رحلة إلى الأعماق
أ.د. جمال عبدالستار
هلمَّ بنا نرحل لا إلى أرضٍ تُرى، ولا إلى أفقٍ تُدركه الأبصار، بل هي رحلةٌ إلى الأعماق؛ حيث يسكن الكنز الدفين، وتُخبَّأ الثروة الضائعة، ويتوارى نورٌ خافتٌ ينتظر من يوقظه، إنها رحلةٌ لا تحتاج زاداً من متاع الدنيا، بل تفتقر إلى شجاعة مواجهة، وصدق بحث، وحنينٍ لم ينطفئ تماماً في أفئدتنا، سنبحر معاً في عباب الداخل، نُنقّب بين طبقات النفس عن شوقٍ باهتٍ أرهقته الغفلة، وعن يقينٍ غطّاه غبار الأيام، وعن بوصلةٍ اضطربت حين تكاثرت الاتجاهات؛ لسنا هنا لنجلد ذواتنا، ولا لنغرق في عتمة العتاب، بل لنستعيد توازن القلب، ونضبط مؤشر الروح على جهة السماء.
فهيا بنا نغوص.. نُزيح الركام عن معادننا الأصيلة، ونمسح الضباب عن مرآة أرواحنا، حتى يعود النور أوضح، والشوق أصدق، والبوصلة أثبت، إنها رحلة إصلاحٍ لا استعراض، وعودة لا هروب، واكتشاف يعيد إلينا أنفسنا كما أرادها الله: حيّةً، واعيةً، متجهةً إليه بالكلية.
افتح باب قلبك
أغمِض عينيك الآن.. واستشعر في صمتك ذاك النداء الخالد: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) (الذاريات: 50)، إن هذا الفرار ليس هروباً من الدنيا بحد ذاتها، بل هو نزوحٌ مقدس من ضجيجها المنهِك إلى سكينة محبته ورحمته الواسعة سبحانه؛ أغمضهما جيداً، وكأنك في هذه اللحظة توصد أبواب السوق بكل صخبه ومساوماته، لتفتح بقلبك باب الآخرة بكل أحداثه ومشاهده، دع عنك تلك الزخارف التي تتلألأ في عينيك ساعةً ثم تخبو كأن لم تغنَ بالأمس، وتذكر قوله سبحانه: (وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران: 185)، ليس المطلوب منك أن تهجر الدنيا بجسدك، بل أن تمارس أصعب أنواع الزهد العرفاني؛ أن تُنزلها من عرش قلبك لتسكن تحت قدميك.
تفقد مواضع النظر الرباني
انزل الآن إلى غور قلبك، فتّش في زواياه عن موضع نظر الله إليك؛ ألم يخبرنا الصادق صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَا إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ»؟ فما حال ذاك القلب لو كُشف الغطاء ونظر إليه ربك في هذه اللحظة؟ ما الذي سيراه الملك في داخلك؟ فتّش.. وأخرج ما لا يليق بمقام النظر الإلهي، أخرج الغيرة المذمومة، والتطلّع إلى ما في أيدي الناس، والرغبة المحمومة في رضاهم، انزع الشحناء، واغسل البغضاء، وحرّر قلبك من أسر المقارنات المادية؛ فقد قال تعالى: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (الزخرف: 32)، وقال: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ) (طه: 131).
كنزك المفقود
تفقّد داخلك ستجد غناك هناك، لا في الممتلكات والثروات؛ بل في صدق إيمانك بالغني المغني سبحانه، وحسن توكلك عليه، واكتفائك به عن جميع خلقه، فسعادتك التي أعياك البحث عنها مخبأةٌ في قلب الرضا والتسليم، ومطويةٌ في طمأنينة الامتنان؛ ولن يبحث عن السعادة والمكانة عند الناس إلا مَن فقدها في حضرة نفسه، وكلما ذهل المرء عن جوهره النفيس، بالغ في بيع روحه بثمنٍ بخيس.
الرضا والافتقار
اعلم أن الرضا ليس كلمةً تُقال، بل هو مقامٌ وجودي يُعاش، هل رضيت بالله رباً حقاً؟ هل رضيت بحكمه حين وافق هواك وحين خالفه؟ هل سلّمت لحكمته حين فهمت وحين لم تفهم؟ أم أن في أعماقك اعتراضاً خفياً يتزيّا بلباس السؤال؟
ثم تفقد قلبك من الكِبر؛ ذلك الدخيل الخفيّ الذي قد يتسلل في ثنايا الطاعة نفسها، تذكّر قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»؛ ذرةٌ واحدة قد تحجبك عن جنة عرضها السماوات والأرض، فاخضع لله سجوداً، واعترف بفقرك، وردد من أعماقك: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ إنها كلمة العارفين حين تنكشف لهم حقيقتهم: عجزٌ كامل أمام قدرةٍ كاملة.
أنوار التوحيد وأشواق اللقاء
ابحث عن التوحيد في ثنايا الروح؛ هل الله في وجدانك حقاً أكبرُ من خوفك؟ أكبرُ من طموحك الذي يؤرقك؟ وأعظمُ من خساراتك التي كسرتك؟ ابحث فيه عن المحبة؛ هل إذا ذُكر الله اقشعر قلبك شوقاً، أم أن الذكر بات مجرد عادة يجري بها اللسان؟ ابحث عن الرجاء؛ هل تترقب رحمته بلهفة من ينتظر رزقاً أو فرصةً دنيوية؟ وابحث عن الشوق الصادق؛ هل تحنُّ حقاً إلى لقائه؟ فمن كان يرجو ذلك اللقاء، فإن أجل الله لآتٍ لا محالة.
مشهد العبور والسِّر المكنون
تخيّل تلك اللحظة في أول ليلةٍ بقبرك، حين يُغلق اللحد، وتنصرف خطى الأحباب، وتبقى وحيداً إلا من عملك، هناك، في ذاك الضيق، لا ينفعك إلا صدقك، ولا يؤنس وحشتك إلا ذكرك، ولا يضيء عتمتك إلا إخلاصك الذي ادخرته.
تخيّل نفسك الآن في مشهد العرض العظيم: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) (الطارق: 9)؛ هناك لن يُسأل عن ظاهرك المنمّق، بل عما كان في سرّك المخبوء، وحين يُقال لك: (اقْرَأْ كِتَابَكَ) (الإسراء: 14)، تأمل حالك؛ هل ستقرأ بطمأنينة الواثق، أم بارتجاف المفرّط؟
رمضان والاستغناء بالله
أغمِض عينيك مرةً أخرى، واسأل نفسك بصدق: كيف ستطأ قدماك عتبات رمضان؟ أبقلبٍ مشتّتٍ في أودية الدنيا، أم بقلبٍ فارغٍ من كل شيء إلا من الله؟ اجعل لك في هذه الأيام سرّاً لا يعلمه إلا هو؛ دمعةً تسيل في خلوة، صدقةً تخرجها بيمينك فتخفيها عن شمالك، أو ركعةً في ظلام الليل لا يشهدها إلا جبار السماوات والأرض.
تذكر وصية النبي صلى الله عليه وسلم: «احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ»؛ فاحفظ حدود قلبك من الأغيار، يحفظ الله روحك من الشتات والضياع.
دعك من ضجيج الناس وأخبارهم قليلًا، واشتغل بالله كثيراً؛ فلا تضيع عمرك في تتبّع شؤونهم فتفوّت على نفسك خبر نفسك، إن أعظم المشاريع قاطبة هو إصلاح الداخل، لأنه إذا أصلحت السريرة، تولّى ربك إصلاح الظاهر؛ فمن أصلح سره أصلح الله علانيته.
إن رمضان بابٌ يُفتح كل عام، لكنه لا يُفتح إلا لمن قصد الدخول بصدق، فأقبِل بقلبٍ منكسر، وروحٍ مشتاقة، ونفسٍ تائبة، وقل بلسان حالك: يا رب، لا أريد رمضان عادةً أكررها، بل أريده قُرباً منك أعيش به ولأجله.
تذكر أن رمضان ليس موسم جوعٍ للأبدان، بل هو رحلة عودةٍ للأرواح إلى مآبها، تأمل كيف كان حال النبي صلى الله عليه وسلم حين يحلّ الشهر؛ كيف يتغير كيانه، فيكون أجود ما يكون، ويعتكف بقلبه، ويُقبِل بكليّته على مولاه، لم يكن رمضان في مدرسته برنامجاً زمنياً، بل كان مقاماً وجودياً يتنفس فيه العبد أنوار القدس.
اللهم اجعلنا ممن إذا دخل رمضان، غمرته رحمتك، وإذا خرج منه، خرج مغفوراً له، وقد انقاد قلبه إليك بالكلية، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد؛ ذاك الذي كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه حباً وشوقاً، ثم يقول: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟»، فكن أنت ذاك العبد؛ الذي يبحث عن الله في كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء؛ فإن وجدته وجدت كل شيء، وإن فقدته فقدت كل شيء.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق