‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات بادية شكاط. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات بادية شكاط. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 30 مارس 2025

الدولة المدنية وسقف التبعية

الدولة المدنية وسقف التبعية
بادية شكاط 
امين عام منظمة اعلاميون حول العالم وعضو مؤسس

 

لقد بات لزامًا التفكير في صناعة فكرٍ بديل يُخرجنا من سطحية الفهم، ودوائر الوهم، التي لم تُبقِ ولم تذَر، فجعلت الدول العربية مختبرًا لكل الأيديولوجيات، ما ولَّى منها وما هو آتٍ، وسَنَامُ كل ذلك هو وضع مفهوم للدولة مستقلٍّ عن هاتِه المفاهيم الغربية السائدة، أو تلك الرجعية منها والبائدة، فما هو سائد الآن من مفهومٍ للدَّولة الحديثة قد كان له خلفياته البَعيدة بالنسبة للدول الغربية، لكننا ولأنَّنا قد فوَّضنا لهم مقام النصح والإرشاد، فقد سلَّمنا لهم بكلِّ رأي، وصِرْنا قُطعانًا طائعين، لا نَملِك مِن سبيل على أنفسنا غير أن نكون لهم خاضِعين، فنشأة الدولة المدنية الحديثة هي وليدة انفِجار عظيم، قد هزَّ أركان الفكر الغربي القديم، فما عصرُ التَّنوير إلا عصر قد أعقب عصورًا من الظُّلمات والويلات، تلك التي  كان فيها القياصرة الرومان يَحكُمون بسُلطةٍ سماويَّة مزعومة؛ فالقيصر في الوثنية هو ابن السماء، وفي المسيحية هو رئيس الكنيسة وحليف الكهانة التي جعلت من نفسها وكيلاً عن الإله يَنطق، فحكمت بما اشتهَتْ، ثم طغت وأفسدَت، ولأنَّ كل ذاك الخراب والتدمير، لا بدَّ له من تغيير، فقد برَز العديد من المفكِّرين والفلاسفة الذين رأوا أنَّ فِكرة الدِّين هي الفكرة التي لا مناصَ يَنبغي الافتكاك منها والخلاص.


ومِن بين القناعات التي لم يكن يَرقى إليها كثيرٌ من الشكِّ لدى مفكِّري القرن التاسع عشر أنَّ المكانة المركزية التي يَحتلها الدين في الثقافة والمجتمع قد غدت شيئًا ماضيًا؛ إذ اعتبر هيغل ومَن قبلَه مِن مفكِّري عصر الأنوار أنَّ العقل بذكائه المتفوِّق قد تخطَّى الدين، في حين صوَّر فويرباخ في كتابه جوهر المسيحية (1841) علاقةَ الإنسان بالألوهية على أنها لعبةُ قوًى محصِّلتها الصفر، ورأى أنَّ الإلحاح على الإيمان والتقوى يَنتقِص من رفعة الغايات الإنسانية، فظهرت بذلك تيارات الحداثة الثلاثة الرئيسية؛ وهي: النقد الماركسي بزعامة كارل ماركس، الذي رأى أنَّ الإنسان بوصفِه عالم الإنسان والدولة والمجتمع، هو الذي يَخلق الدين بوصفه الوعي المقلوب لعالم مقلوب، وليس الدين هو الذي يخلق الإنسان؛ ذلك أن الدِّين - في نظره - هو: "زفرة المخلوق المضطهَد، قلبُ عالم بلا قلب، وروح عالم بلا روح، الدين أفيون الشعوب"، وهذا ما يقتضي - حسب رأيه - إلغاء الدِّين كسعادة وهمية من أجل سعادة البشر الواقعية، لا بنَقدِ الدين واللاهوت، بل بنقد الأرض والحق والسياسة التي تخلق الدين واللاهوت.


أما التيار الثاني، فهو الجينالوجية النيتشوية، والتي أعلن من خلالها نيتشه - على لسان زرادشت - أنَّ "الله قد مات"، ووصَفَ المسيحية بأنها "أخلاقية العبيد"، أو مَنظومة اعتقادية عامية تلائم الخانعين الجبناء، ولم يقرِّظ من بين ممثلي المسيحية سوى أولئك الذين وجدوا متعةً بالغةً في وقوفهم أمام محاكم التفتيش التي كانت تأمُر بإحراقهم، فنظَر هذا الأخير بازدراء كبير للدين، ورأى أنه مجرَّد ملجأ للضعف وعقبة في طريق السوبرمان.


ثم تناول بعد ذلك الفيلسوف دريدا - من خلال مساحة واسعة من التفكيك - تلك التيارات في بُعدِها الإيماني والباطني فالعهدي.


فمن هيغل إلى دريدا بقيت فكرة اللائكية وفصل الدين عن الدولة هي الحل البديل  للتحرر من أهوال حكم كهنوتي تشيب له نواصي الولدان، غير أنَّ الدول العربية راحت تمجِّد - مِن غير فهم للمسببات، ولا وعيٍ بالإشكالات - هاتِهِ الأيديولوجيات، تمامًا كما قال أفلاطون: "فقط الحرَّاس يفكِّرون، أما البقية فيُطيعون"، وصارت منقسمةً بين علمانيِّين يُريدون فصل الدين عن الدولة، وإسلاميِّين يريدون دمج الدين في الدولة، فكان للأسف كلا الفريقين على ضلالة؛ ذلك أن العلمانية هي نتيجة تجربة تخصُّ الغرب وحدهم، كما أنها تَقتضي - كما بيَّن طه عبدالرحمن - الإفادة بأنَّ الدِّين شيء والدولة شيء آخر، فيكون الدين هو ما يتعلَّق بالمعتقدات الخاصة، والدولة هي ما ارتبَط بتدبير المعاملات العامة، في حين أنَّ الدين هو نهج تدبيري للسلوك في الحياة، متكامل العناصر ومُتداخِل الجوانب،  أمَّا أهل التأسيس القائلون بدمج الدين في السياسة، فهم كما قال طه عبدالرحمن أيضًا: هم الإسلاميون قولاً، العلمانيون فعلاً، فانحصَرَ الدِّين عندهم في جملة شعائر وطقوس، وجعلوه تابعًا للسياسة، ولو كان ذلك مخالفًا للشريعة، فكان دمجهم للدين في السياسة هو من أجل خدمة أغراض تسييسية تُتيح للدولة السيطرة على المواطنين دون رقابة، فتجعل الأحكام التشريعية على مقاساتها، كما أنَّ فكرة إقحام الدين في السياسة وهي تفنِّد العلمانية وتريد أن تكون بديلاً عنها هي في الحقيقة تُثبتها من حيث أرادت نفيها؛ لأنه لا يُراد إثبات عكس الشيء ونقيضه إلا إذا كان ذاك الشيء موجودًا على الحقيقة؛ إذ العلمانية غير موجودة أصلاً، بل هي فكر على الدول العربية دخيل، وليس له أي قواعد أو أصول، إنما هو مجرد خبَلٍ ينبغي أن يزول، فما كان يومًا الدين مُنفصلاً عن السياسة، وفكرة ضم الدين للسياسة في الدول العربية هي أشبه تمامًا بفكرة مَن يُنادي بضم الأبجدية للغة، وقد يقول قائل: لكن هاته الفكرة باتت موجودةً؟ نقول: نعم؛ بفعل التبعية العمياء، لأفكار عرجاء، فما كانت الدولة الإسلامية قبل المدنيَّة الحديثة إلا خلافةً، سواء بعد عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، أو في عهد الدولة العثمانية، إنما ونتيجة عوامل تاريخية تمزَّقت الخلافة وباتت مجرَّد أمجاد، تُروى عن الأسياد.

السبت، 8 مارس 2025

حين صار الإسلام مشكلة.. هل ستصير العلمانية هي الحل؟

حين صار الإسلام مشكلة.. هل ستصير العلمانية هي الحل؟


بادية شكاط 

6/3/2017


لا شك أننا اليوم بتنا بحاجة إلى بوصلة تُحدّْد لنا مواقعنا الإيديولوجية، تمامًا كتلك التي تُحدّد لنا مواقعنا الجغرافية، خاصة ونحن نعيش هذه الفوضى من الاتجاهات الفكرية، والتي كانت لها آثارها الخطيرة السياسية والأمنية، مما يجعلنا بحاجة إلى وقفة تأملٍ عميقة، تُخلّصنا من هذا الدوارالميتافيزيقي كما يدعوه علي عزت بيغوفيتش.

فلو نتأمل عالمنا العربي اليوم سنجد أنّ جُل ما حلَّ فيه من فوضى وفساد هو بسبب بُنية الأنظمة العربية، التي منها ما انساقت للأنظمة الغربية بدعوى الليبرالية، واتجهت للعلمانية، ومنها ما أرادت أن تكون أنظمة إسلامية لكنها انجرفت خلف كل أنظمة دينية كنظام ولاية الفقيه والأنظمة الوراثية، وأمام هذه المعضلة نحن بحاجة إلى فهم عميق للاتجاهات الفكرية الصحيحة التي نقيم عليها أنظمة حكم في عصر لم يعد فيه الإنسان يقنع بالحياة الحيوانية والحتمية الطبيعية، وصارشغوفًا بحياة الحرية، والبحث عن المعنى وأسرار الكون والحياة، وكذا ماهية القبس الإلهي الذي يجعل حياته صعبة التفسيرماديًا، فحتى الغرب يقولون على لسان فولتير:"لماذا تحاربون الله، فحتى لوكان الله غيرموجود لوجب علينا أن نوجده".

لكن في الإنجيل أيضا المسيح بزعمهم يقول: "ما لله لله، وما لقيصرلقيصر"، غيرأننا كمسلمين نؤمن بأنّ الشريعة كلها مصلحة، فهل هي كذلك أيضا كنظام حكم؟ أم أنّ تعدد المذاهب الدينية داخل الدولة الواحدة يجعل المصلحة تكمن في تطبيق نظام حكم علماني يفصل بين الدين والدولة؟

أولًا: إنّ الله عز وجل عندما أمر باتباع حكمه جعل في الوقت نفسه الإنسان مستخلَفا فيه، ولو شاء لجعل لأجل ذلك مَلكا يفعلون ما يؤمرون، لكنه جعل انسانا متميزا بالعقل الذي يملك حرية الاختيار، وبما أنه يملك ذلك فالأمر مناط تفكير واجتهاد، وليس تَلقّي واستعداد. ولذلك قال فقهاء الإسلام أنَّ تطبيق الشريعة أوالدولة الإسلامية فرع وليست أصل، وتركُها ليس كفر.

ثانياً: ينبغي أن نُغربِل المفاهيم التي تخلط بين الدولة الدينية والدولة الإسلامية، فالدولة الدينية هي دولة تقوم على الشريعة، إنما المستخلَف في تطبيق الشريعة ليس الأمة بل الحاكم، تمامًا كنظام ولاية الفقيه بإيران، بينما الدولة الإسلامية هي دولة تقوم على الشريعة إنما المستخلَف في تطبيق الشريعة ليس الحاكم بل الأمة، فالأمة في الدولة الإسلامية تختاره وتعزله أيضا، تمامًا كما قال الخليفة أبو بكرالصديق رضي الله عنه: "أطيعوني ما أطعت الله ورسوله واعزلوني ماعصيته". إنما ما نراه يفسد بعض أنظمة الحكم العربية اليوم وإن كانت إسلامية، هو أنّ تلك الأنظمة قائمة أساسًا إمّا على أنظمة وراثية لا تخضع لاختيار الشعب، وإما أنها أنظمة تريد أن تجعل من الدين سُلطة، وكلاهما دكتاتورية مستبدة مفسدة، والدين الإسلامي منها براء.
 

صدر تشريع من الكونغرس بإنشاء منصب سفير متجوّل للحريات الدينية، وكذلك تأسيس الهيئة الأمريكية للحريات الدينية، إلى جانب الثورة الإسلامية الإيرانية التي راحت تتمدد خارجيا بغرس طائفة الشيعة في المناطق السنية.

فنحن جميعا نعلم أنّ رسالة الإسلام طافحة بالقيم الأخلاقية، بما فيها قيمة الحرية، قال عليه الصلاة والسلام: "إنما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق"، أي أنّ الإسلام جاء ليتمّم المكارم التي جُبل عليها الإنسان بأخرى غير مجبول عليها كالحرية. فهذه الأخيرة كثيرًا ما نرى الإنسان يُجرَّد منها قبل حتى أن تستوعِب رئتيه هواء هذاالعالم، فيولَد مطوًّقًا بسلطات عليا كتلك التي في الجاهلية، وما تعلّق منها بوأد البنات، حيث تُكبّل الفتاة بحتمية جنسها بسلطة عليا مستبدة، تُنهي إلى الأبد حياتها.

قال عزوجل: "وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأيّ ذَنْبٍ قُتلَتْ"، وكأنّ الله جلّ وعز بقوله: "بأيّ ذنب" أراد تنبيهنا إلى قيمة أخرى جعلها السبب الأول في إرسال رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام وهي الرحمة فقال: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ".

فإذا كانت الأخلاق طائرًا فإننا نرى جناحه الأول هو الرحمة، وجناحه الثاني هو الحرية. إذ لا يمكن أن تتحقق الحرية بقيمها السامقة بعيدًا عن الرحمة، فلا معنى مثلا لتلك الحرية الغربية التي تعيث في الأرض فسادًا، وتجعل من القاذفات الفوسفورية، والبراميل الكيماوية ممارسة لسلطة تتمتع بالحرية.
فحاجة الحرية إلى التنظيم هي حاجة مُلحّة، لخضوعها لطغيان الأهواء التي لاحدّ لها ولا اكتفاء، والرحمة هي أحد تلك المَسدّات التي ستضرب على يد الظالم فتردعه عن الفساد، وتمنع القوي من الاستبداد، والغني من الاستعباد، والكبيرمن أن يستكبر، والحاكم من أن يتجبّر.

ففكرة العلمانية إذن لن تكون أبدًا هي ما يجعل الدول الغربية دولا ديمقراطية، تتمتع بالتعايش السلمي كما هو ظاهر الأمر، بل على العكس من ذلك تمامًا، ستبقى تلك الدول تعاني الاستبداد سواء في فضاءات سياساتها الداخلية أوالخارجية، لأنها لم تتعرّف بعد إلى المعنى الحقيقي للدِّين الذي يربط الحرية بالرحمة، وكأبسط مثال على ذلك اليوم هو رئيس أمريكا ترمب، الذي نرى في حكمه التعارض الصارخ بين قيمة الحرية وقيمة الرحمة، ففي سياسته الداخلية مارس سلطته بعنف على من لا ذنب لهم سوى أنهم مختلفون في اللون، العرق، والمعتقد، وأما خارجيا فهو الذي جمع كيده ليكسر شوكة الإخوان المسلمين، ويصنفهم كتهديد دولي إرهابي.

فإذا ما أرادت الشعوب نظام حكم رشيد، فهي بحاجة لتفعيل الديمقراطية التي تؤهّل الشعب لاختيار الحاكم الذي يريد، شرط أن يكون هذا الحاكم ذو قدَم راسخة في تربة القيم الأخلاقية، فلا يسلب الشعب حرية التعبير، ولا ينفرد بالحكم وكأنه بكل شيء عليم، ولا يتولى السلطة والقضاء، وكأنه على كل شيء قدير.

أما ما تعلّق بالحاكم غيرالمسلم فلكلٍّ من الدول الغربية والدول الإسلامية شأن يغنيه، فلا تتدخل الدول العربية في غيرها باسم أنّ الإسلام للناس كافة، بل عليها أن تكتفي بتطبيق ما يناسبها من أنظمة حاكمة، دون أن تلتفت إلى يمين أو يسار الأنظمة الغربية، وفي المقابل لن تكون الدول العربية مُلزَمة بالانحناء للدول الغربية بتبني العلمانية. فيكون بذلك لكل نظام حكم إسلامي دائرتين يسبح في فلكهما:
الدائرة الأولى هي: دائرة الحكم الداخلي التي تكون إسلامية، والدائرة الثانية هي: دائرة الحكم الخارجي والتي تكون علمانية.

سبيل خَلاص الدول العربية إقليميًا ودوليًا فهو بفرض سيادتها الخارجية، وإحاطة سلطتها بسياج متين، يمنع أي دولة من التدخل في شؤونها الداخلية، بما فيها أنظمتها الإسلامية.

فلا تتدخل إيران مثلا في الدول الإسلامية بهدم المساجد وتحويلها إلى مزارات حسينية، ولا في تغيير شعيرة من الشعائر الدينية، ولا أمريكا بما نشهده من تناقض رهيب في سياستها، خاصة وأنها من أبرز الدول الموظفة للدين في سياستها الخارجية، رغم أنّ نظامها الدستوري ينص على فصل الدين عن الدولة، ففي العام ألف وتسعمائة وثمانية وتسعون، صدر تشريع من الكونغرس بإنشاء منصب سفير متجوّل للحريات الدينية، وكذلك تأسيس الهيئة الأمريكية للحريات الدينية، إلى جانب الثورة الإسلامية الإيرانية التي راحت تتمدد خارجيا بغرس طائفة الشيعة في المناطق السنية.

أما ما تعلق بالأمور الاقتصادية والمعاملات الدبلوماسية، ففي ذلك سعة من المواثيق الدولية، والتي وإن كانت علمانية، فإنها ستكون خاضعة لمرجعية معرفية بما لا يتعارض أغلبه مع المرجعية الدينية.

فحين نخلق علمانية خارجية في علاقة الدول الإسلامية بالدول الخارجية، فإننا بذلك نفصل التعاملات الدينية عن العلاقات السياسية، بما فيها الاهتمام بالتنظيمات الإسلامية، ونجعل ذلك متعلقا بكل دولة ومن صميم سيادتها الداخلية، فنقضي على ذريعة داعش وغيرها من تدخلات الدول الكبرى في سياسات الدول العربية، وكذلك سنحد من مطامع بعض الدول في الامتدادات باسم الإسلام، كمشروع ملالي الثورة الإيرانية، لتصبح التدخلات الدينية الخارجية هي نوع من التعدي على سيادة الدول الإسلامية وشؤونها الداخلية.

وهكذا فإنّ خلاص الدول العربية من تمزقاتها الداخلية إنما يكون بنظام إسلامي قائم على حاكم عادل، لا يرى إلا ما يراه شعبه، يُنتخَب منهم، ويُعزَل مِن أجلهم، كذلك تكون السلطة التشريعية فيه ذات مرجعية دينية، والقضاء فيه مفصول عن السلطة، وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لها سلطة الرأي، إنما لا تتدخل في الشرائع ولا العبادات، بل تكتفي بالترهيب والترغيب فيما يتصل بالشأن العام.
وأما سبيل خَلاصِها إقليميًا ودوليًا فهو بفرض سيادتها الخارجية، وإحاطة سلطتها بسياج متين، يمنع أي دولة من التدخل في شؤونها الداخلية، بما فيها أنظمتها الإسلامية.


الكاتبة/ بادية شكاط 

(أمين عام منظمة إعلاميون حول العالم) بالنمسا)

الأحد، 8 ديسمبر 2024

هل انتصرت سوريا أم انتصر أعداؤها؟

 هل انتصرت سوريا أم انتصر أعداؤها؟

باديا شكاط 
امين عام منظمة اعلاميون حول العالم وعضو مؤسس


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على خير الأنام سيدنا ونبينا محمد وبعد:

إننا لنعجب منتهى العجب من الذين خارت هِمَمهم فأصبحوا يتقلبون في وهمهم ذات اليمين وذات الشمال، فتوجسوا خيفة من نصر الشعب السوري خلال أيام، ونسوا أن هناك أيامًا لله، أيام للذي لا يعجزه أن يقول للشيء كن فيكون، للقهار الذي يقلّب الليل والنهار، فهيّأ للسوريين المستضعفين أسباب النصر، وهيّأ للظالمين أسباب القهر، فكان أن اجتمعت السياقات السياسية جميعًا لتسوق للسوريين الفتح المبين، فكل أطراف الصراع عن الأسد قد تخلّت وساحة النصر لثوار سوريا قد خَلَت، فحسابات روسيا بأن توقف امتداد الناتو، وحسابات ايران بتغيير ديمغرافية سوريا وهويتها الإسلامية، وحسابات إسرائيل أن لا تشكل سوريا خطرًا على أمنها، وحسابات المعارضة الشعبية السورية بإسقاط النظام الطاغوتي البعثي وبعث سوريا الجديدة، وحسابات بشار بالخلود على كرسي الرئاسة، كل تلك الحسابات تداخلت في لحظة تاريخية فارقة ،أصبح فيها المتحالفين ضد السوريين متفرقين، فحين قررت روسيا التدخل العسكري سنة 2015 كانت أهدافها مقاومة الدور الغربي وبالذات الأمريكي في سوريا، وإيجاد مكانة لروسيا في معالجتها للأزمات الإقليمية ومحاولتها التحكم في منطقة الهلال الخصيب التي شهدت نفوذا أمريكيا، بالإضافة أكيد الى دعم نظام بشار والقضاء على المعارضة المسلحة، وتوظيف الأزمة السورية كورقة ضغط للتفاوض في علاقتها مع الغرب لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية، والخلاص من العقوبات الاقتصادية بعد حربها على أوكرانيا، وكل هذه الأهداف جعلت من روسيا تنسق بإحكام مع إيران وإسرائيل لضرب المعارضة السورية، فأذن الكيان الصهيوني لروسيا بأن تمر قاذفاتها لضرب السوريين عبر أجوائها، وأذنت ايران بقاعدة همدان العسكرية لخدمة المصالح الأمنية والعسكرية لروسيا، أما بشار فقد قرر أن يسمح للجميع بالتدخل في الأراضي السورية، فأحرق البلد مقابل أن يبق على عرشه إلى الأبد، وأما من يدافعون عنه ويعتقدون أنه الذي منع التطبيع مع إسرائيل، فمالهم كيف يحكمون؟

هل كانت براميله المتفجرة موجهة لحرق الجنود الإسرائيليين أم لحرق المدنيين السورين؟

كيف وهو الذي لم يوجه صاروخا واحدا تجاه الكيان الصهيوني؟

كيف وهو الذي كان أشد في بطشه بشعبه من اليهود على أهل غزة؟

كيف وهو مجرد حام لحدود إسرائيل المحتلة، وخادم للمشروع الصفوي الإيراني؟

كيف وحين دخلت اسرائيل في صراع مع حزب الله أهم أذرع إيران في سوريا وخسر البيع، ذهب مذلولا منكسرا ببرقية عاجلة إلى أمريكا أن جلّسيني من جديد على الكرسي وأنا سأكون في خدمتك وخدمة إسرائيل؟

إنه بعد أن ذهلَت كل ذات مصلحة عن مصلحتها من تلك الدول، فغرقت روسيا في وحل أوكرانيا، وأدبتها أمريكا بجعلها تخسر نفوذها في سوريا، وبعد أن خسرت إيران أذرعها في لبنان،فلم تعد تقوى على القتال في سوريا، راحت تركيا التي تتشارك مع سوريا في حدودها الجنوبية، تبحث عن ما يحفظ أمنها القومي، فاغتنمت تراجع المحاور الروسية والصفوية ،واستغلت الهوامش للتحرك محدثة زلزالا غيّر كل المعادلة في الأراضي السورية.

فالحمد لله على هذا النصر المبين، ولكننا نشد على أيدي القادة السوريين ناصحين، أن ينأوا بأنفسهم عن صغائر الغنائم، وأن ينجوا من نصف تحرير كما نجوا من نصف ثورة، فالقادم جليل، وعليهم أن يبقوا صفًا واحدًا، متفطنين لما قد يخطط له من جديد الكيان الصهيوني، الذي لا يمكن بحال أن يرض بنظام إسلامي على جوارها، وليعلموا أن كل أعناق المسلمين مشرئبة إليهم، ويروا فيهم معسكر الحق وجنود الله في أرضه، فكما كانوا للدين فداء، فليثبتوا  وليستمروا بحمل اللواء، فقد أصبحوا رئة الأمة الإسلامية التي تتنفس من خلالها هواء الحرية، وأول انتصارات الأمة الإسلامية نحو الخلافة المقدسية.

يقول عليه الصلاة والسلام:” تكونُ فيكم النبوَّةُ ما شاء الله أنْ تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أنْ يرفعها، ثم تكون خلافةٌ على منهاج النبوَّة، فتكونُ ما شاءَ الله أنْ تكونَ، ثم يرفعُها الله إذا شاء أنْ يرفعها، ثمَّ تكونُ مُلكاً عاضَّاً ما شاء الله أنْ تكون، ثم يرفعها إذا شاء أنْ يرفعها، ثم تكونُ مُلكاً جبرية، فتكون ما شاء الله أنْ تكون، ثم يرفعها إذا شاء أنْ يرفعها، ثم تكون خلافةً على منهاج النبوَّة”.

وليجمعوا عقول الأمة ونخبها، من شرقها وغربها، وليتباحثوا سبل التمكين، فنصرهم نصر أمة، ولا يركنوا إلى دولة دون غيرها في علاقاتهم الدولية، حتى لا يصبحوا محل ضغط من أي قوة دولية، وليجنحوا للسلم مع الجميع، ويجمعوا سواعدهم لأجل الإعمار والبناء، ولا تلههم نشوة النصر عن الحرص من المتربصين خاصة ما يسمى بدولة إسرائيل.

والحمد لله الذي تتم بنعمه الصالحات.

    أقرأ ايضا    


الاثنين، 12 أغسطس 2024

وقد تكون فرنسا أحق بالذهبية من الجزائر

 وقد تكون فرنسا أحق بالذهبية من الجزائر






بادية شكاط 

امين عام منظمة اعلاميون حول العالم

وعضو مؤسس

لاشك أن عنوان هذا المقال قد استفز مشاعر الكثير من الجزائريين المعادين حد النخاع لفرنسا،قائلين وكيف يمكن لجزائرية أن تقول أن فرنسا أحق بالذهبية؟

غير مدركين أنهم من أهدوا لفرنسا الذهبية،يوم أن صفقوا لامرأة جزائرية ارتقت على منصة في فرنسا وقد خلعت حجابها الذي ناضلت فرنسا لأجل أن تخلغه عن عفيفات الجزائر لأكثر من قرن ومازالت الى يومنا هذا تحاول،وغير مدركين أنهم قد أهدوا لها الذهبية حين شجعوا امرأة حاربت لأجل هرموناتها غير الذكورية ولم تحارب لأجل فطرتها الأنثوية،وهي المسلمة السوية،فاسترجلت إلى أن أصبحت أمام الناظرين بلا هوية،وإذ أقول هذا الكلام فليس قدحًا في ايمان،فالله رقيبها وهو وحده حسيبها،ولست عليها ولا على غيرها وصية،إنما في أيدينا معشر الكُتَّاب من نفوس هذه الأمة وديعةً يجب علينا تعهدها،والاحتفاظ بها والحدب عليها كما قال المنفلوطي رحمه الله،فعذرًا إيمان،فقد آمنتُ بك جزائرية في روحها القتالية الثورية،لكنك قد أخطأتِ الحلبة،فتلك حلبة وهمية،والحلبة الحقيقية هي في الساحة الفكرية والسياسية،أو في الساحة الجهادية كما فعلت من قبل المجاهدة الجزائرية لالة فطيمة نسومر وغيرها.


وجميعنا يذكر البطولة الحقيقية للجزائريتين اللتين طُعنتا غدرًا قبل سنوات لأجل حجابهما في فرنسا،كما أن التاريخ قد سطر بحبر من ذهب قصة الجزائريات اللواتي قامت الحكومة الفرنسية بانتقائهن،فأدخلتهن المدارس الفرنسية،و ألبستهن الملابس الفرنسية،ولقنتهن الثقافة الفرنسية،وعلمتهن اللغة الفرنسية،حتى أصبحن كالفرنسيات،وبعد أحد عشر عاما من الجهود هيأتهن لحفلة مرور مائة عام على احتلال فرنسا للجزائر،ودعي إليها الوزراء و المفكرون والصحفيون،ولما بدأت الحفلة، فوجىء الجميع بالجزائريات يدخلن محجبات بلباسهن الإسلامي،فثارت ثائرة الصحف الفرنسية وتساءلت :
ماذا فعلت فرنسا في الجزائر إذن بعد مرور أزيد من قرن؟! 

فأجاب لاكوست وزير المستعمرات الفرنسية حينها قائلا :”و ماذا أصنع .. إذا كان القرآن أقوى من فرنسا؟”
وإن كانت عيوننا قد فاضت دموعًا ونحن نرى علمنا الجزائري يرفرف بين علمين يتنافسان على قيادة العالم،فإن مارأيناه للأسف هو الأقرب للوهم منه الى الحقيقة،فعلو راية الجزائر الحقيقي هو يوم نحقق نصرًا لغزة،أو ننال انتصارًا بعزة ،وستبقى قلوبنا واجفة خوفًا على أجيال بعدنا سترى الوطن مجرد وثن مُفرَغ من الهُوية،اوقالب قد هجرَته جميع القيم الروحية،ولن يكتمل لنا استقلال،ولن تتضح لنا معالم شخصية إلا إذا كنا في تدافع مع كل من يجهزون على ديننا،ويريدون تشويه هويتنا،فالإسلام هو قلب تقي وعقل ذكي كما قال الغزالي رحمه الله،،ولنصم الأذان
عن سفاسف ايلون ماسك أو تهريجات ترامب وأمثالهما،وهل يمكن لمن مازال في الحظائر البهيمية أن يعلّم أسياده الكرامة الإنسانية؟
تحيا الجزائر والذل والخزي لفرنسا وأخواتها



الأربعاء، 17 أبريل 2024

خطر التهديدات الإيرانية على الدول العربية

 

 خطر التهديدات الإيرانية على الدول العربية


بادية شكاط
أمين عام منظمة اعلاميون حول العالم الدولية

يقول علي عزت بيغوفيتش في كتاب الإسلام بين الشرق والغرب:”لكي نفهم العالم فهمًا صحيحا لابد أن نعرف المصادرالحقيقية للأفكارالتي تحكم هذا العالم وأن نعرف معانيها”

وهو بالضبط مايجعل من الضرورة رصد مايحدث اليوم في بعض الدول العربية من تغلغل إيراني وتمدد شيعي ،بالعودة إلى جذورهذا الأخير،لفهم عميق يُذهِب رجس التمويهات الإعلامية المزعومة،ويكشف الحقائق الغيرمعلومة،خاصةً وأنّ الكثيرمن الشعوب العربية ولأنها تعيش على أمل قدوم المنقِد والمُخلِّص،فهي تتشبث ولو بوهم مريح سرعان ماتعصف به الريح،وبات كلّ من يَكشف الحقيقة هومجرد فتيل سيوقد حطب فتن حروب لاتنطفئ،فصار يُتَصوّر أنّ تعامل أي دولة مع إيران

لايختلف في شئ عن التعامل مع أي دولة أجنبية،في حين أنّ إيران لاتشبه في تعاملاتها الدبلوماسية، الإقتصادية أوالثقافية أي دولة من الدول،لأنها دولة دينية،وكل تعاملاتهاهي تعاملات غيرمفصولة عن المنطلقات العقائدية.

فقد لَعبت إيران ورقة توظيف الدّين في السياسة،وإرتَدت عمامة المذهب الطائفي لتحقيق مشروعها الصفوي،معتمدة على جميع الحركات الشيعية في المنطقة،فإيران أصلا لم تكن شيعية على الإطلاق،بل لم تكن على شئ مطلقا،فقد كانت فيها قبيلتين،هما:قبيلة تدعى الخرفان السود،وقبيلة تدعى الخرفان البيض،تقاتلت القبيلتان حتى هلك أغلبهما،ثم أتى المنغولي واستطاع أن يقضي على الإثنتين،حتى دارت الدائرة وجاء الشيعي إسماعيل بن حيدرالصفوي

وكان أفّاكا دجّالا،وادّعى أنّه لقي علي بن أبي طالب رغم أنّه ميت،وزعم أنّه لقي المهدي أيضا،ثم اخترع التطبيرأوالادماء،وهو الضرب بالسيوف لحد إنزال الدم من الرأس أوالجسد،حزنا على الحسين،والحسين منهم براء،وكذا ابتدع مايسمّى بتربة الحسين،فكانوا يسجدون على هته التربة،ويقولون إنّها تربة الحسين

كما يزعمون أنّ القبلة الحقيقية هي إلى كربلاء، وليس إلى الكعبة،وأمَرهم في العاشرمن محرّم أن يغلقوا المحلات،وأمَر النّساء أن تخرجن كاشفات الشعور،وتضربن على صدورهن،وتلطمن وجوههن حزنا على الحسين،ثم أمرأهل السنة أن يتشيّعوا، وحين أبَوا ذبح منهم مليون في إيران،فدخل معظمهم في التشيع خوفا،وحوّل بذلك إيران إلى دولة شيعية

أما في بلاد المغرب فقد كان مؤسِّسهم النظامي يدَّعي أنه المهدي،رغم أنّه على العقيدة اليهودية،ودخل الإسلام حتّى يُفسد الإسلام على أهله،وادّعى أنه لقي عليًّا والحسين،ثم ادّعى أنّ له نسبًا علويًا،ومعظم الإيرانيين على ذلك في ادّعائهم الإنتماء إلى النَّسب الشّريف،ثم عذّب وقتل الكثيرمن أهل السّنّة .

أمّا الفاطميّون في مصر،فقد اتّخذ الإيرانيون المساجد لنشر الشيعية،ثم إنّ الحاكم بأمرالله قتل العديد من السّنّة،مايزيد عن ثلاثة ملايين سنّي،وأمر كل من سمع إسمه في خطبة الجمعة أن يقف،كما أنّه أمركل من في المسجد إذا دخل أن يسجدوا له،وحين رفض أهل القاهرة التّشيّع قتل ثلث القاهرة.

أمّا في مكة،لمّا جاء أبوسعيد القرمطي دخل برجاله في يوم الحج الأكبر،وقال لقد أُمِر بذلك مِن قِبل المهدي،فقتل الرجال،النساء والأطفال في اليوم الحرام،في الشهرالحرام،في البيت الحرام،وأمربقتل حتّى مَن تعلّق بأستارالكعبة،ثمّ قال لهم:ياحمير ألم يقل قرآنكم:”حرَمًا آمنا”؟؟
فقال له إمامهم:معنى الآية “أي أمِّنوه” أمّا في لبنان فقد بدؤوا بقضية السياحة،فظهرت حركة أمل الشيعية،التي ذبحت أكثرمن خمسمائة شاب فلسطيني سنّي،ثم خرج منها حزب الله،فصنعت دولة مسلّحة في لبنان،تستغل لصالح إيران،وحسن نصر الله صرّح بذلك وقال:”إنّ ولاءنا ليس للبنان بل ولاؤنا هولإيران”

والمتتبِّع لمسارات مابعد الثورة الإيرانية،يجد أنّ الولي الفقيه يعمل على إيجاد تجمّعات شيعية موالية له موالاةً مطلقة،في البلاد الإسلامية،وهذا على حساب مصالح شعوبها،مستخدمًا في ذلك مخالب كثيرة،مثل “حزب الله” في لبنان،أوالميليشيات الشّيعية،والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية،والذي تحوّل اسمه إلى المجلس الإسلامي الأعلى في العراق،كما استخدمت إيران دعمها الّسياسي والعسكري لنظام الأسد، فاعتبرالخامنائي الجهاد مع الأسد مقدَّس،كما أيَّدت التّحرُّكات الشّيعة في البحرين،هذا إلى جانب تسليح جماعة الحوثي،ودعمها في اليمن.

فكانت تلك الحركات والأحزاب صناعة بشرية إيرانية،وليست جزءًا مِن المطلق الإلهي،رغم أنّه في طهران أكثرمن ثلاثمائة ألف سنّي لامساجد لهم هناك،لأنّ إيران ترفض التّسنين،كما أنّها تعتقل،تعذّب وتضع أزيد من خمسةعشرمليون سنّي في حدود إيران،وتمنعهم من أسباب العيش،وتعدمهم بدون مسبّبات في بلاد الأحواز،أمّاعن بعض عقيدتهم:

فهم يتّهمون القرآن الكريم بالتّحريف،الّنقصان والزيادة،ويقولون أنّ القرآن ناقص،وبقيّة الآيات يحتفظ بها المهدي المنتظَر،والخميني يقول:”ولا عجب في أبي بكر وعمر أن يُحرٍّفا القرآن الكريم،لأنّهما غير مؤتَمَنان على كتاب الله عزوجل “،وهويقول أيضا:”علي سمع الله،علي بصر الله،علي هو الله”والعياذ بالله

ثمّ في كتبهم ينسبون إلى أميرالمؤمنين أنّه قال:”أنّ الله أحيى كسرى وغفر له ذنبه،وأدخله الجنة ،في حين يقولون أنّ عمر بن الخطاب،هو فرعون هته الأمة،وأنه في النار،رغم أنّ سيدنا جعفرالصادق بن محمد الفاقر بن علي بن زين العابدين بن الحسين،وهوعلى فراش الموت،لمّا سُئل مالذي تدين الله به في حق أبي بكر وفي حق عمر؟قال:إنّي الآن على فراش الموت ولا أخشى أحدا،أما وأنّي أقول لكم بَرئت منّي ذمّة جدّي رسول الله،إن كنتُ ابرأ مِن أبي بكر وعمر،وهذا عمربن الخطّاب كان يقول لسيّدنا الحسين وهو يمسح على رأسه: “بأبي أنت وأمي وهل أنبتَ الشّيب في رؤوسنا إلا أنتم ياآل رسول الله ؟”

كان هذا غيض من فيض عن هذا الفكر،وكما يقول أبو فراس الحمداني :

عرفت الشرلا للشر،لكن لتوقّيه

ومن لا يعرف الشّرمِن الخيريقع فيه

ويقول الفاروق عمربن الخطاب:”لا يعرف الإسلام من لم يعرف الجاهلية ” فهذا الإنحراف الفكري لايعالجه إلّا إستقامة فكرية،وليس ثورات دموية،فالتسليم الصّامت بأسطورة الطّبائع الثّابتة،والخصائص الدّائمة،كما يقول المفكرصادق جلال العظم،هوعجزعن التّغييرالحقيقي الّذي ينبغي أن يهز أركان الفكرالعربي،الذي تعوَّد على الجاهزية والركون لمسلَّمة ” لاتُفكِّر فنحن نفكر لك ”

بل ينبغي أن نبحث عن بديل لِما يسمّى بالتطهير الطّائفي لخلق وحدة واقعية حقيقية،فنستقي من فلسفة الشرق والغرب،كفلسفة هيجل في ألمانيا،هته الأخيرة التي انشغلت بقضية الوحدة ،ولاندري هل هي وحدة الرّوح والطّبيعة كما يقول شيلينغ،أم هي وحدة الله،الإنسان والعالم،فوحدة الوجود هي لب الفلسفة الألمانية،خاصّة الفلسفة الرومنسية التي وحَّدت ألمانيا سياسيا

ومثل فلسفة ابن عربي في الشرق الذي قام بإدماج التّوجهات الفكرية كلّها في باب الاختلاف الضروري للشرائع,جاعلا مرتبتين لا فارق بينهما في الدرجة،هما:مرتبة نسمّيها الآخرالذّاتي،مِن فِرق ومذاهب إسلامية،تتضمن الشّيعة والفلاسقة والمتكلِّمين،والآخرالغيري مِن مسيحية،يهودية وغيرهما،فالحق يتجلّى في كل الصّورالإعتقادية على السّواء.

وهوما يؤدّي كما ذكرنا للحيرة والضّلال. وبما أنّ الحيرة أصل للمعرفة،فعلى الإنسان الكامل (أي القطب)أن يرى الحق في كل المعتقدات،لأنّها كلّها تنهض على الحقيقة الإلهية،المتمثلة في تجليه في كل الصور.ولأنّ الرحمة (سواء كانت وجوبا يتصف بها الله،بوصفه رحمانا،أو رحمة وجودية يتّصف بها الله بوصفه رحيما)أصل في الوجود,ولأنّ الكون قد نشأ من الرّحمة،وهي مآله في الآن نفسه،فرأى ابن عربي أنّ الحب هوالمشتَرك الّذي يُحقّق الوحدة إنطلاقا من قوله عزوجل:”وقَضَى رَبُّكَ أَلّاَ تَعبُدُوا إِلّاَإيِّاهُ”

كما أنّه لايمكن محاربة أيّ فكر،إلّا بفكرمضاد،أمّا الميليشيات،فهي في الغالب أدوات الكائنات،التي جرّدها الله من العقل،ومنحها قرونا،أنيابا وسمومًا،تَحفظ مِن خلالها وجودها،ونحن أحوج مانكون اليوم إلى وعي فوقي،يُضاهي صورالله عّزوجل في كونه،بما أنّنا خليفته في أرضه،فنكون كالنّجوم التي تختلف مداراتها،رغم ذلك فهي متّحدة على صفحة سماء واحدة.

بادية شكاط كاتبة في الفكر،السياسة وقضايا الامة
أمين عام منظمة اعلاميون حول العالم الدولية

الاثنين، 15 أبريل 2024

رسالة الى رئيس المكتب السياسي للمقاومة الفلسطينية حماس السيد اسماعيل هنية

 

رسالة الى رئيس المكتب السياسي للمقاومة الفلسطينية حماس السيد اسماعيل هنية


بادية شكاط
أمين عام منظمة اعلاميون حول العالم الدولية

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله سيدنا ونبينا محمد وبعد:
أيها الفاضل سيد اسماعيل هنية لن نقول لكم ماقاله غيرنا لنشد أزركم،بل سنقول:
شكرًا لبلاغة ثباتكم وصمودكم الذي شدّ أزرنا بكم،فأبلغ العالم أنه شتان بين السارب في السراب يحسب أنّ غده أن يكون حفنة من تراب،وبين من يحيا كقناديل تمشي على الارض،سائرًا إلى منازله العليا بنور من غير فتور،لاتعنيه ظواهر الألقاب بمن رمتهم هممهم بعيدا عن اللباب،باسطًا جناحيه بالبذل والعطاء،يرى الشهادة هدية من السماء،فلا يزيده استشهاد أبنائه إلا عزيمة وثباتا فيقول: “لن تسقط القلاع ولن تخترق الحصون ولن يسرقوا منا المواقف”.
فماأعظمها من معاني،وقد كان سلوك طريق المعاني صعبا جدا إلا لمن خُلق من أجله كما قال أبو الحسن الهجويري رحمه الله.
فلم نعد نعرف بعد موقفكم من الأحق بالتعزية الصهاينة اليهود أم أهل فلسطين شعبا وقادة؟
لمن كانوا شهداء على الناس صِدقًا ثم شهداء فيهم حقًا،فأشرقوا من أنوار النبوة الوهاج
أم لمن يمشون على حرف من غير منهاج؟
لمن عرفوا أن سلعة الله غالية فاشتروها بدمائهم
أم لمن جهلوها فأحرقوا أيامهم لتكون وقودا لنيرانهم؟
لمن عرفوا أشواق الروح أيان مرساها ومقامات الأنوار أيان مجراها
أم لمن يهيمون على وجوههم لايعرفون لأرواحهم منتهاها؟
فهنيئا لمن عرفوا أن العاقبة للتقوى
فجاهدوا،استشهدوا ثم سعدوا
وعظم الله أجوركم في من اذخرتم وزادكم الله بفضله من فضله
ودمتم للأمة نخوتها،شرفها وعزها

باديـــة شكاط
كاتبة جزائرية وأمين عام منظمة اعلاميون حول العالم الدولية بالنمسا

الخميس، 1 فبراير 2024

أخيرا حكمت محكمة العدل الدولية فمتى تحكم الشعوب على حكامها المطبعة مع الكيان المعتدى؟

 

أخيرا حكمت محكمة العدل الدولية فمتى تحكم الشعوب على حكامها المطبعة مع الكيان المعتدى؟

بقلم الأستاذة الكاتبة

بادية شكاط

امين عام منظمة اعلاميون حول العالم الدولية
ممثل الجزائر في المنظمة وعضو مؤسس

لقد اعتبر قرار الأمم المتحدة الصادر بتاريخ 11 ديسمبر/كانون الأول 1946 أن الإبادة الجماعية هي “ارتكاب أي عمل من الأعمال الآتية بقصد الإبادة الكلية أو الجزئية، لجماعة ما على أساس القومية أو العرق أو الجنس أو الدين”،مثل:
1.قتل أعضاء الجماعة
2.إلحاق الأذى الجسدي أو النفسي الخطير بأعضاء الجماعة
3.إلحاق الأضرار بالأوضاع المعيشية للجماعة بشكل متعمد بهدف التدمير الفعلي للجماعة كليا أو جزئيا
4.فرض إجراءات تهدف إلى منع المواليد داخل الجماعة
5.نقل الأطفال بالإكراه من جماعة إلى أخرى
وبدوره يعرف نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية الإبادة الجماعية بأنها ارتكاب أفعال معينة على نطاق موسع،،يتم تنفيذها بقصد القضاء على مجموعة،كليا أو جزئيا،بناء على هوية هذه المجموعة القومية أوالإثنية أوالعنصرية أوالدينية.
وأما عن العقوبات الواجبة التطبيق بحق مرتكبي الإبادة الجماعية،فقد نصت عليها المادة 77 من نظام روما الأساسي والتي تنص على أنه للمحكمة أن توقع على الشخص المدان إحدى العقوبات التالية:
1.السجن لعدد محدد من السنوات لفترة أقصاها 30 سنة
2.السجن المؤبد عندما تكون هذه العقوبة مبررة بالخطورة البالغة للجريمة وبالظروف الخاصة للشخص المدان.
وكذلك تنص المادة الرابعة من الاتفاقية على أنه “يعاقب مرتكبو الإبادة الجماعية أو أي من الأفعال الأخرى المذكورة في المادة الثالثة،سواء كانوا حكاما دستوريين أو موظفين عامين أو أفرادا”
كما تنص جميع الاتفاقيات المتعلقة بـ”الإبادة الجماعية” على أنها “جرائم لا تخضع للتقادم،ومرتكبوها لا يستفيدون من الحصانة،إذ تتم ملاحقة كل شخص ارتكبها أو أمر بارتكابها دون النظر إلى منصبه،سواء كانوا حكاما أو موظفين عامين،أو أفرادا غير مسؤولين،وفق المادة الرابعة والمادة الثالثة من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.
وأما عن جرائم الإبادة التي ارتكبها جيش الاحتلال الصهيوني في الأراضي الفلسطينية فهو لم يبدأ منذ أكتوبر 2023 بل بدأ منذ قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي في 15 مايو/أيار 1948
ومن أبرز الأمثلة على جرائم الإبادة التي ارتكبها هذا الكيان فهو ما وقع في مذبحة دير ياسين سنة 1948،ومذبحة خان يونس سنة 1956،وكذا في حرب 1967 وايضا مجزرة صبرا وشتيلا سنة 1982،ومجزرة الحرم الابراهيمي 1994،كما أمعن في الإبادة الجماعية للفلسطينيين بعديد من المجازر الفظيعة في قطاع غزة سنة 2008 و2009 و2012 و2014،2021
وأما آخرها وأفظعها فهو في أكتوبر/تشرين الأول 2023،حيث انه قام خلال مائة يوم فقط بما لم يسبق له مثيل حتى في الحربين الكونيتين الاولى والثانية وبما يفوق 27ألف شهيد وعشرات الآلاف من الاصابات،وتسبب في مجاعة400 ألف فلسطيني،وتسبب في إعاقات مستدامة وتهديد لحياة اكثر من ألف إنسان،وفقدان مئات العلماء والدعاة،وتدمير نحو 1000 مسجد بكل ما تحتويه من مصاحف للقرآن الكريم وكتب للتفسير،وفقدان الجامعات والمراكز الصحية والمئات من الاكاديميين والاعلاميين والباحثين.
فهل من المعقول بعدها أن تقضي محكمة العدل الدولية بأن لاتقضي؟
فلا هي أصدرت حكما بوقف اطلاق النار على اطفال ونساء مستضعفين،ولاهي طالبت برفع الحصار ولكننا ننتظر من المحكمة قرارات داعمة لقراراتها السابقة فالعالم أصبح يكره القتل حتى أحكام الإعدام دائما نطلب التوقف عن إصدارها ، ولاهي أمرت بإعادة النازحين الفلسطينيين إلى مناطقهم
وفقط اكتفت بالمطالبة باطلاق سراح اسرى الاحتلال الصهيوني،في حين لم تطالب بالمقابل بتحرير الاسرى الفلسطينيين،ماجعل المحتل يأنس المصلحة في مرمى سروره،ويمعن في التقتيل والتنكيل،ثم تدعمه بعدها الولايات المتحدة الأمريكية،وبريطانيا التابع دائما لأمريكا كند،أستراليا وإيطالياً والنمسا بقرار تجميد “أموال المساعدات المقدمة إلى الفلسطينيين في قطاع غزة” من خلال الأونروا على خلفية واهية،يزعم فيها الاحتلال الصهيوني بان بعضا من موظفي الوكالة قد شاركوا في هجوم 7 أكتوبر وحدث هذا قبل القيام بالتحقيق فى ماجاء بالزعم الإسرائيلى.
وكأنه قرار إقرار بما صرحت به زعيمة حركة الاستيطان الصهيوني،حين قالت:”سكان قطاع غزة سيرحلون عندما نحرمهم من الطعام”

لماذا هذا السجن التى تفرضه إسرائيل ومصر التى تتدعى الإخوة بينها وبين غزة الجريحة منذ 17 عشرا عام .

كما جاء عقب حكم محكمة العدل دراسة مقترح بين مصر والاتحاد الأوروبي لإغلاق معبر رفح،وهو المعبر الوحيد بين مصر وقطاع غزة،واستبداله بمعبر كرم أبو سالم بين مصر وفلسطين المحتلة،والذي يسيطر عليه الكيان المحتل،ومعبر إيريز بين قطاع غزة و فلسطين المحتلة.
فكيف لمصر وهي التي تملك اليد العليا والحبل السري الذي يمكنه نقل الغذاء والدواء وغيرها من المساعدات الانسانية تفقد الانسانية وترضى بقطع شريان الحياة عن اثنين مليون من اهالي القطاع ؟
لماذا لاتقوم بفتح معبر رفح تحت مظلة الإرادة المصرية والقانون الدولي والمنظمات الإغاثية الأممية وتخضع لارادة الاحتلال وتقبل بكل هذا الاذلال؟
الى متى الصمت ياشعب مصر العظيم واخوانكم في جحيم وضيم ؟
متى تكسرون الاغلال وترفضون الخذلان؟
الى متى يا امة المليار نبقى نسير بلا بوصلة ومن غير وزن ضمن التوازنات الدولية؟
الى متى هذه الغثائية؟

الى متى سنبقى شعوبا واهمة تريد بعصا سحرية ان تقضي على البؤس والشقاء وتحقق المجد والرخاء بالتطلع الى دول اجنبية ؟
يقول علي عزت بيغوفيتش في كتابه الاعلان الاسلامي:”إن الدعم الحقيقي الذى يمنحه الشعب المسلم لأيّ نظام فى السلطة ستجده –دائما- يتناسب تناسبًا طرديًّا مع مقدار مايتمتع به النظام من طابع إسلامي،فكلما ابتعد نظام الحكم عن الإسلام قلّ دعم الشعب له وهكذا تبقي الأنظمه المعاديه للاسلام محرومة تماما من اي دعم شعبي ومن ثم تجدُ نفسها _طوعا او كرها _ مجبورة على البحث عن هذا الدعم لدى القوى الأجنبية،ولذلك فإن التبعية التي تغرق فيها هذه الانظمة هي نتيجة مباشره لتوجهاتها اللإسلامية“.
فهذه النظم التي ترى شعوبها خصوما لها وتروي جذور سلطانها من دمائها،كيف يمكن أن تعتمد عليها في حمايتها؟
إن معضلتنا الحقيقية هي مع هذه الحكومات التي أصبحنا نمتلك معها قابلية للاستبداد والدمار كما كنا مع غيرها نمتلك قابلية للاستعمار،فالاصلاح الحقيقي برأينا الذي ينبغي ان تنشده نخبنا ليس هو الاصلاح الذي يدور في فلك حكامنا،فذاك كمن يريد أن يتعلق بجذع شجرة اجتثّت من فوق الأرض ولا قرار لها،فهذه النظم جعلت شعوب الامة الاسلامية مشدودة الاطراف بين ماضيها وحاضرها،بين أصيلها ودخيلها،وبين قلة متحكمة تدعي الديموقراطية وغالبية محكومة بالديكتاتورية،بين نظم بملامح الاستقلال وروح الاحتلال،وفي الوقت الذي تعتقد فيه شعوب الامة الاسلامية المعاصرة ان ازماتها قطرية،فانها تغفل انها امة واحدة لان عدوها واحد،فمنذ تاريخ الحادي عشر من سبتمبر 2001 والولايات الامريكية تبسط تاريخها الدموي على جغرافية العالم الاسلامي باسم الحرب الدولية على الارهاب،فراحت تنفذ هجوماتها العسكرية على افغانستان والعراق وغيرها ولم تكتف بذلك بل واتجهت الى الاصلاح السياسي الشامل ضمن ماأصبح يسمى:”استراتيجية الشرق الاوسط الكبير” برفع راية كاذبة خاطئة هي راية الحوار بين الحضارات التي مهدت للتطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب،ومد ايادي السلام البيضاء إلى الايادي الملطخة بدماء الابرياء،واعلان العداء للمقاومة الاسلامية المشروعة “حماس”،فالفاعلية الاصلاحية كما نراها ينبغي أن تقوم عوالمها في ثلاثة دوائر:
1.الدائرة الاولى عالم الافكار: بتجميع افكار العقول والنخب الفكرية الاسلامية
2.الدائرة الثانيةعالم التنظيمات والمؤسسات: بتنظيمها
3.الدائرة الثالثةعالم التفاعلات: بتفعيلها
وأما خارج هذه الدوائر والمستويات فاننا سنبقى خارج الحضارة،خارج التاريخ،فالنظام العالمي الذي يسير في سباق نحو التسلح والفناء،لاينبغي استخلافه الا بسباق نحو السلام بقيم الاسلام.

ينسى العالم دائما بمافيه قوى عظمى وقوى أخرى تابعة دائماً.. أن الكون محفوظ بسُلطة فوق كل سُلطة.. وسُلطان فوق كل سُلطان.. فلم الرهق والتعب طالما أن الله هو العدل فوق كل عدالة..

بادية شكاط كاتبة في الفكر،السياسة وقضايا الامة
امين عام منظمة اعلاميون حول العالم الدولية في النمسا

الاثنين، 4 ديسمبر 2023

حرب غزة والغثائية التي أصابت الأمة الإسلامية

 حرب غزة والغثائية التي أصابت الأمة الإسلامية



بادية شكاط

ممثلة الجزائر في منظمة اعلاميون حول العالم

عضو مؤسس

الحمد لله والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين

 سيدنا ورسولنا محمد وعلى آله وبعد:


يقول الجابري في كتابه “بنية العقل العربي”:”إن ما ننشده

 اليوم من تحديث للعقل العربي وتجديد للفكر الإسلامي

 يتوقف ليس فقط على مدى استيعابنا للمكتسبات العلمية

 والمنهجية المعاصرة،مكتسبات القرن العشرين وما 

بعده،بل أيضا – ولربما بالدرجة الأولى- يتوقف على مدى 

قدرتناعلى استعادة نقدية ابن حزم وعقلانية ابن رشد 

وأصولية الشاطبي وتأريخية ابن خلدون”


إننا بالفعل بحاجة لوقفة تأمل في الفكر العربي،لأن الفكر

 برأينا هو الذي يقود الشعوب إما إلى دنيا تصيبها أو إلى

 دناءة تصاب بها،فما يحصل من انفعالات لاتكاد تتجاوز

 الحناجر لأجل مأساة غزة لهو أمر يندى له الجبين،وهو

 الخذلان مهما تطاولت الأعناق على المنابر أو تعالت

 صيحات الحناجر،فالحماس الذي شهدناه بفوز في

 مبارياتلكرة القدم لهو أشد حماسا من دعمالمقاومة

 الفلسطينية حماس،بل هناك من فرط تثبيطهم لعزائم 

مقاومة تقاوم عن جميع الأمة،بأنها المقاومة التي لن تخرِق

 جدارًا أوتحرِق ستارًا”


فمتى نكف عن هذا التضعضع والتثاقل إلى الأرض،ونصنع

 بالفعل الفارق بأفعالنا لابأقوالنا؟


متى نكف عن البقاء ككوب معلَّق في الفضاء،غايتنا أن ندور

 كي نقتبس من غيرنا قبسًامن نور؟


لماذا هذه الازدواجية الطفولية في الهوية؟ ولماذا هذا

 التناقض العقلي أو بالأحرى التناقض الفكري؟ _فهنا

 لانقصد بطرحنا نظرية هوية العقل في فيزيائية فلسفة

 العقل التي طورها كل من جون سمارت ويولين بليس_


فإذا كانت هويتنا هي أننا أمة إسلامية،فكيف يمكن أن تكون

 أمتنا إسلامية ثم يرسم غيرنا لنا وجهتنا السياسية

 والاقتصادية والثقافية والاجتماعية بعيدا عن إسلامنا؟


متى نفهم أنه من المستحيل الانسلاخ من هويتنا،فالأفعى مهما

 حاولت الانسلاخ من جلدتها فلن تجد نفسها إلا وهي

 تجددها؟


فإذا كان الماء لايمكنه أن يكون ماء ونارا في الوقت

 نفسه،فإنه لايملك غير ذاته هوية،فكيف يمكن أن نكون أمة

 الإسلام وأمة بغير إسلام في الوقت ذاته؟


وكيف وديننا دين السلام نذعن لدول الإرهاب بأننا أمة

 الإرهاب،بل ونعقد اتفاقيات دولية لتصنيف مقاوماتنا

 الاسلامية بأنها ارهابية؟


فليخبرنا حكام دولنا،هل ماعقدوه من اتفاقيات هي عقود انقياد أم عقود اعتقاد؟
فإن كانت عقود انقياد فهم ليسوا أهلا لقيادة شعوب إسلامية،وإن كانت عقود اعتقاد فهم في الأساس لاينتمون إلى تلك الشعوب الاسلامية.

فقبولنا بمثل هذه التبعية قد حوّلنا بالفعل إلى ظلال خاوية من

 الأجساد والأرواح،فلا نحن جسد واحد متماسك في

 جغرافيته،ولانحن روح واحدة متمسكة بهويتها،والمؤسف

 أننا أطلقنا ثوراتنا العربية رفضا لظلم واستبدادحكام دولنا،ثم

 توقف حراكنا لمجرد إدراكنا أن هناك نظام عالمي متحكم

 برقابنا،فسكنت جميع حركاتنا ورضينا باستكانتنا،في الوقت

 الذي ينبغي أن نستغل لحظة تهاوي هذا النظام،وحراك كل

 شعوب العالم ضده،وهو يراه يقف موقف المتفرج لما يقع

 من إجرام ووحشية ضد المدنيين المستضعفين في غزة،نحن

 للأسف مازلنا متعلقين بأهداب التبعية وخرجنا نستغيث

 بأدوات هذا النظام الدولي الوحشي الهش،لنطلب الأمن من

 مجلس الأمن،ولانعلم بأي مجلس أمن يستغيث المستغيثون؟

هل بأمريكا التي تدعم الكيان الصهيوني وتمده بأفظع الأسلحة؟
أم ببريطانيا صاحبة وعد بلفور الذي منح فلسطين للصهاينة؟
أم بروسيا التي أبادت المسلمين في سوريا؟
أم بالصين التي أبادت مسلمي الإيغور؟
أم بفرنسا التي أبادت المسلمين في الجزائر ومازالت الى الآن تتفاخر بجماجمهممصفوفة في متحف تدعوه متحف الانسان؟
بمن ياترى يستغيثون؟


بنظام أثبت وحشيته وهو يكتفي بإلقاء البيانات والإدانات،بينما آلاف الأطفال إما أيتاما مشردين في الشوارع أوملاجئ لاتحسن أن تأويهم،أو مدارس لم يتعلموا فيها بعد أسباب هذه الشرور التي تحيط بهم،أو مصابين في مستشفيات تتنزل عليهم القنابل فيها لتحرق أجسادهم الضعيفة من غير ذنب اقترفوه أوعدو عرفوه؟
ففي الوقت الذي ينبغي فيه أن نحتشد خلف طوفان الأقصى كطوفان هادر لكسر هيمنة نظام دولي حكمنا بالحديد والنار،واستبد بالرأي والقرار،وسلب مقدرات شعوبنا،وأقام قواعد بقائه على إفناء دولنا،وسلب سيادتنا،نحن للأسف مازلنا نسبّح بحمده،ونستنجد به ليرحمنا،ثم نستحي حتى أن نقول لا لمن يحكموننا،ونحن نعلم أنهم أذرع من أذرع ذلك النظام ليتحكموا في رقاب شعوبنا،فكيف نقبل بحكمهم وهم يطبّعون مع أعدائنا،ولا يتخذون مواقف لوقف نزيف دمائنا،وأعلى قمة يصلونها لإنقاذنا هي أن يقيموا قمة يختمونها ببيانات إدانة وتنديد؟
وقد يقول قائل انما نحن المستضعفين ولا حيلة لنا،والحقيقة أن حيلتنا كانت في أن توارينا خلف ضعفنا لنحجب تخاذلنا.
فلماذا لاتجتمع شعوبنا على كلمة سواء ضد قتلة الأطفال والشيوخ والنساء؟
لماذا لا نبحث عن هوامش للحرية ونكف عن هذه التبعية والقناعات الانهزامية؟ فنتخذ مواقف حقيقية بمعاقبة الاحتلال الصهيوني على كل جرائم الحرب الوحشية التي اقترفها في فلسطين،بل ونعاقب كل من تطاول بلسانه أو يده على المسلمين،ونقاطعهم مقاطعة دبلوماسية واقتصادية؟
لماذا ننتظر دوما أن يكونوا هم الفاعلين ونحن المنفعلين؟
لماذا لانبادر بجمع الأفكار ثم الاحتشاد خلف مااجتمعنا حوله،فإنه لن يغلب جيشًا إلا فكرة قد حان وقتها كما قال فيكتور هيجو؟
وكم نرجو أن تكون “مبادرة رحمة للعالمين لأجل غزة “ المتواضعة التي أطلقتها تحت شعار”حرية،عدالة ورحمة”من بين المبادرات التيتحقق المأمول في حشد مانرجوه من عقول،فإنه ليحز في النفس أننا لم نعد مجرد مغلوب مولع بتقليد الغالب،كما قال العلامة ابن خلدون،بل أصبحنا مغلوب مولع بفكرة أنه لن يكون أبدًا الغالب،وهذا مرضأصاب عقل الامة الإسلامية،فأنساها ذاكرتها التاريخية،حتى نسيت جميع أمجادها الحضارية كفردوس دولتها الأندلسية التي دامت لثمانية قرون،أوالخلافة الاسلامية العثمانية التي امتدت لستة قرون،فأصبحتأمتنا تستحي من انتمائها،وترى أنه لامناص ولا خلاص فالسيادة ليست لها،والتقدم شأو بعيد عنها،والذل والمسكنة قدر بات على المسلمين محتوما،وإن مسها من التمكين شيئا فإنه برأيها لن يدوم،يقول الله تبارك وتعالى:””يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌّ”( المائدة/54)
وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: بُعِثتُ بين يدي الساعةِ بالسَّيفِ،حتى يُعبَدَ اللهُ تعالى وحده لا شريكَ له،وجُعِلَ رِزْقي تحت ظِلِّ رُمْحي،وجُعِلَ الذُّلُّ والصَّغارُ على من خالفَ أمري،ومن تشبَّه بقومٍ فهو منهم”

فمتى نعود إلى ديننا لتعود إلينا وحدتنا وعزتنا؟ ومتى تعود ضمائرنا إلى عقولنا ليعود إلينا رشاد أمرنا؟
عسى أن يكون قريبا،فالله هو النصير وعلى إحياء الموتى قدير.

بادية شكاط كاتبة في الفكر،السياسة وقضايا الأمة