الاثنين، 16 فبراير 2026

قوة إيران وصياح دجاج المزرعة الإسرائيلية

قوة إيران وصياح دجاج المزرعة الإسرائيلية




وائل قنديل

المطلوب أميركياً وإسرائيلياً من إيران هو المطلوب والمفروض على حركة حماس والمقاومة الفلسطينية عموماً: نزع السلاح فوراً ونهائياً، وهو ما سيؤدّي (حال حدوثه) إلى تحويل المنطقة إلى مزرعة إسرائيلية، تنتقي منها كل يوم ما تشاء من شياه أو دواجن للذبح. 

منذ البداية، كان الهدف الرئيس في بنك الأهداف الصهيونية الأميركية هو القضاء على أيّ احتمالية لبقاء قوة عربية أو إقليمية تكون مزعجةً أو مهدّدةً لقوة الاحتلال. 

ومن ثم لم تُخفِ كل من واشنطن وتل أبيب منذ بدء العدوان على غزّة أن المطلوب هو الإجهاز على كل المقاومات العربية أولاً، في غزّة ولبنان والعراق، للوصول مباشرة إلى الثمرة الكبرى: نزع سلاح إيران المزعج للكيان الصهيوني، على اعتبار أن طهران باتت الطرف الوحيد في الشرق الأوسط الذي لا يزال يحتفظ بمشروع مناوئ للمشروع الصهيوني.
الارتباط بين القوة الإيرانية ومجموعات المقاومة العربية ليس مفتعلاً أو مصطنعاً، وليس (كما تكذب الرواية الصهيونية الخالصة وتلك العربية المتصهينة) علاقة بين تابع ومتبوعين، أو بين قوة إقليمية ووكلاء محلّيين. إذ من المشين أن يزعم تلميذ يدرس العلوم السياسية أن إيران ما بعد الثورة دخيلة أو مقحمة على القضية الفلسطينية، حتى مع التسليم بأن انخراطها في الصراع يحمل جانباً براغماتياً يضع في اعتباره مصلحة إيران، الدولة الطامحة إلى تعزيز نفسها قوةً إقليميةً في منطقة هي جزء أصيل من بنيتها الحضارية والجغرافية.
ومنتهى الخفّة في التحليل والابتذال في القراءة تصوير كل مقاومة عربية نبتت من هذه الأرض العربية على أنها وكيل أو ذراع للمشروع الإيراني. هذا استسهال مقيت ينزع عن هذه المقاومة جوهرها الوطني والأخلاقي، ويحولها إلى شيء أقرب إلى مليشيات للاستعمال. ومنتهى الاحتقار لمنطق التاريخ والجغرافيا أن ينظر إلى قوة إيران بوصفها خصماً من إمكانات القوة العربية، مثلها مثل قوة الكيان الصهيوني الساعي إلى إخضاع الشرق الأوسط لأحلامه وأوهامه التلمودية.
والحال كذلك، يصبح التعاطي المحايد مع التحرّكات الأميركية الإسرائيلية ضدّ إيران نوعاً من الانصياع لمنطق المزرعة الشرق أوسطية كما تحلم بها وتخطط لها إسرائيل؛ ذلك أن التخلّص من إيران، القوة الحضارية والعسكرية المعتبرة، سيفتح المجال أمام تل أبيب وواشنطن لممارسة الوصاية على كل مدينة عربية. وأمامنا ما يدور في الضفة الغربية الآن، إذ يتصرّف الاحتلال في الجغرافيا الفلسطينية تصرّف صاحب المزرعة المطمئن إلى أن أحداً لن يستطيع إيقافه، بعد أن ضمن أنه لم يعد ثمّة سلاح يهدّده. ويمكنك المقارنة بين لوثة الاستيطان التي فجّرت انتفاضة الشيخ جراح في القدس والضفة قبل بضع سنوات، وكيف كانت غزّة، بقوتها الصاروخية والمعنوية، حاضرة في المعادلة التي أسفرت عن ردع قطعان المستوطنين وحكومتهم، وبين الوضع الراهن الآن، الذي هو نتيجة مباشرة للمؤامرة العربية الكاملة على سلاح المقاومة، بل على مشروع المقاومة نفسه. لنكون أمام أكثر اللحظات بؤساً في تاريخ مواجهة المشروع الصهيوني، الذي لم يعد ثمة ما يردعه سوى إيران بوصفها القوة الإقليمية التي تقاوم الغطرسة الإمبريالية، كما تقاوم مجموعات النضال الفلسطيني خطر الضياع الكامل للقضية وما تبقى من الأرض.
في هذه اللحظة حالكة السواد يأتي رئيس ما يسمّى "مجلس القيادة الرئاسي اليمني"، رشاد العليمي، ليصطف تماماً مع المشروع الأميركي الإسرائيلي، ضدّ إيران وما تبقّى من ملامح مقاومة عربية داعمة لصمود الشعب الفلسطيني. فيعلن الحرب من ميونيخ، حيث ينعقد مؤتمر للأمن الدولي، على إيران وجماعات المقاومة العربية، معلناً بين يدي مسعد بولس، المندوب السامي الأميركي، أن "المشروع الإيراني هو التهديد المركزي لاستقرار اليمن والمنطقة"، ومطالباً الأوروبيين والأميركيين بإجراءات أكثر عنفاً وصرامةً ضدّ إيران والحوثيين.
مرّة أخرى، التحرّش الأميركي الإسرائيلي بالقدرة العسكرية الإيرانية لا ينفصل عن مشروعهما الذي يمضي، بأموال عربية، لتحويل المنطقة إلى "المزرعة السعيدة" بالنسبة إلى الكيان الصهيوني، انتقاماً من طهران التي قرّرت أن تقوم بما كان يجب أن يقوم به العرب تجاه غزّة وفلسطين، لكنهم تقاعسوا عنه، بسعادة تليق بالمنتحرين بحبوب التطبيع.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق