الإمبراطورية العسكرية وسؤال التخلي
قراءة في إمكانية استعادة الدور الاحترافي للجيش المصري
أحمد هلال هل سؤال مستحيل أم ضرورة تاريخية؟
يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً وإشكالاً في المشهد المصري الراهن: كيف يمكن إقناع، أباطرة المال والأعمال، من العسكريين بالتخلي عن إمبراطوريتهم الاقتصادية، والعودة إلى دورهم الدستوري كحراس للوطن لا سادة له؟
السؤال ليس أكاديمياً فحسب، بل هو سؤال التغيير الجذري الذي يحدد مستقبل مصر لعقود قادمة.
هذه المقاربة تحاول تفكيك إمكانية هذا التحول عبر عدسات نظرية متكاملة، تستند إلى قراءة معمقة لطبيعة الإمبراطورية العسكرية وآليات استمرارها.
أولاً: لماذا لا يتخلون طواعية؟ بنية المصالح الراسخة
لفهم استحالة التخلي الطوعي، يجب إدراك أن الإمبراطورية الاقتصادية للجيش المصري ليست مجرد، فساد أفراد، يمكن إصلاحه، بل هي بنية متكاملة تطورت على مدى سبعة عقود وأصبحت جوهر هوية المؤسسة ذاتها.
الأكاديمي شريف الجبلي يتتبع هذه البنية منذ عهد ناصر، حيث بدأ الجيش يتحول إلى كيان اقتصادي متكامل.
في عهد السادات، تم تأسيس، جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، (1979) لتحقيق اكتفاء ذاتي للجيش، لكنه كان البذرة الحقيقية للإمبراطورية اللاحقة.
دراسة زينب أبو المجد، (عسكرة الأمة) تقدم تحليلاً عميقاً لكيفية تكيف الجيش مع التحولات الكبرى: من الاشتراكية في الستينيات، إلى الانفتاح في الثمانينيات، إلى النيوليبرالية منذ التسعينيات، وفي كل مرحلة كان يعزز سيطرته السياسية ويوسع إمبراطوريته الاقتصادية.
هذا التكيف العجيب يعني أن المؤسسة العسكرية طورت قدرة استثنائية على البقاء والتحول، مما يجعل فكرة التخلي الطوعي ضرباً من المستحيل.
الأسباب الموضوعية التي تمنع التخلي الطوعي تتلخص في الآتي:
أولاً: المصالح المتراكمة.
تشير التقديرات غير الرسمية إلى سيطرة الجيش على ما بين 25% إلى 40% من الاقتصاد المصري. هذه حصة ضخمة من الكعكة الاقتصادية، يتقاسمها آلاف الضباط (خاصة كبار المتقاعدين) الذين تحولوا إلى رجال أعمال. التخلي عنها يعني خسائر فادحة لهذه النخبة الواسعة.
ثانياً: البنية القانونية الحصينة.
التزمت الدولة المصرية بقوانين تمنح المؤسسة العسكرية امتيازات استثنائية. فمنذ عهد ناصر، تم إعفاء وزارة الدفاع من الرسوم الجمركية والرقابة المالية. المادة 19 من قانون الإعفاءات الجمركية تنص على إعفاء جميع واردات وزارة الدفاع وهيئاتها وشركاتها من الرسوم الجمركية.
هذا الإطار القانوني يجعل الإمبراطورية العسكرية فوق المساءلة وفوق المنافسة.
ثالثاً: المنطق الأمني.
الخطاب الرسمي يقدم هذه الإمبراطورية كضرورة قومية: جيش قوي اقتصادياً يعني جيشاً قادراً على حماية البلاد. هذا الربط بين الأمن القومي والاقتصاد العسكري يجعل أي نقد لهذه الإمبراطورية يبدو وكأنه مساس بالأمن القومي نفسه.
دراسة بيكر وناصيف تظهر كيف استخدم السادات الامتيازات الاقتصادية كأداة لتحصين النظام من الانقلابات، (Coup-Proofing)، حيث اشترى ولاء النخبة العسكرية بالمكاسب المادية مقابل ضمان عدم انقلابهم عليه.
رابعاً: غياب البديل.
في ظل غياب مشروع سياسي بديل وقوى مجتمع مدني فاعلة، لا يوجد ضاغط حقيقي على المؤسسة العسكرية. تصريح الجنرال محمود نصر (2012) يعبر عن هذا الموقف بصراحة:
لن نسلم أبداً المشروعات العسكرية لأي جهة أخرى… إنها نتاج عرق وزارة الدفاع ومشروعاتها الخاصة. هذا التصريح يكشف كيف تنظر المؤسسة لهذه المشروعات: ليست مملوكة للدولة، بل مملوكة للجيش.
ثانياً: هل يمكن أن تتغير المعادلة؟ شروط مستحيلة
إذا كان التخلي الطوعي مستحيلاً، فهل هناك سيناريوهات يمكن أن تؤدي إلى تغيير جذري؟ التحليل النظري والتاريخي يقترح ثلاثة سيناريوهات محتملة، كلها صعبة التحقق في الظروف الراهنة:
1- السيناريو الإصلاحي من الداخل
هذا هو السيناريو الأكثر تفاؤلاً، لكنه الأكثر استبعاداً. يفترض وجود قيادة عسكرية واعية تدرك أن الانغماس في الاقتصاد يفسد الروح العسكرية ويحول الجيش إلى عصابة مصالح. لكن هذا الافتراض يتجاهل أن القيادة الحالية (ومعظم القيادات المتعاقبة) هي المستفيد الأكبر من هذا الوضع.
دراسة بيكر وناصيف تظهر أن الثروات التي راكمتها النخبة العسكرية العليا تحت مبارك لم تكن، تتسرب إلى الأسفل، أبداً نحو الضباط الأقل رتبة.
الفجوة داخل المؤسسة العسكرية نفسها عميقة، لكن القيادة تمسك بكل شيء.
2- سيناريو الانهيار الاقتصادي
مع استمرار الأزمة الاقتصادية المصرية (تضخم، ديون، ضغط على العملة)، قد يصل النظام إلى نقطة يضطر فيها للتخلي عن بعض الامتيازات العسكرية لإرضاء المؤسسات المالية الدولية (صندوق النقد والبنك الدولي) وقد حدث ذلك مؤخرا في طرح بعض مشروعات وشركات للجيش في البورصة، لكن بضمانات.
تقرير Zawia3 يشير إلى أن المؤسسات الدولية أعربت مراراً عن قلقها إزاء هيمنة الجيش على الاقتصاد.
اقتصاديون مثل إسحاق ديوان يرون أن الاقتصاد الذي يهيمن عليه الجيش أقل قدرة على تحقيق نمو مستدام من الاقتصاد الذي تديره النخب المدنية.
لكن هذا السيناريو يصطدم بمنطق البقاء:
النظام سيفضل انهيار الاقتصاد على تفكيك الإمبراطورية العسكرية، لأن هذه الإمبراطورية هي ضمان بقائه في السلطة.
التجربة التاريخية تشير إلى أن الأنظمة العسكرية عندما تواجه أزمات اقتصادية، تضاعف سيطرتها على الاقتصاد بدلاً من تحريره (كما حدث في مصر بعد 2013).
3- سيناريو الضغط الخارجي والداخلي
هذا يتطلب تحالفاً عريضاً بين القوى المدنية (قطاع خاص، مجتمع مدني، أحزاب) والضغوط الدولية (مؤسسات مالية، حكومات غربية).
الهدف:
خلق بيئة تجعل استمرار الوضع الحالي مكلفاً سياسياً واقتصادياً. تقرير Zawia3 يوثق كيف أن هيمنة الهيئة الهندسية العسكرية أدت إلى إفلاس نحو 500 شركة مقاولات مدنية من أصل 1000 كانت تعمل في السوق.
لكن هذا السيناريو يواجه عقبتين:
أولاً، ضعف المجتمع المدني المصري وقمعه الشديد.
ثانياً، الدعم الغربي للنظام العسكري (خاصة في مكافحة الإرهاب وإدارة ملفات المنطقة)، مما يقلل من فعالية الضغوط الدولية.
ثالثاً: نحو استراتيجية للتغيير، دروس من النماذج المقارنة
الدراسة المقارنة لنماذج أخرى (تركيا، إسبانيا، أمريكا اللاتينية) تقدم بعض الدروس التي قد تكون مفيدة، مع الحذر من الاختلافات السياقية الجوهرية:
1- بناء جدار عازل بين المجالين
الانتقال الديمقراطي الناجح يتطلب فصلاً تدريجياً بين المؤسسة العسكرية والاقتصاد المدني.
يمكن البدء بإنشاء هيئة رقابية مدنية مستقلة للإشراف على المشروعات العسكرية، ثم نقل بعض الأنشطة (التي لا ترتبط بالأمن القومي) تدريجياً إلى القطاع الخاص.
النموذج الإسباني بعد فرانكو يشير إلى أهمية، الاتفاق الانتقالي الذي يضمن مكاسب العسكر مقابل انسحابهم من السياسة.
2- ضمانات للعسكريين
أي عملية انتقالية يجب أن تقدم ضمانات حقيقية للعسكريين المتقاعدين الذين استثمروا في هذه المشروعات.
يمكن تحويل حصصهم إلى صناديق تقاعد أو شركات مساهمة عامة، مع حماية حقوقهم المالية. الهدف هو إقناعهم أن التخلي عن الإدارة المباشرة لا يعني خسارة الدخل.
3- إعادة تعريف الأمن القومي
جزء من المشكلة يكمن في الخطاب الذي يربط بين القوة العسكرية والتملك الاقتصادي.
مطلوب حوار مجتمعي واسع يعيد تعريف، الأمن القومي، ليركز على القدرات الدفاعية الحقيقية (التسليح، التدريب، الاستعداد القتالي) بدلاً من مصانع المكرونة والفنادق.
هذا يتطلب تحولاً ثقافياً عميقاً في تصور المجتمع لدور الجيش.
4- تفعيل الأدوات الدستورية والقانونية
دستور 2014، رغم عيوبه، يتضمن مواد تحمي الملكية الخاصة وتكافح الاحتكار.
تفعيل هذه المواد يتطلب قضاءً مستقلاً ومجتمعاً مدنياً قوياً. التجربة التركية في عهد أردوغان ، أظهرت إمكانية فرض رقابة مدنية على ميزانية الجيش عبر البرلمان والحكومة.
رابعاً: لماذا لا يتخلون؟ الإجابة في بنية الدولة العميقة
الخلاصة التي يفرضها التحليل:
لن يتخلى الأباطرة العسكريون عن إمبراطوريتهم طواعية. السبب بسيط وعميق في آن:
هذه الإمبراطورية ليست مجرد ثروة إضافية، بل هي أساس بقائهم في السلطة وآلية إعادة إنتاج هيمنتهم. فوكويانياً، يمكن القول إن العسكر يملكون، رأس المال، (اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً) ويعيدون إنتاجه عبر السيطرة على الدولة.
شهادة المقاول المصري (عبد السلام) في تقرير Zawia3 معبرة:
المشروعات توزعها الهيئة على مقاولين محددين… هذا الهيكل يستبعد المقاولين الصغار والمتوسطين ويحد من فرصهم إلى فتات. هذا، الفتات، هو ما يبقى للقطاع المدني، بينما تبتلع المؤسسة العسكرية كل شيء.
التحليل الأكاديمي لشريف الجبلي يؤكد أن، الإمبراطورية الاقتصادية الجديدة تحت سيطرة الجيش، إلى جانب السيطرة السياسية التي يتمتع بها السيسي كرئيس للنظام العسكري، تضع تحت تصرفه التحكم في كل من الروافع الاقتصادية والسياسية لمصر.
هذا الاندماج الكامل بين السلطتين هو جوهر المشكلة.
خاتمة: نحو تحول جذري أم استمرار الأزمة؟
يبقى السؤال مفتوحاً:
هل يمكن كسر هذا النمط؟ الإجابة المباشرة:
لا في المدى المنظور. القوى القادرة على فرض التغيير (مجتمع مدني، قطاع خاص، ضغوط دولية) إما ضعيفة أو متواطئة. المؤسسة العسكرية متماسكة (ظاهرياً على الأقل) وتملك كل أدوات القمع والتحكم.
لكن التاريخ يعلمنا أن، الاستحالات، تنهار فجأة. انهيار الاتحاد السوفيتي كان مستحيلاً قبل سنوات قليلة من حدوثه. ثورة 25 يناير جاءت مفاجأة للجميع.
المهم هو فهم أن التغيير، حين يأتي، لن يكون نتيجة، إقناع
العسكر بالتخلي، بل نتيجة تراكم التناقضات وتصدع البنية من الداخل:
- التناقض الأول:
بين جيش يقدم نفسه، حامي الشعب، وبين واقع يفقره ويقصيه.
- التناقض الثاني:
بين النخبة العسكرية الغنية والضباط الأقل رتبة الذين يعانون من الغلاء (كما وثقه بيكر وناصيف).
- التناقض الثالث:
بين اقتصاد محتكر يقتل المبادرة الخاصة وبين حاجة البلاد لنمو حقيقي يخلق فرص عمل.
عندما تتصدع هذه التناقضات، قد تظهر لحظة انتقالية. وحينها، سيكون على القوى المدنية أن تمتلك رؤية واضحة وبرنامجاً عملياً لإدارة هذا الانتقال، بحيث لا يعيد إنتاج العسكرة مرة أخرى. مهمة، إقناع، الأباطرة بالتخلي ليست مهمة خطابية، بل مهمة هندسة سياسية واقتصادية معقدة، تحتاج إلى قوى اجتماعية قادرة على فرض إرادتها.
حتى ذلك الحين، ستبقى مصر أسيرة معضلتها المركزية: جيش يملك كل شيء، وشعب لا يملك حتى حق الاختيار.
المصادر والمراجع:
1- المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (2015). العلاقات المدنية-العسكرية والتحول الديمقراطي في مصر: يوليو 1952 – يوليو 2013. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
2- المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (2014). الجيش والسياسة في مرحلة التحول الديمقراطي في الوطن العربي. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
3- مركز الجزيرة للدراسات (نوفمبر 2016). الدور الاقتصادي للجيش في مصر: الحسابات والتداعيات. الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات.
4- بشارة، عزمي (2014). “الجيش والحكم عربياً: إشكاليات نظرية”. في: الجيش والسياسة في مرحلة التحول الديمقراطي في الوطن العربي. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
ثانياً: المصادر الأجنبية المترجمة إلى العربية
1- أبو المجد، زينب (2017). عسكرة الأمة: الجيش والأعمال التجارية والثورة في مصر (Militarizing the Nation: The Army, Business, and Revolution in Egypt). نيويورك: مطبعة جامعة كولومبيا.
ثالثاً: المصادر الأجنبية (باللغة الإنجليزية)
1- Huntington, Samuel P. (1957). The Soldier and the State: The Theory and Politics of Civil-Military Relations. Cambridge, MA: Harvard University Press.
2- Abul-Magd, Zeinab (2017). Militarizing the Nation: The Army, Business, and Revolution in Egypt. New York: Columbia University Press.
3- Marshall, Shana (April 2015). The Egyptian Armed Forces and the Remaking of an Economic Empire. Washington, DC: Carnegie Endowment for International Peace.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق