الآية57). وأن هاتين النعمتين كانتا استجابة لدعوة إبراهيم أبي الأنبياء عليه السلام: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ)(ابراهيم: من الآية35), {….. ) رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)(ابراهيم: من الآية37)

يقول الإمام الطبري: وكان أهل مكة تجارا, يتعاورون ذلك شتاء وصيفا, آمنين في العرب, وكانت العرب يُغير بعضهم علي بعض, ويقطعون طريق القوافل. وكان القريشيون إذا رحلوا قالوا: نحن من حرم الله فلا يعرض لهم أحد في الجاهلية وذلك لمكانة البيت فى نفوس هؤلاء جميعا.

والشعور بالطمأنينة والأمان والسلام النفسي يمنح الإنسان طاقة قوية للعمل والإنتاج والتقدم, وفي هذا المعني يقول (ديورانت): “… والحضارة تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق, لأنه إذا أمن الإنسان من الخوف تحررت من نفسه دوافع التطلع, وعوامل الابداع, وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهض للمضي في طريقه إلي فهم الحياة وازدهارها” (قصة الحضارة 1/4).

العدل أساس الوطن والمواطنة


فالعقيدة السليمة النيرة البانية, والعمل الشريف والسعي الدائب, وإشباع الحاجات المادية من طعام وشراب وملبس وسكني, والحاجات المعنوية من تمتع بالعدل, والطمأنينة والاستقرار والسلام.. هذه المعاني والقيم في صورتها الصادقة النقية لا تكون الأرض وطنا إلا بها, وأهمها -بعد العقيدة السمحاء- العدل, ومازالت ترن في آذاننا وقلوبنا كلمات رسول الله صلي الله عليه وسلم إذ يوجه المسلمين للهجرة إلي الحبشة: “فإن بها ملكا لا يُظلم عنده أحد”:

– فبالعدل يتساوي المواطنون وينال المواطن حقه غير مغبون.

– وفي ظل العدل يشعر المواطن بالطمأنينة والأمان, ويعمل بهمة ونشاط, مع حبه عمله وإقباله عليه.

– وبالعدل يُخلص المواطن الولاء لوطنه, والحب والتقدير لحاكمه, ويسير في طريق التقدم المطرد إلي ما هو أحسن وأفضل علي المستويين الفردي والجماعي.

والظلم ظلمات ومهالك

وإذا كان هذا هو شأن العدل وآثاره علي الأفراد والمجتمعات تقدما وبناء ونهوضا, فإن الظلم يقف علي الطرف النقيض. قال تعالي -في حديث قدسي- “يا عبادي, إني حرّمت الظلم علي نفسي وجعلته بينكم محرما, فلا تظّالموا”.

وقد نزلت الآيات تتري تُظهر عاقبة الظلم في الدنيا, منها علي سبيل التمثيل:

(وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)

(هود:102) ].

(وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ)

(الانبياء:11) – {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ)(القصص: من الآية59) . ونلاحظ أن الآيات السابقة تتحدث عن عاقبة “ظلم جماعي”, فهل يعني هذا أن هذه النتيجة لا تتحقق إذا ما كان الظلم محصورا في الحاكم أما الرعية فهي المطحونة تحت وطأة هذا الظلم? وفي الإجابة على هذا السؤال نستأنس بقوله تعالي: )وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (لأنفال:25)

ونستأنس بسؤال السيدة زينب رضي الله عنها لرسول الله -صلي الله عليه وسلم-: “… يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون? قال: نعم, إذا كثر الخبث” (والخَبَث بفتح الأول والثاني: الفساد والرذائل).

حالات.. وأحكام


وتواجهنا في هذا المجال عدة حالات, ولكل حالة حكمها:

الحالة الأولي: أن يكون الظلم آفة عامة وخليقة سائدة في المجتمع كله حاكما ومحكومين. وتكون النتيجة انهيار المجتمع كله وسقوطه.

الحالة الثانية: أن يكون الحاكم هو المستقل بآفة الظلم في مواجهة الرعية, فإذا كانت الرعية رافضة لهذا الظلم, مقاومة له بقدر ما تستطيع, وقع الوزر علي الحاكم. وإن أدي ذلك إلي إصابة المجتمع بالضعف والتأخر, لانصراف الناس عن أداء أعمالهم, وضعف إنتاجهم تحت وطأة الظلم والاستبداد.

أما إذا رضيت الرعية بظلم الحاكم, وأقرته, واستسلمت له, فجريمتها كجريمة الظالم في حكم الله. يقول تعالي: { ان الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا .) (النساء 97) , فأقل ما يجب أن يفعله المظلوم, أن يهجر وطن “الظلم والجبرية” إلي أرض يجد فيها الأمن والسلام, ويستطيع أن يعبد فيها ربه, ويؤدي رسالته, ويحصّل فيها عيشه. كما فعل المسلمون بهجرتيهم إلي الحبشة, ثم بهجرتهم العامة إلي المدينة )وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (النساء:100) .


(2) 

الظلم ظلمات

حقًا, إن الظلم ظلمات.. لأنه يعمي بصيرة الطاغية الظالم. ولا أسرف إذا قلت: إنه يعمي بصره كذلك, فلا يري الحقيقة في واقعها الحقيقي, بل يكون حوله من “يري” له, ويزين له كل ما يرضيه, ويقلب له الحق باطلاً, والباطل حقًا, فهو الزعيم الأوٍحد, وهو المنقذ الأول, وهو العبقري الأول, وعن مثله عقمت النساء. وهو سعيد ببطانة السوء هذه, إنهم “هامان وأوتاد” كل عهد, الباحثون عن متع الحياة الدنيا.. ملوك “الهبش” و”الهبر”.. حملة المباخر.. أرباب الكذب والنفاق.

وما أسعد بطانة السوء حين يرون مثل هذا الحاكم أحمق غبيًا.. يضعهم في سويداء قلبه, وبهم يري, وبهم يفكر, وبهم يسعي, وبهم يبطش.. ويمضي أعمي القلب.. أعمي الضمير, أعمي البصيرة, أعمي البصر, وكأنه المقصود بقول بشار بن برد:

أعمي يقودُ بصيرًا لا أبا لكمو
 قد ضلّ من كانت العميانُ تهديه

صدقتَ والله يا بشار “قد ضل من كانت العميان تهديه” وهل انكسرت شعوبنا, وتخلفت, وصارت طعامًا مستساغًا لأعدائها إلا لأن حكامها, وقادة مسيرتها هم العميان?!

وفيهم نزفتُ شعرا


ولا أبالغ إن كنت قد رأيت في كل واحد من هؤلاء في قصيدتي “براءة” نموذجًا مجسدًا لـ”الشر والشيطانية”:

كـأنـه لـبـنـي إبليس نسبتُهُ
الـسـجن والقيد والعدوان عدته
يقتات دمع الضحايا في زنازنهم
ويـدّعـي أنـه لـلعدل ملجؤه
وأنـه عـبـقري العصر والعَلَم
وهٍـو الذي ذبح القانون من سفه
لـه بطانة سوء كم طغت وبغت
يـأيـهـا الـذي ماتت بصيرتُه
لـقد غدوت كوحش ناش إخوته
رأيـت نـارك فىالأعداء باردة 
دستوره البغي والإحجاف والغَشَمُ

وشـر أعـدائـه الإسلام والقيم
كـأن أنـاتـهـم في أذنهً.. نَغَمُ
وأنـه لـلـجـياع الخبزُ والأَدَم
ومـثـلَ فـطنته لم تُنجب الأُمم
وضـج مـما جناه الحًلُّ والحرم
وهم علي الشعب دوما نكبة عَمَمُ
حتي استوت عنده الأنوار والظلم
ولـم تـرقّ لمن كانت لهم رحم
لكن على الأهل جمر ساعر حمم


الطاغية وتوثين الذات


إن الظلم أبشع الآفات التي تصيب النفس البشرية, وهو يأخذ صورته الضارية إذا ملك الظالم من القوة ما يجعل الظلم آلية سهلة لتنفيذ مآربه, وتحقيق ما يشبعُ نفسه المريضة. هو شذوذ في أعتي صوره لأنه تمرُّد علي الفطرة الإنسانية, وجور علي بني آدم وقد كرمهم الله, وجعلهم أكرم المخلوقات.

والحاكم الظالم يستبد به الغرور, ويتدرج به إلي أن يُغرق نفسه في مستنقع توثين الذات. وفرعون مصر هو أصرخ النماذج في هذا المجال” فقد رفض دعوة موسي عليه السلام {فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى} [النازعات:23, 24] وليس من الضروري أن يكون توثين الذات بادعاء الألوهية, ولكن بإنكارها, والنظر إليهاوإلي الدين كظاهرة كانت مرتبطة بالطفولة الأممية وعصور التخلف في الماضي, ومن أمثلة هؤلاء هتلر وموسوليني. ومن القصص المشهورة أن “جوبلز” (1897- 1945) -وكان وزير الدعاية والأنباء في عهد هتلر- كان يشرف علي إعدام أحد القسس, فقال له: “لا تعدمني, واتق الله فيّ” فرد عليه قائلاً: “لم يعد العصر عصر الله يا غبي, إنما هو عصر الفوهرر هتلر”, وانتهي به الأمر إلي الانتحار هو وزوجته وأولاده وزعيمه هتلر في أول مايو 1945.

آفات أخري.. وتبريرات ساقطة

وانطلاقًا من هذه الآفة -توثين الذات- نري الطاغية يتسم بالأثرة, وحب النفس, فهي مدار تفكيره, وهي المعيار الذي يزن ويقيس به أعمال الآخرين, فما اتفق مع هواها هو الطيب الخيّر, وما خالفها هو الباطل والخطيئة.

ومن هنا تأتي استهانة الطغاة بشعوبهم فهم في نظرهم “دهماء” لا يستحقون أن يشاركوا في سياسة تقرر مصيرهم, أو تسيّر أمورهم, إلا علي سبيل الظاهر الكذوب “للترضية” وإسكان الأصوات.

ومع آحادية هذه النظرة نري الطاغية متشبثًا بكرسي الحكم, يعض عليه بالنواجذ, وإذا تعارض هذا “التشبث الأبدي” مع دستور الوطن, ومصالحه وأعرافه, رأيت بطانة السوء, ومَن وراءهم من حملة المباخر الآكلين على كل مائدة يرفعون أصواتهم بالتبريرات الجاهزة المعدة سلفًا لمثل هذه المواقف. فتسمع من يقول: إن الدستور وسيلة لا غاية, فإذا تعارض بقاء “الحاكم الفلتة العبقري الموهوب” مع نص “جامد” من نصوص الدستور غضضنا النظر عنه, ليستمر الحاكم “الفلتة” لأن مصلحة الوطن أهم من كل دساتير الدنيا.معدة سلفًا لمثل هذه المواقف. 
فتسمع من يقول: إن الدستور وسيلة لا غاية, فإذا تعارض بقاء “الحاكم الفلتة العبقري الموهوب” مع نص “جامد” من نصوص الدستور غضضنا النظر عنه, ليستمر الحاكم “الفلتة” لأن مصلحة الوطن أهم من كل دساتير الدنيا.

وتتوالي “تدعيمات” هذه المقولة, بصرخات عاطفية أخري: فليبٍقَ.. وليستمر.. ليستكمل مسيرة الرخاء, ومسيرة السلام.. ومسيرة التنوير.

ثم يتحول بعض الأصوات بنبرة عالية إلي القول: أيها المعترضون لو كنتم صادقين في اعتراضكم, مقتنعين به رعاية لمصلحة الوطن: اذكروا اسم شخص يصلح أن يكون بديلاً.. يستطيع أن ينجز بعض ما أنجز الزعيم الفلتة.. وطبعًا لا يكون إلا الصمت.. خوفًا علي مصير “البديل المقترح”. والمعروف تاريخيًا أن الحكام في الشرق العربي لا يتركون الحكم إلا بالموت أو الاغتيال, هذا إذا استثنينا رجل السودان العظيم “سوار الذهب”.

وكل ما ذُكر من تبريرات تنطلق من فراغ وتعد فارغة لأنها تحاول أن “تمنٍطق” ما لا وجود له, فمن من حكام العرب -يا حملة المباخر- حقق رخاء وصنع للرخاء مسيرة أو حقق سلامًا شريفًا, واختط لاستكماله سبيلاً, وأشاع التنوير في مجال الفكر والتقنية والتعليم؟

إن الواقع الذي نعيشه -نحن العرب بعامة, والمصريين بخاصة- يدحض.. بل يسحق كل مزاعم حملة المباخر وتهويشاتهم. وحتي لو صح أننا في ظل النظام الحالي.. 
أي في ظل حكومات الحزب الوطني نعيش رخاء حقيقيًا.. وسلامًا حقيقيًا.. وتنويرًا حقيقيًا.. أليس من حق الشعب أن يطلب التغيير, ويطالب بتداول السلطة وصدق المثل القائل: “إن في التنويع متعة, حتي في الهموم”. فنجاح الحاكم في قيادة هذه المسيرات لا يصلح تبريرًا لبقائه “حاكمًا أبديًا”.

واذكروا يا سادة رجلاً اسمه “ونستون تشرشل” (1874- 1965) الذي كان رئيسًا للوزارة الإنجليزية طيلة أيام الحرب الثانية (1939- 1945). وحقق علي دول المحور أعظم انتصار في تاريخ البريطانيين, بل تاريخ أوروبا بأكملها علي مدار التاريخ ورفض أن يعلن الأحكام العرفية علي شعبه أثناء الحرب وقال قولته المشهورة: (لا أجمع علي شعبنا وطأة الحرب ووطأة الأحكام العرفية). 
وبعد هذا النصر العظيم فشل حزبه -حزب المحافظين- في الانتخابات العامة (النزيهة طبعًا) عام 1945. وترك الرجل الوزارة بصورة طبيعية بعد أن حقق أعظم انتصاره ولم يخرج إنجليزي واحد هاتفًا “بالروح.. بالدم.. نفديك يا تشرشل”.

ثرثارون.. ونمور ورقية

إن الحاكم العادل يزرع في قلوب المواطنين الاعتزاز به, والحب له, والإقبال عليه, والثقة فيه, وسرعة الاستجابة العملية لتوجيهاته, علي حد قول الشاعر المسلم عن خالد بن الوليد رضي الله عنه:

إذا قال سيفُ الله كرّوا عليهمو كررنا بقلب رابط الجأش صارمِ

فيكون تحقُّق الانتصارات أمرًا طبيعيًا لا غرابة فيه. وكما يكون الحاكم العادل محبوبًا من رعيته, يكون مهيبًا في نظر أعدائه. ومع حب المواطن لحاكمه العادل يكون صادق الولاء للوطن يفديه بنفسه وبكل غال نفيس.

وبالعكس يفقد الحاكم الظالم حب الناس وثقتهم, وإذا أطاعوه ففي الظاهر فقط, خوفًا من بطشه وجبروته علي حد قول الشاعر:


دعوا باطلا, وجلوا صارما 
وقالوا :صدقتا؟ فقلنا: نعم

ويفقد المواطن ولاءه -لا للحاكم الظالم فحسب- بل يمتد ذلك للوطن, وقد أصبح يعيش فيه غريبًا, يعاني الظلم والقهر ومن العذاب الكثير وقد قالها “أبو نواس” من ثلاثة عشر قرنًا:

لا أذودُ الطير عن شجر قد بلوتُ المرَّ من ثمره

ومثل هذا الحاكم يستهين به أعداء الأمة, ومنه يسخرون, بعد “أن نزع الله من قلوب أعدائنا المهابة منه”. وكم تهكم كبار الصهاينة والصليبيين والأمريكان علي حكامنا, فأطلقوا علي بعضهم أوصافًا أو ألقابًا مضحكة مثل “النمر الورقي” و”الثرثار الكبير” Big talker. ولا غرابة أن تمتد استهانتهم بحكامنا إلي استهانتهم بشعوبنا, فيتخذون قراراتهم المتعلقة بمصائرنا, وكأننا لا وجود لنا, وإذا كان لنا وجود -في نظرهم- فهو وجود هامشي, أو وجود “ورقي”. وقد سُئل أحد كبار الصهاينة: “أصحيح ما جاء في القرآن من أن اليهود ضُربت عليهم الذلة والمسكنة?” قال: نعم.. كان ذلك قديمًا أيام أن كان اليهود مثل الشعوب العربية الحالية”.

****************

ذكرنا من قبل أن إيذاء الكفار للمسلمين في مكة اشتد, حتي استُشهد بعضهم بالتعذيب مثل ياسر بن عامر, وزوجته سمية بنت خياط (أم عمار), فأذن الله لهم في الهجرة إلي الحبشة, فهاجر منهم 115 مسلمًا ومسلمة علي دفعتين: الأولي 32, والثانية 83. وعلل النبي -صلي الله عليه وسلم- اختياره الحبشة مهجرًا لهم بأن فيها «ملكًا عادلاً لا يُظلم عنده أحد».

وكان لهذه الهجرة الباكرة آثار طيبة -علي قلة عدد المهاجرين- أهمها أثران هما:


1- أنها أثبتت للكفار قدرة المسلمين علي الحركة والتصرف والسياحة في آفاق خارجية.

2- أنها نقلت -لأول مرة- اسم الإسلام إلي خارج الجزيرة العربية, وبدأت عيون الأحباش تتفتح -لأول مرة- علي إسلام هؤلاء المهاجرين.

في الطريق إلي الدولة

وبعد ثلاثة عشر عامًا من العمل الدائب, والجهد المتواصل في الدعوة إلي الإسلام كانت هجرة النبي -صلي الله عليه وسلم- إلي المدينة وهجرة المسلمين جميعًا من بعده. فمكة قد تحجرت فيها قلوب أهلها, وازدادوا قسوة وظلمًا وصلفًا وإصرارًا علي رفض الدين الجديد, وقد مهد النبي -صلي الله عليه وسلم- لهذه الهجرة بلقاءات ثلاثة مع أهلها, وكان كل منها مورقًا مثمرًا:

الأول: في موسم الحج, وكان يعرض نفسه علي القبائل قائلاً: «من رجل يحملني إلي قومه فيمنعني حتي أبلغ رسالة ربي, فإن قريشاقد منعوني أن أبلغ رسالة ربي». فأسلم جماعة من الخزرج, ووعدوه أن يعرضوا الأمر علي قومهم عند عودتهم إلي المدينة وكانوا ستة أشخاص.

واللقاء الثاني: كان مع 12 من الأنصار أسلموا وبايعوا (وهو ما يعرف ببيعة العقبة الأولي). وأرسل معهم «مصعب بن عمير» لتفقيههم في الدين.

واللقاء الثالث: وهو ما يسمي ببيعة العقبة الثانية كان مع 73 رجلاً وامرأتين من الأنصار, أسلموا وبايعوه علي النصرة والحماية والمنعة.

وبالهجرة قامت دولة الإنسان

وفي المدينة أقام النبي -صلي الله عليه وسلم- «دولة الإسلام», والدولة بالمفهوم الحديث «جمع من الناس من الجنسين معًا, يعيش -علي سبيل الاستقرار- علي إقليم معين محدود, ويدين بالولاء لسلطة حاكمة لها السيادة علي الإقليم وعلي أفراد هذا الجمع» 
(د. حامد سلطان: القانون الدولي العام 343).

وقد نصت المادة الأولي من الاتفاقية الخاصة بحقوق الدول وواجباتها التي عقدت في «مونتفيديو» في 26 من ديسمبر سنة 1933 علي ما يأتي:

«يجب لكي تعتبر الدولة شخصًا من أشخاص القانون الدولي أن تتوافر فيها الشروط التالية:

1- شعب دائم.

2- إقليم محدود.

3- حكومة.

4- أهلية الدخول في علاقات مع الدول الأخري».


وكل هذه الشرائط -دون تمحل وإسراف- توافرت في الدولة التي أقامها النبي -صلي الله عليه وسلم- في المدينة علي مدي عشر سنين:

1- فالمدينة إقليم له حدوده المتميزة المحددة.

2- والشعب هو الشعب المسلم المكون من الأنصار (الأوس والخزرج) والمهاجرين. وكلهم انصهروا في بوتقة الإسلام. وعاشوا كالجسد الواحد تماسكًا وتكافلاً وتعاونًا ومحبة وإيثارًا.

3- أما الحكومة: فحكومة الرسول -صلي الله عليه وسلم- التي تعتمد في الحكم علي ركيزتين صلبتين: العدل والشوري.

4- وكل أولئك جعل لهذه الدولة الجديدة أهلية كاملة في التعامل -كشخصية اعتبارية- مع الآخرين. علي تفصيل لا يتسع له المقام.

الأمن.. والاستقرار.. والعدلواقتضي حرص النبي -صلي الله عليه وسلم- علي ترسيخ قواعد الدولة المركزية الجديدة, ترسيخ العلاقات التي تربط بين الدولة وبين قبائل اليهود المختلفة» فكتب عهدًا مفصلاً ينظم العلاقات بين الدولة وبين هذه القبائل, ويطلق عليه تاريخيًا «كتاب الموادعة» أو «دستور المعايشة». وقد كتبه أول وصوله إلي المدينة -دون أن يطلب منه اليهود ذلك-, وفيه تفصيل دقيق جدًا للحقوق والواجبات. ثم كان الانفتاح علي خارج الجزيرة برسائل النبي -صلي الله عليه وسلم- إلي الملوك والرؤساء.

واستقر الحكم باليقين, وإشعار رعايا الدولة بالأمن والطمأنينة, والثقة في العدل, يستوي في ذلك المسلمون واليهود والمنافقون, وقد كان النبي -صلي الله عليه وسلم- يعرفهم واحدًا واحدًا, ومع ذلك عاملهم معاملة طيبة وعلي رأسهم عبد الله بن أبيّ بن سلول, ولم يأخذهم «بالباطن المستتر», وقد قال: «.. لنا الظاهر وعلي الله السرائر». والأصل أن الناس جميعًا «أبرياء» إلي أن يثبت -علي وجه اليقين- ما يقتضي الاتهام والعقاب. ويروي أن قومًا أتوه برجل وقالوا يا رسول الله, إن هذا الرجل سرق منا كذا وكذا, فقال: «لا تقولوا سرق, ولكن قولوا: أخذ» فهو «آخذ» إلي أن يثبتوا -علي سبيل القطع- أنه سارق.

واطمأن عتاة الكفرة والمجرمين والقتلة -بعد إسلامهم- بتطبيق قاعدة «الإسلام يجبُّ (أي: يمحو) ما قبله».. حتي وحشي الحبشي الذي اغتال حمزة بن عبد المطلب -رضي الله عنه- أحب خلق الله إلي رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قَبًل النبي إسلامه ولم يمنعه حقًا من حقوقه, وعاش مجاهدًا, وبيده صرع مسيلمة الكذاب في موقعة اليمامة في عهد أبي بكر -رضي الله عنه. 
وتكرر مثل ذلك أيام عمر بن الخطاب -رضي الله عنه. فقد حزن حزنًا شديدًا علي أخيه زيد الذي استُشهد في معركة اليمامة, وكان يتمني لو كان شاعرًا حتي يرثيه بشعر كشعر متمم بن نويرة في رثاء أخيه مالك.

وبعدها أسلم القاتل «أبو مريم السلولي» والتقي عمر في خلافته, وقال له: أنت قاتل أخي, والله لن أحبك حتي تحب الأرضُ الدم المسفوح» (أي لن أحبك أبدًا). فسأله أبو مريم: أيدفعك ذلك إلي ظلمي؟ فأجاب عمر -علي الفور-: اللهم لا. قال أبو مريم: لا ضير. إنما يأسي (يحزن ويتحسر) علي الحب النساء.

وعاش قاتل شقيق الخليفة -كما عاش قاتل عم النبي -صلي الله عليه وسلم- آمنين متمتعين بعدالة الإسلام, وقد جبّ الإسلام جريمتهما, ولم يصفهما أحد بالغدر والإرهاب.


وفي ظل «العدل الشامل» الذي لم تخدشه «طوارئ» أو «استثناءات» كانت الدولة الإسلامية مهيبة في نظر أعدائها, وبسيادة الإيمان -لا سيادة الرئيس- دكَّ المسلمون دولتي الفرس والروم, أهل الظلم والكفر والجبرية. وكان رستم -قائد الفرس- يقول: أكل عمر بن الخطاب كبدي لأنه يعلم الكلاب الأداب».

ما أبعد الليلة عن البارحة

وما ذكرته يمثل خطوطًا سريعة «لطبيعة الوطن القومي الإنساني» الذي عاش فيه العرب والمسلمون, فحققوا الانتصارات, وعاشوا رسل تعمير وتنوير علي مستوي العالم كله. إنه الوطن الذي يجب أن نعيش فيه -أو قريبًا منه شبهًا- في عصرنا الحاضر وليس ذلك بالمستحيل ما توافرت العزائم, وصدقت النوايا, وواصلنا العمل علي أساس من الإيمان والحرية, وأصبحت السيادة للقيم النظيفة السامية.

عصر العار.. والشذوذ

أما العصر الذي نعيشه الآن فهو « العصر «الأمٍرًيصهيوني» أو العصر «الصهيوأمريكي» وهو يعني في إيجاز شديد جدًا: الهيمنة الأمريكية (وهي ذات أبعاد صهيونية حتي النخاع) علي المنطقة العربية في ثرواتها وسياساتها وقيمها, ومناهج التعليم فيها, وخصوصًا ما يتعلق بالعقيدة والأخلاقيات وقد حذف من المناهج والمقررات كل ما يدين اليهود, وهي حقائق ثابتة, يستوي في ذلك القرآن الكريم والسنة النبوية والشهادات التاريخية اليقينية حتي لو كانت بأقلام غير المسلمين من المنصفين.

ولإسرائيل سوابق حقيرة في هذا المجال» فبعد جريمة التطبيع الأولي التي اسمها «كامب ديفيد» انطلق الصهاينة -بتخطيط عملي دقيق- لتشويه عقيدتنا, وهدم قيمنا ومعطياتنا الدينية, ففي سنة 1982, روّرت إسرائيل طبعة من القرآن حذفت منها 160 آية من سور متعددة, مع إدخال بعض الآيات من سور أخري. طبعت من هذا القرآن المزور مليون نسخة في إحدي دور النشر المعروفة ببيروت, وغُلفت النسخ بالحرير, وطُعمت بالذهب, ووزعت كلها في البلاد الإسلامية, وبعض البلاد العربية.

وتصغر هذه الجريمة أمام جريمة أكبر تتمثل فيما سموه «القرآن الحق», وقد وُزع في العالم كله, ويذاع في مواقع أعداء الإسلام (الإنترنت). وكله تشويه خسيس للإسلام, وتجريح لشخصية نبينا -صلي الله عليه وسلم-, وإبراز لمحاسن اليهود واليهودية والمسيحية.

ومن مظاهر العار والضياع

ومن مظاهر الهيمنة فرض اتفاقيات تمكن إسرائيل من التغلغل في أوضاعنا الاقتصادية والسياسية, وآخرها اتفاقية «الكويز» التي يصر النظام المصري علي تسميتها «بروتوكول» لا «اتفاقية», وتصويرها علي أنها «المنقذ» الذي هبط من السماء. وهي في خطورتها, وآثارها البعيدة, تعد المرحلة الثانية من مراحل التطبيع, لتكريس الوجود الإسرائيلي وتغلغله, وتقنينه في المنطقة.

وكانت هذه الاتفاقية توَّقع وإسرائيل تقوم بمذابح وهجمات وحشية بالطائرات والدبابات علي غزة وخان يونس وغيرهما. وبعدها يعلن مجرم الحرب «شارون» -الذي وصفه النظام المصري بأنه «رجل سلام»- أن الرئيس بوش وافق علي ما قررته إسرائيل من أنه لا عودة للاجئين الفلسطينيين, ولا عودة إسرائيلية إلي حدود ما قبل 1967, وأن القدس هي العاصمة الأبدية لإسرائيل.

أما حكامنا فقد ضحوا بشعوبهم لإرضاء العم بوش, وإرضاؤه -من وجهة نظرهم- يضمن لهم كراسي الحكم, ويهيؤها لأبنائهم من بعدهم, وحكموا شعوبهم بالسجون والحديد والنار حتي كتب أحد الصحفيين الفرنسيين إحصائية ذكر فيها أن مجموع عدد المسجونين والمعتقلين السياسيين من المواطنين في مصر وسوريا وليبيا يمثل خمسة أمثال المسجونين الفلسطينيين في سجون إسرائيل. أما التعذيب في سجوننا فأبشع ما يمكن أن يتصوره إنسان, وأصبح من الأمور العادية أن يموت المعتقل أو يفقد عقله من شدة التعذيب. وأصبحت أحكام القضاء التي تدين جرائم «الأمن» لا تُنفَّذ مهما كانت أحكامًا نهائية. وانفرد قانون الطوارئ بالتسلط علي الشعب من ربع قرن.

ودائمًا يتشدق هؤلاء الحكام بأن نظام حكمهم نظام ديمقراطي «بالجرعات»» لأن تطبيق الديمقراطية الشاملة سيأتي بالإرهابيين من أمثال «الإخوان المسلمين» للحكم وذلك سيضر بالمصالح الأمريكية في المنطقة, فيلوذ العم بوش بالصمت.. ولو إلي حين.

وأصبح الحاكم هو الدولة والقانون والحكمة وعبقري زمانه في وطن اهترأت فيه الأخلاقيات, وتفشي الفساد, وأصبحت الرشوة أساس التعامل ونُهبت أموال البنوك, وانحط الإعلام ومستوي المعيشة. وهاجرت مئات الألوف من العقول والمواهب التي كان وطننا في أشد الاحتياج إليها. وأصبح المتمسك بدينه كالقابض علي الجمر, وهو يوضع في قائمة الرجعيين الظلاميين, أما الفاسد المنحط الذي يحمل علي الدين والمتدينين, فهو متحضر تنويري.

وكل ما ذكرنا يجعل العربي الحر يشعر بالغربة الحادة في وطن سرقه منه الفاسدون المفسدون, وأصبح فيه مضطهدًا منبوذًا, وهدفًا دائمًا للحكام الطغاة وأذنابهم ومخالبهم. 
فهل يستطيع مثل هذا العربي الحر أن يكون له وطن قومي يشعر فيه بالأمن والاستقرار والسلام؟ 
أقول: نعم. أما كيف؟ فأرجو القراء أن يشاركوني في إجابة هذه الشريحة من السؤال قبل أن أدلي بدلوي بعد فترة ألتقط فيها أنفاسي.

الأربعاء، 7 أغسطس 2019

تخريفات طارق حجي..

تخريفات طارق حجي..
الأقباط هم أصحاب مصر الأصليون
والمسلمون غزاة مستعمرون


أ.د/ جابر قميحة
“…إني أومن بالحداثة والعلمانية والحضارة، وأعادي كل التوجهات الفكرية الماضوية، وأدافع عن قضايا المسيحيين في مصر بصفتهم أصحاب هذا الوطن الأصليين، ويضحكني أن أسمع عربيًا يبكي على خروج العرب من الأندلس.
فالذي كان في الأندلس لا يعدو أن يكون احتلالاً عربيًا لا بد أن ننظر إليه مثل نظرتنا لاحتلال فرنسا للجزائر.
إنني لا أؤيد فقط ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان، ولكني أنتقد هوادة الضربة الأمريكية، وكنت أتوق لأن أرى قوات الحضارة تمحو من فوق الأرض كل معاقل الظلام، والظلام عندي والسلفية هما ذات الشيء…”.
تلك كانت سطورًا من المقال الذي كتبه الكاتب المصري العربي المسلم الأستاذ طارق حجي في “صوت الأمة” الصادرة في 9/12/2002م تحت عنوان “المسلمون أنتجوا مذهبًا مظلمًا هو الوهابية”.

 والسطور السابقة ـ والمقال في أغلبه يدور في فلكها ـ تحمل شحنة عاتية من الانفعالية المتسعرة التي تجافي الموضوعية، وإن طرحت من قبل بأقلام استشراقية، وصليبية تعصبية:
1 ـ فالكاتب يعلن، ويلح، ويكرر ـ في مقالة كله ـ أنه ضد التوجهات الماضوية،/ ويعادي الماضي بل إنه ـ كما يقول بالحرف الواحد ـ “من أكثر العرب خجلاً من معظم ما يسمى بالثوابت العربية”.
فهو إذن يكره الماضي لذاته، ونكتشف بسهولة ـ من سياقاته ـ أنه لا يكره إلا الماضي العربي والإسلام بكل معطياته وتوجهاته، ولم يقدم لنا سيادته تبريرًا موضوعيًا معقولاً لهذه “العقدة” المتجذرة . ولا يصلح إيمانه بالحداثة والعلمانية والحضارة تبريرًا لتوجهه هذا؛ لأن الإيمان بهذه “الثلاثية” لا يقود معتنقيها إلى الرفض المطلق، أو الكفران المطلق بالماضي العربي والإسلامي وإن انسلخوا من كثير من قيمه.
ولا يصلح أن يكون تبريرًا كذلك لهذه العقدة المتضخمة أن يكون ـ كما قال عن نفسه ـ “أحد مفكري مصر الذين خرجوا من عباءة طه حسين”، فمن عباءة طه حسين ـ أو تتلمذ على يديه ـ خرج كثير من قادة الفكر الذين دعوا وانتصروا للعروبة والإسلام والتراث العربي والإسلامي، وآمنوا بعروبة مصر وإسلاميتها، مثل د.شوقي ضيف , ود.مصطفى الشكعة ,ود.نعمات أحمد فؤاد . وطه حسين نفسه ترك للمكتبة العربية عطاء إسلاميًا طيبًا مثل: مرآة الإسلام، والوعد الحق.
 هذا وإن سُجِّلتْ عليه مآخذ في كتابه “في الشعر الجاهلي” وكتابه “مستقبل الثقافة في مصر” الذي ادعى فيه أن مصر ـ بطوابعها وأبعادها ـ أقرب إلى دول حوض البحر الأبيض المتوسط منها إلى الدول العربية والحضارة الإسلامية. وقد عبر الأستاذ الحجي عن إيمانه المطلق بهذه الفكرة.
2 ـ ويعلن حجي بأنه يدافع عن قضايا المسيحيين في مصر ـ يقصد الأقباط ـ “بصفتهم أصحاب هذا الوطن الأصليين”.
 وما كنت أتصور ـ بل أتخيل ـ أن يسقط كاتب متمرس هذه السقطة؛ لأنه بمقولته هذه قد قسم المواطنين المصريين إلى: مواطنين أصلاء، وهم الأقباط، ومواطنين “دخلاء” وهم المسلمون.
 وهو للأسف يردد ما كتبه ـ ويكتبه ـ قلة قليلة جدًّا من الأقباط في المهجر الأمريكي، وكان من منشوراتهم منشورة بعنوان “مصر بين المصري الأصيل، والمصري الدخيل”، وهذا ما تبرأ منه أقباط مصر، لا مصر التي نعيش فيها، ولكن مصر التي تعيش فينا”.
على أن هناك آلافًا من الأسر المسلمة المنحدرة من أصول قبطية، وأنا شخصيًا أعرف بعضها، ومنها قادة للفكر والعمل الإسلامي.
 وإذا كان هذا هو معيار الكاتب في التأصيل فلماذا لا يتبنى دعوة ينتصر فيها “للهنود الحمر” ويدافع عن حقوقهم “بصفتهم أصحاب الوطن (أمريكا) الحقيقيين الأصلاء “قبل زحف العصابات والشواذ من أوروبا، إلى الأمريكيتن، واستعمار الأرض، واستئصال أغلب سكانها الأصليين ؟، ولماذا لا يطالب “بوش” بنقل السلطة إلى أحفاد هؤلاء الهود الحمر “بصفتهم أصحاب هذا الوطن الأصليين ؟، ولماذا ـ بناء على هذا التوجه المسعور ـ لا يطالب بعودة إيران إلى أهلها الأصليين، أصحاب الوطن قبل الفتح العربي، من أحفاد مزدك، وكسرى أنوشروان، ويزدجرد، واعتناق المجوسية، وعبادة النار؟، ويكون كذلك من حقه أن يطالب بعودة “استانبول” إلى اسمها القديم “القسطنطينية” وتسليمها للروم البيزنطيين؟
وأعود بعد هذا الاستطراد إلى القول بأن إعلانه أنه يدافع عن قضايا المسيحيين في مصر يطرح إيحاء قويًا بأنهم يعانون الظلم والاضطهاد في معايشة الأغلبية المسلمة، كما أن تقسيم المصريين إلى أصيل ـ وهو قبطي ـ ودخيل أو طارئ وهو المسلم فيه افتئات على الحق والحقيقة، وإثارة لنعرة منكودة قد تجر لفتنة نحن في غنى عنها.
 وللأسف تغافل الكاتب “التنويري العلماني جدًّا” عن حقائق التاريخ التي أبرزها كتاب موسوعيون غربيون، مثل غوستوف لوبون، وويلز، وبتلر، ومنها أن المستعمرين الرومان ظلوا ـ قرابة ستة قرون ـ ينهبون خيرات مصر وأموالها، ويثيرون الفتن بين أهلها، بل عاش الأقباط أنفسهم في صراع دام بين طائفتيهم: “الملكانية” و “اليعاقبة” , ولم يعرفوا العدل والاستقرار والأمان إلا في عهد المسلمين، وكانت معاهدة الإسكندرية التي عقدت بين الفاتح عمرو بن العاص والمقوقس (عظيم القبط) نموذجًا طيبًا للحكمة والإنسانية. فقد نصت على ألا يأخذ المسلمون أي كنيسة، ولا يتدخلوا في حرية المسيحيين الدينية أو الأسرية، ولا تؤخذ أراضيهم , ولا يخرجوامن قراههم . ومن مظاهر الإنسانية أيضًا ما نصت عليه المعاهدة بالنسبة للروم واليهود: من أن يرحل جنود الروم بحرًا من الإسكندرية، ومعهم متاعهم، والسماح لليهود ـ وكان عددهم سبعين ألفًا ـ أن يقيموا بالإسكندرية بصفة دائمة إذا شاءوا.
وعرف الأقباط معنى العدل في ظل الإسلام، وحكاية ابن عمرو بن العاص الذي ضرب ابن القبطي مشهورة، ولولا إيمان القبطي بالعدل الإسلامي ما هرع إلى المدينة ليشكوا ابن الوالي للخليفة عمر ـ رضي الله عنه ـ ويأمر عمر ابن القبطي أن يضرب ابن عمرو، بل طلب منه أن يضرب عمرًا نفسه؛ لأن الولد ـ كما قال الخليفة ـ : “لم يجرؤ على ابن القبطي إلا بسلطان أبيه” ثم قال “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟”.
 *****
 ويعتبر حجي الوجود العربي الإسلامي في الأندلس استعمارًا مثل استعمار فرنسا للجزائر، ويضحك حينما يسمع عربيًا يبكي على خروج العرب من الأندلس”.
وكأني بالسيد طارق لم ير دموع من يفوقونه علمًا وفكرًا من علماء الغرب ـ ومنهم أسبانيول ـ وهم يبكون لانقطاع وتوقف أعظم حضارة شهدتها البشرية، وذلك بعد خروج العرب من الأندلس، ولو استمر تدفق هذه الحضارة العربية لما وجد حجي ما يسميه حضارة غربية أو أمريكية يؤمن بها . يقول غوستاف لوبون في كتابه “حضارة العرب” : وعرب الأندلس وحدهم هم الذين صانوا في القرن العاشر الميلادي العلوم والآداب التي أهملت في كل مكان حتى في القسطنطينية، ولم يكن في العالم ـ في ذلك الزمن ـ بلاد يمكن الدرس فيها غير الأندلس العربية، وإلى بلاد الأندلس كان يذهب أولئك النصارى القليلون لطلب العلوم، ومن هؤلاء “جربر ت” الذي صار بابا في سنة 999م باسم “سلفستر الثاني” والذي أراد أن ينشر في أوروبا ما تعلمه، فعد الناس عمله من الخوارق، واتهموه بأنه باع روحه للشيطان..”.
وفي كتابه “ظلال الكنيسة” يشيد العلامة “بلاسكوا أبانيز” بمجد العرب الأندلسيين، ويصف حضارتهم بأنها حضارة جديدة اتسم أهلها بفضيلة التسامح وحرية الضمير، فقبلوا كنائس النصارى، وبيع اليهود، بجانب المساجد، وأنها كانت أزهى الحضارات وفي الزمن الذي كانت أمم الشمال فريسة للفتن الدينية، والمعارك الهجمية، ويعيشون عيشة القبائل المتوحشة في بلادهم كان سكان أسبانيا يزدادون، فيزيدون على ثلاثين مليونًا تنسجم بينهم جميع العناصر البشرية , والعقائد الدينية…فعاشت في الجزيرة الأندلسية طوائف من النصارى والمسلمين، وأهل الجزيرة والشام، وأهل مصر والمغرب، ويهود أسبانيا والشرق، وعاشت ـ بفضل هذا التفاعل الحي بين العناصر والعروق ـ جميع الآراء والعادات والكشوف العلمية، والمعارف، والفنون، والصناعات، والمخترعات الحديثة، والأنظمة القيمة، وانبثقت من تجاوب هذه القوى مواهب الإبداع والتجديد..”
 *****
 ويبرز لوبون ما للفتوح العربية من طابع خاص “لا تجد مثله لدى الفاتحين الذين جاءوا بعد العرب، وبيان ذلك أن البرابرة الذين استولوا على العالم الروماني، والترك وغيرهم ـ وإن استطاعوا أن يقيموا دولاً عظيمة ـ لم يؤسسوا حضارة ـ أما العرب فقد أنشئوا بسرعة حضارة جديدة كثيرة الاختلاف عن الحضارات التي ظهرت قبلها، وبذلك تمكنوا من اجتذاب أمم كثيرة إلى دينهم، ولغتهم، فضلاً عن حضارتهم الجديدة”.
 فهل كان وجود العرب في الأندلس كالاحتلال الفرنسي للجزائر؟ هل نسي حجي دماء مليون شهيد حتى تخلصت الجزائر من هذا الاستعمار؟ وهل ما زال يلح على إيمانه المطلق بالحضارة الغربية، وكفره المطلق بالثوابت العربية ” كما أعلن في مقاله ؟ علم ذلك عند ربي، ثم عند السيد العلماني المستنير جدًّا طارق الحجي .
*****
 ومن قبيل الحرص على الموضوعية نذكر القارئ بأهم الخطوط التي عالجناها فيما سبق . فقد رأينا تصريح حجي بإيمانه المطلق بالحضارة الغربية، وأن قوات أوروبا وأمريكا هي قوات الحضارة، ويأخذ عليها “ضعف” ضرباتها لأفغانستان، ويتمنى لو أنها ضربتها الضربة الماحقة” مع أن أمريكا استخدمت من الأسلحة والذخائر ما لم تعرفه البشرية من قبل منها قنابل تزن الواحدة أطنان، وصواريخ تخترق الصخور ثلاثين مترًا في العمق.
ورأينا تعبيره بأنه من أكثر الناس خجلاً من معظم ما يسمى بالثوابت العربية، وإيمانه المطلق بانتساب مصر إلى دول البحر الأبيض لا دول الأمة العربية.
وأعتقد أن الثوابت العربية، والحضارة الإسلامية ـ وقد قدمنا بعض مظاهرها آنفا ـ لن يضيرها، ولن يهز مكانتها التاريخية أن يخجل منها ألف، أو آلاف مثل السيد طارق الحجي، كما أن الحضارة الغربية لن يعلي من شأنها إيمانه المطلق بها، ولن يغير من طبيعة مصر العربية الإسلامية أن ينسبها ـ كأستاذه طه حسين ـ إلى دول البحر الأبيض المتوسط.
 وأعجب كيف نسي ـ أو تناسى ـ الكاتب الكبير صفحات العار ـ وما أكثرها ـ في سجل الحضارة الغربية، ومنها: حرب الأفيون (opium war) وهما حربان: الأولى (1840 ـ 1842م) والثانية (1857 ـ 1860م) وسببها حرص بريطانيا “العظمى” على ترويج تجارة الأفيون وتصديره إلى الصين والهند، وما جاورها، ومقاومة حكومة الصين لهذه التجارة المحرمة، وهزمت الصين في الحربين، وأجبرت الصين على توقيع معاهدة “ناناكنغ” وبمقتضاها تنازلت الصين لبريطانيا عن “هونج كونج” , ودفعت لها غرامة قدرها 21 مليون دولار، وفتحت خمسة موانئ صينية كبيرة للتجارة البريطانية الحرة، وغير ذلك . وبأسلوب التهديد حظيت فرنسا، والولايات المتحدة على ما يقارب هذه الامتيازات، وأثناء الحربين ارتكب الجنود البريطانيون مذابح بشعة، كان ضحيتها آلاف المدنيين الصينيين في المدن والقرى.
*****
ولا ينسى التاريخ ما وقع في جنوب أفريقيا على يد العنصريين البيض في جمهورية جنوب أفريقيا و”زامبيا” و”ناميبيا” , وما فعله المغامرون البيض ببقايا الهنود الحمر في الأمريكتين.
 وفي كتابه “حرب قذرة” يحكي الكاتب الأسترالي “كليف تورنبل Clive Turnbull قصة إبادة السكان الأصليين لجزيرة “تسمانيا” عن آخرهم، وكان اسمها الأصلي “أرض فان ديمين” وقد تم هذا الاستئصال خلال خمسة وسبعين عاما، على أيدي أسوأ أنواع المجرمين الإنجليز الذين ضاقت بهم سجون إنجلترا في بداية القرن التاسع عشر، لتتخلص منهم.
ولكن ما سبب هذه الثورة الوحشية الضارية التي حاول فيها حجي أن يحرق كل الحقول؟ لنقرأ ما صدَّرت به صوت الأمة (9/12/2002م) مقال طارق حجي “في صيف عام 2001تعرف الكاتب والمثقف الكبير طارق حجي على الأمير خالد الفيصل، اقترح الأمير أن ينضم الكاتب إلى قائمة المؤسسين لمؤسسة الفكر العربي، رد عليه طارق قائلاً: اترك لي ثلاثة اشهر، وبعدها سأقول لك رأيي، وبعد ثلاثة أشهر بالضبط قال طارق حجي رأيه في رسالة، ووجهها للأمير كتب طارق رسالته منذ عام كامل، واحتفظ بها بين أوراقه، كان يريد أن تظل في أرشيفه الشخصي , لكن المؤتمر الذي عقدته المؤسسة في مصر مؤخرًا، والحملة التي قادتها “صوت الأمة” ضد الذين أرادوا تجميل وجه السعودية على حساب المصريين دفعا طارق ليفرج عن رسالته، التي رغم أنه كتبها منذ عام لكنها تصلح للقراءة في هذا الوقت بالتحديد”.
وفي هذه الرسالة يرفض أن يكون عضوًا مؤسسًا لمؤسسة الفكر العربي؛ لأن فيها أعضاء يدعون لفكر السلف الصالح “كالذي يملك قناة فضائية مثل قناة اقرأ “…”
 وهنا نرى الرجل قد ناقض نفسه، وهدم معبده بيده، وهو الذي يدعي أنه يحمل لواء الديمقراطية وحرية الرأي، فأين إيمانه بالرأي الآخر مهما خالف رأيه وتوجهه؟ هل يريد أن يكون هو الصوت الوحيد في هذه المؤسسة؟
 لقد أثار هذا المقال تقزز كل من قرأه من الأسوياء من المسلمين والأقباط، وقد هاتفني أحد الأصدقاء من الأقباط قائلاً: “.. ماذا يريد هذا الرجل؟ هل سيكون أكثر تحمسًا لديننا وواقعنا منا نحن المسيحيين؟ ومن قال له إننا في حاجة إلى دفاعه عنا؟ ومن قال له أننا مضطهدون وفي حاجة إلى دفاعه، ودفاع أمثاله؟ إننا ـ نحن المصريين ـ نشعر أننا جميعًا ـ مسلمين وأقباط ـ أصلاء، وليس فينا دخيل”.
 وتساءل الصديق القبطي: “وما حكم طارق حجي على آلاف اليهود الذين كانوا يعيشون في مصر حتى نهاية الأربعينيات من القرن الماضي؟ هل هم أصلاء أم دخلاء؟ وما حكمه على أقباط اعتنقوا الإسلام حديثًا؟ هل تحولوا في نظره من أصلاء إلى دخلاء؟”.
قلت لصاحبي ـ وأنا أحاوره: من يدري، فغدًا قد تتمخض “النظرية الطارقية الحجية” عن نظرية جديدة يتبناها هو أو غيره مؤداها أن اصحاب الوطن الأصلاء هم الفراعنة والمصريون القدماء، أما الدخلاء فهم الأقباط والمسلمون على سواء”.
ثم إني أنبه السيد طارق الحجي إلى أن محاولته فرض رأيه والدفاع عنه بصورة فوقية نرجسية لا يفيده شيئا، كقوله عن نفسه أنه “يفكر أن يحاضر بأكبر جامعات العالم ليسهم في عملية انتشال العقل العربي من وهدة التخلف … الخ. وإصراره على أن “مؤلفاته ومقالاته تدعو دعوة دءوبا للحاق بركب المدنية والعصرية …. إلخ.
 وحينما تصدت السيدة صافي ناز كاظم (في صوت الأمة في 16/12/2002م) لنقض ما قال، لم يجد ما يقوله إلا كلمات الدهماء لا أسلوب العلماء أو الأدباء” , ويعجب كيف ترد عليه وهو ـ كما قال عن نفسه “… مفكر توجد كتاباته على أكثر من مائة موقع للانترنت بمجتمعات الحضارة والتقدم، كما تنشر كتاباته بدوريات كبريات الجامعات الأمريكية، والكندية، والبريطانية، والفرنسية، وتترجم مؤلفاته لأكثر من ست لغات أوروبية”.
ويعجب مرة أخرى كيف تنقد مقاله مع أنه قد مدحه “أساتذة أجلاء مثل السيد ياسين، وسمير سرحان، وجابر عصفور، وآخرون!!”.
 ويعود فيكرر أن له “سبعة عشر كتابًا منها أربعة كتب بالإنجليزية، وأنه يحاضر في جامعات هارفارد وكولومبيا وبرنستون..الخ”.
 *****
 ولكن دعك من هذا، وتعال لنشهد ما هو أشد إيلامًا للنفس، فالكاتب الكبير ينكر إنكارًا فاضحًا مضمون ما كتبه من كلمات، ففي صوت الأمة الصادرة في 16/12/2002م ـ في سياق رده على صافي ناز كاظم ـ يقول بالحرف الواحد: “إن قولي إن الأقباط هم أصحاب الوطن الأصليون، يعني أنهم مواطنون من الدرجة الأولى، ولا يعني على الإطلاق أن المصريين المسلمين ليسوا من أصحاب هذا الوطن الأصليين..”.
وواضح أن الرجل قد جانبه التوفيق في هذا التأويل الهروبي فعبارته في العدد الصادر 9/12/2002م هي:
“.. وأدافع عن قضايا المسيحيين بصفتهم أصحاب هذا الوطن الأصليين..”.
أ ـ فمفهوم المخالفة ـ الذي يعرفه الفقهاء ـ يقطع بأنه يقصد أن المسلمين دخلاء على هذا الوطن، فلو قلنا: إن الهنود الحمر هم أصحاب أمريكا الأصليون، فهذا يقطع بأن غيرهم طارءون دخلاء عليها، ونصل إلى النتيجة نفسها لو قلنا: إن السوء هم أصحاب جنوب أفريقيا الأصليون .. ولا دخل هنا للدرجة الأولى أو غير الأولى.
ب ـ ويقطع بما ذهبنا إليه عبارته التالية مباشرة، ونصها “ويضحكني أن أسمع عربيًا يبكي على خروج العرب من الأندلس، فالذي كان في الأندلس لا يعدو أن يكون احتلالاً عربيًا، لا بد أن ننظر إليه مثل نظرتنا لاحتلال فرنسا للجزائر”.
فهذه السطور تعطي إيحاء قويًا بأن الوجود العربي الإسلامي بمصر لم يكن طارئًا فحسب، بل كان استعمارا حقيقيًا، كاستعمار العرب للأندلس (!!) الذي هو ـ في نظره كاستعمار فرنسا للجزائر.
 ولا عجب أن يكون هذا هو القصد الحقيقي لرجل يفخر بعلمانيته وحداثيته، وتعبده للحضارة الغربية، وكفره بالثوابت العربية، ويؤمن بأن مصر من دول البحر الأبيض المتوسط لا من الدول العربية والإسلامية.
 نعم القصد واضح، وما كنت أحب لصاحب السبعة عشر كتابًا (منها أربعة باللغة الإنجليزية)، الذي يحاضر في كبرى جامعات العالم أن يحاول خداع القراء، وينكر ما قصد إليه، ويحاول أن يهرب من الحقيقة بطريقة تثير التقزز والغثيان.
* * * * *
أيها القارئ تذكر أن من مضامين إفراز طارق حجي:
ـ على أمريكا ودول الغرب أن تمحق أفغانسان و”دول الظلام” من الوجود.
ـ المسلمون استعمروا أسبانيا، كما استعمر الفرنسيون الجزائر.
ـ أنا مؤمن إيمانًا مطلقًا بالغرب وحضارته وكافر بمعظم الثوابت العربية، وبكل معطيات الماضي العربي.
ـ قناة “اقرأ” الفضائية قناة ساقطة متخلفة.
ـ وحتى نقطع الشك باليقين نقدم للقارئ مقالا نشره طارق بتاريخ 12 5 2007 , في
صحيفة : المصري اليوم . عنوانه لو كنت قبطيا.يا ليت القارئ يرجع إليه.