‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا إسلامية معاصرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا إسلامية معاصرة. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 23 يونيو 2026

لماذا لا يحب الإنسان أن يراجع أفكاره ومعتقداته

 لماذا لا يحب الإنسان أن يراجع أفكاره ومعتقداته

 

القرآن يكشف لنا السبب الأهم في هذه الظاهرة الخطيرة.

(وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)

إنها الألفة والصداقة والعلاقات الاجتماعية التي تنبني على تلك الأفكار والمعتقدات، والتي يصعب على الشخص العادي وربما حتى غير العادي أن يضحي بها.

سألت مرة رجلا مثقفا من أهالي بغداد: 

كيف تستسيغ مثل هذه الخرافات، التي تسمونها (شعائر) وأنت رجل مثقف وعاقل، وأنت تعلم أنها ليست من الإسلام في شيء؟ 

قال: لكنها (عادات حلوة) فيها حركة واجتماع وتعارف وتواصل وطعام وشراب، حتى على مستوى العوائل، ونحن ننتظرها بشغف من موسم إلى موسم، الرجال والنساء والأطفال، والذي يسأل مجرد سؤال أو (يتفلسف) سيكون منبوذا في مجتمعنا بلا شك.

قال لي شخص آخر من توجّه آخر، وهو قيادي من الصف الأول في جماعته: صراحة لم أعد مقتنعا بما نحن عليه، أشعر أننا نسير على غير هدى ومن دون نتيجة، لقد خسرنا كل شيء،ولكن (وين أروح؟) فهؤلاء هم أعزّائي وأحبابي الذين عشت معهم وألفتهم، ولا أريد أن أخسرهم.

وهذا يعني أن ما نسميه (الثبات) كصفة إيجابية، أو (التعصب) كصفة سلبية، هو ليس (ثبات الاعتقاد) ولا (التعصب للفكرة) بقدر ما هو الثبات في حضن البيئة المجتمعية والتعصب لها.

قال لي أحد الذين يظهرون الولاء لجماعته إلى حد التعصب وأنا أعرفه على خلاف ذلك، قال: أنا استخدم 35٪ من عقلي حينما أكون معهم، ولو زدت المعيار لفصلت.

وهذا يعني أننا نعيش معضلة حقيقية، فالأدلة هنا لا تعني شيئا، والنقاشات ليست ذات جدوى، لأن السؤال الجوهري والمحوري الأهم من كل ذلك والمستقر في النفوس: (وين أروح؟).

من هنا تجد هؤلاء على اختلاف أديانهم ومذاهبهم وتوجهاتهم كأنهم يلبسون دروعا مضادة للتفكير، مهما كانت الفكرة المعروضة عليهم، وهذا ما عبّر عنه القرآن بقوله: (جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا).

وهناك التواصي على طريقة (الفزعة) لرد كل فكرة جديدة 

(وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ)، 

إنها الفزعة للحفاظ على الموروث، والحفاظ على (المودّة) يشترك فيها حتى الجاهل الذي لا يفقه ما يقول، والذي لا يحسن ربما غير السب والشتم 

(وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ)

إن المجتمعات التي تعاني من هذه الظاهرة لا يمكن أبدا أن تجد طريقا لحل مشكلاتها، ولا للاستفادة من تجاربها، فضلا عن تجارب الآخرين، وستبقى في فلك تقديس الأشخاص، والبحث عن المبررات لكل ما يقولونه ويفعلونه.

قلت في نفسي وأنا أتدبر تلك الآية: سبحان الله كيف تحولت هذه الكلمة الجميلة (المودّة) إلى داء عضال، يدمّر العقول والأفكار والمعتقدات والمجتمعات، وينذر بهلاكها وزوالها، مع ملاحظة أن الآية نزلت في المشركين، لكن العبرة دائما بعموم المعنى لا بخصوص السبب.

إن القوة الوحيدة التي تستطيع أن تخترق هذه الدروع من التعصّب والانغلاق هي السؤال الأخروي. 

فإذا كان سؤال؛ (وين أروح؟) هو الذي يجعلك تتمسك في البيئة التي نشأت فيها، فإن سؤال: 

(أين مصيري في الآخرة؟) هو الذي يجعل السؤال الأول سؤالا تافها. 

ولذلك عقب القرآن على آية المودة بقوله 

(مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ).

اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه

وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه

رضي من رضي، أو سخط من سخط

وصلّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.



الخميس، 28 مايو 2026

قانون الأحوال الشخصية.. حضور الكنيسة وغياب الأزهر؟!

 قانون الأحوال الشخصية.. حضور الكنيسة وغياب الأزهر؟!

عصام تليمة

شغل المجال العام في مصر على مدار أسبوعين ـ ولا يزال مرشحا للاستمرار ـ بالحديث عن مشروع قانون الأحوال الشخصية، وقد لوحظ أن السلطة المصرية تعاملت مع مشروع القانون بمعايير متناقضة ومزدوجة، ففي الوقت الذي خرجت فيه الكنيسة المصرية تعلن عن تقديمها مشروع القانون الخاص بالطائفة المسيحية بكافة مذاهبها، والتوافق الذي تم عليه، بينما غاب تماما أي حديث للأزهر عن القانون، إلا من تصريح أخير حين كثر تساؤل الناس: أين الأزهر من المواد المسربة من القانون؟!

كان ملحوظا أن السلطة أزاحت الأزهر وهمشته، بل لم تشركه في القوانين، والتي هي مواد متعلقة بالشريعة الإسلامية، والذي ينص الدستور الذي وضعته السلطة، وصوت عليه أنصارها من نخبة وعامة، في المادة السابعة منه، والتي تقول: (الأزهر الشريف هيئة إسلامية علمية مستقلة، يختص دون غيره بالقيام على كافة شؤونه، وهو المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشؤون الإسلامية). وسبق هذه المادة مادة أخرى تنص على: الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع.

لم تكن الأحداث المواكبة لإعداد القانون فاضحة للسلطة فقط، والتي تعاملت بمعايير مزدوجة، فراحت تشرك الكنيسة في القانون الخاص بالمسيحيين من ألفه إلى يائه، دون أدنى تدخل منها، بينما حرمت الأزهر وهو المؤسسة التي تمثل المرجعية للمسلمين في هذه المسائل، والمعنية بذلك.

لكن السلطة تعاملت مع مواد قانون تتصل بصميم دين المسلم، بشيء من التعنت، بل والإقصاء، ففي قانون الأحوال الشخصية المسيحي، لوحظ أن الأمر لم يطرح على جهات غير مختصة، بل طرح على الجهات المعنية بالتشريع المسيحي، فقام بوضع مسودة القانون الكنيسة الأرثوذكسية، ثم قامت الكنيسة بعرض القانون على كافة المذاهب المسيحية الموجودة في مصر، وجعلت نص اللائحة: الموحدة، لا الواحدة، وعند السؤال عن الفرق، فبينوا أن الموحدة أي: أنها في بعض المواد ذات عدة صيغ، تراعي الاختلاف المذهبي بين الطوائف المسيحية، بينما الواحدة، فهي ذات النص الواحد على الجميع، وهو ما تجنبته الكنيسة في موادها.

ثم قامت الكنيسة بتسليم نسخة القانون لوزير العدل، وقام وزير العدل بتسليمه لرئيس مجلس النواب، ثم قام الأخير بعرضه على رئيس الجمهورية، للعرض بعد ذلك على مجلس النواب، وهو ما لم يحدث في قانون الأحوال الشخصية للمسلمين، بل إن ما حدث هو عكس ذلك تماما.

رغم أن قوانين الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر، هي الأحوج للتجديد والتغيير عن المسلمين، فإن اللائحة التي تسير عليها الكنائس في مصر حتى الآن، هي من سنة 1938م، وعدلت بعض بنودها سنة 2008م، والملاحظ أن الشكاوى الكثيرة في هذا الملف نسبتها أكثر عند المسيحيين، نظرا للتضييق عليهم في مساحات الطلاق وأسبابه، وأمور أخرى، مثل منع الزواج من الطوائف المختلفة.

أما قانون الأحوال الشخصية للمسلمين، فهو دائم التجديد والتغيير، فلا يكاد يخلو عصر لحاكم من تعرض للقانون، مرة أو أكثر، منذ الملكية في مصر، وحتى الآن، وهو ما يدل على أن الحاجة الماسة للتعديل هي عند المسيحي المصري لا المسلم، وإن وجد فليس بنفس الحاجة والضرورة التي عند قوانين الأحوال الشخصية المسيحية.

ومع ذلك، فقد رأينا الكنيسة تحضر وتقوم بدورها، وتفرض واقعا، أعانتها عليه السلطة، وهو حق مشروع، ودور يقدر لو كان ذلك نابعا عن فصل بين السلطات والمؤسسات، وإحالة كل ملف للمختصين، لكن ما حدث مع الأزهر، دلل على أن الأمر كان تناقضا فجا، ومخالفة صريحة للدستور، في مساحة تتعلق بدين الناس وشريعتها، والأجدر بالحديث في الأمر أهل الاختصاص، لا كل من هب ودب، وهو ما حدث، فرأينا الإعلام يوميا يمطر الناس باقتراحات، ونصوص لمواد، تدل على التلاعب بدين الناس، في مساحة من أخطر المساحات.

مما جعل الناس تسأل: أين الأزهر؟! فخرج الأزهر مصرحا، بأنه لم يعرض عليه شيء من هذه القوانين، وهنا خرج الإعلام السلطوي يهاجم الأزهر، بأن تصريحه يحدث بلبلة، فلماذا لم يرسل للمسؤولين؟ ورد الأزهر بأنه لم يخاطب أحدا، بل رد على تساؤل الناس، وهو ما أوقع السلطة في حرج شديد، وأثبت للناس أن القائمين على إعداد القانون كذبة، وأنهم يتراجعون عن مواد، ويصمتون عن أخرى، وهو ما يدل على أن السلطة أرادت أن تبيت الأمر بليل، وتفاجأ به الناس، وذلك استجابة لمطالب أوروبية متعلقة بالأسرة.

لم تكن الأحداث المواكبة لإعداد القانون فاضحة للسلطة فقط، والتي تعاملت بمعايير مزدوجة، فراحت تشرك الكنيسة في القانون الخاص بالمسيحيين من ألفه إلى يائه، دون أدنى تدخل منها، بينما حرمت الأزهر وهو المؤسسة التي تمثل المرجعية للمسلمين في هذه المسائل، والمعنية بذلك.

إن من أولى وظائف الأزهر شيخا ومؤسسة: الذود والحماية للمقدسات والثوابت، وعلى رأس هذه الأولويات: قانون الأحوال الشخصية، لأنه يتعلق بأهم ركن في المجتمع وهو الأسرة..

بل إن الأمر كشف عن تناقض أدعياء العلمانية في بلادنا، وأدعياء الدولة المدنية، الذين كانوا من قبل كلما أرادوا مهاجمة الإخوان، أحضروا لهم الأزهر، وجاءوا بفتوى للأزهر ضد قوانين متعلقة بالتنمية الاقتصادية، وعلى سبيل المثال: قانون الصكوك الإسلامية، ومشروع قناة السويس، لقد استقوى العلمانيون وخصوم الإخوان وقتها بفتوى الأزهر بالتحريم، أو وجود الشبهة، وهم أنفسهم الآن، الذين نصوا في دستورهم على دور الأزهر، وأقروها صيغة وتصويتا، هم الذين يستنكرون بيان الأزهر أنه لم يعرض عليه القانون، وأن عرض القانون عليه حق دستوري أصيل.

وهم يعلمون أن وجود قانون خاص بالمسيحيين، وآخر بالمسلمين، فيما يتعلق الأحوال الشخصية، هو يتنافى تماما مع ما ينادون به: الدولة العلمانية، والدولة المدنية، لأنه يقتضي أن يكون للقانون صيغة واحدة تطبق على الجميع، لكنهم يصمتون تماما عن كل ما يتعلق بالكنيسة، ولا ترتفع أصواتهم بالضجيج إلا فيما يتعلق بالأزهر، والشريعة الإسلامية، مخافة أن يتهموا باضطهاد الأقلية، لكن لا مانع لديهم من ممارسة كل ألوان القمع والاضطهاد للأغلبية.

اللافت للنظر أن قانون الأحوال الشخصية كان دوما سببا للنزاع بين الأزهر والسلطة، وقد كانت النخبة العلمانية دافعا للسلطة في هذا الصدام، وبخاصة في ظل الحكم العسكري، فعندما قامت حكم العسكر سنة 1952م، وكان هناك حديث عن الأحوال الشخصية، وسعي من بعض العلمانيين لوضع قانون المساواة بين الرجل والمرأة في المواريث، كان شيخ الأزهر آنذاك الشيخ محمد الخضر حسين، وقد ذهب بنفسه معلنا الرفض لكل ما يمس بثوابت الإسلام، والعجيب أن أكثر من رد على العلمانيين في هذه المسألة هو الدكتور طه حسين، ورفض أن يتم النقاش حول أي من الثوابت في الدستور.

ثم حدث في أكثر من عهد، أكثر من مرة في عهد عبد الناصر، وكتب الشيخ الغزالي رحمه الله بعضا من هذه التفاصيل، في كتابه: معركة المصحف في العالم الإسلامي، وكتابه: كفاح دين. وفي عهد السادات كذلك كانت معركة الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الأزهر مع قانون الأحوال الشخصية، والذي اشتهر باسم: قانون جيهان، حرم الرئيس السادات، ولقد لخص شيخ الأزهر هذه المعركة القديمة الجديدة، في بيانه، والذي افتتحه بهذه الكلمات الواضحة البينة، فقال:

"من آن لآخر يثار في المجتمع الإسلامي قانون الأحوال الشخصية، ويختلف الكتاب تبعا لأهوائهم. فبعضهم يستجيب للنص القرآني لا يريد به بديلا، وبعضهم يأخذ في محاولة الالتواء بالنص ليقربه مما يجري العمل به في الغرب، أو ليقربه من أهوائه التي ينحرف بها تلبية لرغبة منحرفة، أو لهوى جامح. ولكنك إذا سألت الجميع فإنهم يقولون لك: نحن مع الوحي، ومع الرأي الإسلامي. ولا يمكنهم أن يقولوا غير ذلك حتى لا يثيرو الرأي العام عليهم".

لم يعد الأمر يقبل من الأزهر الصمت، أو السكوت، أو انتظار عرض السلطة للقانون عليه، فقد كان شيوخ الأزهر يقفون بالمرصاد لكل محاولة تقترب من المساس بأحكام الأسرة وغيرها، فإن من أولى وظائف الأزهر شيخا ومؤسسة: الذود والحماية للمقدسات والثوابت، وعلى رأس هذه الأولويات: قانون الأحوال الشخصية، لأنه يتعلق بأهم ركن في المجتمع وهو الأسرة، فإذا كان موقف شيخ الأزهر من قضية الطلاق الشفوي كان صلبا وقويا، رغم أنه موقف يخضع للاجتهاد الفقهي، لكنه لم يقبل أن يكون اجتهادا سياسيا بعيدا عن الاجتهاد الفقهي المتزن، فإن ما يتم تسريبه من مواد، يستدعي وقفة أقوى وأهم من وقفته السابقة، وهو المنتظر من الأزهر: شيخا ومؤسسة.

Essamt74@hotmail.com


الاثنين، 25 مايو 2026

قانون الأحوال الشخصية

قانون الأحوال الشخصية

عامر عبد المنعم


 الأزهر يقطع الطريق على إفساد المجتمع المصري وتدمير الأسرة، بقانون وارد من الخارج، لا يراعي أحكام الدين الإسلامي.

بعد فترة من الصمت على ما تناثر من مناقشات متعلقة بقانون الأحوال الشخصية أكد اليوم المركز الإعلامي للأزهر الشريف أنَّ مشروع القانون المتداول، لم يُعرَض بَعدُ على الأزهر الشَّريف، ولم يشارِكْ الأزهر في صياغته بأي شكل من الأشكال.
وأشار البيان إلى أن الأزهر "قدَّم مقترحًا بقانون للأحوال الشخصية، تضمَّن رؤيته الشرعية لهذا الموضوع؛ من خلال لجنة من هيئة كبار العلماء والأساتذة المتخصصين، وذلك في أبريل 2019، ولا يعلم الأزهر الشريف مدى توافق هذا المقترَح مع مشروع القانون الحالي المتداول بشأنه النقاش من عدمه".
**
قانون الأحوال الشخصية ليس لعبة في أيدي من يتعاملون مع الأسرة على أنها صفقة أو بيزنس، واستهداف الرجال والتعامل معهم على أنهم مشبوهون، وتحريض النساء على التمرد لتخريب بيوتهن.
الأحوال الشخصية دين، وفقه الزواج والطلاق والأسرة مستمد من آيات القرآن، وهناك سور، مثل النساء والطلاق وغيرهما تضع الضوابط والأحكام بدقة شديدة، وحل أي خلاف بالشرع، وليس باقتراحات قادمة من بلاد ضاعت مجتمعاتها بسبب مثل هذه الأجندات التخريبية.
المجتمعات المسلمة مستقرة منذ مئات السنين ولم تحدث المشاكل إلا بعد فساد الذمم ومحاولة تغيير ما هو مستقر.
بات من الضروري أن ينشر الأزهر القانون الذي أعده هيئة كبار العلماء والأساتذة المتخصصين في أبريل 2019 ، والمحفوظ بالأدراج، لوقف هذا الجدل الذي تثيره جهات كارهة لدينها.
عامر عبد المنعم


تمكين المرأة بين الغلو والتفريط

تمكين المرأة بين الغلو والتفريط 

د. جاسم الجزاع 

كما هو ملاحظ، تشهد الساحة الكويتية حِراكاً فكرياً مستمراً، كان ولا يزال، حول مفهوم «تمكين المرأة»، وهو ملف يقع في قلب التجاذبات الاجتماعية المُعاصرة. فتشير الدراسات المختصة والبحوث المهتمة بتمكين المرأة في المجتمع الخليجي والكويتي بشكلٍ خاص إلى أن المحك الحقيقي لنجاح هذا التمكين يكمن في صياغة نموذج وطني متوازن يوفق بين ثوابت الهوية العربية الإسلامية ومتطلبات التنمية الحديثة العصرية، بعيداً عن الغلو أو التفريط. 

فنجد أن النقاش المجتمعي حول هذا الملف ينقسم إلى اتجاهين، اتجاه يغلو في تبنِّي النماذج الغربية لتمكين المرأة من دون مراعاة لخصوصية المجتمع الكويتي وثقافته العروبية والإسلامية المحافظة، واتجاه آخر يفرط في تحجيم دورها، ويُقصيها عن مشهد صناعة القرار، بناءً على نظرةٍ تقليدية جامدة غير حضارية، فالنمط الذي يمثل «التمكين الحقيقي»، والذي ترنو إليه البحوث الرصينة، هو الذي يقوم على مبدأين أساسيين، هما: الجدارة والكفاءة المهنية كمعيارٍ وحيد لاعتلاء المناصب القيادية، وتكامل الأدوار داخل الأسرة والمجتمع من دون صِدام أو تنافسية غير مبررة. فالتمكين الحقيقي لا يعني إقحام المرأة في المجالات الإدارية أو السياسية لمجرَّد استكمال «المحاصصة النوعية» أو تحسين المؤشرات الرقمية أمام المنظمات الدولية، بل يتمثل في تهيئة بيئة عادلة تُتيح لها الفرصة لإثبات جدارتها متى ما امتلكت المؤهلات والقدرات العلمية والعملية لخدمة وطنها، سواء في الوظائف العامة، أو الحقائب الوزارية، أو مراكز التخطيط الاستراتيجي. 
وفي هذا المنحى، تؤكد الأدبيات الإدارية أن الكفاءة الوطنية، بغض النظر عن الجنس، هي الوقود الحقيقي لإنجاح رؤية الكويت التنموية. 
ومن المنظور القيمي والاجتماعي، ككويتيين وعرب ومسلمين، نرى أن التمكين المهني لا ينفصل بحالٍ من الأحوال عن بناء الأسرة وصيانة المجتمع، وأعني المرأة المتزوجة، التي وإن فُتحت لها أبواب التمكين والترقي الوظيفي، يظل دورها في رعاية بيتها وتربية النشء ركيزة أساسية وعملاً استراتيجياً لا يمكن الاستغناء عنه أو تعويضه. 
لذلك، فالتمكين الناجح لا يقوم على حساب تفكُّك الأسرة أو إهمال الأبناء، بل هو التمكين الذكي الذي يدعم المرأة تشريعياً ومؤسسياً عبر قوانين مرنة وسياقات عمل متطورة، تضمن التوازن العادل بين العطاء الوظيفي والواجب الأسري، بما يحفظ للمجتمع نواته الصلبة وقيمه الأصيلة. 
لذلك، فإن الاستثمار في استقرار الأسرة هو استثمار في مستقبل الوطن، ولا يمكن للمرأة أن تحقق تميزاً مستداماً إلا إذا تضافرت الجهود المؤسسية لتهيئة بيئة تُدرك أن نجاحها المهني يكتمل ولا يتعارض مع نجاحها في بناء جيلٍ واعدٍ وواعٍ. 

                        د. جاسم الجزاع
                          باحث أكاديمي
 
 

الأحد، 24 مايو 2026

التجــديــد .. إحــيــاء لا تـغـيـيــر

 التجــديــد .. إحــيــاء لا تـغـيـيــر

الحسين الدومي

ماجستير مقارنة الأديان، جامعة محمد الخامس في الرباط ومستشار نفسي وأسري


يُعَدّ مفهوم تجديد الدين والإيمان من المفاهيم المركزية في الفكر الإسلامي، لما يرتبط به من حضور الدين في حياة الفرد والمجتمع، واستمرارية أثره في الواقع عبر الأجيال. وقد تناول العلماء هذا المفهوم قديمًا وحديثًا انطلاقًا من أحاديث نبوية شريفة تشير إلى طبيعة الإيمان وتقلبه في النفس البشرية، وحاجته الدائمة إلى المراجعة والتقوية والإحياء.

روى الإمام أحمد في «المسند»، والطبراني في «الكبير»، والحاكم في «المستدرك»، عن النبيأنه قال: «إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم».

كما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود في «سننه» والحاكم في «المستدرك»، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها». وقد تلقّى العلماء هذا الحديث بالقبول، وبنوا عليه أصلًا مهمًا في فكرة «التجديد»، وهو أن الله يقيّض في كل قرن من يُحيي معالم الدين ويعيد للأمة وعيها به.

ويرتبط بذلك أيضًا ما رواه الإمام أحمد والطبراني

عن النبي ﷺ أنه قال: «جددوا إيمانكم»، قيل: يا رسول الله وكيف نجدد إيماننا؟ قال: «أكثروا من قول لا إله إلا الله». وقد اختلف أهل الحديث في أسانيده، إلا أن معناه في فضل الذكر وتعظيم كلمة التوحيد ثابت بأحاديث صحيحة كثيرة، منها قوله ﷺ: «أفضل الذكر لا إله إلا الله» رواه الترمذي

ومن خلال هذه النصوص، أجمع العلماء على أن الإيمان ليس حالة ثابتة جامدة، بل هو حالة قلبية تتأثر بسلوك الإنسان وظروفه، وتقوى بالذكر والطاعة، وتضعف بالغفلة والمعصية. وقد جاء في التعريف المشهور عند أهل السنة أن الإيمان «قول باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالجوارح»، وهو تعريف يعكس تداخل الجانب العقدي والسلوكي في بنية الإيمان الإسلامي.

وانطلاقًا من هذا الفهم، فإن «تجديد الإيمان» لا يعني إدخال تغيير على أصول الدين أو تبديل أحكامه الثابتة، وإنما يعني إعادة إحياء المعاني الإيمانية في القلوب، وتقوية الصلة بالله، واستحضار مقاصد الشريعة في السلوك الفردي والاجتماعي. 

فالتجديد هنا هو تجديد «الحالة الإيمانية» لا «النص الديني»، أي إنه يطال الإنسان لا الوحي.

وبهذا المعنى، يصبح التجديد عملية مستمرة مرتبطة بحيوية الأمة، وقدرتها على مراجعة واقعها الديني والسلوكي في ضوء النصوص الشرعية، دون التفريط بالثوابت أو الانجرار نحو تغيير أصول الدين تحت ضغط الواقع. فالتجديد ليس عصرنة للدين، بل هو «إحياء للدين في العصر»، بما يضمن استمرار فاعليته وهدايته للناس.

وفي المحصلة، فإن مفهوم تجديد الدين والإيمان يقوم على توازن دقيق بين الثبات على النصوص الشرعية من جهة، وبين إحياء معانيها في النفوس والسلوك من جهة أخرى، وهو ما يجعل الدين حاضرًا في الواقع، لا مجرد نصوص تُتلى، بل منهج حياة متجدد في أثره ومقاصده.

المصدر


لمــاذا لا يغـيّـــر القــــــرآن قــراراتــنــــا ؟




السبت، 23 مايو 2026

إلى الدُّعاة الوُعاة..

 إلى الدُّعاة الوُعاة..


لو بذل كثير من الإسلاميين في مواجهة الفكر السرطاني العلماني عُشر مِعشار مايبذلونه في اختلافاتهم ومناظراتهم..
بل وتناحراتهم حول الوسائل والبدائل في العمل الإسلامي ..
لما تجبر أزلام العلمانيين عليهم عمليًا، ولما تكبروا عليهم فكريا، ولما تحولت العلمانية المتغلغلة والمتغولة خلال بضع عقود من فقاعات سياسية على المستويات النخبوية ..إلى قناعات شعبية لدى شرائح كبرى من الأمة المبتلاة بالجبرية ..
ولو أن ما يُنفق من الجهود والأوقات في مسببات التشاحن والتفريق.. بُذِل نصفه أو أقل؛ في موجبات التقريب والتوفيق لما كان هذا حالنا أمام عدو الله وعدونا..
حقًا.. نحتاج إلى إعادة ترتيب الأولويات في الاهتمامات والانشغالات والنقاشات ..
ولله الأمر من قبل ومن بعد

الجبرية هي المرحلة الزمنية التي تكون الامة فيها مجبرة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا على الكثير من أسباب وهنها وضعفها أمام اعدائها، وهي التي تسبق مرحلة العودة إلى الخلافة على منهاج النبوة، التي ينتهي بها شأن أمة الإسلام

الخميس، 4 سبتمبر 2025

الإرشاد الراشد في زمن الغربة!

 الإرشاد الراشد في زمن الغربة!


عثمان الثويني

 مهتم بقضايا الفكر الإسلامي وناشط في برامج ومشاريع الإصلاح المجتمعي


أسير في طرقات الحياة متلمّسًا جدرانها، وكأنّي أبحث عن آثار الحرف حين خَطَّهُ العابرون في لحظات الفقد والانتظار، لعلّها تسلّيني عن غربةٍ لم تكن وليدة المكان، بل ولدت يوم غربت القيم وتبدّلت البوصلة، فلم نعد نُميّز الشمال من الجنوب، ولا الضياء من الظلام. 

كانت قوافلُ الأنبياء تسيرُ على هدي النجوم، واليوم نُساق خلف شعاراتٍ زائفة، لا ضوء فيها ولا اتجاه.


لقد نصبت الغربة خيامها في قلوبنا لا في الصحاري، ودقّت أوتادها بآهات المكروب والمخذول، فتجذرت فينا لا كمحنةٍ عابرة بل كهويةٍ بديلة. 

وما عادت القناديل تُنير الدرب، ولا الدمع يُطفئ لهيب الروح، حتى امتلأت المنافي بوجوهٍ تشبهنا، لكنها بلا ملامح. 

نرفع أكفنا للسّماء متوسّلين الطير الأبابيل، أن تمطر على الباطل حجارةً من سجيل، ونعود بذاكرتنا إلى قابيل وهابيل، إلى أول دمٍ سُفك لأن النفس إذا انفصلت عن الوحي، عميت بصيرتها وسقطت في مهاوي الشر.


في هذا التيه، لا يجد الإنسان خلاصًا إلا بالعودة إلى “المنهج”، ذلك الذي فصّله محمد أحمد الراشد بدقة لا يتقنها إلا من عرف الداء، وعاش المعاناة، وسلك الطريق. 

إن منهج العودة إلى النهضة يبدأ من الداخل، من الفرد الذي يخلع عنه رداء الغفلة، ويستبدله بثوب المجاهدة والتزكية. 

فلا دعوة بغير إصلاح النفس، ولا بناء حضاري دون بناء إيماني يُعيد ترتيب الأولويات ويحرر الإنسان من أهوائه. 

“التجرد” الذي يطرحه الراشد ليس حالة مثالية منعزلة عن الواقع، بل هو المِفتاح الذي يُعالج به الفرد جذور الضعف في قلبه، ويؤسس عليه مشروع الانبعاث، فالنية الخالصة لله هي أولى معالم الطريق.


ثم إن الراشد لا يُقدم الدعوة كمجرد نشاط وعظي، بل كـ”بناء منظم” تشكل فيه التربية المحور الأهم، حيث يُعاد تشكيل الإنسان ليكون لبنة صلبة في جدار الأمة المتين. 

وهنا لا تكفي النوايا، بل لا بد من “برنامج تربية” صارم، يشمل تزكية النفس، وفهم الشريعة، ومتابعة الواقع، وتدريب الإرادة، والتعوّد على العمل الجماعي المنضبط، لأن الاغتراب الذي نعيشه اليوم ليس فقط في الهوية أو المؤسسات، بل اغتراب في المفاهيم، في السلوك، في الانتماء، في ترتيب الأولويات.

ومع تزكية النفس، لا بد من الارتقاء في فهم السياسة الشرعية، حيث لا يُفصل بين الدين وشؤون الأمة كما يُراد لنا. الراشد يرسم المسار التربوي-السياسي، الذي يحفظ الدين ويقيم العدل، دون أن يُحطم الواقع أو يتجاهله. 

فتربية بلا وعي سياسي تُنتج جيلًا حسن النية ضعيف التأثير، وعمل سياسي بلا تربية ينتج طغاة جددًا بأسماء إسلامية. 

إن الأمة اليوم في أشد الحاجة إلى من يمسك العصا من الوسط: 

من يربّي ويخطط، من يعبد ويعمل، من يتقن قراءة الواقع ولا يضيّع البوصلة في أزقة الموازنات.


ثم يأتي مشروع “التغيير الحضاري” الذي لا يقوم إلا على “صناعة الإنسان الرسالي”، الذي لا يكتفي بالصلاح الفردي، بل يحمل في قلبه همّ الأمة ووجعها، ويتعامل مع الحياة كـ”ساحة ابتلاء” وميدان عمل. الإنسان الرسالي الذي ينشده الراشد هو الذي يصوغ حياته كلها وفق مقاصد الشريعة، ويرى في كل تخصص علمي أو نشاط مهني بابًا لخدمة الدين، فيزرع حيث لا زرع، ويأوي إلى كهف الصبر إذا اشتدت العتمة، لكنه لا يغادر الميدان.

وفي طريق التكوين، يذكّر الراشد أن “الروابط الأخوية” هي الزاد الذي يُعين على الاستمرار. 

فمهما كان الفرد مخلصًا، فإنه لا يستطيع أن يحمل أعباء الغربة وحده. فلا بد من صفٍ مؤمن متراص، تحكمه المحبة والنصيحة والتجرد، وينهض فيه كل فرد على قدر طاقته. والحق أن هذا المفهوم من صميم الهدي النبوي، حيث كانت الأخوّة قبل الدولة، والحب في الله قبل الجهاد، والصفّ المتماسك قبل السيوف والرماح.


ثم تأتي لحظة الرقائق، لحظة الخلوة والانكسار، حيث يدرك الداعية أن الإصلاح ليس نشاطًا بل عبادة، وأن الطريق لن يُفتح بالذكاء والتخطيط وحده، بل بدموع الليل، وصدق التضرّع، وكثرة الاستغفار. في هذا الباب، يُبدع الراشد في الجمع بين فقه القلب وفقه الحركة، ويعلّم أبناء الصحوة كيف يتعاملون مع أنفسهم إذا أبطأت الثمار، أو خذلتهم الدنيا، أو رأوا الباطل يتقدّم، لأن طريق الأنبياء ليس دائمًا معبّدًا، لكنه دائمًا موصول بالله.


إن الغربة التي نحياها اليوم ليست قدرًا دائمًا، بل مرحلة من مراحل التكوين، كما كانت غربة مكة تمهيدًا لفتح مكة. 

ومنهج الراشد يذكّرنا بأن النصر لا يأتي فجأة، بل هو تراكمُ جهدٍ، واستمرار صدق، وصدق نية، ورباطُ قلبٍ، وبذلُ وقت. وإذا أخذ كل فرد بهذا المنهج، واستيقنت الجماعات أن طريقها لا يُبنى بالحماس المؤقت، بل بالمنهج المتين، عندها يبدأ الطوفان بالتراجع، وتعود النجوم تُضيء الدرب من جديد.

وإلى ذلك الحين، لن نيأس، ولن نستوحش الطريق لقلة السالكين، فالله معنا، والحق لا يموت، والعاقبة للمتقين.

الثلاثاء، 12 أغسطس 2025

فقه الميزان “خذلان غزة شرعا وقانونا”

فقه الميزان “خذلان غزة شرعا وقانونا”

رئيس الهيئة العالمية لأنصار النبيﷺ 
وعضو مجلس الأمناء بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

 

بعد مرور أكثر من عشرين شهرا على حرب الإبادة في غزة، وإعمالا لقاعدة فقه الميزان من خلال كفتيه الشرعية والقانونية، ظهرت الأمة الإسلامية على صورة من الضعف والعجز، ليس لها مثيل في تاريخها الممتد، ولو كانت تدرك حجم الفضوح الذي انكشف بعد سقوط ورقة التوت التي كانت تتستر بها، لسعت إلى إيقاف الحرب أو إغاثة الأشقاء، ولو من باب الحفاظ على الشكل العام، وعدم الظهور بمظهر من لا يملك من الأمر شيئا!


إذا وضعنا في الكفة الأولى بعض نصوص الشريعة سنجد نتيجة مريعة، والبداية مع فقه الجهاد، وهو المصطلح الإسلامي للحرب والقتال، وينقسم إلى قسمين:

الأول: جهاد الطلب وهو من وسائل الدعوة الإسلامية، يعبد طريقها ويذلل مسالكها، ويزيح العوائق التي تعترض مسيرتها، وهو ماض إلى يوم القيامة، ويأتي في مقدمة أولويات الدولة الإسلامية، ذكر الإمام ”القرطبي” في تفسيره: “فرض على الإمام إغزاء طائفة إلى العدو كل سنة مرة، يخرج معهم بنفسه، أو يولي عليهم من يثق به، ليدعوهم إلى الإسلام ويرغبهم، ويكف أذاهم ويظهر دين الله عليهم»، وذكر “الدمياطي” في “كتاب الجهاد”: «أن ترك الجهاد في جميع السنين، والإعراض عنه، والسكون إلى الدنيا خروج من الدين». وهذا ما قرره القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» (8/152).
ثانيا: جهاد الدفع وهو ما يتطلبه الحال لرد الصائل أو دفع العدوان عن بلاد المسلمين أو مقدراتهم، كما جاء في «الفتاوى الكبرى لابن تيمية» (5/539): “وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب، إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة، وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم”.
وقال القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» (8/152): “إذا تعين الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار، أو بلوغه العقر، فإذا كان ذلك، وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافًا وثقالًا، شبابًا وشيوخًا، كل على قدر طاقته، من كان له أب بغير إذنه، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج، من مقاتل أو مكثر، فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة، حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم، وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضًا الخروج إليهم، فالمسلمون كلهم يد على من سواهم ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلوها لزمهم أيضًا الخروج إليه، حتى يظهر دين الله وتحمى البيضة وتحفظ الحوزة ويخزى العدو، ولا خلاف في هذا”. أ.ه‍

في الكفة الأخرى لم ينجح أحد

ولا يتوقف أمر الدفاع والحماية على المسلمين وحدهم، وإنما ينسحب الحكم نفسه على من عاهدهم، أو دخل في جوارهم، كما حدث مع عمرو بن سالم الخزاعي حليف المسلمين، لما استنجد برسول اللهﷺ ضد قبيلة بكر حليفة قريش، والتي أمدتها وساندتها في مواجهة قبيلة خزاعة، فأجاب رسول اللهﷺ حليفه “المشرك” بقوله: “نصرت يا عمرو بن سالم”، وروى أبو يعلى بسند جيد عن عائشة -رضي الله عنها- قالت : لقد رأيت رسول اللهﷺ غضب مما كان من شأن بني كعب غضبا لم أره غضبه منذ زمان، وقال : لا نصرني الله -تعالى- إن لم أنصر بني كعب” أي خزاعة، وروى عبد الرزاق وغيره عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول اللهﷺ لما بلغه خبر خزاعة قال : “والذي نفسي بيده لأمنعنهم مما أمنع منه نفسي وأهلي وبيتي”.
وقضية الأحلاف معروفة من قديم، وصورها في العصر الحديث متعددة، فكل من تجمعهم مصلحة أو يتخوفون خطرا معينا يتكتلون ضده، كما في حلف وارسو، وصورة حلف الناتو، ولا يوجد للأمة الإسلامية حلف فعال أو تكتل فاعل، يستطيع عمل شيء ملموس على الأرض، ولو كان لرأينا أثرا لذلك خلال الإبادة الجماعية والحصار المفروض بقوة السلاح على غزة وأهلها، وقد أثبت القرٱن الكريم للكفار وحدة الصف وتجمعهم على الباطل “وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ” (التوبة-36)
وبالعودة إلى فقه الميزان نجد ما قرره القرآن، حيث الكفار في كفة واحدة يظهر فيها قتال الكافة، فأمريكا تقود الحرب، وبريطانيا تستطلع من الجو، وألمانيا غواصاتها في البحر، وفرنسا جنودها على الأرض، والهند توفر الإمدادات والمؤن، والقائمة تطول…..، وفي الكفة الأخرى لم ينجح أحد، ولم يتقدم أو يتكتل أحد، مع أن الله وعدهم بمعيته: “واعلموا أن الله مع المتقين” قال الإمام الطبري: «أما {كَافَّةً} فجميعٌ وأمرُكم مُجْتَمِعُ …. “وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ”. فإن معناه: واعْلَموا أيُّها المؤمنون بالله أنكم إن قاتلتم المشركين كافَّةً، واتَّقَيْتُم الله، فأَطَعْتُموه فيما أمركم ونَهاكم، ولم تُخالفوا أمره فتَعْصُوه، كان الله معكم على عدوِّكم وعدوِّه من المشركين، ومَن كان الله معه لم يَغْلِبْه شيءٌ؛ لأن الله مع مَن اتَّقاه، فَخافَه وأطاعَه فيما كَلَّفَه مِن أمره ونهيه» (تفسير الطبري 11/448).
وجاء في حديث الصحيحين: “ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا”. وقد بوب على هذا البخاري في صحيحه فقال: باب: “ذمة المسلمين وجوارهم واحدة يسعى بها أدناهم”.

وعند أحمد وغيره من رواية عمرو بن شعيب: “المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم”. 

قال الإمام الخطابي في الاستذكار: “وقوله (وهم يد على من سواهم) فإن معنى اليد: المعاونة والمظاهرة، إذا استنفروا وجب عليهم النفير، وإذا استنجدوا أنجدوا، ولم يتخلفوا ولم يتخاذلوا”.

الذين يدينون بالقانون

طول معركة طوفان الأقصى، وهمجية العدوان الصهيوني في إهلاك الحرث والنسل، وانتهاج سياسة التركيع بالتجويع، جعل المسؤولية تطول الجميع، وعلى كل واحد منا السعى في فكاك نفسه، حتى لا يبعث يوم القيامة خصيما لهؤلاء المحاصرين، الذين يموتون كمدا، كلما رأوا أولادهم يموتون من عضة الجوع ونقص التغذية، ولنعرض أنفسنا على ميزان رسول اللهﷺ حيث قال: “من مات ولم يغزُ، أو تحدثه نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق” (رواه مسلم).
وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّﷺ قَالَ: “مَنْ لَمْ يَغْزُ، أَوْ يُجَهِّزْ غَازِيًا، أَوْ يَخْلُفْ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ، أَصَابَهُ اللَّهُ بِقَارِعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ” (صحيح أبي داود).

أما الذين يدينون بالقانون ويتحاكمون إلى الدستور، فنضع لهم في الكفة الأخرى، القانون الذي يلزم كل الدول العربية بالتدخل في غزة، ولا يحق لأي دولة أو منظمة دولية أن تمنعهم من التدخل ضد جيش الاحتلال والإبادة، فمنذ 75 عاماً وبالتحديد سنة 1950م وقعت الدول العربية معاهدة الدفاع المشترك بين دول الجامعة العربية، حيث نصت المعاهدة في بندها الأول: “تعتبر الدول المتعاقدة أن أي اعتداء مسلح على أي منها، هو اعتداء على جميع الدول العربية، وتتعهد بالتعاون للدفاع المشترك، ورد العدوان بكل الوسائل الممكنة، بما في ذلك القوة المسلحة”.
هل سيبقى الصمت سيد الموقف، والعجز عنوان المرحلة، التي سيكتب عنها التاريخ بأن أهل غزة تفاقمت أزمتهم حتى بلغت قماش الأكفان، فأصبحوا لا يجدون ما يكفنون به موتاهم؟ ألا ما أثقل الخذلان في الميزان.


الثلاثاء، 13 أبريل 2021

الدين الأمريكي الإبراهيمي الجديد

 الدين الأمريكي الإبراهيمي الجديد

هاني مراد

فعلى المسلمين الحذر من المسميات البرّاقة، مثل: الدين العالمي، أو الدين الإبراهيمي، أو وحدة الأديان، أو الإسلام التنويري، أو تجديد الخطاب الديني، لأن الهدف منها هو هدم الإسلام، وتطبيع الشعوب مع ذلك الكيان الغاصب اللقيط!


لم يكن من قبيل المصادفة أن يسمّي الرئيس الأمريكي السابق "ترامب" التطبيع بين الإمارات والكيان الصهيوني، باسم "الاتفاق الإبراهيمي"!

فلم يعد خافيا أن أمريكا تسعى إلى نشر "الدين الإبراهيمي" بين المسلمين، بهدف تأسيس دولة إبراهيمية فيدرالية جديدة، وقبول الشعوب العربية للتطبيع مع الكيان الصهيوني، بدعوى اتحاد اليهودية والمسيحية والإسلام في الإيمان بأبي الأنبياء!

ويرتكز أدعياء هذا الدين الأمريكي الجديد على دعوى وجود ثلاثة أديان متساوية، وهي اليهودية والمسيحية والإسلام، وأن كل من يؤمن بأي من هذه الأديان الثلاثة، فهو مؤمن يستحق دخول الجنة؛ متناسين أن "الدين عند الله الإسلام"، وأن "من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين"، ومتناسين أن اليهودية والنصرانية ليست إلا شرائع، وأن اليهودية والنصرانية الصحيحة هي الإسلام ذاته، وهي دين الرسل والأنبياء جميعا، قبل نبوة النبي الخاتم. كما يتناسى هؤلاء الأدعياء قوله تعالى: "وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا. قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين."

ويدعو إلى هذا الدين الجديد مؤسسات ومراكز أبحاث أمريكية؛ مثل: "معهد بيس آيلاندز - https://www.peaceislands.org/"، و"المجلس الدولي للمسيحيين واليهود - http://www.iccj.org/"، حيث تعقد هذه المؤسسات مؤتمرات للدعوة إلى هذا الدين الأمريكي الرابع!

وتعتبر "جمعية اللقاء بين الديانات - https://interfaith-encounter.org/en/" أو "آي إي أي" الصــهيونية، هي الداعم الأكبر لهذه الديانة الجديدة، حيث تدعو إلى نبذ الخلاف، وتأسيس الدولة الإبراهيمية الجديدة التي تضم شعوب المنطقة جميعا.

فعلى المسلمين الحذر من المسميات البرّاقة، مثل: الدين العالمي، أو الدين الإبراهيمي، أو وحدة الأديان، أو الإسلام التنويري، أو تجديد الخطاب الديني، لأن الهدف منها هو هدم الإسلام، وتطبيع الشعوب مع ذلك الكيان الغاصب اللقيط!