الخميس، 26 فبراير 2026

حبيبي.. لن نشرب "التمر" هذا العام!

حبيبي.. لن نشرب "التمر" هذا العام!
يوسف الدموكي
صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما في كلية الإعلام بجامعة مرمرة

هنا، سأستأذن في أخذ راحتي قليلاً، لا أظن أمي ستصل إلى المقال الآن، على الأقل، وأنت ما زلت هناك، وعساها تقرؤه وتسيل مدامعها سكينةً، وأنت معها ومعنا، ذات يوم قريب. أتخيلك الآن نائمًا، بعد قيام طويل، أممتَ فيه المساكين -أو المساجين- خلفك، بكيتَ وأبكيتهم، خاشعين خاضعين خائفين راجين، معجبين بصوتك النقيّ، وخشوعك الصفيّ، وترتيلك النديّ؛ يستمتعون بمدودك الطويلة، ونفسك السليم، واستطالة الضاد وسكتات الكاف والتاء، وجمال القلقلة كإيقاع خفيف في طبل الأذن، تتمزّج بها، وتمزّج، تترقى في التلاوة كأنما تقوم على غمامة، والمصلون على إثرك في السماء الثانية. 

تنام يا حبيبي، وأنت الذي كنت تستثقل النوم على الأرائك لأنها دون الأسرّة، ونشكو فيك "اللعبِية" والمزاجية مع التقلب بين المسؤولية والتفريط، ونضحك من شرهك الشرائي ونقول أكلما اشتهيت اشتريت، ونعتب عليك ضيق عقلك أحيانًا، ثم ننسى كل شيء مع أول ضحكة ترسمها على وجوهنا بخفة دمك منقطعة النظير، وهذا ليس لأنك كنت متأخرًا في المراهقة، ولا طفلاً كبيرًا، وإنما كنت في ذلكم كله تعيش مرحلتك، وتحيا عمرك كما شِيء له أن يكون، فكيف لا وأنت حينها دون 20 عامًا، السنّ الذي لم يفهمها الأوغاد الذين وضعوا القيد في رسغيك المتوضئين، ويديك البريئتين، ووضعوا الغمامة على عينيك الثاقبتين يا أُخيَّ!

قلبي يؤلمني، أكاد لا أستطيع فصل صورتك عن عقلي، 7 أشهر كثار وثقال يا صغيري، يوم اقتادوك ليس لشيء، سوى أنك ابن عائلتك، واسمك يشترك مع أسماء إخوتك في اللقب نفسه، عاملوك كورقة، ولم يعرفوا الشجرة التي بداخلك، مثمرةٌ يانعة، حلوة عذبة، شديدة صلبة، وحانية ظليلة، كل شيء من صفات الأنس فيك، وكل فعل حميد كان مرفقًا بمحياك، لا أعرف مع من يعيش هؤلاء حتى يروا في تلك الملامح خصمًا، وفي ثناياك الباسمة عدوًا؟ من أي شيء خُلق السفلة الذين يطيقون سجنك خلف تلك الأطنان المؤلفة من الحجارة والحديد؟ صوتك وحده يذيب أي شيء، إلا قسوة قلوب السجّانة والطغاة.

حبيبي الصغير، تأكلني يدي، تزعجني أناملي التي تكتب هذا النص الآن، أشعر بأني أمام كابوس لطالما كنت أفرّ منه، وهو أن أتحول فجأةً من أخٍ يعدّل سيرتك الذاتية، يجوّد لك عروض العمل ومخاطبة العملاء وواجبات الجامعة، إلى "مرسل" يقصد "مرسلاً إليه" برسالة لن تصل الآن أبدًا، أحاول فيها تنميق الحروف واختيار الكلمات جيدًا، حتى لا تخطئ طريقها لعيون وقحة تعادي صبغة الله في الإنسان، الحب والوفاء والأصل، والحرية والكرامة والمروءة.

أشعر بأني أمام كابوس أتحول فيه فجأةً من أخٍ يجوّد لك عروض العمل وواجبات الجامعة، إلى مرسلٍ يقصد مرسلاً إليه برسالة لن تصل أبدًا، أحاول فيها تنميق الحروف حتى لا تخطئ طريقها لعيون وقحة تعادي صبغة الله في الإنسان

لم أكن أتخيل رمضان يأتي من دونك، لكن ما حجم هذا مقابل أن أتخيل الشمس تطلع علينا من دونك، والليل يأتي من دونك، وأنت دوننا في جب سحيق، ووادٍ بعيد، تُمنع فيه الزيارة، ويكبل خلفه الأحرار، وتجر بأرضه الأصفاد، ويُسجن الذين لم يجاوزوا الرشد، والذين اقتربوا من اللحد، والذين وُلدوا في المهد، ذلكم كله في مكان واحد، يرمَى إليه كل من قال لا، أو من عرف إنسانًا قال "لا" ذات مرة.

لم نجتمع على السفرة هذا العام، ولا 10 أعوام سابقة يا حبيبي، هي نصف عمرك، سوى السنة اليتيمة التي اجتمعنا فيها بعد 7 عجاف، فجمعنا كل ما يذكرنا بسنواتنا الخوالي، وغصنا حتى وجدنا التمر الهندي، مشروب طفولتنا المفضل، لنستحضر أيامًا قلائل من عمرنا الزائل، محاولين استجماع ما تبقى لنا من وسط ما سلب منا لأجل كلمة الله. ثم غادرتَ يا حبيبي، ثم غُدرت. 

اليوم، لم أغُص عن التمر، كان أمامي، أصبح يباع على بعد دقيقة من مكاني، لكنني لم أشتره، ليس لأنك غائب وحسب، ولكن لأنه المشروب الوحيد الذي لن يزيدني الشرب منه إلا عطشًا. إذ اكتشفت أن الريّ -يوم التقينا- لم يكن في التمر، وإنما كان في يدك.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق