الاثنين، 23 فبراير 2026

رمضان المنقذُ والمخَلِّص

 رمضان المنقذُ والمخَلِّص

د. عطية عدلان
مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول- أستاذ الفقه الإسلامي

كم نحن بحاجة إلى مُنْقِذٍ ومُخَلِّص! كم نحن بحاجة إلى منقذ ينقذنا مما نحن فيه من الوهن، والفتور، وتراخي الهمة، ومن التقصير فيما فرض الله علينا من الطاعات والقربات، وإلى مخلص ينتشلنا من وهدة المعاصي وجباب الذنوب، ما أحوجنا إلى هذا المنقذ المخلص! ما أشد لهفتنا عليه وشوقنا إليه! 

إنّ قطار الحياة يمضي بنا سريعًا، يطوي العمر طيًّا وينهب الأيام والأعوام نهبًا؛ ليجد المرء منّا نفسه فجأة على أعتاب آخرته، فأين الزاد؟ أين ما ادخره كل امرئٍ منَّا لغده؟ أين العمل الصالح وأين التوبة النصوح؟ أين المنقذ من هذه الحال؟ والمخلص مما تفضي إليه من مآل؟ 

ها هو المنقذ المخلص قد حلّ بدارنا، ها هو الشهر المعظم "رمضان"، شهر الصيام والقيام، شهر العبادة والذكر والصدقات، شهر الباقيات الصالحات.

(محطات) على الطريق

هل لا حظت أنّك في رمضان تكون أكثر نشاطًا في الطاعات؟ وأنّ نفسك التي كثيرًا ما تَعْتاص عليك في غير رمضان تسلس لك القياد في رمضان؟ هل سألت نفسك لماذا هذه الظاهرة ملازمة لهذا الشهر المعظم؟ إنّها التهيئة الربانية، لقد هيأ الله رمضان ليكون (محطة) على الطريق؛ إليها تأوي وفي رحابها تستجم وتستريح، ومنها تتزود لمواصلة المسير، وجاءت التهيئة شرعية وكونية، فأمّا الشرعية فإنّ الله تعالى اختص هذا الشهر بشرف نزول القرآن فيه: (‌شَهْرُ ‌رَمَضانَ ‌الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ)، أي أنزل فيه جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم بدأ نزوله فيه، وفي هذا ما فيه من التهيئة الروحانية، وأمّا الكونية فإنّ رسول الله قد أخبرنا أنّه (إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، ‌وَصُفِّدَتِ ‌الشَّيَاطِينُ)، وهل تفتح أبواب الجنة إلا لينطلق منها البشر، وهل تغلق أبواب النار إلا لينزوي فيها الشؤم والشر؟ وهل تصفد الشياطين إلا ليصفو الأثير الروحانيّ العام؟ فإذا عَلِمْتَ أنّها محطة مهيأة لك فانزل بها وتطهر وتزود، ثم انطلق راشدًا.

التقوى هي الثمرة

على هذا المقصد نَصَّتْ الآيةُ نصًّا: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌كُتِبَ ‌عَلَيْكُمُ ‌الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، وإذنْ فالمحصلة التي يخرج بها المسلم من صيام الشهر وقيامه هي التقوى، هو هذه الطاقة الإيمانية والحاسَّة القلبية الروحية التي بها يستقيم بها على منهج الله، ويستوي بها على الصراط المستقيم، فمن خرج خاوي الوفاض من هذه الثمرة فليراجع أداءه؛ لأنّ الصيام والقيام وما يحتفّ بهما من طاعات وقربات رمضانية تثمر - بطبيعتها - التقوى، وروافد التقوى الرمضانية غير منحصرة، فمنها رافد المراقبة؛ حيث يعتاد المسلم مراقبة الله في صيامه؛ لأنّه سرّ بين الله وبين عبده، ومنها رافد الاستسلام والانقياد؛ لأنّ الصائم ينضبط في مضمار لا يخرج عنه ولا يحيد ولا يميد عنه، فيمسك عن بعض ما يحل له في الأصل من وقت محدد إلى وقت محدد تسليمًا لله تعالى وحده، كما أنّ الصيام يخفف من ثقلة الجسد؛ لتنطلق الروح محلقة في سماء الروحانيات، فتبلغ النفس ذروة العبودية، وهذه وغيرها روافد للتقوى، يستطيع المسلم الصائم القائم أن يمسك بها ويستصحبها في كل أحيانه.

مجمع العوائق

وإذا كنّا نسلم بأنّ العوائق ابتلاء واقع؛ فإنّ مجمع العوائق التي تحول دون تحقق ثمرة الصيام هو (الرتابة) التي تقع باستحالة العبادة إلى عادة، وانكماش الجوهر وتمدد الشكل والمظهر، وانقلاب الشعائر بما فيها من روحانيات إلى طقوس تؤدى بلا روح ولا إحساس؛ فلا مناص إذَنْ من استحضار معنى التسليم والاستسلام أثناء أداء فريضة الصيام، ولا بدّ من التخفف مما اعتاد الناس أن يثقلوا به كواهلهم في رمضان مما يخرج عن حدّ الاعتدال إلى السرف والسفه، وإذا كان الشرع يوسع علينا فيبيح لنا التوسعة على أنفسنا في ليالي رمضان؛ فإنّه لا يصح أن تستفحل التوسعة إلى الحدّ الذي يفقد المرء معها معنى الصيام وحكمته؛ حيث ينقلب الأمر عنده إلى إمساك مؤقت عن اللذائذ لازدياد المتعة بها لاحقًا، فإذا أضفنا لذلك انشغال الخلق بما يفتح لهم في رمضان من ألوان الملاهي فكيف يمكن أن تتحقق الثمرة؟!

رمضان والطوفان

هذا هو أول رمضان يأتي بعد الطوفان؛ فهل سيشهد للمقاومة أم سيشهد على الأمّة؟ أمّا المقاومة - ومعها حاضنتها - فقد أدت ما عليها، إذْ قامت - بالنيابة عن الأمة الإسلامية - بواجب الدَّفْع، ضد المحتل المعتدي الغاصب، الذي ازداد شرُّه واسفحل خطرُه، وصدقت ربَّها فصدقها ربُّها؛ فها هي - على الرغم من الإبادة التي يمارسها الكيان ضدّ أهل غزة العزَّل - تحرز الانتصارات العسكرية والسياسية والإعلامية والحضارية والقيمية والأخلاقية، أمّا سائر الأمّة فقد اتسعت دائرة الواجب لتشملها من أقصاها إلى أقصاها؛ فهل ستقوم بواجباتها التي فرضها عليها ربُّها؛ ليتم النصر وتكتمل المسيرة؟ أم ستظل تراوح موقع الشجب والإنكار؛ لتأخذ السنن مجرى آخر؟

    غير أنّ الطوفان الذي يهيِّءُ له رمضان هذا العام ليس طوفان الأقصى، وإنّما هو الطوفان الذي لا يمثل طوفان الأقصى - على جلالة قدره - سوى عود الثقاب الذي يشعل الحريق الهائل، إنّه الطوفان الذي يزمجر الآن في النفوس المقهورة والقلوب المكسورة، إنّه البركان الذي يوشك أن ينطلق من محبسه وينفلت من عقاله؛ ليجتاح التلاع والبقاع، إنّه ذلك المارد المقيد في قمقم النظام الشرق أوسطيّ، والذي يتمدد بازدياد كما يتمدد الظل كلما مالت الشمس للغروب، وإذا لم تسارع وتبادر الأنظمة إلى استيعاب الغضب ومحاصرة الخطر فلسوف يقتلع الطوفان كل ما بنت وشيدت، ولن يكون الاستيعاب إلا بمنح الشعوب حقوقها وحرياتها، ولن يزيدها هذا إلا رسوخًا وعزًّا لا يتاح لها مثله بالاستبداد والفساد.

    وأخيرًا ندعو اله تبارك وتعالى لعباده المجاهدين في غزة وفلسطين وفي كل مكان بالنصر والفتح المبين، ولعباده المستضعفين بالفرج والخلاص، والحمد لله ربّ العالمين.

الشيخة «ماريانا» وعفاريت فيينا بنكهة اليورو!

 خواطر صعلوك

الشيخة «ماريانا» وعفاريت فيينا بنكهة اليورو!


نحن قومٌ جلدنا ذواتنا حتى تورمت، ولعنا «سنسفيل» تخلفنا ألف مرة، ظناً منا أن الجهل والشعوذة هي بضاعة محلية حصرية، لا تباع إلا في حوارينا الضيقة ودولنا العربية، ولا يشتريها إلا «الجهلاء» الذين ضاقت بهم سبل الحياة، فيتعلمون ما يفرق بين المرء وزوجه، وكيف يربطون محلولاً، ويحلون مربوطاً والطوالع والطلاسم وأبواب المحبة والدخول على المسؤولين وضرب الرمل... ونردد دائماً أن «الخواجات» في أوروبا قد تجاوزوا مرحلة «فك السحر» و«جلب الحبيب»، وأنهم يعيشون في نعيم العلم والمنطق.

ولكن، تأتي الأخبار من بلاد النمسا وألمانيا -قلاع الصناعة والفلسفة- لتقول لنا: 

«اهدأوا قليلاً... فالغفلة داء عالمي».

الشرطة النمساوية عزيزي القارئ، تقلب الدنيا رأساً على عقب بحثاً عن سيدة تُدعى ماريانا ميجايلوفيتش. سيدة تبلغ من العمر 44 عاماً، من أصول صربية-كرواتية، وبمواصفات جمالية «شفتين ممتلئتين وطول فارع»، لكنها لم تستخدم جمالها في عرض الأزياء، بل استخدمته في ثاني أقدم مهنة من التاريخ: الدجل.

الست «ماريانا» لم تكن تبيع البخور في شقة بإحدى ضواحي الكويت، بل كانت تتمشى في أرقى ساحات فيينا وميونخ، تتصيد النساء اللواتي تفوح منهن رائحة الثراء (والفراغ). تقترب منهن بثقة العارفين ببواطن الأمور، وتهمس في آذانهن بالجملة السحرية التي تفتح مغارة علي بابا: «عليكِ لعنة... ومجوهراتك مسكونة بالأرواح الشريرة».

وبدلاً من أن تضحك هؤلاء النسوة «المتحضرات» في وجهها، أو يطلبن لها الإسعاف النفسي، سلمن لها عقولهن –وجيوبهن– تسليم الأهالي.

إحداهن دفعت لها ما يقارب 575 ألف يورو (يعني حوالي 185 ألف دينار كويتي دينار ينطح ديناراً) بعد أن أقنعتها ماريانا أنها ستعالجها من مس الشياطين... تخيلوا(!) شياطين في فيينا التي تصدح بموسيقى موزارت وبيتهوفن!

والأكثر مأسوية، سيدة أخرى دفعت لها 56 ألف يورو (حوالي 18 ألف دينار كويتي) أملاً في الشفاء من السرطان، لكنها توفيت لاحقاً، لتثبت لنا «ماريانا» أن الدجل ليس مجرد سرقة، بل هو جريمة قتل بدم بارد للأمل الأخير.

الحصيلة النهائية لغزوات الشيخة ماريانا في جيوب نساء أوروبا وصلت إلى 9.5 مليون يورو (أي ما يتجاوز 3 ملايين دينار كويتي)... رقم يجعلك تشك أننا نحن «الدراويش» وليس هم.

هذه القصة تصفعنا بحقيقة نتهرب منها وهي أن الشعوذة لا دين لها، ولا وطن... المسألة ليست مرتبطة بالإسلام أو المسيحية، وليست حكراً على المجتمعات الشرقية... الشعوذة، يا سيدي، هي الابنة الشرعية للفراغ النفسي وغياب المعنى.

الإنسان -أي إنسان- حين يعجز طبه، ويخيب علمه، ويشعر بالوحدة وسط زحام المادة، يبحث عن أي قشة «ميتافيزيقية» يتعلق بها... سواء كان يرتدي قحفية في دولة عربية، أو ترتدي فستاناً من «شانيل» في شوارع ميونخ. الخوف من المجهول، والرعب من المرض، والبحث عن «المعجزة» هي غرائز بشرية تستغلها «الماريانات» في كل زمان ومكان.

تذكرتُ فوراً العبقري الأسمر أحمد زكي في رائعته «البيضة والحجر» وتذكرت شخصية «مستطاع» مدرس الفلسفة الذي تحول إلى دجال، ليس لأنه يؤمن بالدجل، بل لأن المجتمع هو الذي يريد أن يُخدع. كان قال جملته الخالدة: «الدجل ده مهنة زي أي مهنة... الطلب هو اللي بيخلق العرض».

«ماريانا» هي النسخة الأوروبية من «مستطاع»، لكن بلا الفلسفة وبلا الضمير الذي استيقظ في نهاية الفيلم... هي أدركت أن المجوهرات التي ترتديها هؤلاء النسوة ليست مسكونة باللعنة كما تدعي، بل هي مسكونة بالوحدة... هي لم تعالجهن بالأحجبة والبخور، بل عالجتهن ببيع «الوهم» الذي كنّ في أشد الحاجة لشرائه.

والمفارقة الكوميدية في النهاية، أن الشرطة الأوروبية رصدت جائزة لمن يدلي بمعلومات عنها قدرها 5 آلاف يورو (حوالي 1600 دينار كويتي). يا سادة، هذه السيدة تملك الآن 3 ملايين دينار، هل تظنون أن أحداً سيسلمها مقابل «خردة»؟ الأغلب أنها تجلس الآن في جزيرة استوائية، تشرب نخب «غباء البشر»، وتضحك بملء شفتيها الممتلئتين على عالم غارق في التكنولوجيا، لكنه ما زال يرتعد خوفاً من عين الحسود و«لعنة الأرواح».

فلا تحدثني عن التطور والحضارة... حدثني عن الإنسان حين يتعرى من المنطق أمام أول «خرعة» من ابتلاءات القدر... وسلم لي على «العفاريت» في فيينا (!)...

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل!

محاولة اختطاف سيدنا إبراهيم وتزييف التاريخ

 محاولة اختطاف سيدنا إبراهيم وتزييف التاريخ

عامر عبد المنعم

يحاول الإسرائيليون تغيير التاريخ لإثبات أن وجودهم في فلسطين ممتد ولم ينقطع، فأرجعوا نسبهم إلى سيدنا إبراهيم رغم أنه عاش في القرن التاسع عشر ق.م، بينما ظهر موسى في القرن الثالث عشر ق.م.
وبنص القرآن: {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين}، وقال الله تعالى: {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنـزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون}.
حصر اليهود التاريخ بعد إبراهيم في يعقوب وموسى وداود وسليمان ومملكة يهوذا، متجاهلين الفاصل الزمني الطويل بين هذه الفترات المتقطعة، ووصفوا العرب الذين ينتسبون لإبراهيم بأنهم حاميون أي أقل درجة منهم، رغم أن العرب ساميون من أبناء سام بن نوح.
يتجاهلون أن سيدنا إسماعيل أبو العرب هو الابن البكر لسيدنا إبراهيم.
إن عهد إبراهيم عصر عربي قائم بذاته، وهو مرتبط بالكعبة المشرفة، وبيت الله الحرام في مكة، ولا صلة له بعهد موسى ولا عهد اليهود من بعده. فالتوراة كتبت بعد إبراهيم بـ1300 عام، وبعد موسى بأكثر من 7 قرون، وهي غير التي نزلت على موسى، حيث تضم أسفارا بعد وفاة موسى، وتتحدث عن فترات زمنية لاحقة، وبها وصايا لا يمكن نسبتها إلى الله مثل الإبادة، وقتل الأطفال والنساء والبهائم، وحرق المدن.
التوراة التي بين أيديهم اليوم كتبت في الأسر البابلي بعد 700 عام من خروج موسى من مصر، وتم تدوينها في بابل في فترة الأسر البابلي (586 – 539 ق.م)، كتبها الكهنة والأحبار الباقون من مملكة يهوذا التي مُحيت، وقد ثبت أن الكثير مما ورد في التوراة من شرائع وتقاليد وطقوس مقتبس من الشرائع الكنعانية والبابلية.
( للمزيد أنصح بقراءة كتاب “العرب واليهود في التاريخ، حقائق تاريخية تظهرها المكتشفات الآثارية” للدكتور أحمد سوسة، المفكر العراقي اليهودي الذي اعتنق الإسلام).
عامر عبد المنعم

كتاب “العرب واليهود في التاريخ، حقائق تاريخية تظهرها المكتشفات الآثارية


 

طلب الاعتذار.. بدعة نصرانية وضلالة سياسية

طلب الاعتذار.. بدعة نصرانية وضلالة سياسية

رفاعي سرور


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد..
كان من أهم نتائج التحريف المستمر للعقيدة عند النصارى .. ظاهرة التقلب التاريخي الفكري والسياسي للأمة النصرانية..
وقد بلغ التقلب أشد درجاته وأعمق أبعاده في صراع البابوات باعتبارهم الممثلين الشخصيين الفكريين والسياسيين للعقيدة النصرانية المتقلبة..
ولعل المثال التاريخي على ذلك هو محاكمات آباء الفاتيكان القائمين للآباء السابقين، حتى أنه في عام 897 أخرج ستينان غريمه فوموسوس (الهيكل العظمي) من قبره !!، وحاكمه لمدة ثلاث أيام، وحكم عليه فيها بقطع ثلاث أصابع من أصابعه التي كان يمنح بها البركة..
ثم حدث تقلب سياسي نتيجة خلافات مذهبية، عُزل ستينان على إثرها، وقتل خنقا بسبب إخراجه لجثة فوموسوس، بعد وصول الاتجاه المؤيد لفوموسوس إلى البابوية، ثم أخرجت جثة فوموسوس مرة أخرى بعد عشر سنوات ( نفس الهيكل العظمي) ـ بعد تقلب آخر ـ وحوكم مرة أخرى، وحُكِم عليه فيها بقطع رأسه، وأُلقيَت الجثة في البحر بعد وصول الاتجاه المعارض لفوموسوس لكرسي البابوية مرة أخرى..!!
والتقلب المذهبي هو تحول الخطأ إلى صواب أو الصواب إلى خطأ ـ بحسب الهوى والتحريف والابتداع على مر هذا التاريخ ـ وما يرتب عليه من أحكام وأحداث، مما أنشأ ظاهرة الاعتذار كآلية موازية للمحاكمات في مواجهة التقلب التحريفي التاريخي الدائم للعقيدة النصرانية..والإنتقال بين توهم الخطأ والصواب
حتى أصبح هذا التقلب أشد ظاهرة تميز هذه الأمة
وأصبح أسلوب المحاكمات والاعتذارات عند النصارى ضروريا لتوجيه التاريخ وتثبيت أي تقلب طاريء
ولكن أسلوب الإعتذار كان أشد ظهورا وأكثر ممارسة لإن فكرة الاعتذار نابعة من روح نصرانية ناشئة عن سر الاعتراف، فكما ينهي الاعتراف الذنب عندهم كذلك يفعل الاعتذار، مما جعل فكرة الاعتذار فكرة محورية في تاريخ النصرانية !
وكناتج منطقي امتدت الظاهرة من التقلب الفكري والمذهبي إلى واقع الممارسة السياسية الصليبية القائم الآن، باعتبار أن هذا الواقع هو الامتداد التاريخي الصليبي المتقلب.
ولم تقف الظاهرة عند حد الممارسة الصليبية بل تسللت إلى الواقع الإسلامي ، حيث فرضتها السياسة الصليبية الماكرة في سياق ضعف هذا الواقع ، لتتحقق عدة أهداف، كان أخطرها: تفريغ الإحساس بالعداء تجاه هذه الجاهلية الصليبية من ضمير المسلم وعقله، وذلك بالاعتذار عن المواقف المعادية للإسلام والتي تمثل أكبر منابع الشعور اللازم بالعداء لمواجهة أصحاب هذه المواقف.
فكانت خطة تجفيف هذه المنابع الشعورية ليفقد المسلمون مشاعر العداء التي يجب أن تبقى، ليحفظ المسلمون عقيدتهم الباقية ببقاء العداوة بينهم وبين كل من حارب الإسلام، وأراق دماء أهله..
وكان من أخطار تسلل هذه الفكرة إلى الواقع الإسلامي ..سلبية التعامل مع المواقف العدائية، وقطع الطريق على إدراك حقيقة هذا العداء ومواجهته؛ حيث لا تكون تلك المواجهة.. إلا في مسافة طلب الاعتذار !
كما كان من أخطار هذه الفكرة.. الخروج الصريح عن الشرع تجاه المواقف المعادية، مثل طلب الاعتذار عن سب الرسول ? رغم الحكم الشرعي في سب الرسول صلى الله عليه وسلم الثابت في الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين ([1]).
ومن هنا كان اختراق القوى المعادية لواقع الأمة، حتى تستل هذه العداوة من قلوب المسلمين وتمنعهم من المواجهة الصحيحة لأعداءهم بعد الإبتعاد بهم عن شرع ربهم من خلال توجيههم إلى فكرة «طلب الاعتذار» ، وهي فكرة فارغة ليس لها أي معنى، ورغم ذلك استقرت في العقل المسلم حتى أصبح التوجه إليها تصرفاً تلقائياً معتاداً كلما حدث موقف معادٍ للإسلام، ليكون طلب الاعتذار جزءاً من خطة معاداة الإسلام ذاتها..
وليس أدل على غرض الأعداء من هذه البدعة من أن يكون توجيه الأمة إليها في المواقف التي يتجذر فيها شعور العداء بصفة تاريخية متوارثة، مثل طلب الاعتذار من منظمة المؤتمر الإسلامي عن الحروب الصليبية التي سالت الدماء فيها حتى الركب، وكذلك مطالبة فرنسا بالاعتذار عن حرب الجزائر التي قتل فيها مليون مسلم، وكان التعذيب فيها بأبشع الأساليب، وهُتكَت فيها أعراض المسلمات، ثم يأتي من يطالب بالاعتذار لإلغاء تلك الأهوال التي يعجز عن وصفها البشر..!
وفي سياق الظاهرة تتوالى طلبات الإعتذار فكان أحدثها طلب الإعتذار الصربي عن مجزرة سربرنيتشا البوسنية التي قتل فيها 12000مسلم !!
وبذلك أصبحت بدعة طلب الاعتذار ثقباً من الثقوب السوداء التي تبتلع كرامة الأمة بكل قيمها ومبادئها.
ولعل المطالبة المشهورة للفاتيكان بالاعتذار عن التهجم على الإسلام من المواقف التي اجتمعت فيها كل أبعاد البدعة ..
ـ وكان أخطر هذه الأبعاد ...هو جهل النخبة المطالبة بالاعتذار بأن مغزى سب بنديكت للإسلام، جاء في سياق خطة تاريخية للحرب على الإسلام وتنصير العالم، قائمة الآن وعلى أشدها بكل إمكانياتها البشرية والفكرية والاقتصادية والعسكرية للحرب على الإسلام وتنصير المسلمين
لفرض المسيحية على العالم قبل حلول عام 2010، وهو التاريخ الذي كان قد حدده مجلس الكنائس العالمي حينما أسند إلى الولايات المتحدة مهمة اقتلاع الإسلام، بعد أن فشل مخطط البابا يوحنا بولس الثاني في تحقيق ذلك، عشية الألف الثالثة، حتى تبدأ الألفية الجديدة وقد تم تنصير العالم !!.
ثم يأتي طلب الاعتذار عن «الخطة التاريخية العالمية» ببياناتها المعلنة..( [2])، بعد أن اختزلها أصحاب الطلب في طلب الإعتذار عن كلمة التهجم التي وقعت على لسان بابا الفاتيكان !
كما كان من أخطار هذه البدعة أن تكون المطالبة.. من واقع الإحساس بالوهن والهزيمة النفسية أمام أعداء الإسلام.
فالمطالبون بالاعتذار فعلوا ذلك طمعًا في أن تكون لهم مكانة اليهود عند الفاتيكان؛ حيث اعتذر الفاتيكان لليهود -دون طلب منهم- عن عقائد ومواقف تاريخية للنصرانية ، مثل الاعتذار عن صلب المسيح الذي يؤمنون به !
ولما كان من المستحيل أن يساوي الفاتيكان بين اليهود والمسلمين.. لم يستجب الفاتيكان لتلك المطالب
وقد كان من الممكن توجيه عقول هؤلاء المطالبين إلى المطالبة بالاعتذار، ثم تكون الاستجابة لمطالبتهم اكتفاءً بإيقاعهم في جريمة المطالبة، ولكن أعداء الإسلام ضاعفوا إذلال هؤلاء الناس برفضهم الاستجابة لمطالبتهم.. حتى ولو بمجرد الكلام !!
وبذلك تم اختزال مكانة الأمة في موقف الطلب ورفض الطلب، والثبات على موقف العداء للإسلام، وعدم المساس بتاريخ هذا العداء..!
وإذا اقتربنا من ظروف مطالبة بابا الفاتيكان بالاعتذار عن سب الإسلام، نرى أنه تم الإعلان عن مبادرة «إسلامية» لمعالجة المشكلة مع الفاتيكان !
فتم تكوين وفد من 138 عالم ومفكر ( [3]) (!) ليطالب بالكلمة السواء، دون أن يذكر أن الكلمة السواء الواردة في الآية هي: {أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ}[آل عمران:64].
ولكن الوفد يعلن عن رغبته في إقامة حوار للأديان مع الفاتيكان، في الوقت الذي لا يعترف فيه الفاتيكان بالإسلام كدين سماوي أصلاً !
طلب اعتذار.. وحوار.. لا تفسير لهما إلا الوهن أو العمالة !
ثم تكون المفاجئة.. وهي أن يعيب الفاتيكان على أصحاب المبادرة أنهم لم يشيروا إلى الفرق بين الإله الواحد عند المسلمين، والثالوث عند النصارى!!
أصحاب عقيدة التثليث هم الذين يفاصلون على لسان الأب ترولّ الجزويتى، حيث يقول: «إن الخطاب لم يشر إلى الخلاف السحيق بين مفهوم الله عند المسلمين والله الثالوث عند المسيحيين وابنه الذي تجسد بشرا»( [4]) ..!!
النخبة «الإسلامية» تفرط في قضية التوحيد، والفاتيكان هو الذي يفاصل في قضية التثليث
وبذلك كانت بدعة طلب الاعتذار من أخطر الأساليب الجاهلية في مواجهة الإسلام بفرض الزعامات على واقع المسلمين، مثلما فُرِضَ وفد طلب الاعتذار والحوار على الأمة !
وما تبع ذلك من تسليم الأمة للجهة التي تجاسرت وطالبت بالاعتذار؛ ليصبح معروفًا أن هذه الجهة صاحبة الطلب هي التي تمثل الموقف الإسلامي في المواجهة. وهي من يملك النيابة عن الأمة في أمر دينها وتاريخها.
ثم يفرض الفاتيكان مطالبه ويطالب بتنفيذ هذه المطالب الآن.. وفورا !
فيقول أن خطاب الـ 138 مائع وأخرس، أي لا يقول شيئاً حول نقاط حقوق الإنسان والحرية الدينية، أي إباحة التنصير والارتداد علناً، والمساواة بين الرجل والمرأة، ولا عن فصل الدين عن الدنيا !
ويستطرد هذا الـ «ترول» قائلا أن المسلمين حاليا يقومون بعملية جمود حيال قيم الغرب..
ثم ينتهي مقاله الاستفزازي الكاشف عن نفوس وضمائر أبعد ما تكون عن الحيدة والتسامح الذي يطالبون به، بجملة ترويعية، توضح بصريح العبارة ما ينتظر المسلمين إذا ما تخلفوا عن تنفيذ قرارات «قداسة» البابا بنديكت السادس عشر.. وهي: «أنه سوف يتم دك الغرور القومي الحالي للحضارة الإسلامية، إما عن طريق حرب يشنونها بحيث يخسرها المسلمون، أو أن يتم فرض عملية ارتداد جماعية علي المسلمين واقتلاعهم من دينهم».. ( [5])
لقد جعلت الجاهلية رفض الاعتذار موقفا مبدئيا تعلوا فيه قيمهم الكافرة على مبادئ الإسلام، مثلما رفضت الدنمارك الاعتذار عن الإساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، فأعلنت الحكومة الدنماركية أنها لا تملك ذلك، لأن حرية التعبير أمر مقدس لا يمكن المساس به، في الوقت الذي يتنازل فيه المطالبون بالاعتذار عن الحكم الشرعي في الإساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم !
وبذلك أصبحت بدعة طلب الاعتذار ثقباً من الثقوب السوداء التي صنعتها الجاهلية لتبتلع كرامة الأمة بكل قيمها ومبادئها..!
ومثل غموض الفعل يكون غموض الفاعل؛ حيث تصبح النخبة –النكبة- التي تتكلم باسم الإسلام وتمثله في المواجهة لا تقل خطراً عن الفاتيكان نفسه !
وهذا الخطر امتداد آخر لأثر الإرجاء والفكر المائع ا؛ حيث تأتي المطالبة من فئة موالية لأعداء الله ممن يتم تقديمهم للناس على أنهم «علماء ومفكرون مسلمون»..
لقد كانت جريمتنا يوم سكتنا عن الأسماء والمناصب الكاذبة ولم نتكلم فيهم وفي أمثالهم، ولم نضع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أعيننا لما قال: «وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَمَرَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِنَّ: الْجَمَاعَةِ، وَالسَّمْعِ، وَالطَاعَةِ، وَالْهِجْرَةِ، وَالْجِهَادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَمَنْ خَرَجَ مِنَ الْجَمَاعَةِ قَيدَ شِبْرٍ.. فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَ الإِسْلاَمِ مِنْ رَأْسِهِ، إِلاَّ أَنْ يُرَاجِعَ، وَمَنْ دَعَا دَعْوَةَ جَاهِلِيَّةٍ فَإِنَّهُ مِنْ جُثَا جَهَنَّمَ». قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى ؟! قَالَ:« نَعَمْ، وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِم، فَادْعُوا بِدَعْوَةِ اللَّهِ الَّذِي سَمَّاكُمْ بِهَا: الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ عِبَادَ اللَّهِ »( [6]).
إن الذي يمثل الأمة هم خيارها وليس شرارها، الذين لا يقبلون الدنية في دينهم
ولا يؤمنون إلا بالمفاصلة على الحق والتصور الإسلامي الصحيح..
أما قضايا الأمة العقيدية والمصيرية فإن الأمة كلها لا تملك حق التفاوض فيه -ولو اجتمعت عليه- لأن هذا الحق لا يكون إلا لله وحده هو الذي يفصل بين العباد: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [الحج:17].
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل

--------------------------------------------------
([1]) قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله في كتابه «الصارم المسلول على شاتم الرسول»: وتنتقض عهود الكفار ويكونوا من المحاربين قال تعالى : {وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ} (التوبة: 12).
([2]) حيث يستعين البابا بجيوش مجيّشة فعلاً من المبشرين، بخلاف عشرات المنظمات المعروفة ومنها أوبس داي، وسانت إيجيديو، وجنود الرب، والأطفال المبشرون إلخ..
وأن عدد المبشرين المتفرغين 5151000، وعدد المجلات التبشيرية 33700، وعدد محطات الإذاعة والتليفزيون التبشيرية 3770 محطة، ستصل عام 2025 إلى 10000 محطة.
وقد تم رصد مبلغ 870 مليار دولار، و7 ملايين مبشر، و10000 محطة إذاعة وتليفزيون- للتنصير- حتى عام 2025، إضافة إلى استعانة البابا بكافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية و العلمية والفنية والرياضية وغيرها.
([3]) يتكون الوفد "المسلم" من عبد الحكيم مراد وينتر، من المملكة المتحدة ؛ و عارف على النايض، الليبي الذي يشغل منصب "عميد المعهد الباباوي للدراسات العربية والإسلامية"، وفقا لما هو وارد في هذا الخبر المعلن من الفاتيكان ؛ وسرجيو يحيى بللافيتشينى، نائب رئيس "جمعية مسلمي إيطاليا"؛ وإبراهيم كالين، وهو تركي ويشغل منصب أستاذ مساعد للدراسات الإسلامية في "كلية الصليب المقدس" إضافة إلى إدارة مؤسسة سيتا ؛ وسهيل نخّودة مدير "المجلة الإسلامية"، وهو هندي الأصل ويقيم في الأردن؛ والأمير غازي بن محمد بن طلال، رئيس معهد الفكر الإسلامي في عمان ومتزعم تلك المبادرة "الإسلامية"..
([4]) يراجع مقال د. زينب عبد العزيز: أفيقوا أيها المسلمون، موقع المصريون: 1/2/2008.
([5]) يراجع مقال د. زينب عبد العزيز: أفيقوا أيها المسلمون، موقع المصريون: 1/2/2008.
([6]) رواه الترمذي وأحمد بسند صحيح وأصله عند مسلم.

رفاعي سرور

الأحد، 22 فبراير 2026

عاد لنعود ..!

عاد لنعود ..!

.. أعاد الله علينا رمضان لعلنا نعود،
فيارب كما مننت علينا بإقبال شهر الخيرات والمكرُمات ونحن سالمين مسلمين؛ فأقبل بقلوبنا فيه إليك، لنكون من الصالحين المصلحين المقربين لديك .. ووفقنا في رمضان أن نكون من أهل الذكر والشكر والرضوان ..
واجعلنا وآباءنا وأمهاتِنا وإخوانِنا وأخواتِنا وذرياتِنا وسائر أحبابِنا _ أحياءً وأمواتًا _ من عتقائك الناجين الفائزين؛ ومع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ..
وانصر يارب أولياءك المؤمنين، وأهلِك الظالمين بالظالمين واجعل هلاكهم نجاة لعبادك المستضعفين في المشارق والمغارب يارب العالمين.
وكل عام وأنتم ومن تحبون .. على خير ما مايحب الله وخير ماترجون..

رمضان وهموم الأمّة

بسم الله الرحمن الرحيم

رمضان وهموم الأمّة

د. عطية عدلان 

مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول- أستاذ الفقه الإسلامي

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

تستقبل الأمّة شهر رمضان المعظم وهي مُثْقَلة بالهموم، مُثْخَنة بالجراح، مُحَمَّلة بالأعباء العِظام والتحديات الجِسام، وهي إذ تعاني هذه المعاناة تنظر أمامها وحولها فلا ترى إلا أبواباً موصدة؛ فأين السبيل؟ وكيف الخلاص؟ 

هذا موجز لما نتعرض له في هذا المقال.

    وعندما يكون الحديث عن هموم الأمّة؛ فإنّه لا ينحصر في عرب أو عجم، ولا ينحسر عن سَهْلٍ في أرض الإسلام أو أَكَم، ولا يخطئ أحداً من أهل القبلة إلا من أجرمَ أو ظَلَم، فكل من لم يتلبس من هذه الأمة بظلم أو إجرام أو موالاة للظالمين المجرمين؛ فهو داخل في الحديث عن هموم الأمة مشمول بالخطاب، وبما يرتب على هذا الخطاب من تبعات ومسئوليات، بل إنَّك لن تُتَّهَمَ بالغلو أو المزايدة - إلا مِنْ قِبَلِ الغلاة والمزايدين - إذا زعمت أنّ كافة الخلق الذين لم تبلغهم دعوة الإسلام على وجهها الصحيح داخلون في هذا الهمّ؛ فَقُلْها إذاً ولا تَخْشَ؛ فإن زايد على الحقّ المزايدون - وإنّهم لجهال سمجون - فلا تزد على الصدع بهذه الآية: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء 107).

    وعندما يكون الحديث عن رمضان فإنّ كافّة المسلمين يعلمون علم اليقين كم هو شهر عظيم في قدره وفضله، في قدره ومنزلته وشرفه، وفي فضله وخيره وآثاره، ولا يذهب عن حسّهم ووجدانهم أنّه الشهر الذي شرف بأن يكون هو الظرف الزمانيّ المشتمل على أعظم حدث في تاريخ هذه الإنسانية: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة 185)، كما لا يغيب عن مشاعرهم وضمائرهم وأشوقهم وأذواقهم أنّه الشهر الذي يذوق المؤمن فيه طعم العبادة ولذة الطاعة وحلاوة المناجاة، وأنّه من بين شهور السنة اصطفاه الله ليكون محلا لعبادة الصيام وشعيرة التهجد والقيام، لكن الذي ربما ينساه الكثيرون - بما قد يقلل من استفادتهم به - أنّ رمضان للمسلمين بمثابة (محطات التموين) للسائرين، يتزودون منها في طريقهم للآخرة، وفي طريقهم لبناء حضارتهم، وفي طريق نضالهم لخير الخليقة كافّة؛ حيث إنّهم كما أخبر الرحمن: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران 110).

    أمّا الجراح فليست بخافية؛ وكيف تخفى وهي تنزف دوماً فلا تَرْقَأ، وتُنْكَأُ أبداً فلا تشفى ولا تَبْرَأ، فَمَنْ للأسرى في سجون الطغاة، قد ضاقت عليهم على كثرتها وكثرة ما فيها من زنازين؛ لدوام الدخول فيها وانعدام الخروج منها، ومن للمُهَجَّرين من بيوتهم وحياتهم إلى العراء أو الشتات؛ لا لشيء إلا لإعادة تقسيم المقسم وتمزيق الممزق، ومن لأوطان تهدمت فلم يبق فيها حجر على حجر ولا أثرٌ موصولٌ بأثر، قد خربت عواصمها ونهبت خزائنها ويبست مرابعها وتلفت مهاجعها، ومن لدين قد تداعت عليه كلاب الأرض؛ تنهش وتمزق، ثم تصول وتجول بما في أفواهها وبين أضراسها من مزع.

    فَلْنَفْرَغْ للهموم وَلْنَفْزَعْ للتحديات؛ ولْنَرْفعْ من اللبنات الصغيرة قِمَمًا شامخة، ولْنُخرجْ من النواة اليابسة نخلا يافعا باسقا، فإنّنا قادرون إن شئنا على تفجير فلق الصبح من غسق الليل، بشرط أن ندرك ما معنا من إمكانيات إدراكا صحيحا كاملا، وندرك أيضاً كيف نوظفها التوظيف الصحيح، الذي يعظم من فوائدها ويضخم من نتائجها وعوائدها، مع تَوَفُّر الهمة وصدق العزيمة وإخلاص النية؛ والسنة الكونية الماضية لا تزال تهتف بالعاملين: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (التوبة 120).

    ولنبدأ من حيث وُضِعَتْ أقدامنا دون إرادة منَّا ولا تدبير، من حيث وجدْنا أنفسنا مع سائر خلق الله على رأس منعطف حاد في مسيرة الإنسانية، ها نحن جميعاً سكانَ الكوكب الأرضي وأبناء الحضارة المعاصرة، ها نحن على اختلاف الملل والنحل وتفرُّقِ الغايات والعلل نجتمع على حقيقة واحدة، حقيقة استقرت على أرض الواقع استقرار سفينة نوح على الجوديّ، ألا وهي "إفلاس الحداثة" وعجزها عن مواجهة الطبيعة، فلقد عَرفت الحضارة المعاصرة قدرها واعترفت بعجزها أمام تحدي القدرة الإلهية، وانهارت الهياكل الفكرية التي بنيت عليها النظم المعاصرة كافة، فما عاد أحد في أي شبر من الأرض يجرؤ على الجهر بموت الإله أو حتى بانعزاله وانشغاله بنفسه بعيدا عن الكون وساكنيه، وما عاد الإنسان سيدا على الطبيعة قادرا على خطم أنفها وحطم قواها، وكأنّ أبناء الغبراء يخشون وعيد السماء: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85)) (غافر 83-85).

    ومهما تباينت الرؤى واختلفت التوقعات عن شكل النظام العالميّ القادم بعد انقضاء هذه الجائحة؛ فإنّ هناك شيئاً لا يُختلَف عليه ولا يُمارَى فيه، وهو أنّ فطرة الإنسانية قد تغيرت وأن قناعات الناس قد تبدلت، وما عاد من السهل إعادة العقول النافرة من المنظومة الفكرية المعاصرة إلى الحظائر التي أجبرت على العيش فيها بكافة أساليب الإجبار، العنيف منها واللطيف، لقد انتفض الإنسان داخل كل إنسان، وأفاق ابن آدم من سكرته وراح يتلمس سبيلا غير سبيل المجرمين، وسواء أدرك المتربصون به ذلك أو لم يدركوا فلا سبيل إلى السيطرة على الثورة إذا شبّ لهيبها من الأعماق.

    وإذا كنّا نحن المسلمين نؤمن بأنّ الإسلام دين الإنسانية فإنّ فرصتنا في الخلاص وتحقيق الخير لنا ولها مواتية ومهيأة، وإذا كانوا قد حبسونا في أزماتنا وأغلقوا دوننا ألف باب وأسدلوا بيننا وبين الناس ألف ستار وحجاب؛ فإنّ الله قد فتح لنا أوسع الأبواب، باباً لا يملك أحد غلقه بقرار ولا فرمان، إنّه باب الفطرة الْمُسْتَنْفَرَة والعقل الْمُهْتاج، إنّ كل مسلم - وليس الأمر حكرا على أحد - مطالبٌ اليوم بأن يقدم الإسلام للناس فكرا وسلوكا ومنهجا وأخلاقاً، وأن يجادل عنه باللتي هي أحسن، وأن يفعل ذلك وهو واثق بأنّ التحول الحضاريّ القادم سيكون المستقبل فيه للمعذبين اليوم في الأرض، وإِنْ بعد حين.

    وها نحن على مشارف رمضان، وعلى مقربة من الخير العميم رميةً بحجر، فهل نستطيع أن نقلب النقمة إلى نعمة؟ هل نستطيع أن نحول سلبية غلق المساجد إلى إيجابية واقعية وليست خيالية؟ وأن نستلهمَ من سلوكنا هذا درسا كبيراً في صناعة التحول الحضاريّ، وأن نكتسب بهذا السلوك منهجاً وثّاباً قادرا على صناعة الفجر عبر تحويل النِّقَم إلى مِنَنٍ ونعم؟ لا ريب أنّنا سوف نحرم هذا العام من خير كثير، فلا تهجد ولا قنوت ولا اعتكاف ولا دعوات، إنّنا لم نألف هذه العزلة ولم نتعود هذه الفرقة، إنّها بالفعل نقمة بل وكارثة لا يدرك وقعها إلى من ذاق في سابق أيامه حلاوة العبادة في رمضام!!

     لكنّنا في غمرة العمل وسكرة العبادة كنّا نرى خرقا لا نملك له رتقاً، والآن قد آن الأوان لإعادة البناء من جديد، إنّ مُكْثَنا في البيوت - وإن كان صعبا على الكثيرين منّا - هو - وَرَبِّ الناس - خيرٌ ونفعٌ ومصلحة؛ إذْ لَطَالَمَا رأينا في أولادنا وأهلينا الحاجة إلينا؛ دون أن يكون عندنا سعة في الوقت والجهد لتلبية حاجاتهم، وهذه الحاجات ليست من نوع الحاجات التي يمكن أن توكل إلى غير الأبوين أو يفوض غيرهما بعبئها ومسئوليتها، وإنّنا والله لفي حاجة إلى إعادة بناء الأسر من جديد، وإنّها بلا ريب فرصة عظيمة؛ فلنتهجد مع الأهل والأولاد والأسرة والعائلة، ولنجتهد في غرس معاني التقوى والخشية والإنابة والخشوع والإخبات في الجيل القادم، ولتكن دارُ كل واحد منّا دارَ الأرقم لأهله وعائلته.

    لا أقول إنّ إعادة بناء الأسر انطلاقا من القيام والتهجد في البيوت هي الحل لما نحن فيه من أزمات، ولا يقول بذلك أحد، وهي وإن كانت جزءا من الحل فليس المقصود بها الأثر المجاور فقط، وإنّما المقصود الأثر الأكثر تعديا وسرياناً، وهو الأثر النفسي والمنهجيّ، الذي نوجزه في هذا السؤال: كيف نُحِيل النقم إلى نعم؟ وكيف نفجر الصبح من غسق الليل؟ وكيف نُخْرِج من النواة اليابسة نخلة باسقة؟ ونَبْني بضم حصاة إلى حصاة درجة في سُلّم الصعود؟

    إنّ رمضان شهر لا يُوقِف أثرَه ولا يُعِيق مدَّه شيء، إلا عند من لا يتهيأ له، إنّه حالة كونية قبل أن يكون حالة شرعية؛ ألا ترى أنّ الله تعالى جعل فيه ليلة أفضل وأخير من ألف شهر؟! ألا ترى أنّ الملائكة تتنزل فيها بالتدبير من لدن اللطيف الخبير؟! ألم تعلم أنّ الشياطين في رمضان تصفد؟ وسواء كان ذلك حقيقة أو مجازاً، وأيّا كان المعنى الذي يحلو لك أن تحمل عليه خبر النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإنّ الذي لا خلاف عليه هو أنّ رمضان له خصوصية روحانية، يزيد من روعتها تفتح أبواب الجنان وانزواء شؤم النيران.

    فلننطلق - إذاً - ولنتخذ من رمضان زاداً لنا على الطريق، ولنحرص على الفرصة السانحة، فرصة الدعاء واللجأ إلى رب الأرض والسماء؛ فإنّ آيات الصيام عرجت على الدعاء وقطعت السياق للإشعار بإهميته: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة 186)، ولنتعلم من رسول الله ومن أدعية القرآن كيف تدخل على الله وكيف نحسن التضرع إليه والتوكل عليه.

    إنّ معنا ما لو تعلم قيمته الأمم لجالدتنا عليه بما تملك من سلاح، إنّنا أصحاب منهج ربانيّ تنتظره البشرية كلها على لهفة وشوق، وإنّ هذا المنهج لهو الموافق للفطرة التي فطر الله الناس عليها، فلنكن أهلا لحمله علما وعملا وسلوكا وخلقا، وإذا كانت المساجد قد غُلِّقت مؤقتاً فلتكن بيوتنا: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (يونس 87).

   فَلْنَسْتَبْشِر وَلْنَنْشُر البشرى في حواضرنا وبوادينا؛ وَلْنُيَسِّرْ على الناس أمر دينهم وأمر دنياهم، كما قال رسول الله: (بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا).    

ماذا تريد أمريكا من سوريا؟

 ماذا تريد أمريكا من سوريا؟

 . حسن الرشيدي



ما هو موقع سوريا من الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة؟ ولماذا تطلق واشنطن يد إسرائيل في الجنوب السوري؟ وما الدور الذي تريده الولايات المتحدة بالتحديد من سوريا حتى تقبل بها جزءا من المنظومة الإقليمية

"نحن نحب المسار الحالي، ويجب أن نحافظ 

عليه."

هذا ما قاله وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو منذ عدة أيام وتحديدا في 15 فبراير خلال زيارته لبراتيسلافا في سلوفاكيا، عقب اجتماعه التاريخي الذي عقده في ميونخ مع كل من وزير الخارجية السوري وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

ووصف روبيو الاجتماع الثلاثي بالتاريخي، وأكد أن اجتماعه المشترك مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني وقائد قسد مظلوم عبدي في ميونخ كان خطوة غير مسبوقة.

وأسهب روبيو في شرح فلسفة الإدارة الحالية (إدارة ترامب) في التعامل مع سوريا بعد سقوط النظام السابق، مشيرا إلى أن واشنطن كان أمامها خياران:

الخيار الأول: ترك البلاد تتفكك إلى 18 قطعة، مما يؤدي لحرب أهلية طويلة، وهجرة جماعية، وتحول سوريا لملعب للإرهاب وإعادة نفوذ إيران.

الخيار الثاني: محاولة العمل مع السلطات الانتقالية والرئيس أحمد الشرع وفريقه.

وأكد روبيو: لقد اخترنا الخيار الثاني لأنه الخيار المنطقي الوحيد.

وكشف وزير الخارجية الأمريكي عن أنالرئيس ترامب تواصل شخصيا مرتين مع الرئيس السوري أحمد الشرع لطلب وقف القتال، وذلك لتسهيل نقل آلاف معتقلي تنظيم داعش إلى العراق، ومنح وقت إضافي لإتمام عملية دمج القوات الكردية في مؤسسات الدولة السورية.

وأعرب روبيو عن رضاه عن المسار العام للأحداث في سوريا رغم التحديات، لكنه شدد على ضرورة المضي قدماً في تنفيذ الاتفاقات.

وأكد أن الاتفاق مع الأكراد ليس النهاية، بل يجب الوصول لاتفاقات مشابهة مع الدروز والبدويين والعلويين لضمان تمثيل كافة مكونات المجتمع السوري وتأمين حقوقهم.

وقد أوردت تلك التصريحات بطولها، لأنها كانت تعبيرًا عن المواقف الأمريكية الأخيرة، والمنقولة عن أعلى قيادة سياسية في امريكا بعد الرئيس الأمريكي، والذي أوضح فيها جانبا من التعامل والاهتمام الأمريكي بسوريا بعد بشار.

وبناءً على تلك التصريحات وتحركات إدارة ترامب، يمكننا تحليل السياسة الأمريكية تجاه سوريا الجديدة، بقيادة الرئيس أحمد الشرع.

الواقعية في علم السياسة

في وجهة نظرنا يعد الاقتراب الواقعي في العلاقات الدولية، يمثل العدسة الأكثر دقة لفهم عقلية ترامب-روبيو.

هذا الاقتراب يركز على المصالح الصلبة، ويبتعد عن المثالية أو نشر الديمقراطية، وغيرها من الشعارات التي طالما تغنى بها الديمقراطيون أو بعض القيادات في الحزب الجمهوري.

ولكن ما هو الاقتراب الواقعي؟

هو مدرسة فكرية، تفترض أن النظام الدولي فوضوي، ولا توجد سلطة عليا تحمي الدول، لذا فإن المحرك الوحيد لسلوك الدولة هو المصلحة الوطنية والبحث عن القوة والأمن.

ويقوم هذا الاقتراب على فلسفة فهم العالم كما هو، وليس كما ينبغي أن يكون.

 

أمريكا لا تريد ديمقراطية مثالية في سوريا، بل تريد دولة وظيفية مستقرة تحمي حدود الكيان، وتمنع تمدد النفوذ الإيراني، وتكفي واشنطن شر التدخل العسكري المباشر ضد داعش.

كما يستخدم سياسات مثل الصفقات المقايضة، وتوازن القوى، والاعتراف بالأمر الواقع.

ويتعامل أصحاب الواقعية السياسية مع الدول المختلفة بمنطق لا يهم من يحكم، أو ما هي خلفيته الأيديولوجية، المهم هو: هل يستطيع تأمين مصالحنا ومنع خصومنا من التمدد؟

الواقعية في سياسة ترامب تجاه سوريا

إذا حاولنا تطبيق اقتراب الواقعية السياسية على استراتيجية ترامب تجاه سوريا منذ سقوط الأسد وحتى الآن، سنجد أن إدارة ترامب لم تعد تنظر لسوريا كملف حقوق إنسان، أو تغيير نظام، بل من خلال عدة مبادئ:

1. مبدأ الاستقرار مقابل الشرعية

فقد تخلت أمريكا عن قانون قيصر، والعقوبات، ولكن بشكل مؤقت ومرن، مقابل التزامات أمنية من أحمد الشرع. الواقعية هنا تقول: سوف نمنحك الاعتراف وعدم وضع فيتو على مشاريع الاستثمار لإعادة الإعمار، مقابل أن تنهي نفوذ إيران، وتضمن أمن الكيان الصهيوني.

مع العلم أن الولايات المتحدة، وخصوصا في عقيدة ماركو روبيو وإدارة ترامب، لا تسعى لتدمير الدولة الإيرانية ككيان لأن ذلك سيوجد فراغا هائلا وفوضى لا يمكن التنبؤ بها في الخليج وآسيا الوسطى، بل تسعى لتحجيم إيران، وإبقائها دولة داخل حدودها.

فإدارة ترامب تسعىمن خلال علاقاتها بالنظام السوري إلى قطع الأذرع، وليس ضرب الرأس في طهران، وتجفيف الممر البري (طهران-بغداد-دمشق-بيروت).

فالتحجيم هنا يعني إنهاء الدور الوظيفي لسوريا كقاعدة إمداد لحزب الله وكساحة نفوذ للحرس الثوري.

2. تتمثل الواقعية السياسية لدى الإدارة الأمريكية أيضًا، في توازن القوى الداخلي، ومحاولة دمج قسد في النظام السوري الجديد.

وقد استعرضنا تصريح روبيو عن تاريخية اجتماع ميونخ، والذي يعكس رغبة أمريكا في ايجاد توازن داخلي.

فإدارة ترامب، لا تريد للأكراد أن يكونوا دولة مستقلة تجنبًا لصدام مع تركيا، أما كلامها على أن الحكومة السورية عليها الوصول لاتفاقات مع الأكراد، الدروز، البدو، والعلويين، فهذا مرجعه إلى ضغوط من أعضاء الكونجرس والذين يبتزهم اللوبي الصهيوني.

 ولذلك فإن امريكا تريد عنوانًا واحدًا في دمشق تتعامل معه وهو الشرع، لكنها تريده عنوانًا يرأس شراكة ولا ينفرد بالحكم، ويضمن إيجاد ثقل موازن، يحرص على بقاء النفوذ الأمريكي داخل مؤسسات الدولة السورية الجديدة.

3. أما المبدأ الثالث للواقعية الأمريكية في سوريا، فتتمثل في ملء الفراغ لمنع الخصوم من التمدد

فالتركيز الأمريكي وفق هذا المبدأ ينصب على الجغرافيا السورية ومنع تحولها إلى منطقة رمادية، فالواقعية ترى أن الطبيعة تمقت الفراغ؛ فإذا انهارت مؤسسات الدولة أو تفتتت سوريا (كما حذر روبيو من الـ 18 قطعة)، فإن إيران وأذرعها ستملأ هذا الفراغ فورا وبشكل تلقائي، أو التدخل الروسي كما حدث بعد 2011.

فالهدف هنا بناء دولة سورية قوية وموحدة مؤسساتيًا وعسكريًا، لتكون هي السد الذي يمنع التمدد الإيراني الطبيعي. أمريكا هنا لا تقايض، بل تستثمر في استقرار الدولة لمنع الخصوم من إيجاد موطئ قدم.

4. تهدف الواقعية الأمريكية أيضًا، إلى جعل الحكم السوري الجديد يتولى زمام ما تسميه مكافحة الإرهاب ومحاربة داعش، وبذلك يتم تحويل عبء الأمن من الميزانية الأمريكية إلى الحكومة السورية الجديدة.

الخلاصة: أمريكا لا تريد ديمقراطية مثالية في سوريا، بل تريد دولة وظيفية مستقرة تحمي حدود الكيان، وتمنع تمدد النفوذ الإيراني، وتكفي واشنطن شر التدخل العسكري المباشر ضد داعش.

الجرح الغائر

يبدو أن هناك جرحًا غائرًا في الواقعية الأمريكية تجاه سوريا.

فتصرفات الكيان الصهيوني تجاه الحكم السوري الجديد تنسف هذه الواقعية الأمريكية المعلنة، والتي تريد تقوية النظام الجديد وتمكينه وإعطائه الفرصة لممارسة سلطاته، فجيش الكيان الصهيوني يتوغل يوميًا في سوريا.

وقام بقصف دمشق، واحتل أجزاء جديدة من الجنوب السوري، وساند تمرد الدروز، ومنع الحكومة السورية من بسط نفوذها في السويداء، ولم تتوقف السياسة العدوانية لدولة الكيان الصهيوني تجاه الحكم الجديد في سوريا، حتى بعد تحسن العلاقات بين ترامب والشرع.

وتفسير ذلك: إما ترامب لا يستطيع إجبار نتانياهو على وقف تربصه بسوريا، أو أنه يؤيد الاعتداءات الإسرائيلية لغرض ما.

وبما أن ترامب استطاع إرغام نتانياهو على إيقاف حرب غزة، فترامب لا تنقصه القدرة على الضغط على الكيان.

يبقى أن هناك غرضًا أمريكيًا في إبقاء الضغط الصهيوني على النظام السوري.

والإجابة تكمن في الواقعية النفعية.

ترامب ليس عاجزًا، لكنه لا يرى مصلحة أمريكية في حماية سيادة سوريا حاليًا. بالنسبة له، كلما توغل جيش الاحتلال الصهيوني، زادت حاجة الشرع للوساطة الأمريكية، مما يرفع من قيمة الصفقة التي تريدها واشنطن، وإرغام حكومة دمشق على الدخول في اتفاقات إبراهيم، أو اتفاق أمني شامل يشبه اتفاق 1974 ولكن بشروط 2026.

والرسالة الأمريكية في تأييدها للأعمال العدائية الصهيونية، ليست موجهة فقط للحكم الجديد فقط، بل إلى أكبر داعميه وهي تركيا.

فالموقف الأمريكي ليس موجها ضد تركيا بالمعنى العدائي، بل هو موجه لضبط إيقاعها:

فمغزى الرسالة إلى تركيا: لا تحاولوا الانفراد برسم خارطة سوريا؛ فالكيان الصهيوني وبدعم صامت منا سيبقى اليد الطولى التي تمنع أي تغيير استراتيجي لا نرضى عنه.