الأحد، 22 نوفمبر 2020

الشيخ حسن الشافعي.. ولماذا أقالوه؟!

الشيخ حسن الشافعي.. ولماذا أقالوه؟!

سليم عزوز


عندما يتم تقزيم الدول، بفعل فاعل، يصبح السؤال هو لماذا تنجو إحدى المؤسسات من ذلك، وليس لماذا وصلت إليها لعنة التقزيم، ليهبط مستوى مجمع اللغة العربية بالقاهرة، من الشيخ حسن الشافعي إلى صلاح فضل؟!

ففي دولة يرأسها عبد الفتاح السيسي وتكون المفاضلة بين اثنين أحدهما قانوني مفوه "سري صيام"، والثاني موظف ضحل الثقافة، فيتم اختيار الأخير لرئاسة البرلمان، مع أن الأول ينافسه في الولاء للمرحلة، وفي دولة يحرص نظامها على تقديم قضاة لا يجيدون النطق السليم والقراءة والكتابة لصدارة المشهد، فإنه من غير المنطقي أن يكون مجمع اللغة العربية، أو مجمع الخالدين، خارج السياق العام. فالدولة التي يرأسها السيسي، ويرأس برلمانها علي عبد العال، ويمثل قضاتها حسن فريد وشعبان الشامي، يصبح من غير اللائق أن يكون رئيس مجمع اللغة العربية فيها هو الشيخ الشافعي، وليس صلاح فضل!

ربما تكون الدهشة أن التجريف وقد بدأ منذ سنوات بعيدة في مصر، إلا أن هناك مؤسسة كمجمع اللغة العربية ظلت بعيدة عن هذه السياسة، ولا تزال تحتفظ بـ"وقارها" فلا تنتبه لها يد التجريف التي طالت كثيرا من مؤسسات الدولة المصرية، ليأتي عبد الفتاح السيسي فيذكرنا بها، وبالقرار الذي صدر من وزير التعليم العالي، الذي يليق بالمرحلة وتليق به، فيعزل الرئيس المنتخب للمجمع اللغوي الشيخ حسن الشافعي، ويعين "الساقط" (في الانتخابات) صلاح فضل في مكانه، لنكون أمام واحدة من تجليات حكم المرحلة؛ أن ينصب رئيس مجمع اللغة العربية بقوة الدبابة، مع أنه خاض الانتخابات وسقط سقوطا ذريعاً، فلم يحصل سوى على ثلاثة أصوات هو رابعهم، وقد تبين أنه موعود بالسقوط، فهذه هي الانتخابات الثانية التي خرج منها بخفي حنين!

 

ربما تكون الدهشة أن التجريف وقد بدأ منذ سنوات بعيدة في مصر، إلا أن هناك مؤسسة كمجمع اللغة العربية ظلت بعيدة عن هذه السياسة، ولا تزال تحتفظ بـ"وقارها" فلا تنتبه لها يد التجريف التي طالت كثيرا من مؤسسات الدولة المصرية

لقد جاء قرار وزير التعليم العالي مصحوباً بدعاية أن هناك خطأ في الإجراءات في هذه الانتخابات، تدخل على أثره الوزير، لكن صلاح فضل الذي لم ينل ثقة أعضاء مجمع اللغة العربية للمرة الثانية، كان قد أشار إلى السبب الحقيقي، وهو أن المجمع لا يضم أدباء ولا شعراء، فلم يشكك في الإجراءات بقدر إهانته الذين بخلوا عليه بثقتهم، وهو يريد القول إن المجمع أصبح ينتمي لمدرسة الشيوخ والأزاهرة، وهو في دهشة لعدم وجود شعراء وروائيين فيه، ولم ينتبه هذا الموظف العضوي الذي يعيش على فتات موائد الأنظمة إلى أنه يتحدث عن مؤسسة شديدة التخصص، وليست نادي الأدباء، أو المجلس الأعلى للثقافة الذي تختار الأجهزة الأمنية من يشاركون في عضويته، ضمن ثقافة "الحسنة المخفية" المعتمدة في مثل هذه المحافل على مدى الثلاثين سنة الماضية!

الأخونة:

إن السؤال لا يكون عن المدرسة الثقافية التي ينتمي لها أعضاء المجمع، فالاعتراض يكون لضمه من لا يستحقون شرف الانضمام إليه، أو استبعاده لعناصر تستحق العضوية سواء كانوا أدباء أو شعراء.. لكن لا بأس، فهو صلاح فضل الذي كان يلمح إلى أشياء يجيدها بحسه الأمني، وهو واحد من الذين أفسدوا مجال النقد الأدبي، فلا يمارسه عبر المساحات الممنوحة له في الصحف إلا من باب المجاملات، فصار نقده أقرب ما يكون إلى الجوائز الأدبية التي أفسدت الحياة الأدبية!


لقد ألقت واحدة من أبواق الدعاية للنظام ما فيها وتخلت، ونشرت بالبند العريض الأسباب الحقيقية لقرار وزير التعليم العالي. فالقرار لم يصدر لخطأ في الإجراءات، ولكن لأن رئيس المجمع الفائز هو "الإخواني القطبي حسن الشافعي" الذي حوّل مجمع الخالدين إلى "وكر للإخوان"، وأن "خلايا الإخوان تغتال إرادة التغيير بمجمع الخالدين"، ثم تطلب الصحيفة "تدخلا تشريعيا عاجلا لمواجهة الأخونة وتطهير المجمع"!


صلاح فضل الذي كان يلمح إلى أشياء يجيدها بحسه الأمني، وهو واحد من الذين أفسدوا مجال النقد الأدبي، فلا يمارسه عبر المساحات الممنوحة له في الصحف إلا من باب المجاملات، فصار نقده أقرب ما يكون إلى الجوائز الأدبية التي أفسدت الحياة الأدبية

وأعترف بأنني لم أكن أعرف الشيخ حسن الشافعي، إلا من خلال لجنة إعداد الدستور في عهد الرئيس محمد مرسي، لا سيما في الليلة الأخيرة عند مراجعة النصوص، وهي جلسة كانت تنقل على الهواء مباشرة، وسهرنا معها حتى الصباح وقد كانت مناظرة عظيمة في اللغة ودروبها؛ شارك فيها الشيخ الشافعي والدكتور سليم العوا وغيرهما.

وطيلة اجتماعات اللجنة التأسيسية لم ترق لي هذه المعاملة التي رأيت أنها تبالغ في "تدليل" الرجل، والذي جاءت عضويته في اللجنة باختيار من شيخ الأزهر وتمثيلا لهذه المؤسسة. وكان هو سريع الغضب، وكانوا هم يسارعون إلى ترضيته، وعندما سألت عن السبب في هذه المبالغة قالوا لأنه ممثل الشيخ ولا يريدون إغضابه. ولم أكن في هذه الفترة أحمل تقديراً لشيخ الأزهر، فقد كنا حديثي عهد بنظام مبارك، وقد جاء هو للمشيخة من لجنة السياسات، لكن القائمين على التأسيسية لم يكونوا يشاركونني في هذا الموقف، بل كانوا يكرمون شيخ الأزهر في شخص ممثله، وعندما أرادوا وضع نص العزل السياسي، وكانت الصياغة المستقيمة لا بد من أن تضر بموقف شيخ الأزهر، وغضب الشيخ الشافعي، فتم وضع نص راعى هذا، فبدت الصياغة ركيكة لإخراج شيخ الأزهر من دائرة العزل، وهو ما انتقدته بحدة في وقته!

وبعد هذه الليلة حرصت على التعرف على الشيخ الشافعي من خلال ما يكتب عنه، إلى أن وجدت في دار الشبكة العربية بإسطنبول مذكراته "حياتي في حكايتي"، الصادرة في سنة 2015 عن دار الغرب الإسلامي بتونس، والتي أهداها إلى الأزهر الشريف. ومن خلال هذه المذكرات عرفت أن الرجل كان في شبابه ينتمي لجماعة الإخوان وقد سُجن بسبب ذلك، لكنه انتماء قديم انتهى، كما انتهى انتماء كثيرين، لم يكن أبرزهم الشيخين محمد الغزالي والسيد سابق، ليصبح الانتماء للأزهر عندهم هو الأساس. وكثيرون كانوا في الجماعة وتركوها وصار هذا بالنسبة لهم ذكرى، فلا يعاقبون على هذا الانتماء، وإلا طال العقاب والعزل كثيرا من رموز الدولة المصرية ومن أول جمال عبد الناصر، الذي استعان بمن كان يشغل منصب نائب المرشد العام للجماعة الشيخ أحمد حسن الباقوري وزيراً للأوقاف، ومن بعده عبد العزيز كامل!

ولنعيد ذكر هذه الواقعة التي جرت في عهد مبارك، عندما اقترب أحد الوزراء منه بعد أن أدى القسم ليلفت انتباهه إلى أنه كان في شبابه من الإخوان، لكن لم تعد له صلة بهم الآن، وذلك حتى إذا رفعت الأجهزة الأمنية تقريراً له بذلك يكون قد علم بالحقيقة، ورد مبارك مستهيناً بالأمر كله وهو يقول: "كلنا مررنا بهذه التجربة"!

علاقة الشافعي بالطيب:

وفي مذكراته عرّف الشيخ حسن الشافعي نفسه بأنه رئيس مجمع اللغة العربية وعضو هيئة كبار العلماء، وبالعودة إلى وثائق مجمع الخالدين، تبين أنه في هذا الموقع منذ عام 2012، وقد وقع الانقلاب بعد ذلك بعام واحد، فهل يعقل أن الأجهزة الأمنية لم تعرف بالانتماء لجماعة الإخوان سوى هذا العام وبعد أكثر من سبع سنين، ليكون التدخل لعزله بسببه؟! ويتبين أنه حول المجمع إلى وكر للإخوان، كما جاء في الصحيفة الحكومية؟! فمن هم الأعضاء الجدد الذين ضمهم للمجمع خلال فترة رئاسته؟!

 

هل يعقل أن الأجهزة الأمنية لم تعرف بالانتماء لجماعة الإخوان سوى هذا العام وبعد أكثر من سبع سنين، ليكون التدخل لعزله بسببه؟! ويتبين أنه حول المجمع إلى وكر للإخوان، كما جاء في الصحيفة الحكومية؟! فمن هم الأعضاء الجدد الذين ضمهم للمجمع خلال فترة رئاسته؟!


إن الانحياز الحقيقي للرجل هو للأزهر ثم لشيخه، على النحو الذي يمكن الوقوف عليه من مذكراته. فتحت عنوان "المكتب الفني لمشيخة الأزهر" يتحدث عن علاقته بالشيخ الذي تبين أنه يعرفه "منذ عهد بعيد"، ويقول: "سعدت بمعرفة الإمام الأكبر الدكتور الطيب"، وهذا "بحكم وحدة التخصص، والقسم الذي تخرجنا فيه بكلية أصول الدين، قسم العقيدة والفلسفة".

وقد تجاوزت معرفته للشيخ بما عرفه "عن مكانة والده العلمية والصوفية"، وهو يرجع بداية هذه المعرفة إلى ما قرأه في جريدة "الأهرام" في باب "من غير عنوان"، حين ذكر المحرر قصة امتلاك أحد الملاك "من إخواننا الأقباط"؛ "لقطعة أرض في القرنة، قرية الشيخ أحمد الطيب، في محافظة الأقصر، ولجأ للقضاء ليسترد الأرض من غاصبها ولم يتمكن من الحصول على حقه الذي قضي له به، فنُصح باللجوء للشيخ محمد الطيب والد الإمام الأكبر، فما كان منه إلا أن استدعى الطرف الآخر إلى مجلسه، وطلب إليه أن يرد الحق إلى أهله، فلم يسعه إلا الاستجابة لنصح الشيخ ووساطته وحلت المسألة المزمنة في أقل من ساعة!".

ويعلق الشيخ الشافعي بقوله: "منذ ذلك الحين وأنا أحب ذلك الرجل، وقد حاولت زيارته والتبرك بمرآه ومصافحته، ولكن ظروف الاستعداد للصلاة شغلت الشيخ، وكان معي الدكتور محمد أفضل، وزير التربية بدولة باكستان عام 1987، ولم يتسع وقته للانتظار طويلاً، فانصرفنا، ومنذ ذلك الحين وأنا أشعر أن لي انتساباً.. ويقول الدكتور أحمد الطيب: إنه ما إن يدخل ضريح والده إلا ويذكر العبد الفقير، سواء أوصيته بالفاتحة أو لم أفعل..".

ثم يتحدث عن القيمة العلمية للشيخ أحمد الطيب وكيف أنه تابع "الأعمال العلمية المثمرة" له، "عن الاتجاه النقدي لدى أبي البركات البغدادي، وترجمته الرائعة عن الفرنسية للدراسة الخاصة بالولاية عند الشيخ محيي الدين بن عربي، وكذا جهوده في خدمة الأزهر، والجامعة القطرية"!

وهي كلها علاقة قديمة قبل توليه منصب شيخ الأزهر، وفي وقت كان فيه الشيخ حسن الشافعي في جامعة إسلام آباد بباكستان، "مما شجعني حين توليت مسؤولية الجامعة الإسلامية بإسلام آباد على أن أرجوه أن تستفيد الجامعة الإسلامية من خبرته، وحظينا به عاما واحدا، عميدا لكلية أصول الدين..".

الضرب تحت الحزام:

ومن هنا نكون قد وصلنا إلى "بيت القصيد"، فتبدو الإطاحة به ليس لأن أهل الحكم اكتشفوا أنه "الإخواني القطبي"، الذي جعل مجمع اللغة العربية "وكرا للإخوان"، فالانتقام من شيخ الأزهر، الذي لا يريد أن يعترف بنبوة آخر الأنبياء، خالد الذكر عبد الفتاح السيسي، وضمن سياسة الضرب تحت الحزام التي يجيدها السيسي، ولا ترهب الشيخ الطيب!

وهذا هو الإجراء الثالث بعد قرارين خاصين برجال الطيب في الأزهر؛ كان الأول برفض عبد الفتاح السيسي أن يمد في خدمة وكيل الأزهر الشيخ عباس شومان، بعد وصوله لسن الإحالة للمعاش. والمد إجراء روتيني يحدث كثيراً، كما أُنهيت خدمات ذراعه القانوني والمستشار بمجلس الدولة محمد عبد السلام، فألغوا انتدابه، وفي الحالتين قيل لأنهما إخوان، ولك أن تعرف أن الإخواني المستشار محمد عبد السلام يعمل الآن بدولة الإمارات!


سنقف بسهولة على أن الكلام عن الإخواني القطبي الذي حوّل المجمع إلى وكر للإخوان، هو من باب الدعاية غير الحقيقية

وعندما نعلم أن نائب رئيس مجمع اللغة العربية هو الدكتور محمود الربيعي، وأنه من أقام دعوى قضائية ضد قرار الوزير، سنقف بسهولة على أن الكلام عن الإخواني القطبي الذي حوّل المجمع إلى وكر للإخوان، هو من باب الدعاية غير الحقيقية.

إن الدكتور الربيعي هو أستاذ للنقد الأدبي، نفس تخصص صلاح فضل، وقد قرأت مذكراته "في الخمسين عرفت طريقي"، و"ما بعد الخمسين"، وهو الآن يقترب من التسعين أمد الله في عمره. وفي الجزء الأول من هذه المذكرات روى مشاكله في كلية دار العلوم مع الراحل الدكتور محمد البلتاجي (1934- 2004)، وهو من رموز الإخوان وكان يشغل موقع عميد الكلية، وهمز فيه الربيعي ولمز، وتكلم عنه وعن رجاله بشكل سلبي، واتهمهم بأنهم يفصلون بالدين والعمل، وعندما يتحرك دفاعا عن إرادة أعضاء المجمع اللغوي، فإن الأمر لا يكون مرتبطاً بالإخوان من قريب أو بعيد. ولعل السؤال المناسب، وقد تمت الإطاحة بالشيخ حسن الشافعي، فلمَ لم يعين نائبه قائماً بالأعمال وهو الأولى ممن لم يحالفه الحظ، وهو صلاح فضل؟!

عموماً، فإذا كان الربيعي وفضل من نفس التخصص الأكاديمي، إلا أنهما لا يستويان مثلا، فالأول معتز بنفسه، شديد الاعتزاز بقيمته العلمية، أما فضل فهو من الذين عناهم وزير ثقافة فاروق حسني بقوله: "لقد أدخلت المثقفين حظيرة وزارة الثقافة"!

إنه اختيار صادف أهله، لأنها مرحلة لا يليق بها إلا ابن الحظيرة.. حظيرة فاروق حسني!

twitter.com/selimazouz1

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق