«30» يـــومــاً لهــدم نســـختــك القـــــديمــــة
في كل عام ومع ثبوت رؤية هلال شهر رمضان، ندخل جميعاً في طقوس مألوفة؛ نُعيد ترتيب موائدنا، ونبرمج ساعات نومنا، ونتحمَّل بصبر ذلك الصداع المزعج في الأيام الأولى، والناتج عن انسحاب الكافيين من أجسادنا. نركّز بشدة على المعدة، ونحسب بدقة ما يدخل إليها وما يمتنع عنها، ونجتهد في تفريغ أجسادنا من السموم المادية.
لكن، دعني أسألك بصدق وبعيداً عن المثاليات:
وسط هذا الزحام الروحاني والاجتماعي، ماذا عن عقلك؟ ماذا عن تلك السلوكيات الخفية والأفكار السلبية التي تستهلك من طاقتك النفسية أضعاف ما يفعله الجوع والعطش؟
إننا نمارس الصيام بشقه الجسدي بامتياز واقتدار، لكننا غالباً ما نغفل عن المفهوم الأعمق والأكثر تأثيراً في مسيرتنا، وهو «صيام العادات».
يخبرنا خبراء السلوك الإنساني وعلماء النفس أن هدم عادة سلبية متأصلة، أو بناء أخرى إيجابية، يتطلب في المتوسط ما يقارب الثلاثين يوماً من الالتزام المستمر والمراقبة الواعية. والمفارقة المذهلة هنا، هي أن هذا الشهر الفضيل يمنحك بالضبط هذه المساحة الزمنية؛ وكأنه «معسكر تدريبي» مكثف ومجاني، صُنع خصيصاً ليتيح لك ولنا جميعاً إعادة برمجة أدمغتنا، وتفكيك تلك السلوكيات التي نمارسها بآلية عمياء طوال العام دون أن نتوقف لحظة لنتساءل عن جدواها.
دعونا نخرج من الصندوق قليلاً ونتأمل ذواتنا. ماذا لو قررنا هذا العام أن نصوم عن «الجلد الذاتي» المستمر الذي نمارسه ضد أنفسنا عند كل إخفاق؟ أو أن نصوم عن «التسويف» والمماطلة التي تغتال أحلامنا وطموحاتنا وراء ستار «منطقة الراحة»؟ تخيل لو أنك اتخذت قراراً حاسماً بـ «الصيام العاطفي» عن الاستجابة السريعة للمستفزين، أو الصيام عن المقارنات المدمرة التي تفرضها علينا وسائل التواصل الاجتماعي، حيث نقيس قيمتنا الحقيقية بنجاحات الآخرين الوهمية والمفلترة.
رمضان في جوهره النفسي هو دعوة صريحة للسيطرة؛ ليس فقط على شهوة الجسد، بل على جموح النفس وانفلات الأفكار.
هو تدريب قاسٍ وجميل في آن واحد لامتلاك «ريموت كنترول» حياتك من جديد. عندما تقاوم رغبتك الملحة في الرد بانفعال على كلمة جارحة، أو عندما تكبح جماح فضولك في التدخل في حياة الآخرين، فأنت لا تصوم فقط، بل تمارس أرفع درجات التنمية الذاتية.
أنت تثبت لنفسك، قبل أي شخص آخر، أنك سيد قراراتك، وأن إرادتك الحرة أقوى بكثير من عاداتك المبرمجة.
ولنا أن نستشرف المستقبل، ونحن نقف اليوم على عتبات هذا التغيير الجذري، لنتساءل: كيف ستبدو حياتنا، وكيف سيكون شكل مجتمعنا بعد خمس أو عشر سنوات من الآن، لو أننا حولنا «صيام العادات» إلى منهج حياة مستدام يتجاوز حدود الشهر؟
الإجابة مبشرة وعميقة؛ سنشهد حتماً ميلاد جيل يمتلك حصانة نفسية صلبة، وتدير فيه العقول انفعالاتها بذكاء عاطفي عال ومرونة فكرية تتجاوز صغائر الأمور.
سنرى مجتمعاً أفراده متصالحون مع ذواتهم، يركزون على البناء الداخلي وتطوير المهارات بدلاً من القلق المستمر والركض خلف المظاهر. سننتقل حينها من كوننا مجرد أفراد يمتنعون عن الطعام مؤقتاً، إلى طاقة بشرية هائلة تمتلك زمام أمرها، وتعرف جيداً كيف تدير أزماتها وتصنع نجاحاتها بهدوء وثبات.
في النهاية، الصيام لم يُشرع يوماً ليكون عقاباً للجسد أو امتحاناً لقوة التحمل فحسب، بل وُجد ليكون ارتقاءً بالروح وإعادة هندسة شاملة للعقل البشري. لذا، وحين يُرفع أذان المغرب وتمد يدك لتكسر صيامك بحبات من التمر ورشفة ماء، أتمنى أن تمتلك الشجاعة الكافية لتكسر معها قيود عاداتك البالية، ومخاوفك القديمة، وترددك الدائم. لأن العيد الحقيقي لا يكمن أبداً في اليوم الذي نعود فيه بشغف إلى ممارسة سلوكياتنا السابقة، بل يكمن في تلك اللحظة الفارقة التي نحتفل فيها بصدق بميلاد نسخة جديدة.. نسخة أكثر وعياً، وأصلب إرادة، وأعظم نفعاً من أنفسنا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق