بسم الله الرحمن الرحيم
الغزالي وهموم الأمَّة
الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..
لست ممن يوافقون الشيخ الغزالي في كل ما طرحه - وإن كنت أوافقه في جُلِّه - لكنَّني كنت ولازلت معظماً له عارفاً لقدره، والرجل يفرض عليك هذا الموقف إن كنت طبيعياً معتدل المزاج؛ فهو صاحب اجتهاد وإبداع وثَّاب، يثب الوثبة فيزلزل الوسط الإسلاميّ كُلَّه؛ ليدع الناس بين مؤيد ومعارض، ثم يمضي ولا يلتفت؛ وهكذا العظماء.
ولسنا مطالبين - لكي نكون على الاستقامة - بأن يصيب كل واحد منَّا في كل ما يجتهد فيه، ولسنا مطالبين كذلك بأن نتفق في كل ما نصل إليه باجتهادنا، ولكننا مطالبون بأمرين:
الأول: أن نجتهد بإخلاص وتجرد لإحراز الصواب وبلوغ الآراب، الثاني: أن نعرف كيف ندير اختلافاتنا فيما انتهينا إليه باجتهاداتنا، فأمَّا الأول فقد ضرب فيه الشيخ بسهم نافذ، وأمَّا الثاني فكان نصيبنا جميعا منه كمقدار ما يغرفه السهم من الماء إذا ضُرِب في اليمّ، فقام ذلك مانعاً دون استفادة البعض من الرجل.
ومهما اختلفت مع الشيخ أو اتفقت معه فإنك لا تملك إلا تعظيمه واتباعه في أمر تميز به وتفوق به على أبناء جيله قاطبة، وهو حمله لهموم الأمّة وعنايته بمشكلاتها، ولعمري إنَّ هذا الأمر لمن أقوى الأدلة على الصدق والإخلاص، وإنَّه كذلك لمن أهم ما يتميز به مَنْ مَنَّ الله عليه بالإمامة في الدين، فالإمامة لا تنال بالعلم وحده حتى ينضم إليه الهَمّ، وهل وجدتَ نبياً في كتاب الله إلا وهو مهموم بأمَّته ؟ وهل كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ترجمة للهَمِّ الذي اعتمل في صدره الشريف ؟
لقد حمل الرجل همَّ الأمَّة وهمَّ الدين في مواجهة المحاربين له من الخارج والمخربين له من الداخل، فكتب: "دفاع عن العقيدة والشريعة ضد المستشرقين" وسطر: "الإسلام في مواجهة الزحف الاحمر" وأطلق صاروخه الذي دوَّى في الآفاق وأزعج أهل الشقاق والنفاق: "قذائف الحقّ" وغير ذلك من الكتب والمقالات والمناظرات والمساجلات.
وحمل همَّ الأمَّة في التصدي للاستبداد، وفي مواجهة غفلة الحكام والشعوب عن واجبهم؛ فانبرى بلسانه وبنانه يبين وينصح ويوجه ويرشد، فما عرف الناس فارساً يصول ويجول غادياً ورائحاً تحفه الهيبة ويلفه الوقار مثل هذا الرجل العملاق، كأنّه - وهو فرد أعزل إلا من قلمه وقرطاسه - دولة متحركة بكل آلاتها وأجهزتها، فمن للأمّة بمثل هذا الأسد الجسور في أيامنا هذه ؟!
وحمل همَّ الصحوة الإسلامية التي راقب مسيرتها وتنبه لآفاتها في وقت مبكر؛ فبث أوجاعه مدغمة في تحذيراته في: "هموم داعية" وفي كثير من لقاءاته وأسفاره وندواته، ويكاد المرء يرى رأي العين كلماته التي طوتها الصفحات في سالف الدهر تحوم اليوم في سماء الفتنة التي نعيشها الآن، تصيح فينا بما لم نستمع إليه من قبل؛ فأيّ عظيم هذا وأيُّ ملهم !!
كم نحن بحاجة إلى العلماء النابهين والدعاة المخلصين الذين يحملون هَمّ الأمّة وهَمّ الدين ! وكم نحن مطالبون بحمل الهمِّ وإتمام رسالة الأئمة الملهمين ! وكم نحن في تيه وضياع بسبب قلة هؤلاء النجباء الأفذاذ الذين يمضون في طريق الإصلاح غير عابئين بمن ينبح عليهم أو يعوي في آثارهم !
إنَّ بني إسرائيل - على ما كان فيهم من ليّ ولؤم وخبث وانحراف - نالوا الأفضلية على عالمي زمانهم لأنَّ الله جعل منهم أيامها أئمة وصفهم بقوله: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لمَّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) ولا نحسب الشيخ رحمه الله رحمة واسعة إلا واحدا ممن اتصفوا بهذه الصفات.
ولشدة همِّ الشيخ واهتمامه بقضايا الأمة الكبار تراه يضيق ذرعاً بالاهتمامات الصغيرة حتى ولو كانت دينية، وذلك إذا استولت على عقول الشباب فصرفتهم عن المسائل الكبار وشغلتهم عن الواجبات العظام، فها هو يحكي موقفاً من مواقفه مع بعض هؤلاء الشباب فيقول: "وقد وقع لي وأنا بالجزائر أنَّ طالباً سألني: أصحيح أنّ موسى عليه السلام فقأ عين ملك الموت عندما جاء لقبض روحه بعد أن استوفى أجله؟ فقلت للطالب وأنا ضائق الصدر: وماذا يفيدك هذا الحديث ؟ إنّه لا يتصل بعقيدة ولا يرتبط به عمل، والأمَّة الإسلامية اليوم تدور عليها الرحى، وخصومها طامعون في إخماد أنفاسها، اشتغل بما هو أهم وأجدى ([1])
وقد تختلف مع الشيخ أو تتفق معه فيما أورده بعد ذلك من إعلاله للخبر وعدم قبوله بما ورد من أجوبة لبعض العلماء؛ فكل هذا دائر في فلك الاجتهاد، ولكنَّنا لا يمكن أن نختلف معه فيما قدمه للفتى من نصح وتوجيه، لاسيما وقد رأينا اليوم كثيراً ممن كانوا يقيمون الدنيا ويقعدونها على سنة من الهيئات المختلف فيها يفرطون اليوم في ثوابت الدين الكبرى باسم رعاية المصلحة، وما هي في الحقيقة إلا المصالح الدنيوية.
وهذا المسلك من الشيخ مسلك تربوي من أب حان يخشى على أولاده من الشطط والانحراف، وهو يذكرني بموقف لابن عمر رضي الله عنه عندما جاءه فتى يسأله عن إسدال العمامة، فلم يخبره بذلك حتى أخبره بخبر الفتى الأنصاري الذي سأل رسول الله عن عظائم الأمور، فقد روى الحاكم في المستدرك عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَأَتَاهُ فَتًى يَسْأَلُهُ عَنْ إِسْدَالِ الْعِمَامَةِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: سَأُخْبِرُكَ عَنْ ذَلِكَ بِعِلْمٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: كُنْتُ عَاشِرَ عَشَرَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةُ، وَابْنُ عَوْفٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَجَاءَ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» قَالَ: فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ قَالَ: «أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا وَأَحْسَنُهُمْ لَهُ اسْتِعْدَادًا قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِمْ أُولَئِكَ مِنَ الْأَكْيَاسِ» ثُمَّ سَكَتَ الْفَتَى وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: " يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، خَمْسٌ إِنِ ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَنَزَلَ فِيكُمْ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يَعْمَلُوا بِهَا إِلَّا ظَهَرَ فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمُؤْنَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا الزَّكَاةَ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سُلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوُّهُمْ مَنْ غَيْرِهِمْ وَأَخَذُوا بَعْضَ مَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ يَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ إِلَّا أَلْقَى اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ " ثُمَّ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ يَتَجَهَّزُ لِسَرِيَّةٍ بَعَثَهُ عَلَيْهَا، وَأَصْبَحَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَدِ اعْتَمَّ بِعِمَامَةٍ مَنْ كَرَابِيسَ سَوْدَاءَ، فَأَدْنَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نَقَضَهُ وَعَمَّمَهُ بِعِمَامَةٍ بَيْضَاءَ، وَأَرْسَلَ مِنْ خَلْفِهِ أَرْبَعَ أَصَابِعَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَقَالَ: «هَكَذَا يَا ابْنَ عَوْفٍ اعْتَمَّ فَإِنَّهُ أَعْرَبُ وَأَحْسَنُ» ثُمَّ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَالًا أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ اللِّوَاءَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: خُذِ ابْنَ عَوْفٍ فَاغْزُوا جَمِيعًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، لَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، فَهَذَا عَهْدُ اللَّهِ وَسِيرَةُ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَلَّمَ قال الحاكم: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ» ([2])
إنَّه لمن الرشد أن نستفيد من فهم الشيخ وعلمه، وأن نستلهم منه الروح التي كان يحملها بين جنبيه، تلك الروح التي كانت تتسم بالحرقة على هذا الدين وعلى هذه الأمّة، والغيرة على الحرمات والمقدسات، والحرص على هداية الأمّة إلى سواء السبيل، الا رحمة الله على الشيخ .. والحمد لله أولا وآخراَ ..
(1) السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث – الشيخ محمد الغزالي – ص 17
(2) المستدرك على الصحيحين للحاكم (4/ 582)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق