يذكر أن رجلا من خثعم كان متزوجاً في بني زبيد، فأراد بنو زبيد أن يغيروا على قبيلته، فخافوا أن ينذر قومه، فجعلوا عليه حراسا بعد أن خلعوا ثيابه، فصادف منهم غِرَّة وفرّ إلى أهله فأنذرهم، وكان مما قاله لهم:
أنا المنذر العريان ينبذ ثوبَه…
إذا الصدقُ لا ينبِذ لك الثوبَ كاذبُ
فكان مثلا لكل أمر تخاف مفاجأته؛ ولكل رجل لا ريب في كلامه.
ولكل حادث جلل ينذر بخطر داهم، وتلك صرخة النذير العريان أطلقت بعد أن عُرِّي شاب من ملابسه ورغم على ارتداء بدلة رقص
وهذا أمر غريب على مجتمعنا وقيمنا ويستنكره ديننا ولكنه تقليد أعمى لمشاهد تبث عبر أفلام ومسلسلات تهدم ولا تبني
وكذلك ما يبتغيه الإعلام من قصص الحب خارج دائرة الأسرة ومنظوماتها القيمية ونتائجها السلبية على الأسرة كل ذلك صرخات نذير، فهل ننتبه لصرخة النذير العريان قبل فوات الأوان؟
لقد روَّجت المسلسلات والأفلام التي يتصدر لبطولتها أمثال محمد رمضان وشلة الممثلين وسينما السبكي للبلطجة، وزينت فكرة أن البطولة هي أخذ الحق (بالذراع) وأعادت الفكرة الجاهلية التي امتدحها عمرو بن كلثوم بالأمس:
بغاةٌ ظالمون وما ظلمنا ** ونبدأ حين نبدأ ظالمينا
فأصبحت بعض الأسر تفرح بالصيَّع والبلطجية المنتسبين إليهم بدلا من مواجهتهم وتقويمهم وأصبحنا نسمع: (البيت اللي مفهوش صايع حقو ضايع)
وتناسى البعض اخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم وحثه على الصبر وكظم الغيظ والصفح والعفو والمفاهيم الإيمانية القويمة التي هدمت مفاهيم الجاهلية مثل ما ورد عن أبي هريرة في قوله صلى الله عليه وسلم: –
«ليسَ الشَّديدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّما الشَّديدُ الَّذي يملِكُ نفسَه عندَ الغَضبِ»
أخرجه البخاري (6114)، ومسلم (2609)
ولمَّا كان الغَضَبُ غَريزة رَكَّبَها اللهُ في طَبيعةِ الإنسانِ، وهو: تَغيُّرٌ يَحصُلُ عِندَ فَوَرانِ دَمِ القَلبِ؛ لِيَحصُلَ عنه التَّشَفِّي في الصَّدرِ، والنَّاسُ مُتَفاوِتونَ في مَبْدَئِه وأثَرِه؛
وفي هذا الحديثِ يَرْوي أبو هُريرةَ رَضيَ اللهُ عنه: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «ليس الشَّديدُ بالصُّرَعةِ»، أي: لا تظُنُّوا أنَّ الرَّجلَ القويَّ هو ذلك الرَّجلُ الَّذي يَتمتَّعُ بقوَّةٍ بَدنيَّةٍ يَستطيعُ بها أنْ يَصرَعَ الآخَرين، وإنَّما الرَّجلُ القويُّ حقًّا الكاملُ في قوَّتِه، هو الرَّجلُ القويُّ في إرادتِه، الَّذي يَستطيعُ أنْ يَتحكَّمَ في نفْسِه عندَ الغَضبِ، ويَكظِمَ غَيْظَه ويتحَلَّمَ، ويَمنَعُ نفْسَه عن تَنْفيذِ ما تَدْعوه إليه مِن إيذاءِ النَّاسِ بالشَّتْمِ والضَّرْبِ والعُدوانِ، وغيرِ ذلك من أنواعِ الإيذاءِ.
وهذا يدُلُّ على أنَّ مجاهَدةَ النَّفسِ أشَدُّ مِن مجاهدةِ العَدُوِّ؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جعل للذي يملِكُ نَفْسَه عند الغَضَبِ من القُوَّةِ والشِّدَّةِ ما ليس للذي يغلِبُ النَّاسَ ويَصرَعُهم.
لقد دعا الإسلام أيضًا إلى النجدة والشهامة ونصرة الضعيف، وعلو الهمة، والتحلي بمكارم الأخلاق كما جاء عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ – رضي الله عنهما – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللهَ – عز وجل – جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ، وَيُحِبُّ مَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ، وَيُبْغِضُ سَفْسَافَهَا
رواه ابن أبي شيبة (27149) وغيره، وصححه الألباني.
كما أكد الإسلام أن من أهم هذه السمات المميزة للرجل أن يتعود على تحمل مسؤولياته، وألا يتهرب منها، ولا يتحايل لدفعها عنه، بل يبادر إليها، ويوطن نفسه على تحمل الصعاب.
وقديما قال الشاعر العربي:
إذا القومُ قالوا مَن فَتًى؟
خِلتُ أنّني عُنِيتُ فلمْ أكسَلْ ولم أتبَلّدِ
ولكن الناظر فيما يُعرض في الشاشات يجد تباينا بين هذه القيم الإسلامية وبين ما تُرَوِّج له هذه
(الدراما) وهكذا لعبت هذه المسلسلات والأفلام دورا سلبيا في تغيير المنظومة القيمية والتأثير عليها.
والآن يجني المجتمع حصاد هذا الغراس المُرِ وفي الأيام القليلة الماضية نرى مشاهد تترى، شاب يُرغم على لبس قميص نوم في الشارع، رجل أعمال يضرب عامل ويوسعه ضربًا وهو يمسك بيديه مصحفًا ولا يُراعي حُرمة المصحف في يديه، شباب يعتدون بالخرطوش على رجل يمشي مع طفله بعد صلاة التراويح، وهلمَّ جرا.
وبغض النظر عن خلفيات تلك الأحداث وما وراء الكواليس، وربما كانت المجني عليهم في بعض هذه الأحداث أو غيرها عليهم جانب من الخطأ ولكن المروِّع هو طريقة أخذ الحقِّ بهذه الصورة الفجَّة، التي لا تراعي أخلاق الإسلام من العفو والصفح أو السعي إلى الانتصاف وأخذ الحق بالصورة التي تحفظ حقوق المجني عليه والجاني معا، وتراعي إنسانيتهم معًا، بما يتوافق مع المبادئ والأخلاق الإسلامية الغراء، وتحفظ للمجتمع أمنه وسلمه العام،
فلابد أن يجتهد أصحاب الأقلام والأفكار في مواجهة هذه الصور الشائهة ونقد هذه المشاهد التي تُصَدر في الإعلام والأفلام ولابد من تكاتف جهود كل المؤسسات المعنية بالتوجيه والإرشاد بدءًا من الأسرة والمدرسة وصولا إلى المسجد والبرامج الدينية والتوعوية،
وليس هذا الأمر ترفا أو تفضلا بل هو واجب حتمي قبل أن يتسع الخرق على الراتق وأن تمتد تلك النار فتطال الجميع،
نسأل الله الهداية والسداد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق