الثلاثاء، 10 نوفمبر 2020

جريمة إقصاء الشريعة

جريمة إقصاء الشريعة

ناصحون
تنحية شريعة الله عن الحكم كان مطلبا فوريا وعلى عجل قام به الاحتلال الصليبي الغربي لبلاد المسلمين ونفّذه بيده وبيد أذنابه من الأقليات النصرانية والنخبة العلمانية من أبنائنا..!

مقدمة

عادة ما يسير الأعداء وفق خطط مدروسة للنيل من أمة الإسلام، وفي هذه المرة كان الصيد ثميناً، فقد تمكنوا من تنحية الشريعة من حياة الناس العملية، وحاصروها من الناحية العلمية قدر المستطاع؛ حتى وصل الأمر إلى ما وصل إليه من التلويح بالسيف لكل من يريد إعادة الشريعة إلى مكانتها، كل ذلك تم عبر تاريخ بدأ به نابليون ثم ازداد بمؤامرات الاستعمار وأذنابه.

خطوات نقل الأحكام الوضعية إلى بلاد المسلمين

في سنة (1882م) أقصيت الشريعة الإسلامية عن بلد مسلم له الصدارة بين البلاد العربية ألا وهو مصر، وفي ظني أن المسلمين أو الكثير منهم لا يعرفون هذا التاريخ؛ لأنه عام مأساة، فلقد نجح الكفار بعد جهد طويل في تحقيق هدف من أهدافهم الكبيرة ألا وهو إبعاد الرابطة الإسلامية التي تجمع المسلمين وتوحد كلمتهم، وتربط فيما بينهم، الشريعة التي أنزلها الله سبحانه وتعالى لتكون ذكراً لنا ومجداً وعزاً.

لم تحدث هذه الجريمة من قبل في تاريخ الإسلام بهذه الصورة أبداً، فلقد كان بعض حكام المسلمين يتفلتون من الشريعة في بعض الأحيان، لكن أن تأتي دولة فتلقي بالشريعة في سلة المهملات، وتستبدل بها قوانين وضَعها البشر، وتقول لخالق البشر رب العزة سبحانه وتعالى أن حكمك لا يصلح لمجتمعاتنا، ولا لقرننا، ولا لحضارتنا، إنما الذي يصلح هو حكم “نابليون”، وقضاء وفقه “لمبير”، وما وضعه الدكتور “السنهوري”؛ لم يحدث هذا في تاريخ المسلمين أبداً.

ذكر ابن تيمية رحمه الله أن بعض حكام المسلمين كانوا يخرجون عن بعض أحكام الشريعة الإسلامية في بعض الجزئيات، ويسمون هذا بالسياسة، ولكن ما كانوا يجرءون أن يقولوا أنهم يتبعون قانوناً أو تشريعاً غير تشريع الله.

محاولة التتار حكم المسلمين بقانون الياسق

حدث مَرة واحدة أن حاول أعداء الإسلام أن يغيّروا قانون المسلمين في ديار الإسلام، ذلكم عندما اجتاحت جحافل التتار ديار المسلمين، وقضت على مركز الخلافة في بغداد سنة (656هـ)، وكان التتار يتحاكمون إلى قانون سموه بـ (الياسق)، كما يذكر ذلك المقريزي وابن كثير، وهو قانون كانوا يتحاكمون إليه، وقد نقل ابن كثير في كتابه البداية والنهاية جملة من أحكام ذلك القانون، وهو قانون ظالم أخذه هولاكو من اليهودية والنصرانية والإسلام وما تبدى له من آراء.

وحاول أن يفرض ذلك القانون على الأمة الإسلامية فما وجد عندها قبولاً، ولم يمض فترة طويلة من الزمان حتى داس التتار قانونهم بأرجلهم، وأخذوا شريعة الإسلام، وتغيرت وثنيتهم ليصبحوا جنداً من جند الإسلام، فالذين جاءوا ليحكموا بالياسق رفضوه، وإذا بدين المغلوبين يغلبهم ويأسرهم، وإذا بهم يتحولون إلى جيوش جرارة تقاتل لحساب الإسلام.

محاولة نابليون فرض قانونه على المسلمين

تبدأ قصتنا مع القوانين الوضعية في العصر الحديث، وما سأذكره لكم هو عن دراسة لم تلجئني إليها هذه المحاضرة، وإنما هي دراسة بدأت بها منذ وقت، تتبعت فيها خطوط الجريمة النكراء التي أصيب بها المسلمون في عصرنا، فوجدتها بدأت في القرن الماضي، وبالتحديد في سنة (1798 – 1799م)، عندما اجتاحت جيوش نابليون بونابرت مصر، وأراد أن يمكّن للفرنسيين والصليبيين في دار الإسلام، وبدأ يضع الخطوط الأولى للمؤامرة في مصر، ولكن ما قابلَه من مواجهة في مصر وبلاد الشام، ثم تكتل الدول الكبرى كبريطانيا وغيرها ضده، لم يمكنه من أن يتابع أو ينفذ المخطط الذي في رأسه، ولكن المخطط كان قد اتفقت عليه الدول الكبرى، ومن يقرأ الوصية التي تُعرف بوصية “بطرس الأكبر” في روسيا يرى المخطط الذي ينفذ في أيامنا واضحاً في وصيته.

إلى سنة (1857م) كانت الأحكام الشرعية لا تزال تنفذ في القارة الهندية على الرغم من احتلال بريطانيا للهند قبل ذلك بفترة، وكانت بريطانيا تلغي الأحكام الشرعية واحداً واحداً، حتى استطاعت طمس الشريعة في سنة (1857م) كما يذكر ذلك العلامة “أبو الأعلى المودودي” رحمه الله في حاشيته على كتاب القانون الإسلامي وطرق تنفيذه.

المحاكم المختلطة وأثرها في بداية تغيير حكم الشريعة في مصر

في سنة (1867م) كانت هناك مفاوضات تجري بين مصر، ويمثلها وزير خارجيتها في ذلك الوقت ـ وهو نصراني، واسمه “نوبار باشا” ـ وبين الدول الكبرى حول الخلخلة التي سوف تجري في القضاء في مصر بسبب تدخل قناصل الدول الكبرى فيما يجري من أحكام تخص رعاياهم، ثم كانت النتيجة أن اتفقت تلك الدول مع مصر على إنشاء المحاكم المختلطة، والمحاكم المختلطة مكونة من مجموعة من القضاة ثلاثة منهم من غير المسلمين، واثنان من المصريين، وقد يكونون من المسلمين وقد يكونون من الأقباط، وكلف “نوبار باشا” محامياً نصرانياً فرنسياً بأن يضع له قانوناً للمحاكم المختلطة، فنقل القانون الفرنسي الذي وضع في سنة (1804م) من قِبل نابليون ليحكم به فرنسا، نقله بنصه ليكون حكماً في رقاب المسلمين، وأقر في سنة (1873م) أن هذا القانون يحكم به في القضايا التي يكون فيها علاقة بين مصر وغير مصر، وكانت تلك خطوة.

وفي سنة (1883م) نُقل قانون المحاكم المختلطة إلى ما سمي بالمحاكم النظامية التي حكمت مصر من ذلك اليوم وإلى يومنا هذا، وجعلت تلك القوانين والأحكام التي وضعت للحكم في فرنسا للمحاكم المختلطة سنة (1875م)، ثم بعد ذلك عُممت ليحكم بها في سنة (1883م) في جزء من القُطر المصري، وما بين عام (83 و 89) عُممت على جميع القطر المصري، وقام ضدها علماء المسلمين، وصرخوا وصرخ معهم الناس، ولكن كانت بريطانيا قد دخلت بعد أن واجهها عرابي واحتلت مصر في (سنة 1882)، وأقرت تلك القوانين.

وابتدأ الكفار يقطفون ثمار تخطيط طويل منذ ذلك الوقت، وأخذت تنحصر وتضيق الأحكام الشرعية على الأحوال الشخصية: الزواج، والطلاق، والميراث.

قادة تغيير الحكم بالشريعة

أخذ الكفار أبناءنا وعلموهم فأفسدوهم، وجاءوا بهم باحثين في جامعاتنا ومدارسنا، مادة واحدة أو مادتين تدرس في كلية الحقوق، ثم يتخرج من كلية الحقوق أبناء المسلمين وأبناء النصارى، ويدرس فيها أناس أوروبيون، أو نصارى بل يدرّس فيها كل من هب ودب؛ لأن هذا ليس شريعة إسلامية بل قانون وضعي، وأُشرب أبناء المسلمين حب هذه القوانين، وصارت فقهاً وتشريعاً، وصار الإنسان لا يؤلمه قلبه عندما يدرس هذه القوانين، ولا يتألم عندما يحكم بها ويتحاكم إليها.

في البداية نحن الآن أصبحت لدينا نغمة إسلامية، يقول لك: يا أخي التدرج، وهذا كلام قد يكون له نصيب من الصحة، لكن بالله عليكم الكفار عندما سنحت لهم الفرصة هل تدرجوا..؟ لا، بل في سنوات قليلة في قُطر مثل مصر يُنقل من حكم الشريعة الإسلامية إلى الحكم بالقوانين الوضعية.

مَن الذي يضع القوانين..؟

يضعها الكفار بأيديهم؛ لأنهم لم يكن لديهم رجال فقهاء بالقانون الفرنسي مثلما أصبح في أيامنا هذه، فكان أول قانون وضعه “مانوري أفغانسي”، وهو محام كان موجوداً في مصر، ولا يعرف اللغة العربية، وكما يقول سنهوري وغيره:

“رجال القانون المصريون مسخوا القانون الفرنسي”.

يعني لم يتركوه على ما هو عليه. ثم بعدما وضع المحامي القانون لمصر ترجم، وكتب على النسخة العربية بعد الترجمة على أنه النسخة الأصلية، انظر إلى الضحك على العقول..! فهم وضعوا القانون الفرنسي وترجموه، وبعدما ترجموه إلى العربية كتبوا على النسخة العربية أن هذه هي النسخة الأصلية، والنسخة الفرنسية هي المترجمة، واللغة العربية هي الأصل؛ وهذا كذب.

وهذا أيضاً حدث في القانون العراقي الجنائي، فقد كان مكتوباً باللغة الإنجليزية ثم ترجم إلى العربية، وكتب على النسخة المترجمة أنها هي الأصل..! وهذا كذب ودجل يُصنع كلما غيرت هذه القوانين وبدلت.

وفي سنة (1883م) أتى إيطالي اسمه “مرندو”؛ فجلب قانون المحاكم المختلطة بعد أن ظهرت عيوب القانون الفرنسي، وزاد الإجرام، وزادت الفظائع والزنا والفساد، فبدءوا يفكرون في التغيير، وكلما كان يفكر في التغيير يؤتَى بلجان كافرة لا تفعل سوى أن تعيدنا مرة أخرى إلى القوانين التي يُحكَم بها في أوروبا.

أقرأ عليكم بعض أسماء الذين قادوا حركة التغيير القانوني حتى نعرف حجم المصيبة التي أصابت هذه الأمة، وقد أرادوا أن يجعلوا القانون متقاربا مع الأوضاع في مصر، وشكَّل مجلس الوزراء المصري في ذلك الوقت لجنة لتعديل القانون مكونة من “صليب سامي باشا” و”مسيولينان ديبلهون”، وهو ليس مصرياً فقط، ولكنه لا يعرف اللغة العربية، ومستر “مري جريهان”، ومسيو لنناد ديفي”، ومسيو ”ألفرد وصبولي”، هذه لجنة تعديل القانون للأمة المصرية..! ثم غُيّرت هذه اللجنة بلجنة أخرى فيها نفس الأسماء وأسماء أخرى كلهم على نفس النمط.

وفي سنة (1938م) أسندوا وضع القوانين لاثنين؛ واحد من كبار رجال القانون في فرنسا اسمه: “جانبير”، و”السنهوري”. وقد اجتهد في وضع هذا القانون فظل في إعداده منذ سنة (37) إلى سنة (38)، وهذا هو القانون الذي نفذ في سنة (1949م).

وكان من شروط ألا تحتل الدول الأوروبية تركيا في معاهدة (كلنتن) في سنة (1923م): أن تلغى الشريعة الإسلامية..!

وفي سنة (1936م)، جرت معاهدة بين مصر والدول أصحاب الامتيازات لإلغاء المحاكم الشرعية، والمحاكم المختلطة، وتوحيد القضاء المصري، وتم ذلك سنة (1946م)، وكان من شروط المعاهدة: ألا تعود مصر لأحكام الشريعة الإسلامية، وأن تأخذ بالقوانين الأوروبية..!

والدكتور السنهوري شرح القانون المصري في كتاب سماه: “الوسيط”، وهو في مجلدات ضخمة كثيرة، ويقول: إنه أخذ هذا القانون من عشرين قانوناً، ولم يأخذ من أحكام الشريعة إلا الشيء القليل، بل يقول في مقدمة الكتاب: إن هذا القانون مستقل، ولا يجوز أن يخضع لأحكام الشريعة الإسلامية، مع أن كثيراً من الناس يحسن الظن بالدكتور السنهوري؛ والحقيقة أن هذا الرجل من أخطر الناس الذين أفسدوا في هذا العصر إفساداً ليس له حدود، وكان حريصاً على أن يغير الأحكام الموجودة في كل بلد إسلامي، فهو الذي وضع القانون العراقي، وخلط فيه بين أحكام الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية.

وفي سنة (1956م) عندما استقلت ليبيا ـ كما استقلت كثير من الدول العربية ظاهراً ـ أول عمل عملوه أن أحضروا الدكتور السنهوري إلى ليبيا، وبسرعة البرق وبدون تروي نقل القوانين المصرية التي وضعها في مصر لليبيا، بل من السرعة والعجلة نقل أحكاماً بنصها تتعلق بطمْي النيل ووضعها في القانون الليبي..! وأحكاماً تتعلق بمحافظة القاهرة بنصها ووضعت في القانون الليبي! وأشياء أخرى مضحكة.

وفي سوريا عندما حصل انقلاب “حسني الزعيم” فأول عمل قاموا به هو تغيير الأحكام الشرعية، فكان الناس في عجلة، فإذا وصلوا إلى الحكم في الديار الإسلامية فأول قضية كانوا يحرصون عليها هي أن تغير البقية الباقية من ديننا..!

وفي سنة (1923م) أرادوا أن يغيروا قانون الأحوال الشخصية، فقامت ثورة في مصر، ثم غيرت بعضها حكومة الثورة في الخمسينات بدون أن يقيموا عليها ثورة، وألغت البقية الباقية من الأمور الشرعية، وبعض الأحكام الشرعية كانت ولا تزال موجودة في الأحوال الشخصية، لكن ألغي الاسم وأزيل كل شيء اسمه محاكم شرعية.

خاتمة

تنحية الشريعة ووضْع القوانين مكانها يسمى تبديلا. والقوانين التي حلت محل الشريعة تسمى “شريعة مبدلة”؛ لأنها لم تنزل من السماء لا محْكَمة ولا منسوخة، ولا هي اجتهادا لتكون شريعة مؤوَّلة. بل هي تبديل صريح وطاعة للكفار ومتابعة لهم.

وهذا حرمان من المنهج الذي أنزله الله لمن آمن به، وألْزم به خلقه، وجعل قبوله شرطا للإيمان وترجمة للإسلام.

ومن هنا فالخلل عظيم وعقدي، وآثاره وخيمة. ولهذا نحذّر منه، ونوضح ما تقتضيه عقيدة المسلم وتستلزمه كلمة “لا إله إلا الله”.


اقرأ أيضا:


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق