‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات نبيل البكيري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات نبيل البكيري. إظهار كافة الرسائل

السبت، 4 أبريل 2026

حتى لا نظلّ معشر العرب خارج الحسابات

حتى لا نظلّ معشر العرب خارج الحسابات

نبيل البكيري

نبيل البكيري

كاتب وباحث يمني مهتم بقضايا الفكر 

والفلسفة والاجتماع والتاريخ والسياسة.



من عجائب الحرب الأميركية الإسرائيلية الراهنة على إيران أنّها ربّما قد تكون الوحيدة التي يمكن أن نقول عنها، نحن معشر العرب، إنّ لا ناقةَ لنا فيها ولا جمل، لكنّها في الوقت نفسه الحرب التي قد نكون نحن أكثر الخاسرين فيها، لأنّنا في قلبها ولسنا طرفاً فيها. ومع ذلك، نحن أصحاب النصيب الأكبر من الخسارات الباهظة من أموالنا ومصالحنا وأمننا القومي، بل ومستقبل منطقتنا. وحرب كهذه هي حرب هجينة ومركّبة ومعقّدة، لا نستطيع أن نتنبأ بمآلاتها بالنسبة إلينا معشر العرب، وخصوصاً الأشقاء في دول مجلس التعاون الخليجي الذين تعرّضوا للنصيب الأكبر من ضربات إيران وصواريخها ومسيّراتها، ويتضح أنّ لدى طهران استراتيجية واضحة تجاه جيرانها العرب تعتبرهم عدوّاً لها قبل أن تكون إسرائيل هي العدوّ. تفصح عن ذلك تصرّفاتها في هذه الحرب التي نال العرب النصيب الأكبر من نيرانها. فعلى مدى ما يقارب شهراً، تتعرّض دول الخليج العربي لهذه الضربات، وهي التي أعلنت مراراً وتكراراً عدم السماح باستخدام أراضيها لأيّ هجوم على إيران، وترفض هذه الدول الحرب منذ بدايتها، وتدعم خيار الحلّ السياسي السلمي لأيّ خلاف بين أميركا وإيران. مع ذلك، لم يقتنع الإيرانيون، وجعلوا من الخليج هدفاً مشروعاً لضرباتهم، رغم خروج بعض مسؤوليهم (الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عراقجي) للاعتذار والوعد بعدم التكرار.

السؤال المركزي هنا: لماذا يدفع العرب ثمن هذه الحرب ويكتوون بنارها وهم ليسوا طرفاً فيها، وهي لا تعنيهم؟ وإلى متى سيظلّ العالم العربي مستباحاً؟ وما هو الهدف الأميركي من هذه الحرب، وهي الحليف الاستراتيجي لدول الخليج، ما يحتم عليها ألا تتخذ قراراً مصيرياً واستراتيجياً بالحرب إلا بالتشاور والعودة إلى حلفائها في المنطقة؟... قبل هذا كلّه، ندرك حجم التباين الكبير غربياً حول هذه الحرب على الصعيدَين الأوروبي، الرافض تماماً للانخراط فيها، والأميركي الرافض في معظمه لها، وهي الموصوفة لديه بأنّها حرب نتنياهو الذي ورّط ترامب فيها. لكن أيضاً لا يمكن أن يحجب عنا هذا الانقسام، وذاك الرفض، أنّ ثمّة أهدافاً استراتيجيةً لصنّاع القرار يلجؤون إليها، متجاوزين بذلك أحياناً حتى المؤسّسات التشريعية، كما فعل ترامب، الذي يرى في هذه الحرب صفقةً تجاريةً مُغرية بعد غزّة وفنزويلا.

بالعودة إلى السؤال، الإجابة باختصار: لأنّ العرب ربّما لم يفكّروا يوماً بالوصول إلى هذه اللحظة بتفاصيلها، ولم يضعوها ضمن استراتيجياتهم المستقبلية وكيفية مواجهتها وطنياً، ولهذا رأينا حالة الارتباك والحيرة الكبيرة التي تحاصر الجميع. ومع ذلك كشفت لنا هذه الحرب إيجابيات أخرى كان يفترض أن تكون ضمن مصفوفة الاستراتيجيات العليا للمنطقة كلّها، وهو ما تمثّل بالقدرات الدفاعية الذاتية لهذه الدول التي أثبتت قدراً من التفوّق الدفاعي، ويجب تطويرها بمعزل عن أيّ تحالفات أخرى، فضلاً عن أهمية إعادة تقييم استراتيجي شامل لأمن المنطقة ومهدّداتها، فالحرب ليست مجرّد تراشق بالصواريخ والمسيّرات فحسب، بل هي، قبل هذا كلّه، رؤية وسردية، وحينما يُغيب (أو يُغيّب) منك هذا كلّه، فماذا عساك أن تفعل سوى الانتظار المُحيِّر الذي يجعلك تنزف بصمت ولا تعرف علاجاً لذلك؟ والمسألة هنا ليست مجرّد توصيف لفظي ومجازي للأزمة وتعقيداتها، بقدر ما هي واقع محيّر فعلاً، وقد أثبت صناع القرار في الخليج قدرة كبيرة على الاحتمال والصبر الاستراتيجي، لكن في حال طالت الحرب، فلا يمكن لأحد التنبؤ بمآلاتها.

استقرار اليمن وإعادة شرعيته من أهم الخطوات في معالجة الخلل الأمني الحاصل لمنظومة أمن الجزيرة العربية كلّها

الخليج العربي اليوم، في معظم دوله، يمثّل نموذجاً تنموياً واقتصادياً ناجحاً جدّاً، وهو النموذج الذي لا يشابهه نموذجٌ آخر، لا شرقاً ولا غرباً، وهو إلى جانب هذا كلّه يقف اليوم تنموياً منافساً، بل متفوّقاً حتى على بعض الدول المتقدّمة فيما يتعلّق بالتحديث والأتمتة، وتدفّقات الطاقة من نفط وغاز وأسمدة وهيدروجين أخضر وألمنيوم وحديد، وكلّ ما له علاقة بعجلة التنمية حول العالم اليوم. فإذا كان نصيب الخليج وحده اليوم من إنتاج النفط العالمي ما يُقدّر بـ31% من السوق العالمية، أي الثلث، وكذلك 17% من الغاز، فنحن أمام أهم مصدر للطاقة في العالم، والأسهل استخراجاً ورخصاً ونقلاً، ما يعطيه أولويةً قصوى في سوق الطلب العالمي. كما هو الحال بالنسبة إلى الأسمدة التي ينتج منها الخليج ما يُقدّر بـ45% من الإنتاج العالمي، وكذلك ما يُقدّر بـ9% من الألمنيوم والحديد، هذا عدا عن مصادر الطاقة المتجدّدة كالرياح والشمس التي بدأ الاتجاه للاستثمار فيها بشكل كبير خليجياً، ما يجعل الخليج اليوم في مقدّمة منظومة الأمن الدولي.

لكن ما شاهدناه خلال هذه الحرب كان بعكس ذلك، إذ يدفع صانعا القرارين الأميركي والإسرائيلي، على حدّ سواء، العالم كلّه إلى أزمة عالمية طاحنة، ستكون سلاسل التوريد للطاقة والتجارة والأسمدة هي الهدف الأول لها، ما يشعل أسعار الطاقة حول العالم، ويدخل العالم في أزمة اقتصادية كبرى. وبرغم الخطورة التي بات يمثّلها الخليج في المعادلة الأمنية الدولية، إلا أنّه ظلّ بلا منظومة أمنية خاصّة به، يمكنها الاعتماد على قدراتها وإمكاناتها الخاصّة، لتشكّل مظلّةً أمنيةً متقدّمةً تضمّ في إطارها شعوب المنطقة، مستفيدةً من وجود اليمن ضمن هذه المنظومة الأمنية بموقعه الاستراتيجي عند باب المندب، وبثرواته البشرية الهائلة والمتسرّبة حول العالم أو التي توّظّفها اليوم قوى عدوة للخليج والعرب عموماً.

استقرار اليمن وإعادة شرعيته من أهم الخطوات في معالجة الخلل الأمني الحاصل لمنظومة أمن الجزيرة العربية كلّها، ذلك الخلل المتمثّل بالاتكاء على قواعد عسكرية أجنبية مكلفة، أثبتت هذه الحرب أنها عبء كبير على هذه الدول، وأنّ قدرات هذه الدول التسليحية تؤدي أداءً أفضل من هذه القواعد العسكرية بكثير. أمّا تفسير لماذا يخسر العرب في حرب ليست حربهم، فلا تفسير سوى أنّ لهذه الحرب أهدافاً مخفيّة للأطراف المتحاربة (إيران وإسرائيل وأميركا)، وأبرزها ربّما ضرب هذا النموذج الخليجي، وعدم السماح له بتقديم نموذج جذّاب، تنموياً على الأقلّ، فهو في الأخير نموذج سيُحسب لهذه المنطقة، ما يعني أنها منطقة لديها من الإمكانات والقدرات والفرص الكثيرة للنهوض متى ما تحقّق لقيادتها فرص الاستقرار والعمل.

البقاء من غير مشروع معناه أن تظلّ المنطقة العربية في دائرة الخطر ومشاريع الهيمنة

هذا فيما يتعلّق بالملفّ التنموي الكفيل بالنهوض بالمنطقة العربية كلّها، أمّا الأخطر فهو ما يتعلّق بحرب السرديات الدينية التي هي في قلب هذه الحرب، شئنا أم أبينا، السردية الصهيونية المسيحية ونظرية إسرائيل الكبرى أو السردية الشيعية الإيرانية ونظرية أمّ القرى ومظلومياتها، أو السردية المسيحية الصهيونية، وهذه السرديات كلّها حاكمة لكثير من سياسات هذه البلدان، وهو ما يحكم كثيراً من تفاصيل الصراع الدائرة في هذه الحرب، التي نحن العرب فيها الطريدة الأخيرة التي تنتظر مصيرها على يد المنتصر فيها. لهذا كلّه، فإنّ هذه الحرب، التي لا تزال في بدايتها، تطرح حقيقةً لا يمكن الهروب منها، وهي أنّ العرب سيظلّون خارج الفاعلية والتأثير في المعادلة الدولية حتى يؤمنوا بقدراتهم ومكانتهم وموقعهم وإمكاناتهم التي يفتقر إليها الآخرون، وأنّ هذا المشروع يتطلّب رؤيةً واضحةً، وإعادة تعريف الدور العربي في هذه اللحظة التاريخية ومصير بلدانهم وأمّتهم في المستقبل، وقد تفوق مشتركات العرب مشتركات الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، وكلّ الاتحادات في العالم.

غير ذلك، أي: البقاء من غير مشروع، فمعناه أن تظلّ المنطقة العربية، وفي قلبها الخليج العربي، في دائرة الخطر والاستهداف الدائم لمشاريع الهيمنة على المنطقة الطامعة في مقدرات الخليج، وفي واجهة هذه المشاريع المشروع الصهيوني، وخاصّةً إذا ما تمكّن من هزيمة إيران وضرب مشروعها في هذه الحرب، وهو ما لا يمكن التنبّؤ به، لما تتمتّع به إيران من ممانعة كبيرة، ولامتلاكها مشروعاً عملت عليه طويلاً، عدا أنّه لا فرقَ كبيراً بالنسبة إلى مصير المنطقة أيّاً كان المنتصر في هذه الحرب.

خسارة العرب في حرب ليسوا طرفاً فيها كارثة كبيرة، تتطلّب أن يجتمع العرب أولاً، وخصوصاً في مجلس التعاون الخليجي، ويضعوا رؤيةً استراتيجيةً أمنيةً موحّدة، وألا يسمحوا بأيّ نقاش يتم على طاولة أيّ مفاوضات سلام ممكنة، إلا ويكونوا حاضرين فيها طرفاً متضرّراً أمنياً واقتصادياً، وأنّ أيّ اتفاق يجب أن يكون لهم فيه القول الفصل. وفي مقدّمة ذلك كلّه أمن الخليج، وفي قلبه مضيق هرمز الذي يجب أن يبقى ممرّاً عالمياً مفتوحاً وغير خاضع لأيّ طرف كان، كما ظلّ عبر التاريخ.

الخميس، 3 أغسطس 2017

الأزمة الخليجية وتداعياتها على الحرب في اليمن


الأزمة الخليجية وتداعياتها على الحرب في اليمن  
نبيل البكيري

احتلت المملكة العربية السعودية مكانة سياسية كبيرة منذ لحظة تأسيسها الثالثة عام 1932، كواحدة من أهم الدول العربية والإقليمية تأثيراً في المجال السياسي الإقليمي والدولي على امتداد المرحلة السابقة،، باعتبار مكانتها الدينية ومساحتها المترامية الأطراف وثقلها الاقتصادي الكبير، وحضورها السياسي في كثير من ملفات المنطقة غير المستقرة.
ومثلت السعودية بذلك واحدة من أهم دعائم معادلة التوازن الإقليمي إلى جانب العراق ومصر وسوريا، مقابل كل من إيران وتركيا وإسرائيل.
وبانهيار كل من العراق وسوريا، وتضعضع مصر وتراجع دورها وتأثيرها الإقليمي؛ بقيت السعودية وحيدة في معادلة مختلة لصالح خصومها، خاصة إيران التي تمددت في فراغ جيوسياسي هائل، ابتداء ببغداد ومرورا بدمشق وبيروت والقاهرةووصولاً إلى صنعاء، العمق الإستراتيجي الجنوبي للسعودية والخليج عموماً.
بانهيار كل من العراق وسوريا، وتضعضع مصر وتراجع دورها وتأثيرها الإقليمي؛ بقيت السعودية وحيدة في معادلة مختلة لصالح خصومها، خاصة إيران التي تمددت في فراغ جيوسياسي هائل، ابتداء ببغداد ومرورا بدمشق وبيروت والقاهرة ووصولاً إلى صنعاء، العمق الإستراتيجي الجنوبي للسعودية والخليج عموما

ومن هنا جاء الموقف السعودي مندفعا لتشكيل التحالف العربي في يوم 26 مارس/آذار 2015 والإعلان عن إطلاق عاصفة الحزم، لمواجهة المد الإيراني واستعادة الشرعية اليمنية المنقلب عليها في 21 سبتمبر/أيلول 2014 من قبل مليشيات تابعة لإيران، تتمثل في جماعة الحوثي وقوات الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح.
لكن هذا الموقف السعودي تأخر كثيراً -بحسب المراقبين- نظرا لمدى تغول إيران، وتعاظم نفوذها الذي توجته بحكمها لكل من بغداد ودمشق وبيروتت وصنعاء مباشرة، عدا عن تراجع القاهرة وانكفائها على نفسها بعد الانقلابب المدعوم خليجيا على رئيس منتخب شرعيا (محمد مرسي).
بيد أن إطلاق عاصفة الحزم وتشكيل التحالف العربي كان فرصة كبيرة لتعيد السعودية ترتيب أوراقها، وتتدارك ما يمكن تداركه قبل فوات الأوان، خاصة أن السعودية واقعة ضمن محيط مضطرب ومشتعل، وكل القوى الرئيسية الفاعلة فيه عقيدتها القتالية المليشيوية قائمة على استهداف السعودية وتهديد وجودها السياسي والتاريخي.
جاءت تشكيل التحالف ليمثّل أول حالة إجماع خليجي باستثناء سلطنة عُمان التي بقيت على حياد بين طرفي الأزمة، لكن هذا الإجماع ما لبث أن تصدعع مجددا بسبب الأزمة الخليجية الراهنة بين قطر والسعودية والإماراتت والبحرين، وهي الأزمة التي لم يتضح لها سبب رئيسي معلن حتى اللحظة.
لكن نتائج هذه الأزمة كانت كارثية ليس على المنظومة الخليجية فحسب، وإنما بدرجة رئيسية على مستقبل المنطقة المرهونة كلها بما سيتحقق في معركة اليمن المصيرية، التي سيتبين من خلال نتائجهاا  مستقبل المنطقة كلها سلبا أو إيجابا.
ويبدو حتى اللحظة أن تداعيات الأزمة الخليجية ستكون كبيرة على سير هذه الحرب، وانعكاساتها سلبية على اليمن وقضيته المركزية المتعلقة بتغول النفوذ الإيراني فيه، وتشكيله تهديدا وجوديا لكل المنطقة.
عمق الأزمة الخليجيةتفجرت الأزمة الخليجية في 5 يونيو/حزيران الماضي إثر قطع كل من السعودية والإمارات والبحرين علاقاتها مع قطر، وفرضها ما يشبه حصاراً اقتصاديا عليها وعلى شركاتها الجوية والبحرية.
جاءت الأزمة الخليجية خطوة مفاجئة ومربكة لجهود التحالف العربي في اليمن الذي انضمت له قطر بكل ثقلها، تاركة الملف اليمني تماما للسعودية منذ وقت مبكر حتى قبل انطلاق عاصفة الحزم بكثير، وذلك بعد التوقيع على "المبادرة الخليجية" التي انسحبت منها قطر حينها.
يتجلى عمق الأزمة الخليجية في إرادة إسكات كل ما له علاقة بثورات الربيع العربي، وكل من يذكّر النُّخب الخليجية الحاكمة بهذه الثورات، وهو ما يصور لهم أن قطر وقناة الجزيرة سبب رئيسي لتلك الثورات، في تسطيح مخلٍّ لأسبابها المتمثلة في الظلم والقهر والاستبداد السياسي، وغياب المواطنة المتساوية

هذا الخلاف الخليجي/الخليجي يمثل آخر مرحلة تفكك لكيان عربي أخير، بعد انهيار ليس فقط الكيانات العربية الأخرى بل وانهيار منظومة الدولة العربية القُطرية في العراق وسوريا وليبيا واليمن، كأبسط تجلٍّ للدولة في القاموسس  السياسي العربي في فترة ما بعد الاستعمار.
وانهيار الدولة في كل من العراق وسوريا واليمن تحديدا يمثل خسارة كبيرة لآخر الكيانات الوطنية العربية في الخليج العربي دولا واتحاداً، بالنظر إلى حداثة فكرة الدولة في هذه المجتمعات التي لا تزال تُحكم بمفهوم القبيلة والعشيرة والأسرة الحاكمة لا بمفهوم الدولة ومؤسساتها، مما يضع مستقبل المنطقة كلها على حافة الهوية والتفتيت.
قد يقول البعض إن الفائض النفطي والمالي -الذي تمتلكه هذه المجتمعات- سيظل يحمي حالة الاستقرار السياسي النسبي فيها، لكن مثل هذا القول لم يعد واقعيا بعد أن سقط أمام أول اختبار حقيقي مع بداية ثورات الربيع العربي، الذي بدأت أولى بوادره في كل من البحرين وسلطنة عمان، وما لبث أن تداركته الحكومات بوسائل مختلفة.
وكان من تلك الوسائل القمعُ الذي تم تصديره تحت مسميات عدة ومثل تجليا واضحا للثورة المضادة التي مولتها هذه البلدان مخافة انتقال العدوى إليها، فموّلت وخططت للانقلاب في مصر واليمن، وساهمت في جر الثورة في كل من سوريا وليبيا نحو الفوضى والاقتتال.
ومن هذا المنطق وحده يمكن اليوم تفسير عمق الأزمة الخليجية، ذلك العمق المتعلق بإرادة إسكات كل ما له علاقة بثورات الربيع العربي، وكل من يذكّر النُّخب الخليجية الحاكمة بهذه الثورات، وهو ما يصور لهم أن قطر وقناة الجزيرة سبب رئيسي لتلك الثورات، في تسطيح مخلٍّ لأسبابها المتمثلة فيي  الظلم والقهر والاستبداد السياسي، وغياب الدولة والمواطنة المتساوية.
التداعيات المحتملة يمنياًدخلت الحرب في اليمن ضد الانقلابيين المدعومين إيرانيا عامها الثالث على التوالي، دون أن تعود الشرعية للعاصمة صنعاء أو يسقط الانقلاب المسيطر عليها بعدُ رغم الخسائر الكبيرة التي مُني بها الانقلابيون، فصحيح أن الشرعية أصبحت أكثر تنظيما عسكريا وماليا أفضل من السابق، لكنها أيضاً لم تقم بشيء يتناسب وحجم التحديات التي تواجهها، وتتهدد وحدة اليمن وأمنه واستقراره ونظامه الجمهوري التعددي.
هذه المفردات الثلاث: الجمهورية والديمقراطية والوحدة، تعتبر اليوم ثوابت لا يمكن الاقتراب منها، بل هي أساس الخلاف الجوهري مع الانقلابيين، وهي بالمقابل ثوابت قد لا يراها بعض الأطراف في التحالف كذلك باعتبارها مفردات "ربيعية"، وهو ما زاد الفجوة بين الطرفين التحالف والشرعية، وسعي أطراف في التحالف كالإمارات إلى الاشتغال بضد هذه الثوابت الوطنية اليمنية.
وهو ما انعكس خلافا حاداً وواضحا مع رئيس الجمهورية، وكذلك مع أطراف رئيسية فاعلة في الساحة كالتيار الإسلامي، وهو ما أدى إلى تباينات كبيرة وواضحة بين التحالف والحكومة الشرعية، التي تعاني من تراجع شعبيتها وخاصة بمناطق وجودها المحررة، بسبب تضارب الصلاحيات وازدواجيتها مع قوات شكلتها الإمارات، ولا علاقة لها بالحكومة اليمنية الشرعية.
وهكذا ألقت الأزمة الخليجية بظلالها على سير الحرب في اليمن وعلى أداء الحكومة الشرعية بشكل كبير، وهو ما أدى -في نفس الوقت- إلى تجميد مشاركة قطر في هذه الحرب، وتراجع أداء وحماس كل من القوات السودانية والمغربية لموقف حكوماتهم المحايد في الأزمة الخليجية، مما سينعكس سلبا على سير المعارك والحرب في اليمن عموماً، هذا عدا عن تأثير قطع العلاقات اليمنية القطرية اتباعا للموقف السعودي الإماراتي، رغم ما كانت تقدمه قطر من دعم للحكومة اليمنية وخاصة ميزانية وزارة الخارجية اليمنية.
أضف لذلك أيضاً حالة التباين الكبير في المواقف بين القوى الوطنية على الأرض، والتي تعاني من حالة استقطاب حاد بين طرفيْ الأزمة الخليجية، وإن حتى على مستوى النخبة السياسية التي كانت تعول كثيراً على وحدة الموقف الخليجي للخروج من المأزق اليمني الراهن.
لكن مثل هذا الوضع بدأ يتراجع بل أوجد فجوة كبيرة وإن على مستوى محدود حتى اللحظة، لكن تبقى الإشكالية أن ثمة حالة استقطاب يتم الاشتغال عليها من قبل البعض للاستثمار فيها ضد خصمه السياسي.
والأخطر من ذلك كله هو الموقف غير المعلن حتى الآن رسميا من قبل التحالف بقيادة السعودية، فيما يتعلق بموقفهم مما يفترض أنهم شركاؤهم في هذه المعركة المصيرية والوجودية مع إيران، وهم الإسلاميون كحزب التجمع اليمني للإصلاح والأحزاب السلفية المؤيدة للشرعية كحزب الرشاد السلفي، الذي أدرِج أمينه العام في قائمة غير المرضي عنهم، وحزب النهضة.
خطورة الأزمة الخليجية اليوم تكمن في أنها وضعت أقوى شركاء وحلفاء السعودية داخل اليمن في مأزق صعب، وحشرتهم في زاوية ضيقة، خاصة أنهم وُضعوا في قائمة مطالب دول الحصار باعتبارهم مطلوبا التخلص منهم. وهكذا تكون السعودية قد جردت نفسها من أقوى حلفائها، ودفعت بهم للارتماء في المجهول

وغيرها من الجماعات التي تضعها دولة الإمارات على قائمة أعدائها، وهو ما سينعكس سلبيا على العلاقة غير الواضحة حاليا بين هذه الأطراف والتحالف العربي بقيادة السعودية، التي لم تعلن -حتى الآن- موقفا واضحا من هذه الأطراف كما فعلت الإمارات.
خطورة الأزمة الخليجية اليوم تكمن في أنها وضعت أقوى شركاء وحلفاء السعودية داخل اليمن في مأزق صعب، وحشرتهم في زاوية ضيقة، خاصة أنهم وُضعوا في قائمة مطالب دول الحصار باعتبارهم مطلوبا التخلص منهم. وهكذا تكون السعودية قد جردت نفسها من أقوى حلفائها، ودفعت بهم للارتماء في مجاهيل ومتاهات هذه اللحظة السياسية الأكثر تعقيدا في تاريخ المنطقة كلها.
ومن تداعيات هذه الأزمة على الوضع اليمني ظهورُ الأهداف غير المعلنة من مشاركة بعض أطراف التحالف في هذه الحرب، وذلك بتبلور موضوع الثورة المضادة بأوضح صورة، وأن ما يجري في اليمن لا يخرج عن سياق مسيرة الثورة المضادة، وإن دخلت تحت شعارات التخلص من الانقلاب ومواجهة المد الإيراني.
فالمراقبون والمتابعون للشأن اليمني يدركون بوضوح نبرة الحنين المخطط له إلى استعادة النظام السابق، بإعادة ترميمه والدفع به مجددا إلى واجهة المشهد السياسي، وذلك من زاوية الحديث عن فشل المسار العسكري، وضرورة العودة لمسار الحوار وهندسة المشهد، بحيث يدفع بالنظام السابق -وإن اختلفت شخوصه الرئيسية- كمنقذين لليمن تحت ذريعة الخوف من الإسلاميين وعدم تمكينهم، والتمهيد لإزاحتهم بشيطنتهم بتهم الإرهاب مرة والفشل مرة أخرى.
خاتماً، ستكون للأزمة الخليجية انعكاسات خطيرة على الوضع والحرب في اليمن وعلى المنطقة كلها، وهو ما يتطلب أن يسعى الإخوة في الخليج للخروج من هذا المأزق الخطير الذي يقود المنطقة كلها نحو المجهول، وشبح تكرار المشهد العراقي/الكويتي يلوح في الأفق.
ويتطلب الأمر موقفا عقلانيا من القيادة السعودية التي هي قائدة المنطقة كلها، وهي الأقدر على احتواء هذه الأزمة بالحوار والتفاهمات بعيدا عن الانحياز لأي طرف، خاصة في ظل ما تشهده المنطقة من انهيار لمنظومة الدولة الوطنية في العراق وسوريا وليبيا واليمن. وهو انهيار يهدد المنطقة العربية كلها وفي مقدمتها منطقة الخليج أخرى مناطق الاستقرار العربي الراهن، والحبلى بالتناقضات والفوضى المذهبية والطائفية.
ليس هذا فحسب ما ينتظر المنطقة؛ بل إن تعقيدات المصالح الدولية في منطقة الخليج سيمثل بيئة خصبة لانفجار أزمة دولية، قد تقود لحرب كبرى بين القوى الدولية التي لن تخسر شيئا ما دامت هذا الحرب خارج حدودها وعلى أراض عربية، على منوال الحرب والاقتتال الدائر اليوم في العراق وسوريا وليبيا واليمن.
هذا مع فارق أن منطقة الخليج سيشملها -لا قدر الله- الكثير من الخراب والاقتتال الذي نتمنى ألا تصل إليه الأمور، لما سيكون له من تأثير كارثي على كل العرب والمسلمين والعالم، بل نتمنى صحوة العقلاء في الخليج للملمة الشمل والعودة إلى الحوار الأخوي المسؤول.