‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات عصام تليمة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات عصام تليمة. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 28 مايو 2026

قانون الأحوال الشخصية.. حضور الكنيسة وغياب الأزهر؟!

 قانون الأحوال الشخصية.. حضور الكنيسة وغياب الأزهر؟!

عصام تليمة

شغل المجال العام في مصر على مدار أسبوعين ـ ولا يزال مرشحا للاستمرار ـ بالحديث عن مشروع قانون الأحوال الشخصية، وقد لوحظ أن السلطة المصرية تعاملت مع مشروع القانون بمعايير متناقضة ومزدوجة، ففي الوقت الذي خرجت فيه الكنيسة المصرية تعلن عن تقديمها مشروع القانون الخاص بالطائفة المسيحية بكافة مذاهبها، والتوافق الذي تم عليه، بينما غاب تماما أي حديث للأزهر عن القانون، إلا من تصريح أخير حين كثر تساؤل الناس: أين الأزهر من المواد المسربة من القانون؟!

كان ملحوظا أن السلطة أزاحت الأزهر وهمشته، بل لم تشركه في القوانين، والتي هي مواد متعلقة بالشريعة الإسلامية، والذي ينص الدستور الذي وضعته السلطة، وصوت عليه أنصارها من نخبة وعامة، في المادة السابعة منه، والتي تقول: (الأزهر الشريف هيئة إسلامية علمية مستقلة، يختص دون غيره بالقيام على كافة شؤونه، وهو المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشؤون الإسلامية). وسبق هذه المادة مادة أخرى تنص على: الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع.

لم تكن الأحداث المواكبة لإعداد القانون فاضحة للسلطة فقط، والتي تعاملت بمعايير مزدوجة، فراحت تشرك الكنيسة في القانون الخاص بالمسيحيين من ألفه إلى يائه، دون أدنى تدخل منها، بينما حرمت الأزهر وهو المؤسسة التي تمثل المرجعية للمسلمين في هذه المسائل، والمعنية بذلك.

لكن السلطة تعاملت مع مواد قانون تتصل بصميم دين المسلم، بشيء من التعنت، بل والإقصاء، ففي قانون الأحوال الشخصية المسيحي، لوحظ أن الأمر لم يطرح على جهات غير مختصة، بل طرح على الجهات المعنية بالتشريع المسيحي، فقام بوضع مسودة القانون الكنيسة الأرثوذكسية، ثم قامت الكنيسة بعرض القانون على كافة المذاهب المسيحية الموجودة في مصر، وجعلت نص اللائحة: الموحدة، لا الواحدة، وعند السؤال عن الفرق، فبينوا أن الموحدة أي: أنها في بعض المواد ذات عدة صيغ، تراعي الاختلاف المذهبي بين الطوائف المسيحية، بينما الواحدة، فهي ذات النص الواحد على الجميع، وهو ما تجنبته الكنيسة في موادها.

ثم قامت الكنيسة بتسليم نسخة القانون لوزير العدل، وقام وزير العدل بتسليمه لرئيس مجلس النواب، ثم قام الأخير بعرضه على رئيس الجمهورية، للعرض بعد ذلك على مجلس النواب، وهو ما لم يحدث في قانون الأحوال الشخصية للمسلمين، بل إن ما حدث هو عكس ذلك تماما.

رغم أن قوانين الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر، هي الأحوج للتجديد والتغيير عن المسلمين، فإن اللائحة التي تسير عليها الكنائس في مصر حتى الآن، هي من سنة 1938م، وعدلت بعض بنودها سنة 2008م، والملاحظ أن الشكاوى الكثيرة في هذا الملف نسبتها أكثر عند المسيحيين، نظرا للتضييق عليهم في مساحات الطلاق وأسبابه، وأمور أخرى، مثل منع الزواج من الطوائف المختلفة.

أما قانون الأحوال الشخصية للمسلمين، فهو دائم التجديد والتغيير، فلا يكاد يخلو عصر لحاكم من تعرض للقانون، مرة أو أكثر، منذ الملكية في مصر، وحتى الآن، وهو ما يدل على أن الحاجة الماسة للتعديل هي عند المسيحي المصري لا المسلم، وإن وجد فليس بنفس الحاجة والضرورة التي عند قوانين الأحوال الشخصية المسيحية.

ومع ذلك، فقد رأينا الكنيسة تحضر وتقوم بدورها، وتفرض واقعا، أعانتها عليه السلطة، وهو حق مشروع، ودور يقدر لو كان ذلك نابعا عن فصل بين السلطات والمؤسسات، وإحالة كل ملف للمختصين، لكن ما حدث مع الأزهر، دلل على أن الأمر كان تناقضا فجا، ومخالفة صريحة للدستور، في مساحة تتعلق بدين الناس وشريعتها، والأجدر بالحديث في الأمر أهل الاختصاص، لا كل من هب ودب، وهو ما حدث، فرأينا الإعلام يوميا يمطر الناس باقتراحات، ونصوص لمواد، تدل على التلاعب بدين الناس، في مساحة من أخطر المساحات.

مما جعل الناس تسأل: أين الأزهر؟! فخرج الأزهر مصرحا، بأنه لم يعرض عليه شيء من هذه القوانين، وهنا خرج الإعلام السلطوي يهاجم الأزهر، بأن تصريحه يحدث بلبلة، فلماذا لم يرسل للمسؤولين؟ ورد الأزهر بأنه لم يخاطب أحدا، بل رد على تساؤل الناس، وهو ما أوقع السلطة في حرج شديد، وأثبت للناس أن القائمين على إعداد القانون كذبة، وأنهم يتراجعون عن مواد، ويصمتون عن أخرى، وهو ما يدل على أن السلطة أرادت أن تبيت الأمر بليل، وتفاجأ به الناس، وذلك استجابة لمطالب أوروبية متعلقة بالأسرة.

لم تكن الأحداث المواكبة لإعداد القانون فاضحة للسلطة فقط، والتي تعاملت بمعايير مزدوجة، فراحت تشرك الكنيسة في القانون الخاص بالمسيحيين من ألفه إلى يائه، دون أدنى تدخل منها، بينما حرمت الأزهر وهو المؤسسة التي تمثل المرجعية للمسلمين في هذه المسائل، والمعنية بذلك.

إن من أولى وظائف الأزهر شيخا ومؤسسة: الذود والحماية للمقدسات والثوابت، وعلى رأس هذه الأولويات: قانون الأحوال الشخصية، لأنه يتعلق بأهم ركن في المجتمع وهو الأسرة..

بل إن الأمر كشف عن تناقض أدعياء العلمانية في بلادنا، وأدعياء الدولة المدنية، الذين كانوا من قبل كلما أرادوا مهاجمة الإخوان، أحضروا لهم الأزهر، وجاءوا بفتوى للأزهر ضد قوانين متعلقة بالتنمية الاقتصادية، وعلى سبيل المثال: قانون الصكوك الإسلامية، ومشروع قناة السويس، لقد استقوى العلمانيون وخصوم الإخوان وقتها بفتوى الأزهر بالتحريم، أو وجود الشبهة، وهم أنفسهم الآن، الذين نصوا في دستورهم على دور الأزهر، وأقروها صيغة وتصويتا، هم الذين يستنكرون بيان الأزهر أنه لم يعرض عليه القانون، وأن عرض القانون عليه حق دستوري أصيل.

وهم يعلمون أن وجود قانون خاص بالمسيحيين، وآخر بالمسلمين، فيما يتعلق الأحوال الشخصية، هو يتنافى تماما مع ما ينادون به: الدولة العلمانية، والدولة المدنية، لأنه يقتضي أن يكون للقانون صيغة واحدة تطبق على الجميع، لكنهم يصمتون تماما عن كل ما يتعلق بالكنيسة، ولا ترتفع أصواتهم بالضجيج إلا فيما يتعلق بالأزهر، والشريعة الإسلامية، مخافة أن يتهموا باضطهاد الأقلية، لكن لا مانع لديهم من ممارسة كل ألوان القمع والاضطهاد للأغلبية.

اللافت للنظر أن قانون الأحوال الشخصية كان دوما سببا للنزاع بين الأزهر والسلطة، وقد كانت النخبة العلمانية دافعا للسلطة في هذا الصدام، وبخاصة في ظل الحكم العسكري، فعندما قامت حكم العسكر سنة 1952م، وكان هناك حديث عن الأحوال الشخصية، وسعي من بعض العلمانيين لوضع قانون المساواة بين الرجل والمرأة في المواريث، كان شيخ الأزهر آنذاك الشيخ محمد الخضر حسين، وقد ذهب بنفسه معلنا الرفض لكل ما يمس بثوابت الإسلام، والعجيب أن أكثر من رد على العلمانيين في هذه المسألة هو الدكتور طه حسين، ورفض أن يتم النقاش حول أي من الثوابت في الدستور.

ثم حدث في أكثر من عهد، أكثر من مرة في عهد عبد الناصر، وكتب الشيخ الغزالي رحمه الله بعضا من هذه التفاصيل، في كتابه: معركة المصحف في العالم الإسلامي، وكتابه: كفاح دين. وفي عهد السادات كذلك كانت معركة الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الأزهر مع قانون الأحوال الشخصية، والذي اشتهر باسم: قانون جيهان، حرم الرئيس السادات، ولقد لخص شيخ الأزهر هذه المعركة القديمة الجديدة، في بيانه، والذي افتتحه بهذه الكلمات الواضحة البينة، فقال:

"من آن لآخر يثار في المجتمع الإسلامي قانون الأحوال الشخصية، ويختلف الكتاب تبعا لأهوائهم. فبعضهم يستجيب للنص القرآني لا يريد به بديلا، وبعضهم يأخذ في محاولة الالتواء بالنص ليقربه مما يجري العمل به في الغرب، أو ليقربه من أهوائه التي ينحرف بها تلبية لرغبة منحرفة، أو لهوى جامح. ولكنك إذا سألت الجميع فإنهم يقولون لك: نحن مع الوحي، ومع الرأي الإسلامي. ولا يمكنهم أن يقولوا غير ذلك حتى لا يثيرو الرأي العام عليهم".

لم يعد الأمر يقبل من الأزهر الصمت، أو السكوت، أو انتظار عرض السلطة للقانون عليه، فقد كان شيوخ الأزهر يقفون بالمرصاد لكل محاولة تقترب من المساس بأحكام الأسرة وغيرها، فإن من أولى وظائف الأزهر شيخا ومؤسسة: الذود والحماية للمقدسات والثوابت، وعلى رأس هذه الأولويات: قانون الأحوال الشخصية، لأنه يتعلق بأهم ركن في المجتمع وهو الأسرة، فإذا كان موقف شيخ الأزهر من قضية الطلاق الشفوي كان صلبا وقويا، رغم أنه موقف يخضع للاجتهاد الفقهي، لكنه لم يقبل أن يكون اجتهادا سياسيا بعيدا عن الاجتهاد الفقهي المتزن، فإن ما يتم تسريبه من مواد، يستدعي وقفة أقوى وأهم من وقفته السابقة، وهو المنتظر من الأزهر: شيخا ومؤسسة.

Essamt74@hotmail.com


الخميس، 29 ديسمبر 2022

هالة حسن البنا دفينة مقبرة أبي أيوب الأنصاري

هالة حسن البنا دفينة مقبرة أبي أيوب الأنصاري

هالة حسن البنا قدمت جهودا مشهود لها في جامعة الأزهر وعرفت بصلاحها ودأبها العلمي في تخصصها الطبي


عصام تليمة

 توفيت الدكتورة هالة حسن البنا، كريمة الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله، وقد كانت طبيبة وأكاديمية يشار إليها بالبنان، قدمت جهودا مشهود لها في جامعة الأزهر، وعرفت بصلاحها، ودأبها العلمي في تخصصها الطبي، وكانت كشأن كل بنات البنا، ليس لهن ظهور إعلامي، ولذا يندر وجود صور لهن، إلا ما يندر، وفي فترات متأخرة، وكانت تلك وصية البنا لبناته، كما حدثتني ابنته الراحلة سناء رحمها الله، أن عدم ظهورهن الإعلامي كان بناء على توجه لدى والدهن، أو من باب النصيحة.


كانت هالة البنا مشغولة بتطوير مستشفى الحسين الجامعي، وبخاصة قسم الأطفال، فقد كانت ذات عاطفة جياشة رحمها الله، ولعل ما زاد هذه العاطفة لديها، ما رأته في عملها طوال عملها الأكاديمي العملي مع الأطفال، إضافة للرصيد الذي تلقته من خلال تربية أبيها، ثم بعد وفاته أكلمت أمها المسيرة، تلك السيدة الصالحة التي رعت أبناء وبنات البنا وربتهم تربية شهد لها القاصي والداني بحسنها، ورقيها.

لم أكن قد شرفت بلقاء الراحلة إلا في آخر أيامها، فقد زرتها مع زوجتي قبل وفاتها بأقل من أسبوع، في أحد مستشفيات إسطنبول، وقد استأذنتها زوجتي للدخول عليها، فوجدت عندها فتاة تركية ترعاها متطوعة، من بنات العلم الشرعي، سواء هي أو بعض أخواتها إذا كان لديها ما يمنعها، وهن بنات أحد علماء التصوف والتربية في تركيا، تقبل الله منه ومن بناته عملهن الصالح.

وكان طلبها مني أن أوفر نسخا من كتاب (نظرات في التصوف والأخلاق) للإمام البنا، وكنت قد جمعت ما كتبه البنا من مقالات وبحوث حول التصوف والتربية والأخلاق، منذ سنوات طويلة، فطلبت مني نسخة بالعربي لها، ونسخا باللغة التركية لمن يتولى رعايتها من الفتيات المتطوعات التركيات.

ثم دار الحديث عن أوضاع الجماعة والدعوة، وقد حدثتني عن بعض سعيها للبحث عن مخرج لإنقاذ المسجونين، وقد أخبرت بذلك من قبل الدكتور حمزة زوبع كذلك، فلم تترك مسؤولا كبيرا تعرفه، ولا واسطة خير تتحرك في هذا الملف، حتى وصلت لرؤساء دول، وبخاصة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وكلمته في أن يفعل شيئا لأسرانا كما كانت تطلق على المسجونين في مصر، نسأل الله أن يكتب لها سعيها في ميزان حسناتها، وقد كانت تحكي ما فعلته، وهي متحسرة على حال الجماعة وقياداتها.

توفيت هالة البنا، وقد كانت تشكو الغربة، وتخشاها، لكن الله عز وجل أكرمها بأحسن جوار في قبرها، فقد دفنت في مقابر أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، على مقربة شديدة من مسجده، واحتشد عدد كبير للصلاة عليها، بينهم مسؤولون أتراك
كان لقائي بها مدة ساعة ونصف تقريبا، تحدثت فيما يقرب من نصف ساعة عن شيخ الأزهر أحمد الطيب، والتي كانت تقدره بشكل كبير، وتحترم تصوفه، واحترامه لمقامه ومقام المشيخة، فقد عملت معه حين كان رئيسا لجامعة الأزهر، وقد أنصفها حيث ظلمت من بعض رؤسائها في العمل.

وحين حدث خلاف بين الطيب والإخوان فيما عرف بالعرض العسكري في جامعة الأزهر، وهو احتفال لطلبة الأزهر بزي المقاومة في فلسطين، وتدخل الأمن المصري في الأمر، لم تكن محبة لهذا التصرف، لكنها كانت رافضة في الوقت ذاته الإساءة للرجل، ورفضت التجاوز في حقه من بعض طالبات الأزهر من الإخوان، حين رفعن المصحف في وجهه، ولما سألهن: من أنتن؟ قلن: نحن بنات حسن البنا؟ فقال الطيب: لستن بنات البنا أنا أعرف بنات البنا جيدا، ولسن بهذا التطاول على أساتذتهن.

وذهبت هالة البنا بنفسها للطالبات وكلمتهن، في عدم صحة ما يفعلن مع رئيس الجامعة أحمد الطيب آنذاك، وقدر لها هذا الموقف، وكانت كلما تعرضت لمظلمة في الجامعة، أو لديها مشروع يفيد قسم الأطفال في مستشفى الحسين، رحب بها، وعاون، وذلل لها الصعاب، وكثيرا ما كانت تصحب عند زيارتها للطيب ابنها خالد رحمه الله، الذي استشهد في مذبحة رمسيس بمسجد الفتح.

كان أكثر ما آلمها رحمها الله قبل وفاتها، أنها ودت لو ماتت بين أهلها في مصر، وأنها ستموت غريبة، فقلت لها: يا دكتورة الغربة ليست غربة المكان، بل غربة الروح والقلب، وغربة الدين، وغربة المبادئ والقيم، فماذا تفعلين لو كنت بين أهلك وبلدك، بينما لا يحبونك، أو ليسوا على مستوى خلقي يسعدك، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بين فضل من مات غريبا عن أهله.

كانت تشعر بدنو أجلها، فقد كانت وفاة شقيقتها سناء حسن البنا، والتي توفيت منذ ما يقرب من شهر، فقالت لي: موت سناء قصم ظهري، كما أن أختها الكبرى وفاء زوجة الأستاذ سعيد رمضان، ووالدة الداعية المعروف طارق رمضان، في حالة صحية حرجة، ثم قالت لي: يبدو أنني ذاهبة إليهم، أي: إلى أخيها سيف الإسلام، وسناء.

توفيت هالة البنا، وقد كانت تشكو الغربة، وتخشاها، لكن الله عز وجل أكرمها بأحسن جوار في قبرها، فقد دفنت في مقابر أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، على مقربة شديدة من مسجده، واحتشد عدد كبير للصلاة عليها، بينهم مسؤولون أتراك، وقال الإمام الذي صلى عليها صلاة الجنازة كلاما يدل على تقدير الترك للبنا وأسرته، حيث قال: من تقدير الله عز وجل أن تموت بيننا ابنة البنا، وريث الخلافة الإسلامية، ليدفن في بلادنا قطعة من هذا الإمام الصالح تحت ثرى تركيا.

Essamt74@hotmail.
com

السبت، 28 مايو 2016

محمد الغزالي وفن السخرية والفكاهة (2)

 محمد الغزالي وفن السخرية والفكاهة (2)

عصام تليمة
أقرأ أيضاً

الغزالي وفن السخرية والفكاهة(1)


كان
 الشيخ الغزالي كثيرا ما يستخدم أسلوبه الساخر في الرد على خصومه، ومن مواقفه في ذلك: أن شابا وقف يناقش الغزالي قائلا: إن أبو النبي صلى الله عليه وسلم في النار، واستشهد الشاب بالحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: "إن أبي وأباك في النار".

 وظل الشيخ الغزالي يقنع الشاب برأيه فلم يقتنع، فقال له الغزالي: ولكني قرأت حديثا آخر يعارض هذا الحديث. 
فقال الشاب: ما هو؟
قال الغزالي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا"!
 فقال الشاب: إنها آية وليست حديثا؟
فقال الغزالي: ولكني جعلتها حديثا لأنكم لا تهتمون إلا بالأحاديث!

ومن الأشياء التي تجعله يضطر إلى الجواب عنها بسخرية: ما يراه من ضعف علمي، أو غباء لدى بعض طلبة العلم الشرعي، أو خريجي الأزهر، والمعاهد الشرعية، فهذا أمر يضيق به الشيخ الغزالي بشدة، وقد حدث أن أعلنت وزارة الأوقاف المصرية عن طلبها لأئمة لمساجدها، وأعلنت عن مسابقة يجري فيها امتحان للمتقدمين لشغل هذه الوظائف، وكان من بين المتقدمين شاب تخرج من الأزهر، ويبدو أنه كان ممن نجحوا ولا يستحقون النجاح في شهادته، فقد كان ضعيفا في مستواه العلمي بصورة فاضحة وفجة، فسأله الشيخ الغزالي رحمه الله: هل تحفظ القرآن الكريم؟ قال: نعم، ولكني نسيته.

قال له الغزالي: ألا تذكر منه شيئا؟!
قال: لا.

قال الغزالي: فهل تحفظ شيئا من السنة النبوية؟ قال: نعم.

 فقال الغزالي: قل لي حديثا مما تحفظ؟
فقال الشاب: يقول صلى الله عليه وسلم: "اصبروا تَنُولوا".

فنظر إليه الغزالي نظرة كلها سخرية، وظاهره الثناء على الشاب، ثم قال له: الحديث ناقص يا أحمق، وليس بهذه الرواية، ونصه الصحيح: "اصبروا تنولوا، واهتفوا وقولوا: مصر للسودان، والسودان لمصر"!! قم أيها الأحمق اخرج.

وقد حضر في مرة من المرات في مجلس إداري في إحدى الجامعات العربية، ليؤسسوا قسما للبنات، فجلس مجلس إدارة الجامعة يناقش شروط الأستاذ الذي سيدرس البنات، وكان من بين الحاضرين الشيخ الغزالي، وكان معظم الحاضرين ممن يميلون إلى التحوط والتشدد في قضية لقاء المرأة بالرجل، حتى وإن كان معلما للطالبات، فجلسوا يطرح كل منهم الوسيلة الفعالة لتجنب أن يواجه المعلم البنات الدارسات، فاقترح أحدهم: أن يكون المعلم في غرفة والطالبات في غرفة أخرى.
فرد عليه: بأنه من الممكن أن تخرج البنات من الغرفة المخصصة لهن، ولا يدري أحد بذلك، ويكون المعلم يتكلم ولا يوجد أحد.
فاقترح آخر: بأن نضع ستارة سميكة أمام المعلم بحيث لا يراهم ولا يرونه، ولكنه يشعر بحركتهن.
فرد عليه: بأن هذا الأمر ـ تربويا وعلميا ـ لا يناسب الجو العلمي المنشود.
فاقترح ثالث: أن يصحب المعلم عند ذهابه للمحاضرة زوجه معه للحضور، ويواجه بذلك البنات.
فرُدَّ عليه: بأنه ربما كان المعلم مسنا وزوجه قد ماتت، أو يكون متزوجا ولكنه زوجه في بلده التي قدم منها، أو مريضة.
وجلس الشيخ الغزالي يستمع لكل هذه الاقتراحات وهو يتميز من الغيظ، ثم أشار بيده، وقال: عندي اقتراح يمنع هذه الفتنة تماما، ويريح رؤوسكم، ويقضي على كل شبهة لديكم، وهو حل ناجع لا مثيل له.
فقالوا: ولماذا أنت ساكت يا شيخ غزالي، قل اقتراحك هذا.
فقال: أرى أن نأتي بالمعلم الذي سيدرس للبنات، ثم نقوم له بعملية (إخصاء)، حتى تموت الشهوة والفتنة التي سيطرت على أفكاركم وعقولكم، وبذلك نستريح وتستريحون جميعا من هذا المرض!!

وبالطبع لم يكن يقصد بذلك الشيخ الغزالي إلا السخرية من هذا التشدد في عملية أبعد ما يكون فيها الفتنة والشهوة، فالمعلم الذي سيشرح لمائة طالبة الإسلام والشريعة، كيف يفكر في المادة العلمية التي يتناولها، ولو سرح ببصره للحظة عابرة نحو أي فتاة جالسة، لضاع الموضوع من رأسه كاملا، ولانكشف أمره، ثم هو رجل بين عدة نساء.

وربما يطلق الغزالي النكتة أو السخرية لشدة غيظه مما يلقى عليه من سؤال يدل على تفاهة السائل، أو عدم مراعاة أولوية الوقت، ففي مدينة كبيرة من قُطْر إسلامي رأى شبابا مسلمين يمشون حفاة إلى المسجد! فلما سألهم أحد المراقبين عما يفعلون قال قائلهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يمشون إلى المسجد منتعلين أحيانا، وحفاة أحيانا، فأحببنا أن نحيي سنتهم ونقتدي بهم!

وبلغ الخبر الغزالي مع طلب الفتوى! يقول الشيخ الغزالي: فقلت للسائل: ربما استطعت الإجابة عن أشياء يفكر الناس فيها بأدمغتهم! أما ما يفكرون فيه بأرجلهم فلا أستطيع إجابة عنه!

وكانت تعليقاته الساخرة تضفي لونا من الفكاهة التي تعلم القارئ، فإن من أهداف الفكاهة ولا شك: تعليم الإنسان في لون فكاهي ومن ذلك: أنه كان يسخر من المتشددين في قضية المرأة وصوت المرأة، وأنه عورة وينبغي ألا يظهر لا في خير ولا شر، وكان الغزالي يتبنى القول بعدم عورية صوت المرأة، بضوابطه الشرعية المعروفة، وقد كان يناقش بعض من يتشدد في هذه القضية، فاستشهد الشيخ الغزالي بامتحان المؤمنات المهاجرات الوارد في سورة الممتحنة في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن) الممتحنة: 10، ثم يقول الشيخ الغزالي: أظن سيقول لي المتشددون: إن الامتحان هنا امتحان تحريري وليس شفهيا!!

رحم الله الغزالي الضاحك الضحوك، ونسأل الله عز وجل أن يحشره ضاحكا مستبشرا.

الاثنين، 16 مايو 2016

الغزالي وفن السخرية والفكاهة(1)


الغزالي وفن السخرية والفكاهة(1)

عصام تليمة



لعل خير من عرفت عنهم النكتة وفن السخرية والفكاهة، هم علماء الأزهر، فقد ارتبطت صورة الشيخ الأزهري في أذهان الناس بالفكاهة والمرح، وأنهم ليسوا معقدين، وأنهم كما لقبهم أحد الكتاب بـ (ظرفاء مصر) أو كما يلقبهم عوام الناس في مصر بـ (ملوك النكتة)، فالأزهري بطبعه يميل إلى الدعابة، ولا يميل إلى التكشيرة، وعلى رأس هؤلاء: الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، فقد امتلك ناصية البيان رحمه الله، ففي الصفحة الواحدة من كتبه، أو المقال الواحد من مقالاته، يستطيع أن ينقلك من شدة التأثير والتأثر، من بكاء شديد، وتغلبك دمعتك، إلى ابتسامة ربما تصل لضحك بصوت مرتفع، فقد طوع اللغة والرصيد الأزهري الذي يمتلكه في امتلاك قلوب القراء والمستمعين له، ومواقفه في ذلك كثيرة، ومنها:
فقد سئل الشيخ الغزالي هل يقرأ الكاريكاتير في الصحف والمجلات؟ فأجاب مبتسما: نعم أنا أحرص على قراءة كل الصور والرسوم الساخرة في صحفنا، فنحن المصريين نميل إلى النكتة الساخرة، ويصل بنا الأمر إلى أننا نسخر ونضحك أحيانا من أنفسنا عندما تصدمنا مشكلة أو ننهزم.
وأنا أحب النكتة جدا وأضحك لها من قلبي. 
هناك نكتة أعجبتني جدا عن إخواننا المتدينين المتشددين، تقول: رؤي أحد المتدينين المتشددين وفي يده قفاز ملاكمة، فقيل له: ما هذا؟ فقال: أسوي به الصفوف!!
ويقول: جاءني رجل ورأى مجموعة من العصي المعلقة داخل بهو بيتي، وأنا أحب الضحك من إخواننا المتشددين في الدين، فقال هذا الرجل: ما هذه العصي؟ فقلت له: هذه هي (وسائل الإيضاح) أخذتها من بعض إخواننا وهم يعلمون بها الناس الإسلام.
 يشير بذلك إلى غلظة بعض المتدينين في تعليم الناس الإسلام، واستخدامهم أسلوبا حادا.
ومن هذا قوله رحمه الله: (قلت لأحد الناس: تعرف فلانا؟ فإن لي صديقا يحب الاتصال به، ولعله يريد أن يصاهره، أو يشاركه في تجارة كبيرة!
قال: أعرفه معرفة حسنة، إنه متوسط العمر، قصير القامة أسمر الملامح!
قلت: ثم ماذا؟
قال: له رباط عنق جميل! وحذاؤه لامع! وعندما يتحرك ... 
فأسرعت أنا بإكمال الوصف، فقلت في سخرية:
عندما يتحرك يكون مرح الأعطاف حلو اللفتات!
قال: ما تعني بهذا الهزء؟
قلت: السخرية منك! أهذا وصف لإنسان؟ إنك تشبه بعض المتحدثين عن الإسلام في هذا العصر الأنكد! إنهم يعرفون الناس به فلا يزيدونهم إلا جهلا، وربما صدوهم عنه.. يجعلونه كائنا، محلوق الشارب، مكشر الأنياب، مكحول العينين، كميش الثياب.. الخ).
ولقيه شاب يقول له: يا شيخ غزالي لقد ركبني عفريت، فماذا أفعل؟ فنظر إليه الشيخ الغزالي، وكان السائل طويلا، فقال له الشيخ الغزالي بلهجة عامية ساخرة: أليس عارا أن تكون شحطا طويلا ويركبك عفريت، ولماذا لم تركبه أنت؟ ولماذا لا تستضعف العفاريت والشياطين من الجن غير المسلمين، إننا نرى غير المسلمين أكثر معصية لله، وأبعد عن طاعته، ومع ذلك لا تركبهم العفاريت!
كان الغزالي رحمه الله يبغض المتدين سيء المنظر، وبخاصة لو نسب عدم نظافته وتجمله للدين، فقد دخل عليه أحد الطلبة ـ وكان يدرس في إحدى الدول العربية ـ وقد أمسك بيده مسواكا، وقد وقف يغسل به أسنانه، ثم عصر المسواك أمام الشيخ الغزالي، فتقزز الغزالي من هذا الصنيع، فقال للشاب: ما هذا؟
فقال الشاب يريد بذلك إسكات الغزالي: إنه سنة!
فقال الغزالي: والاستنجاء كذلك سنة، هل معنى ذلك أن تتبول لي في المدرج!
وكان يحاضر في محاضرة فاستشهد برأي للإمام محمد عبده، فقال له أحد الطلبة معترضا: محمد عبده ليس إماما، ولا ينبغي أن نطلق عليه لفظ إمام،
فقال الشيخ الغزالي: محمد عبده مش إمام يبقى مأموم إذن!
 ثم قال له: يا بني في الوقت الذي كان أجدادك يتبركون بالشجر والحجر، كان الإمام محمد عبده يكتب (رسالة التوحيد).

الجمعة، 18 ديسمبر 2015

أزمة الإخوان.. محاولة للحل

أزمة الإخوان.. محاولة للحل
 
عصام تليمة
دخلت أزمة الإخوان في مصر مرحلة تنذر بخطر كبير، ولا يخفى على متابع ما جد من أحداث، وقد يرى بعض المتأملين في هذه المستجدات أن هذا الخلاف نهاية للإخوان المسلمين كجماعة، لكن رؤية أخرى أميل إليها، ترى: أن هذا الخلاف علامة حيوية على حراك داخل الجماعة، وإن علا وطفا فيه سلوكيات ليست مقبولة، وأن الجماعة ليست كيانا مصمتا، بل كيان حيوي، وإن بدت حيويته في شكل خلافات كبيرة.

إن الحلول كما أتصورها، ويتصورها غيري من جمهور الإخوان المسلمين، تتمثل في حلول جذرية، وتبنى على بعض ما صرح به بعض أطراف الأزمة، وكان آخرها بيان د. محمد كمال الذي طرح فيه أن يتأخر الجميع خطوة، ويتقدم الشباب لتولي المهمات والمسؤوليات، وهو طرح مقبول، وبقي أن يجيب بقية الأطراف عنه، ليثبت بذلك لجمهور الإخوان هل الخلاف كما حاول البعض تصديره للناس أنه خلاف على السلمية، أم على مناصب الجماعة، فأما السلمية فالكل متفق عليها، وأما المناصب فقد تخلى عنها طرف، فهل يتخلى الطرف الآخر، أم يظل مصرا على القيادة من المهد إلى اللحد؟ الأيام القليلة المقبلة ستكون كاشفة عن صحة النوايا، وهل المقدم هنا الجماعة أم الأفراد؟

إن الحديث عن تفعيل لوائح قديمة في هذه الفترة هو لون من العبث الفكري والحركي، إذ إن تاريخ الإخوان في المحن كلها، لم يعتمد فيه اللوائح كحل للخروج من أزمتها ومحنتها، فعندما استشهد الإمام البنا، ظل الإخوان فترة طويلة بلا مرشد، واضطروا للبحث عن مرشد من خارج صندوق تفكير الإخوان، وباللوائح لم يكن ليأتي الأستاذ حسن الهضيبي مرشدا، ولكن كانت الجماعة بحاجة لتحسين صورتها مع المجتمع الذي شوه وصور لهم بأنها جماعة إرهاب وعنف، فجاؤوا برجل من مؤسسة القضاء. والحال نفسه بعد وفاة الأستاذ حسن الهضيبي، فقد ذهب الدكتور محمود أبو السعود للدكتور القرضاوي يعرض عليه منصب المرشد، واعتذر عن ذلك لأسباب ليس هنا مجال لتفصيلها، فقد كان طبقا للائحة الإخوان يتولى المنصب الدكتور كمال الدين حسين، وكان عضوا لمكتب الإرشاد، وقد كان أيد عبد الناصر كي يخرج من السجن، فلم يرتض الإخوان أن يكون مرشدهم ممن أيد من سجنهم، فأبطلوا اللائحة، واختاروا بذلك الأستاذ عمر التلمساني، فمسألة اللوائح في أوقات الأزمات كلام لا يستقيم.

إذن تحتاج الإخوان للائحة جديدة، ومجلس شورى جديد، ومكتب إرشاد جديد، حيث إن هذه الكيانات انتخبت من قبل لإدارة تنظيم دعوي، الآن نحتاج لهذه الكيانات لإدارة تنظيم معني بالدرجة الأولى بإسقاط انقلاب، وإعادة مسار الديمقراطية، واستكمال مسار الثورة، فيكون ذلك واضحا في أذهان من ينتخب، وهو ما يلح بشدة في هذا المسار، فلو تخيلنا أن أعضاء الشورى أو الإرشاد نالوا الشهادة في فض رابعة، هل كنا سنظل بلا مؤسسات؟ يقينا، لا، وكذلك الحال لقد سجن الجميع واستشهد من استشهد، ولم يبق عدد تستقيم به إدارة المؤسسات.

تتم هذه الانتخابات بتنحي جميع من شارك في إدارة هذه المرحلة، من جميع الاتجاهات، سواء روابط الإخوان، أو مكتب الأزمة، أو المكاتب الأخرى، ويتم انتخابها، ربما يتعلل البعض أن ذلك صعب ويتعذر، وهو مردود عليه بالإجراءات التي تمت منذ أيام، بدعوى القيام بتحقيقات مع أناس عزلوا من مناصبهم، فهل عند الإخوان بحبوحة ووقت للتحقيقات، وليس عندهم وقت للانتخابات لاستكمال كيانهم؟!!!

يرى كثير من الإخوان الآن، أن هذا الحل يتم عن طريق تشكيل لجنة حكماء، وقد أبدى العلامة الدكتور القرضاوي استعداده وموافقته لقيادة حراك يقود فيه مسيرة المصالحة بين أطراف الأزمة، وضم قيادات أخرى تثق فيها جماهير الإخوان جميعا، وهي بادرة طيبة ومهمة.

ينتقل الأمر الآن في ملعب الجميع، ليكون اختبارا واضحا، من سيتمسك بالجماعة ومصلحتها، ومن سيتمسك بمصلحته الشخصية، من سيعلي المؤسسية، ومن يلجأ للفردية، من سيتأخر بنفسه، لتتقدم الجماعة؟!

للتواصل مع الكاتب

Essamt74@hotmail.com


الجمعة، 11 ديسمبر 2015

أزمة الإخوان.. أزمة فكر أم خلق؟


أزمة الإخوان.. أزمة فكر أم خلق؟
عصام تليمة 

باتت أزمة إخوان مصر بالخارج مثار نقاش وجدل، سواء على مستوى الإعلام، أو مستوى الباحثين في شأن الإخوان، وعنوان النقاش: هل الأزمة داخل الإخوان فكرية؟ مغفلين للأسف الجانب الخلقي من الأزمة، وهو رأس الأمر.

فليست الأزمة داخل الإخوان في الخارج أزمة فكرية كما يصور البعض، أو يحلو له أن يصور، بل هي أزمة - من وجهة نظري - أزمة خلق يتبعها إدارة، نعم بكل وضوح أقولها: لو كانت الأزمة داخل الإخوان فكرية، فهناك مرجعية معتمدة لدى الجميع، وهي أدبيات الإخوان، بداية من "رسائل حسن البنا"، و"دعاة لا قضاة"، وثوابت الجماعة المعروفة، التي يعرف منها ما هو قابل للتطوير وما هو ثابت، لكن الحديث عن خلاف فكري حديث خادع، يدور بعيدا عن الأزمة، بل يراد ذلك، أن يدور الناس في فلك أمر بعيدا عن الحقيقة.

بكل صراحة الأزمة أزمة خلق، وحب الذات، وإعلاء حظ النفس على حظ الجماعة، والحفاظ على أوضاع تحقق طموحات شخصية أكثر منها دعوية، يتبع ذلك دائرة المنتفعين بهذه الشخصيات، علينا أن نكون صريحين إذا أردنا علاجا ناجعا، فهي أزمة خلق في بعض قيادات تتحدث عن الإخلاص، والشورى، وعن قيم سامية، وعندما تتعارض هذه القيم مع حظ النفس، سرعان ما تجد مبررات تساق للحفاظ على مواقعها ومكتسباتها، أزمة خلق عندما يكون الحديث عن المؤسسية، بينما يقوم البعض بتبني مبدأ الشللية، ويجمع حوله من يتفق معه في الأهداف والمصالح، ويقصي من يشم منه رائحة المخالفة ولو في رأي يفيد الجميع.                                           
وليغضب من كلامي من يغضب، فلم ولن أقولها إلا إرضاء لله وحده، فلن ألقى الله بجماعة تدافع عني، ولن ألقاه بعصبة أو جماهير تشفع لي عند ربي لو كنت مجاملا في قول الحق.              

علينا أن نعترف أن الانقلاب العسكري في مصر، أخرج كثيرا من عيوبنا، التي ربما كان مقبولا تأجيل الحديث عنها، أو علاجها قبل الانقلاب، أما الآن ونحن نرى آثار هذه الآفات تهوي بنا وبتاريخنا، وبكل ما ضحى به أسلافنا ممن قاموا بحمل هذه الجماعة في مصر وخارجها.
كنت أكتب وغيري عن هذه الآفات داخل الصف الإخواني قبل الثورة، وكنت أجد هجوما من المخلصين من أبناء الجماعة، وحربا ضروسا من بعض قيادات يطالها كلامي ونقدي، ولكن الآن أصبحت دائرة من ترى هذه الأخطاء تتسع لدرجة أنها أصبحت أغلبية داخل الجماعة، ترى بكل وضوح أن هذه الأزمة هي أزمة خلق لدى حفنة قليلة.                                                                             

وهي أزمة خلق كذلك عند بعض فئات الصف الإخواني، الذي يرى ويبصر كل هذا الخلل ويكتفي بالهمس، والحديث الصامت، أو الانزواء بعيدا عن اتخاذ إجراء فعال ينهي تسلط أمثال هؤلاء، نعم يملك الصف الإخواني إنهاء هذا الخلل، فهو ليس كما مهملا، يستدعى وقت الاستدعاء، ويركن على الرف وقت انتهاء المطلوب منه، ويهمش نفسه بنفسه، ويعتبر نفسه مجرد صوت انتخابي يلقى عند كل انتخاب، ويمضي لحال سبيله، دون محاسبة لكل مسؤول، وتقويمه عند الخطأ، ومتابعته في كل ما يقوم به.

فإذا كان الداخل الإخواني في مصر قد توحد خلف مكتب مؤقت منهيا الخلاف الحالي، فواجب الخارج بمخلصيه التوحد، والعمل على لائحة جديدة وقيادات جديدة تكون بإرادة كاملة للصف الإخواني بما يلبي طموحات الجميع للمرحلة المقبلة، وليكن ذلك بعد الخامس والعشرين من يناير، حتى لا نكون ممن يطلعون وقت الموجات الثورية فيشغلون الناس عنها، بحديث يزيد الخلاف ولا ينهيه، وهو ما نفصله في مقال آخر إن شاء الله.

الخميس، 3 ديسمبر 2015

متضامنون لوجه الحق!

متضامنون لوجه الحق!
 
عصام تليمة 

يد الظالم تمتد لكل من تطاله، سواء عارضه مباشرة، أو تعارضت مصلحة نظامه الظالم مع توجه هذا المخالف له، يتضح ذلك بجلاء في الاعتقالات الأخيرة التي قام بها الانقلاب العسكري في مصر، والتي طالت أخيرا: الأستاذ هشام جعفر، والأستاذ حسام الدين السيد، والأستاذ إسماعيل الإسكندراني.

أعرف من الثلاثة السابق ذكرهم، الأستاذ هشام جعفر، وهو باحث متمرس، وصاحب فكر متميز، وجهد علمي ووطني ملموس، اتضح ذلك من خلال إدارته لتحرير موقع (إسلام أون لاين)، والذي كان يدار من القاهرة، لعدة سنوات، بلغتين العربية والإنجليزية، ثم فجأة أغلق الموقع، الذي كان فيه أشهر وأكبر موقع عربي، ومن المواقع الكبرى على مستوى العالم، شهد بذلك القاصي والداني، وكان أحد أعمدة هذا الموقع الكبير هشام جعفر، المعروف بنشاطه في هذا المجال وغيره من مجالات البحث العلمي، وبعدما أغلق الموقع لم يتوقف نشاط هشام جعفر، فأكمل مسيرته في مجال البحث بكل ما يفيد الوطن، كشأن كل مهتم بمصر وإصلاح حالها، ونال ثقة الجميع واحترامهم، سواء على مستوى الحركات الوطنية بكل مستوياتها: إسلامية ومدنية، أو على مستوى خصومها، فحتى أشد الناس عداء للإسلام السياسي كعلي جمعة، مفتي مصر السابق، والمعروف بمواقفه المخزية دينيا، وتأييده للانقلاب العسكري وسفكه لدماء الأبرياء، كانت المؤسسات الخيرية التي يمتلك علي جمعة فيها كلمة ومسؤولا عنها تتعاون في مشروعات مع هشام جعفر ومراكزه، وأعتقد أن شخصا ينال هذا التقدير من الجميع لا يختلف أحد على جهده، وحبه لوطنه، وخدمته له، وخدمة قضاياه.

أما حسام السيد، فقد عرفته عن طريق موقع (إسلام أون لاين)، فقد كان مسؤولا عن القسم الثقافي والفني فيه، وخطا فيه خطوات قوية، إلى آخر جهوده، فك الله أسره وأسر الجميع.
أما ثالثهم فهو إسماعيل الإسكندراني، ولم أتشرف بمعرفته معرفة شخصية، لكني كنت أتابع بعض أنشطته، وكتاباته.
وكنت أتفق مع ما يكتب وأختلف، شأن كل صاحب رأي، لا ينال إجماعا مهما كان صواب ما يكتب، وكذلك حسام السيد وهشام جعفر، رغم صداقتي لهما، كنت أتفق وأختلف معهما في بعض القضايا، ويسعنا حبنا لوطننا أن نختلف في التوجه السياسي والثقافي وغيره، لكن ما لا أختلف فيه أبدا حولهم أو معهم، هو عدم القبول باعتقالهم، أو الصمت عن حقهم في استرداد حريتهم، وفك أسرهم من نير هذا النظام الغاشم، وهو ما قمت به من قبل بكتابتي أني متضامن مع علاء عبد الفتاح وأحمد دومة، وأحمد ماهر.

علينا ألا نسمح لفساد النظام العسكري أن يلوث ضمائرنا، أو إيماننا بحق كل إنسان في ألا يظلم، مهما كانت مساحة الاختلاف بيننا وبينه، يكفينا أنه معتقل ومظلوم، ويكفينا أنه مختطف خارج إطار القانون، وهو ما أتمناه من الجميع ألا نسمح بهذه الثقافة المسمومة أن تغرس في محيطنا الثقافي والديني، أن نقيم مواقف من ندافع عنهم بمدى قربهم وابتعادهم منا، أو من قضايانا، لأننا سنلقى الله ونحاسب على أدائنا ومواقفنا نحن، ولن نحاسب على مواقف الآخرين، كما أن الإسلام يأمرنا بأن نكون قوامين بالقسط مع القريب والبعيد، مع الموافق والمخالف، فلا نكون (إمعة)، نحسن من يحسن، ونسيء لمن يسيء، أو من ليس على منهجنا، بل أمرنا أن نقف ضد الظالم، مهما كانت ديانة المظلوم، فعندما اتهم يهودي في حادثة سرقة، وكان السارق مسلما، والمظلوم يهوديا، نزل القرآن ينصفه، ويأمر المجتمع الإسلام بعدم خذلان المظلوم، فقال تعالى: (إنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) النساء: 105

الخميس، 26 نوفمبر 2015

شعار (المزايدة هي الحل)!


شعار (المزايدة هي الحل)!

د.عصام تليمة

بات هذا الشعار عنوانا يُتخذ، ومنهجا يُتبع الآن في العمل السياسي، وهو (المزايدة)؛ سواء في التفكير السياسي، أو قطع الطريق على أي تفكير سياسي، أو مجرد فكرة تطرح، نرى صياحا وهياجا، لا نستطيع فيه تمييز الموقف المبني على مبدأ، من الموقف المبني على مزايدة.

ولنأخذ نموذجا وضحت فيه المزايدة السياسية والإعلامية مؤخرا، وهو قضية (الاصطفاف الوطني)، بغض النظر عن شروط كل من يقبل أو يرفض الاصطفاف بين أطياف الشعب المصري لإنهاء الانقلاب العسكري، ففجأة خرجت شعارات ومقالات، وكلمات من هنا وهناك، تتكلم عن الاصطفاف، ذما أو مدحا، إلى هنا والأمر مقبول، إذا كان الكلام من حيث المبدأ، فلا مانع، أو أن يكون الكلام مقبولا من حيث المبدأ، أو الخلاف في التفاصيل، فمع من نصطف، ومع من نتقارب، وكل يضع شروطه وتصوراته حول هذه الشروط، كل هذه وجهات نظر لا مانع منها ما دامت في إطار التفكير الذي يرجى منه العمل الجاد الذي ينتهي بإعلاء مصلحة الثورة والوطن.

لكني لاحظت أن بعض الأصوات من هنا وهناك، لم يكن قبولها أو رفضها لمسألة الاصطفاف، والدعوة إليها، سوى اتخاذ موقف لعلة من ينادي بالاصطفاف؟ فلو كان الداعي للاصطفاف شخص آخر غير فلان، فيكون الكلام منه مقبولا، وهذا معناه أن بعض المواقف لا تنطلق من المبدأ، بل تنطلق من النظر لمن ينادي بالمبدأ.

فقد أشيع لفترة أن عمرو دراج، ومحمد محسوب، وغيرهما، دعوا للتنازل عن شرعية الدكتور مرسي، فيما سمي بوثيقة العشرة، وأن ذلك ثمنا للاصطفاف مع قوى سياسية، وخرجا ينفيان ذلك، بأكثر من طريقة، لكن ظلت أصوات مصرة على شيطنة الرجلين وغيرهما، بينما صمتت نفس الأصوات المشيطنة لهذه الأطراف، عن حوار جرى يوم الثلاثاء مع الدكتور طارق الزمر، يقول فيه كلاما لو خرج من غيره لهاجت هذه الأصوات، مما يعني أن المسألة ليست مسألة مبدأ، بقدر ما هي مسألة شخصيات، يهدف البعض لتصفية حسابات معها، بالحق أم بالباطل.

لست هنا أناقش قضية الاصطفاف الوطني، وأني معها أم ضدها، ولكني هنا في موقع بيان مسألة المزايدة على واحدة من قضايا النقاش السياسي التي تقبل الأخذ والرد، والقبول والرفض، لأني لاحظت أمرا عجيبا يدل على أن كل هذا الغبار الكثيف الذي ملأ فضائيات كثيرة، ومواقع سياسية، حول هذه القضية، من أطراف معروفة، رأينا هذه الأطراف تهلل وتفرح، لدعوة موقع (المجلس الثوري المصري) للضباط والجنود في الجيش والشرطة بالانضمام للشعب في ثورته، رغم أن هذه الأصوات لا تكف ليل نهار عن وصف هذه المؤسسة بأنها كلها فاسدة، وليس فيها أحد صالح لأن يظل فيها حتى بعد إسقاط الانقلاب، وقد تعالت هذه الأصوات برفض أي اصطفاف مع أي مدني يعود من معسكر 30 يونيو، بحجة أنهم لا خير فيهم، وأنهم لا أمان لهم، وقد بينت موقفي في مقالي الأسبوع الماضي من العائدين من هذا المعسكر، حتى لا يزايد على موقفي أحد.

كنت أتكلم مع أحد هذه الأطراف، فسألته: هل تنادي بتسريح العساكر والجنود، وانضمامهم للشعب في ثورته؟قال: نعم، قلت له: طيب لو تركوا المؤسسة العسكرية وجاءوا إليك في معسكر الثورة ما قولك؟ قال: يا ريت، يكون مكسب كبير.
فعلقت قائلا: يعني قبلتم بالاصطفاف مع العسكر الذين تلطخت أيديهم بالدماء، أو شاركوا بالصمت، ولا نعلم يقينا من منهم سفك الدماء، وانتهك الأعراض، بينما ترفضون الاصطفاف مع المدنيين التائبين والراجعين من معسكر 30 يونيو؟!

للأسف أصبحنا نرى أطرافا لا تهدف من مواقف لها إلا المزايدة، والمزايدة فقط، وهو ما يصدق عليه قول الله عز وجل: (فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ) التوبة: 58.
يعني بالبلدي: فيها لاخفيها.

الخميس، 19 نوفمبر 2015

العائدون من معسكر 30 يونيو

العائدون من معسكر 30 يونيو
عصام تليمة

ملف العائدين من معسكر 30 يونيو، وتأييد الانقلاب العسكري، سيظل ملفا ملحا في التناول والطرح، ذلك أن هناك من يترك هذا المعسكر، إما قناعة عن خطأ توجهه، ويقظة ضميره، أو وصوله لقناعة فشل هذا الانقلاب، وأنه لا يبقي على أحد، أو لأنه لم ينل نصيبه الذي كان يطمح إليه من الانقلاب، أو إفاقته المتأخرة.
وهذه الحالات يثور حولها النقاش، وسيظل النقاش دائرا كلما خرج أحد من هذا المعسكر بأي درجة من الدرجات.

والأمر هنا في تصوري له شقان، شق ديني شرعي، وشق سياسي. 

أما الشق الديني الشرعي، فهو أمر موكول إلى الله عز وجل، لا يملك فيه الحكم بقبول التوبة من ردها إلا هو سبحانه وتعالى، وقد وضع الإسلام شروطا لصحة التوبة، وهي: الندم على ما قام به الشخص من تأييد للباطل، وتحريض على الدم والظلم، والعزم على عدم العودة إلى ذلك، وإصلاح ما أفسد، وتبيين الحق من الباطل، وذلك عملا بقوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) البقرة: 160.

أما الشق السياسي
، فلا أعتقد أن هناك مشكلة في خروج أحد من معسكر الانقلاب إلى معسكر الثورة، أو العمل على إسقاط الانقلاب، شريطة عدم صدارة هؤلاء العائدين حتى تثبت الأيام صدق نواياهم وتوجهاتهم، وإن كان الموقف مخلصا منهم فلن يفرق معهم في أي صف سيقفون، ما دام الهدف مبدأ وليس مصلحة شخصية، ويعجبني في هذا الأمر تجربة رائعة قام بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مع أتباع مسيلمة الكذاب، ولست هنا أصف من أيدوا الانقلاب بالردة، معاذ الله، بل أستشهد بالنموذج هنا لحكمته السياسية.

فقد اتخذ عمر رضي الله عنه مبدأ لكل من كان مع مسيلمة الكذاب وأراد التوبة أن يخرجه للجهاد دون أن يكون في الصفوف الأولى، حتى لا يحدث منه أي موقف يفت في عضد الناس، ثم بعد ذلك يقدمهم خطوة فخطوة حسب ما يلوح له وللناس منهم من حسن توبة، فقد كان تميم الداري على علم بكتب النصارى واليهود، وكان على علاقة بمعاوية بن حرمل صهر مسيلمة الكذاب، والذي كان معه في الردة، فإن عمر لم يستنكف بعد حينا من الزمن عن الإذن له في القصص يوما، مكتفيا بسؤاله عما يعتزم قوله، ووضع ضوابط لعمله، ثم استزاد عثمان بن عفان يوما فزاده.

وهو نفس ما حدث مع عبد الله بن أبي سرح، والذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أهدر دمه يوم فتح مكة وأحله حتى إن كان معلقا بأستار الكعبة، ثم عفا عنه، وقبل توبته.
ثم يوليه عمر بن الخطاب ميمنة جيش عمرو بن العاص في فتح مصر، ثم يوليه عمر على صعيد مصر، ثم يوليه عثمان على مصر كلها. وكان ابن أبي سرح أحد أبرز قادة الجيش الإسلامي في موقعة ذات الصواري، التي أحرز فيها المسلمون أول نصر حربي بحري على الروم. 

ففتح باب التوبة دينيا مطلوب بترغيب الناس فيه، وهو ما لا يملك أحد غلقه، وأما فتح باب التوبة السياسية فهو بشروطه التي ذكرناها، دون أن نحكم على الناس بالتفسير التآمري، أو أن نتعامل معهم بمنطق الغفلة والسذاجة، بل ما ذكرناه من منطق عمر بن الخطاب والذي كان يقول: لست بالخب، ولا الخب يخدعني.

إن إغلاق باب عودة من شاركوا في الانقلاب بأي درجة كانت، معناه أن يظل كل معسكر بما لديه من أنصاره، وهو ما ينافي سنن الله في كونه في امتلاك أدوات النصر، وأدوات إنهاء الباطل، وهو محاصرة الباطل حتى يكون وحده برؤوسه وفسدته، وفض من أيدوه من حوله، ومحاولة العودة بالناس الذين خدعهم هذا الانقلاب بكل وسائل الخداع المختلفة، لردهم إلى جادة الصواب.

الجمعة، 13 نوفمبر 2015

هل يتعلم الإسلاميون من العصاة؟!!


هل يتعلم الإسلاميون من العصاة؟!!
عصام تليمة

ربما تعجب القارئ من عنوان المقال، وهل يتعلم الإنسان المتدين من العصاة، وبخاصة إذا كان المتعلم على درجة من درجات التدين، أو ممن يقومون بحمل عبء الدعوة إلى الله عز وجل، أو صاحب رسالة، أو ثائر يثور ضد الظلم.

إن الإنسان العاقل لا يعدم الحصول على الخير من أي موضع كان، حتى وإن كان الموضع شرا تماما، ولا يتوقع منه الخير، وهو الاستفادة حتى ممن نظن فيهم الشر كله، ولا يخرج منهم إلا الشر، متمثلا ذلك في قمة الشر (إبليس)، فقد حاول إبليس خداع أبي هريرة رضي الله عنه ثلاث مرات، يوهمه أنه فقير يحتاج للطعام، ويأخذ منه الطعام، إلى أن أمسك به في المرة الثالثة، فعرض عليه إبليس عرضا، بتعليمه آية الكرسي إذا أوى إلى فراشه، وأن الله يحفظه بذلك، فقال صلى الله عليه وسلم عن نصيحة إبليس لأبي هريرة: "أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟". قال: لا، قال: "ذاك شيطان". فهنا نبه النبي صلى الله عليه وسلم على صدق إبليس في نصحه، وإن كان الأصل فيه الكذب، ولم يمنع أبا هريرة من الاستفادة من نصح إبليس أنه عرف من صاحب النصيحة، بل استفاد وقبل النصيحة حرصا منه على الخير، من أي فم خرج.

والمتأمل في حال وممارسات بعض العصاة، يجد دروسا ملهمة يستفيد منها الإسلاميون، والثوار كذلك، في كيفية تنحية الخلافات والتوحد حول هدف واحد، وعدم الجدال فيما لا طائل من ورائه، ولنتأمل معا هذه الممارسة العملية من العصاة، وكيف نستفيد منها؟

تجد العصاة لا يميلون كثيرا لوجع الرأس، والجدال في قضايا لا طائل من ورائها، ولن تجدي نفعا، والأفضل أن تريح المجادل الذي يجادلك بالتسليم له بطريقة تصرفه عنك، وتجعلك تكمل طريقك، وكل له رأي، فلن تربح من طول الجدل فيها، فالصواب أن تعرض عن مثل هذا الجدل، ترى ذلك من العصاة، عندما ترى مدخنا، أو تاركا للصلاة، تخاطبه بحرمة التدخين، وأنه حرام، ومضر بالصحة، أو بأن ترك الصلاة حرام، والصلاة فريضة، فيقطع عليك العاصي الطريق حتى لا تطيل معه في الكلام، فيقول لك: ادع الله لي بالهداية، دعواتك يا مولانا، إنك لا تهدي من أحببت، فهو يلقي بتبعة الأمر إليك، إنك مطالب بالاجتهاد في الدعاء له، حتى يهديه الله، ويترك التدخين، أو المعصية، فقد ألقى عليك بالمهمة.

وترى العصاة يجتمعون حول معصيتهم متوحدين دون خلاف، فمثلا: الذين يشربون المخدرات، تراهم يوزعون الأدوار بينهم بلا خلاف، وبلا انشقاق، ثم يأخذ كل منهم دوره من المخدرات، بالشيشة مثلا، فيأخذ بلغة الحشاشين: النَّفَس أو النفسين، ثم يدور بالنارجيلة على صاحبه الآخر، دون أن يقول له صاحبه لقد أخذت نفسا زائدا، أو أقل، أو شجارا وخلافا كبيرا حول من يبدأ، بل ترى بينهم الوحدة تنتشر انتشارا ملفتا للنظر، قبل انتشائهم وبعد انتشائهم.

رغم اتفاقنا بداية على حرمة ما يقوم به العصاة، لكن لا مانع من الاستفادة منهم في درس: التركيز، وعدم الخلاف، أو التفكير فيما يعكر عليهم صفو هدفهم المحدد، فأصحاب المعصية يحددون هدفهم، ولا يشوش على هذا الهدف شيء، بل بينهم تناغم في تنفيذه.

والرسالة الموجهة هنا للإسلاميين والثوار: هلا تعلمنا من العصاة هذا الدرس، بالتوحد وعدم الشقاق والخلاف، وعدم إضاعة الوقت في غير طائل، من الجدل والمراء، والتنازع حول أمور تؤخر النصر، بل تنذر بانتكاسة عظيمة، أم أن العصاة سيكونون أهدى سبيلا ممن ينتسبون للتدين؟!

الخميس، 5 نوفمبر 2015

هل الجيش المصري كله خونة؟!

هل الجيش المصري كله خونة؟!

عصام تليمة

نغمة بات يرددها بعض من يعارضون الانقلاب العسكري في مصر، وهو أن الجيش المصري كله خونة، وأنهم عسكر فاسدون، ولا خير في أحد منهم، ولو كان فيهم أي شريف فأين هو؟ مستدلين على ذلك، بأحداث من الواقع، ونصوص دينية للأسف تلوى أعناقها، دون إلمام بالموضوع من جل جوانبه في إطار تناول علمي دقيق.

فمن أحداث الواقع التي يستشهد بها أصحاب هذا التوجه، ما حدث في رابعة والنهضة، وغيرهما، وأن القرآن عندما تحدث عن فرعون، جمعه مع جنوده، فقال تعالى: (إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين)، وينسى أصحاب هذا التوجه أن الآية ذكرت جنود فرعون وهامان، الموافقين له، والمشاركين، بينما لم تعمم كل رجال فرعون وهامان، فقال القرآن الكريم نفسه عن رجل في قصر الحكم، قال تعالى: (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله)، فأين نضع هذا الرجل المؤمن المخلص الذي يخفي إيمانه بالحق؟! هل مع جنود فرعون؟ أم أن القرآن بين أن من الناس من ينفع الحق وأهله بتخفيه، فكم في هذا الجيش من لا يقبل بما يحدث، لكنه لا يجد من يعينه، أو لا يجد عددا يحتمي به، فلماذا لا نحرص على تنمية هذا العنصر المحب لمصر، والكاره للظلم، بدل أن نضعهم جيمعهم في سلة واحدة؟!

أما أحداث رابعة والنهضة، فكم تعداد الجيش المصري، إنه مئات الآلاف، وكم شخص شارك في عمليات القتل، وخطط، ونفذ؟ بضع عشرات، أو بضع مئات، فكيف أحكم على كل المجموع بالخيانة؟ وقد وصلتني أسئلة بعد فض رابعة من أناس من الجيش شاركوا في الفض، ولكن منهم من لم يقتل، بل ألقى قنابل غاز فقط، وأعرف شخصيات بعينها، في يوم مسجد الفتح يوم السادس عشر من أغسطس بعد الفض بيومين، دخل الجنود لقتل مجموعة من الإعلاميين، فأمرهم أحد الضباط بعدم الضرب، والضابط والإعلاميون الناجون كلهم من مؤيدي الشرعية؟! وعندي أحداث مماثلة في هذا المضمار كثيرة، ومن زوجات ضباط كبار في الجيش، سألوني هل يطلبن الطلاق، وأنهن قطعن علاقتهن بأزواجهن، وحرمن أموالهن، ولولا مخافة الوضع الاجتماعي لانفصلن، ومعظمهن من سكان منطقة رابعة.

ومخالفتي لهذا التوجه الذي يحكم على الجيش كله بالفساد والخيانة لعدة أمور، معظمها شرعي ديني، فالإسلام لا يقبل مبدأ التعميم، فلا يوجد في الكون فئة أو فصيل، أو مهنة، شر كلها، وخائنة كلها، ولا خير فيها، فالقرآن الكريم يعلم المسلم مبدأ الإنصاف، والدقة في الحكم، وعدم التعميم في الرأي، يقول تعالى عن اليهود وقد كان تاريخهم مع المسلمين تاريخا مملوءا بالخيانات، ومع ذلك قال تعالى: (ليسوا سواء) أي ليسوا جميعا على خلق واحد، وقال تعالى: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما) و(من) في اللغة للتبعيض، وكل (ومن) في القرآن هي تشير لبعض مقابل كل. 

وهو نفس المنهج الذي تعامل به الرسول صلى الله عليه وسلم، مع صناديد الشرك والظلم، فقد رأى في بعضهم خيرا ربما يكون مدخلا لإيمانه وهدايته، فقال: "اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين" إشارة إلى أبي جهل (عمرو بن هشام) وإلى عمر بن الخطاب، وكلاهما كانا من أشد الكفار تنكيلا بالمسلمين، فهل غفل النبي صلى الله عليه وسلم عما فيهما من خير، مقارنة بشرهما؟! إنه يعلم أن السبب وراء حقد وبغض وبطش أبي جهل ليس سببا دينيا، بل كان سببا نفسيا، فقد قال أبو جهل عن سبب عدائه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كنا وبنو هاشم كفرسي رهان، سقوا فسقينا، أطعموا فأطعمنا، قالوا: منا نبي، فأنى لنا بها؟! أي أن المسألة حقد طبقي عائلي بين العائلتين، فاصطبغ هذا الحقد بالشرك المتأصل في بيئته.

بل إن الواقع يكذب هذا التوجه، فأين نضع (26) ضابطا من الجيش حوكموا مؤخرا، بمخالفتهم للسيسي؟! ويقينا يوجد غيرهم، لا يقبل بما يحدث، نعم أعلم أن في الجيش قيادات فاسدة، لكن هل من الإنصاف الحكم على الجميع بما يفعله القيادات؟! وهل هذا مدخل صحيح لإصلاح هذا الكيان، أو القضاء على الفاسدين فيه، إننا بكلامنا هذا نجمع الصالح بالطالح، ونجعلهم يتضامنون معا ولو على الباطل، وهو ما يخالف الشرع الإسلامي الذي يأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا تعينوا الشيطان على أخيكم"، وقد رأينا أن بعض الناس يدافع عن كيانه المنتمي إليه إذا هاجمه أحد من خارجه، أو حكم على المجموع بأخطاء جزء منه، فرأينا قضاة شرفاء، انتفضوا عندما أراد البرلمان المصري مناقشة أمر القضاء، ورأينا المستشار طارق البشري يدافع بحمية شديدة عن عبد المجيد محمود النائب العام أيام مبارك والمجلس العسكري، وما دفعه لذلك إلا العصبية المهنية، وهو ما يوجد في كل مهنة، وفي النظام العسكري أكثر، فرأينا أحمد مظهر وهو فنان مصري كان من الضباط الأحرار واتجه للفن، يرفض أداء دور في فيلم (الكرنك) لأن الفيلم يهاجم عبد الناصر، وعبد الناصر دفعته في العسكرية.

الصواب هنا: أن نبحث عن مساحة المخلصين فنسعى لزيادة رقعتها، ونحصر الفاسدين بهم للقضاء عليهم، لا أن نكون حمقى في تجميع خصومنا، بمن فيهم من نرجو منه الصلاح، فقليلا من الحنكة، أو لنلزم الصمت.

الأربعاء، 28 أكتوبر 2015

خلايا سرطانية في جسد الشرعية!!


خلايا سرطانية في جسد الشرعية!!
عصام تليمة

أخطر ما يصيب الجسد هو الداء الذي يكون من داخله، فكل داء من خارج الجسد يسهل علاجه، لكن الذي يحتاج إلى طول جهد وعناء في مكافحته هو الداء الذي يكون مستوطنا داخل الجسد، وأخطرها هو الخلايا السرطانية التي تعشش في جسد الإنسان، حتى تودي بحياته، والكيانات والجماعات في هذا القانون شأنها شأن الأفراد.

أقول هذا الكلام، لأن أخطر الأمراض التي تصيب كياننا الذي نقاوم به الانقلاب، هو وجود خلايا سرطانية اقتحمت أجسادنا، متمثلة في أشخاص لا همّ لهم ولا دور سوى إفساد هذا الجسد الثوري، وهو ما نبه إليه الكاتب الكبير الأستاذ وائل قنديل، بعنوان: (طحالب دعم الشرعية).

فقد انطلى على العامة والجماهير اصطفاف هذه الفئة معنا في اتجاه واحد، هو مقاومة الانقلاب العسكري في مصر، ولكنها تخدمه أكبر خدمة في حياته، فهي من أكبر عوامل بقائه واستمراره.

علينا أن نعترف بأن معظم هذه الكيانات السرطانية نشأت بيننا، لكن ليست بيدنا، فقد فوجئنا بعد الانقلاب العسكري في مصر، بقناة الجزيرة وقنوات ما يعرف بالشرعية، تستضيف عددا من الناس، سواء من باب العمل بها، أو من باب الاستضافة، وليس لنا رأي في اختيار من يمثل الشرعية، وهو مدخل سهل اختراق جسد الشرعية بهذه الخلايا السرطانية، فيكفي لأي أحد يتكلم عن العسكر والسيسي بالمخالفة، يهلل له الناس، ثم ينال ثقتهم، وبعدها يبدأ دوره المشبوه، بالتشكيك والتخوين في شرفاء لا يختلف أحد على نزاهتهم، ولو من باب زعزعة ثقة الناس فيه، وصنع حالة من البلبلة والتطاول على هذه الرموز.

بكل حياد وإنصاف راجعوا ما يكتبه أو يقوله بعض هؤلاء، ستجدونه لا يؤثر مقدار شعرة في الانقلاب، ولا في تفتيت صفه، بل إن كل كلام هؤلاء ليس له أي أثر، إلا التشكيك والوقيعة في صفوف الشرعية.

فعندما تجد أحدهم له صفحة للحديث عن عالم العسكر، متناولا الجيش المصري كله بأنه عميل، دون تمييز لمن باع منهم، ومن كان وفيا لوطنه، وجعل الجميع في سلة واحدة، وأن أم كلثوم صناعة يهودية، في وقت كانت صناعة السينما يقوم بها بعض اليهود في مصر، كل ذلك يجعل خطابنا موضع سخرية من كل متخصص، أو تناول قضايا عن العسكر في مصر فيبني القضية على معلومة صحيحة، لكن ينسج حولها كمية من الخيالات والسطحية، تنسف ما يقوم به، فيعطي مادة ثرية لرجال العسكر لتسفيه كل رجال الشرعية، أليس ذلك أمرا مقصودا، وخلية سرطانية واضحة هدفها ضرب كل الجسد بدائها؟!

إن أخطر ما في هذه الخلايا السرطانية أنها عائق كبير أمام أي جهد يبذل، لتجميع قوى الثورة المصرية، فكلما قام جهد يجمع الناس، تحيي هذه الخلايا السرطانية نعرة معينة تثير أحداثا مضى عليها زمن كانت عائقا عن توحيد القوى، وهذا يذكرنا بعمل عبد الله بن أبي بن سلول في المدينة، فكلما تآخى المسلمون، سلط أحد أتباعه يذكر الأوس والخزرج بما كان بينهما في أيام الجاهلية، حتى رفعوا السيوف في وجه بعضهم بعضا، ولا يزال ابن سلول بيننا بفكره وسلوكه.

وهذه الخلايا السرطانية تقف أمام أي فكرة يفكر فيها أي إنسان مخلص، ومن أسهل ما تفعله إشهار سيف الحرص على الشرعية، موهمين الناس أنهم هم الأمناء على الثورة، بينما يقومون بتخوين من قاموا بالثورة، وقت كان هؤلاء داخل جحورهم يؤثرون السلامة.

والخطير في الأمر، إحجام البعض عن كشف هؤلاء، وتعريتهم تماما أمام الجماهير، بكل وضوح، وأن هذه الخلايا السرطانية دخيلة على جسد الشرعية والثورة، كي يحذرها الناس جيدا، ولا ينطلي عليهم ما يقومون به من مزايدة وخداع، وإلا سيأتي علينا يوم نتحسر ونتلاوم على تركنا لهذه الخلايا التي يمكن عزلها تماما عن الجسد الثوري، فالتهاون مع هذه الخلايا سيفسد المناخ والجسد الثوري، دون خشية منهم، ولا من أصواتهم النشاز، ولا من صياحهم بغية إرهاب كل من يكشف زيفهم، ومتاجرتهم.

الخميس، 22 أكتوبر 2015

عاشوراء.. يوم هلاك طاغية مصر!!


عاشوراء.. يوم هلاك طاغية مصر!!
د.عصام تليمة


عندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة المنورة، وجد اليهود يصومون يوم العاشر من المحرم، فسألهم عن ذلك، فقالوا: ذاك يوم نجى الله فيه موسى، وأهلك فيه فرعون، فقال صلى الله عليه وسلم: "نحن أحق بموسى منهم، فأمر المسلمين بصيامه".
ويصوم المصريون وغيرهم من المسلمين هذا اليوم، لكن هذا اليوم فيه درس مهم لكيفية القضاء على طاغيتهم، فينبغي ألا يمر علينا بصيامه عباديا فقط، دون التأمل في هذا الحدث المهم من جوانبه السياسية أيضا.

لقد أرسل الله عز وجل نبيه موسى لفرعون، ولم يكن لموسى أي مطالب تخص الشعب سوى مطلب واحد، قال فيه موسى لفرعون: (أن أرسل معي بني إسرائيل)، أي إعطاءهم الحرية، حرية التنقل من مكان لمكان، وهو ما يعني: أن أولى معارك الرسل مع قومهم: الحرية للشعوب، ولكن فرعون رفض ذلك، وأذل الشعب بكل ممارسات التنكيل، من قتل للأطفال، واستحياء للنساء، واستخفاف للشعب، (فاستخف قومه فأطاعوه)، ورفض منحهم ما نسميه بلغة العصر (تصريح سفر)، وعاقبهم بالمنع من السفر خارج البلاد، وسبحان الله كانت نهاية فرعون وعقابه على مبدأ: الجزاء من جنس العمل، فلما أغرق الله فرعون، كانت جثته أقرب للجانب الآخر، أي خارج مصر، لكن القرآن أخبرنا عن ذلك فقال: (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية)، فكان من الممكن أن يغرق في البحر ويظل في قاعه، والبحر ليس من حدود مصر، أو على الشاطئ الآخر، وهو كذلك خارج حدود مصر، لكنه عوقب بما عاقب به الشعب، فرده البحر إلى بلده، رافضا منحه (تصريح سفر) حتى وهو جثة هامدة، لا حول لها ولا قوة!!

الدرس المهم في يوم عاشوراء وهلاك فرعون، هو لحظة هلاكه، ففي الوقت الذي شعر فيه عامة الشعب الهارب من ظلمه، أنها لحظة هلاكهم، (قال أصحاب موسى إنا لمدركون) البحر أمامنا، وفرعون خلفنا، إن لم نمت بالسيف، متنا غرقا في البحر، (قال: كلا إن معي ربي سيهدين)، وهي لحظة يعيشها كل ثائر وصاحب حق، وتمر عليه، يشعر أنه ضاقت عليه الدنيا بما رحبت، وضاقت عليه نفسه، عندئذ لا يكون له نجاة ولا ملجأ إلا بلجوئه إلى الله عز وجل، وهي نفس اللحظة التي لو تخيلنا موقف فرعون، وانتشاءه وفرحته وكبرياءه، فقد أمسك أخيرا بأعدائه، وبخاصة عند نزولهم للبحر بعد شقه بعصا موسى، أنهم في قبضة يده، كانت هذه اللحظة التي ظن فرعون أن الأمر قد استتب له، وأنهم في قبضة يده، كانت هي لحظة غرقه ونهايته، فلا يوهننا تأييد العالم لطاغية، ولا دعمهم الإقليمي والدولي له، بأن ذلك سينجيه من هلاكه وعقابه، بيد شعبه الثائر للحق، الرافض للظلم.

الدرس الأهم هنا في يوم عاشوراء، وعلينا تأمله سياسيا في حراكنا ضد الظلم، أن نجاة القوم من بطش الطاغية، وإغراق الله عز وجل له، كان بعصا، وكانت العصا في متناول أيديهم ويد نبي الله موسى، وهو ما يعني أن أداة النصر دائما، تكون في التفكير خارج الصندوق، وبحلول قد لا تخطر على بال أحد، لكنها سهلة وميسورة وبين يديك، فالعصا في يد موسى عليه السلام دائما، حيث قال عنها: (قال هي عصاي أتوكأ عليها، وأهش بها على غنمي، ولي فيها مآرب أخرى)، ولم يتخيل أن من المآرب الأخرى التي ستكون للعصا هي إنهاء حكم طاغية، ملأ الدنيا بظلمه، كما أن الدرس الأبلغ هنا: أن الحل من داخل الثائرين المظلومين، وليس من خارجهم، فعند الاعتماد على النفس، وبأدواتك، وبإخلاصك، سيكون في ذلك خلاصك من الطاغية، فلنستلهم من عاشوراء الماضي، عاشوراء الحاضر، يوم هلاك كل طاغية في مصر وغيرها.

الخميس، 15 أكتوبر 2015

الإسلاميون ومفردات البذاءة!!


الإسلاميون ومفردات البذاءة!!
عصام تليمة

بات من الملاحظ تغير لغة ومفردات خطاب شباب الإسلاميين، ومن يتخطون مرحلة الشباب كذلك، فهناك نبرات ومفردات لم تكن موجودة من قبل في خطاباتهم وحواراتهم، فدخلت على لغة خطابهم مفردات الشتم والسب، بما لم يكن واردا في يوم من الأيام أن نتوقع حدوثه، وهي ظاهرة كثيرا ما نُسأل عنها، ولي معها بعض وقفات.

أولا: الإسلاميون ليسوا كائنات غريبة عن مجتمعاتهم، فلم يهبطوا من السماء عليها، بل هم أبناء هذا المجتمع، ومن المعلوم في علم الاجتماع: أن الإنسان ابن بيئته، ويظل العامل البيئي عاملا رئيسيا في تشكيل وعي وسلوك الإنسان، يحاول التغيير منه بدرجات متفاوتة، وهذا ما يفعله التدين في الإنسان، عندما تكون ثقافة المجتمع ثقافة تتعارض مع توجيهات التدين.
لانستطيع أن نغفل هذه العوامل المحيطة بالإسلاميين، وهو أمر ثابت دينيا وعلميا، فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر الغفاري رضي الله عنه: "يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية"، يوضح هذا الأمر، فكل شخص منا بداخله رواسب ونسب هذه الجاهلية المتمثلة في سلوكيات وأفكار تخالف صحيح الدين، هذه النسبة تكون بحسب تأثير هذا المجتمع في الإنسان.

وثابت علميا كذلك، فعندما يقوم دارس بكتابة رسالة علمية (ماجستير أو دكتوراه) عن شخصية معينة، يكون أول فصل فيها دائما: الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية في هذه الفترة، ليدرس الباحث مدى تأثير هذه العوامل في فكر وسلوك الشخصية المدروسة، فإذا تعجب الانقلابيون وغيرهم من هذا السلوك، فهو نتاج طبيعي لنظام أتوا به، فاق كل الحدود في الإجرام، وفاق أتباعه كل الحدود في النذالة، وسوء الخلق، فليس مستغربا أن يكون رد الفعل من المجني عليهم بعضا مما قام به هذا النظام.

ثانيا: أعلم أن لي حلقة عن (الهاشتاج المشهور) عندما أطلقه الشباب عند ترشح عبد الفتاح السيسي، وكنت مدافعا عن إطلاق الشباب له، وكانت لي ـ ولا زالت ـ الأسباب الوجيهة والعلمية في ذلك وقتها، وهو ما لم أعلنه، وهو أننا كنا نمنع الشباب من التفكير في أي مسار فيه عنف، ردا على عنف هذه السلطة، فإذا منعناهم من سب وشتم هذا الظالم، الذي يقتل الناس، ويعذبهم في السجون، ويصادر أموالهم، ويغتصب النساء، وهم يسبونه بما فيه يقينا، فإذا تم منعهم من ذلك، فسوف تكون فتنة في رؤية هذا الشباب للدين، فأي دين هذا الرحيم اللطيف مع مثل هذا الرجل بكل ما يقوم به من فجور وظلم، إذ يمنعني من قتله، ويمنعني من الانتقام منه، ويصل المنع لمنعي من سبه بما فيه وما يستحقة؟ فأي دين هذا الذي يحرص على مشاعر الفاجر الظالم، بينما يُطلب مني - أنا المظلوم - أن أظل متحليا بالصمت والصبر، ومنعي من الدعاء عليه وسبه؟!! تلك كانت رؤيتي للأمر، وليس هروبا من موقف، بل ليوضع في سياقه، سواء اتفقنا عليها أو اختلفنا.

ثالثا: توسع البعض في مثل هذه المفردات، فيمن يستحقه ومن لا يستحقه، وهو ما يجعلنا نقف معه بحذر شديد، فليس مقبولا أن ننزلق مع القوم في تجاوزاتهم، والخشية الأكبر من هذا الأمر، أن نتحول إلى أن يصبح ذلك هو أقصى ما نملك من رد الفعل على هذا الظلم، فنكون كالعربي القديم الذي سرقت ماشيته، وضربه اللصوص، فسأله قومه وماذا فعلت؟ فقال: أوجعوني ضربا، وأوجعتهم سبا وشتما!!
رابعا: في ألوان الأدب والفن متسع كبير للتعبير بما يوجع الانقلاب، بعيدا عن الإسفاف في الألفاظ، وهو ما يوجع الطغاة حقا، وبخاصة فن السخرية والتهكم، وهو باب كبير أصل له الفقهاء والعلماء والأدباء والفنانون، وأسهموا فيه بسهم كبير، فكم من نكتة سياسية ساخرة، أو كاريكاتير، أو عمل مسرحي، أو تمثيلي، يؤدي الرسالة، ويصل للجميع، ويوجع الخصم، دون خسارة في مجال الأخلاق، وهو ما يجب علينا أن نركز فيه في مرحلتنا القادمة.