الأربعاء، 18 فبراير 2026

أيُّ قدس وأيُّ أقصى في رمضان؟

 أيُّ قدس وأيُّ أقصى في رمضان؟

وائل قنديل


لم يعد الخبر الصادم والمُثير هو: مجموعات من المستوطنين ومعهم وزراء من اليمين الصهيوني يقتحمون المسجد الأقصى ويقيمون صلوات تلمودية، إذ صار ذلك هو العادي واليومي، هو الواقع الفعلي ودونه الاستثناء والغريب.

بينما أمّة المليارين تستقبل شهر رمضان المُعظّم على دفعتين، سوف يصبح الخبر غير العادي في هذا العام هو:

نجاح عدد من الفلسطينيين المقدسيين في دخول المسجد الأقصى المبارك وأداء صلاتي العشاء والتراويح فيه.

يصدمنا الواقع الحالي بأنّ القدس المُحتلة لم تعد كما هي في حلم العرب والمسلمين، قدساً كاملة الجغرافيا ومُكتملة البناء الروحي وعاصمة موحّدة لفلسطين وشعبها، حيث بدأ الاحتلال فعليّاً تغيير مساحة المدينة بتوسعة حدودها لتضم مساحات إضافية من الضفة الغربية بمقتضى القانون الذي أقرّته حكومة الصهيونية الدينية باعتبار أراضي الفلسطينيين ملكاً لدولة الاحتلال، لنكون أمام عبث ديموغرافي في بنية الحلم، حلم الدولة الفلسطينية وحلم تحرير المسجد الأقصى، فيما تصطفّ حكومات الدول العربية والإسلامية في مقاعد الفرجة تتابع قضم جغرافيا وتاريخ القدس وفلسطين، قطعة قطعة، من دون أن تملك أدنى قدرة على فعل أو ردّة فعل، أو تملك حتى رغبة في الوقوف أمام عدو يتغوّل ويتوغّل في القضية التي يدّعون كلّهم أنّها قضية العرب والمسلمين المركزية.

ثماني دول عربية وإسلامية، تشكّل في ما بينها ما يمكن تسميته "محور ترامب العربي الإسلامي"، أصدرت بيانًا للتنديد، بيان بارد برودة اللحم النيء المُجمّد، ليذكّرنا بالسخرية المُهينة التي استقبل بها الوزير بالحكومة الإسرائيلية  يتسحاق فسرلوف قبل أربع سنوات بياناً مُماثلاً في موقف أخفّ وطأة بكثير لإدانة اقتحام الأقصى، حين قال "لقد طبعوا نسخة أخرى من وثيقة الإدانة السابقة".

من بين الدول الثماني التي رشقت الاحتلال ببيان مُثلّج يدين ضم أراضي الضفة، ست دول على الأقل تقيم علاقات تجارية واقتصادية مع الكيان الصهيوني، مصر والمغرب والإمارات والبحرين وتركيا وإندونيسيا، كان حريّاً بهذه الدول عوضاً عن مناشدة المجتمع الدولي الضغط على إسرائيل ومعاقبتها، أن تبادر هي وتضغط وتعاقب، وهي تملك أدوات ووسائل كثيرة، أقلّها أن تتوقّف عن التجارة مع العدو وتقاطعه اقتصادياً، كما تباهي بما تفعله شعوبها من خلال حملات المقاطعة.

في العام الماضي 2025، وبعد عامين من حرب الإبادة الصهيونية على الشعب الفلسطيني، كشف الجهاز المركزي الإسرائيلي للإحصاء عن بيانات وأرقام تجارة الكيان مع الدول العربية المُطبّعة رسمياً: مصر والأردن والمغرب والإمارات والبحرين، جاء فيه أنّ حجم التبادل التجاري بلغ بين الدول العربية المُطبّعة وإسرائيل نحو 6.14 مليارات دولار، من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 حتى فبراير/ شباط 2025، إذ بلغت قيمة الصادرات العربية إلى إسرائيل نحو 4.57 مليارات دولار، فيما بلغت قيمة الواردات من إسرائيل إلى الدول العربية 1.57 مليار دولار. 

زادت هذه الأرقام بالطبع، خصوصاً بعد الصفقة الأضخم بين مصر والعدو الصهيوني مطلع هذا العام، وحجمها 35 مليار دولار، ناهيك عن الانتعاشة الكبيرة في حجم التعاون الاقتصادي بين الإمارات والكيان الصهيوني، ويمكنك أن تضيف أنّ تقديرات اقتصادية مُعتبرة تذهب إلى أنّ حجم التجارة بين إندونيسيا وإسرائيل عام 2025 بلغ 240.3 مليون دولار في الأشهر العشرة الأولى، مثّلت الصادرات الإندونيسية منها 206.8 ملايين دولار. 

يكتفي كلّ هؤلاء المتاجرين مع العدو بالمشاهدة، إذ تتحرّك آلة الاستيطان والضم بطاقتها القصوى للوصول بمساحة الدولة الفلسطينية المُتخيّلة إلى ما دون 4% من أرض فلسطين التاريخية، فلسطين العربية التي استثمر في ادّعاء الوصاية على حقوقها التاريخية أكثر من خدم إسرائيل من أشقائها المزعومين.. يتفرّج كلّ هؤلاء بينما كلّ أوهام السلام مع العدو تنهار وتتبخّر، لتكشف عن واقع كابوسي يقول إنّ إسرائيل هزمتنا بالسلام أكثر مما انتصرّت علينا بالحروب.

سحقتنا إسرائيل في "كامب ديفيد" الأولى، ودعست وجوهنا ب"أوسلو" ثم "كامب ديفيد" الثانية، ثم باتت بغير حاجة لذلك كلّه، فقرّرت أن تمزّق كلّ وثائق السلام الكاذب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق