الخميس، 19 نوفمبر 2020

رمضان المقبل في أبو ظبي والمنامة

رمضان المقبل في أبو ظبي والمنامة

وائل قنديل


ما كان نوعًا من الفانتازيا قبل ثلاث سنوات، صار واقعًا مكرّرًا وباعثًا على الملل هذه الأيام.. ما كان صادمًا بات رتيبًا وعاديًا، وما كان مثيرًا للبكاء أصبح مفجرًا للضحك.

على مسرح التطبيع، تحوّلت الرواية الميلودرامية إلى كوميديا تجارية فجّة وفاقعة، إذ قرّر كل أبطال العرض أن يخلعوا ملابسهم فجأة، أمام الجمهور، ويتنافسون على من يتعرّى أكثر ويثير أكثر، ويستفزّ المشاهدين أكثر وأكثر.

لا تنتمي المشاهد التي أداها وزير خارجية البحرين، عبد اللطيف الزياني، في تل أبيب، أول من أمس، إلى عالم الدراما السياسية، تراجيديا أو كوميديا، بل هي من ذلك النوع التجاري الرخيص الذي قد يصادفك على أحد الشواطئ، يقدّمه متفننون في تجارة الحركات المثيرة والمشاهد الساخنة، في الهواء الطلق، من أجل الترويج السياحي عن طريق اختطاف الجماهير بعروض مبهرة.

لم تكن ثمة سياسة في المؤتمر الصحافي المشترك، فقط رأينا إعلانًا مشتركًا بين الأشكنازي الصهيوني والزياني البحريني عن أن الأخير يفضل أن ينادي نظيره الإسرائيلي باسم "جابي" كما تابعنا سرعة الاستجابة للرغبات، إذ بدأ ممثل المنامة بالإعلان عن سعادته بفتح سفارة للصديق والشريك الصهيوني في البحرين، قبل أن تنظر إسرائيل في الطلب البحريني بافتتاح سفارة في تل أبيب.

الحماسة الطاغية على محيا الوزير البحريني، أو قل تلك النشوة التي دغدغت أعصابه وخطوط وجهه، وهو ينظر إلى الوزير الصهيوني ويستمع إليه، تخيلت معها أنه سيطلب الكلمة معقبًا أو مناشدًا الإسرائيليين بالتعجيل بفتح السفارتين، على أن تكون سفارة البحرين في القدس المحتلة، لا في تل أبيب، فمع سفارة دونالد ترامب ذلك أفضل جدًا.

هل أنا أشطح بالخيال؟ علمتنا تجارب السنوات الأخيرة أن الخيال المجنح في عالمنا العربي يصبح واقعًا مملًا في غضون أشهر معدودات فقط، إذ يبدو أنهم جاهزون بالسيناريوهات والخرائط، منذ زمن بعيد، وبينما نحن فرحون بما يلقوه لنا من وجباتٍ فنيةٍ وغنائيةٍ، تحدثنا عن المقاومة والعروبة ووحدة الدم والمصير، يتضاحك منتجو هذه الأعمال الخالدة، صحبة الشريك الصهيوني، على مثاليتنا ورومانسيتنا، أو قل سذاجتنا القومية.

هي سذاجتنا التي جعلتنا نتصوّر أن الصهيوني يستخدم دهاءه لكي يقسمنا ويمزقنا، ويجعلنا نكفر بكل شيء في نظامنا العربي، عن طريق ما كنا نظنها تسريباتٍ خبيثة، من نوعية ما صرحت به تسيبي ليفني وزيرة خارجية العدو لمجلة نيوزويك في العام 2009، حين قالت بثقة عن الحكام العرب "لا أريد أن أحرج أيًا كان، ولكني أعلم أنني أمثل مصالحهم أيضا. لم يعد الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني أو الصراع اليهودي - العربي، ولكنه صراع بين المعتدلين والمتطرفين. هذه هي الطريقة التي تنقسم بها المنطقة حاليا".

أحد عشر عامًا مرت، كشفت أن ما صرحت به ليفني، امرأة الموساد الفاتنة، لم يكن رأيًا أو تحليلًا، بل كان برنامج عمل واتفاقًا صامتًا، اكتمل تنفيذه الآن، لنصل إلى مرحلةٍ لم يعد فيها معنى التطبيع هو مغازلة إسرائيل، وإنما هو مكايدة، وإغاظة فلسطين والاصطفاف ضد حلم التحرير، بوصفه مرادفًا للإرهاب، فتصبح "منظمة التحرير" ذاتها خنجرًا في لحم القضية الفلسطينية، ويصير التنسيق الأمني، مع الاحتلال ضد مقاومة الاحتلال، هو جوهر عقيدة رأس السلطة الفلسطينية، ونصّه المقدس، والماء والهواء لوجوده، بالمعنيين الفيزيقي والسياسي.

أحد عشر عامًا، تبدلت فيها الإدارات الأميركية، رحل جمهوريون وجاء ديمقراطيون، حكم ابن المسلم، باراك حسن أوباما، ثم حكم ابن اليمين المتصهين دونالد ترامب، الذي يستعد للاختفاء، ليأتي الديمقراطي بايدن، الأوضح ولاءً للمشروع الصهيوني، والأشد التزامًا بأمن وتفوق دولة الاحتلال "اليهودية الديمقراطية"، وفق تعبيره الفاسد في الاشتقاق والدلالة.

تتبدل الوجوه والأسماء، وتبقى العقيدة واحدة والهدف واحدًا، كما صاغته وعبرت عنه تسيبي ليفني، حين سئلت في موقفٍ يكاد يتطابق مع ظروف اليوم، عندما سئلت عن توقعاتها بشأن إدارة دعم إدارة أوباما، الجديدة في ذلك الوقت، لإسرائيل، فأجابت "الولايات المتحدة وإسرائيل تتشاركان ليس فقط في القيم ذاتها، بل والمصالح وطريقة فهم الأمور أيضًا".

هم لا يتغيرون، ولا يتنازلون عن أهدافهم وأحلامهم. نحن فقط الذين نتغير ونتبدل ونتخلى ونتنازل ونتعرّى، إلى حد الإعلان عن صلاة مشتركة في أبو ظبي بين الإمارات وإسرائيل، ضد كورونا. وما الذي يمنع أن يتخللها الدعاء على المقاومة الفلسطينية أيضًا، ولم لا يكون الإمام سعوديًا، بالتبادل مع حاخام صهيوني، ليأتي رمضان المقبل في الإمارات والبحرين، وقد دشنت حملات ترفع شعار "تبرع يا مؤمن لبناء مستوطنة صهيونية"، أو يطلق أحدهم مشروعًا خيريًا لكفالة فقراء المستوطنين؟!

لم لا، والذين كانوا صغارًا، وقت اصطفاف ليفني مع آبائهم ضد المقاومة الفلسطينية، كبروا وصاروا في الحكم، يتسابقون على نيل الجوائز الإسرائيلية
؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق