هل نشرت وثائق إبستين لإخفاء ما هو أخطر؟!

بعدما رأيت ما فعلت تسريبات جيفري إبستين بالعالم وإحداثها للصدمة العالمية و على خطورتها الأخلاقية والقانونية والحضارية،وجدت أنّها ليست المقصود الأول بذاتها، بقدر ما هي “تورية إعلامية ومناورة خطيرة ” و ستار كثيف أُسدل فجأة في توقيتٍ عالمي بالغ الحساسية ، ففي ذروة الإنذار باندلاع مواجهة أمريكية–إيرانية، وتوترات كبرى في النظام الدولي، استفاق العالم على سيلٍ من الوثائق والتسريبات التي أعادت “إبستين” وقضيته الفاضحة إلى الواجهة من جديد بعد أن نساها الكثيرون ، وكأنّها صاعق إلهاء وتورية يعيد توجيه بوصلة الرأي العام في عالمنا، ويشغل الإعلام العالمي ويلهيه عن ملفاتٍ أشد خطورة وتأثيرًا على مستقبل حياتنا البشرية.
فمن زاويةٍ أخلاقية، فلا أستغرب ما كُشف عن النخب الغربية المتورطة في هذه الفضيحة، فالتاريخ شاهد لا يكذب، ومن قرأ التاريخ العربي والإسلامي و ما عاناه ممّا فعلته هذه القوىالغربية الغشومة عبر قرون من الاستعمار، والحروب، والإبادة، والنهب المنظم، لن يُفاجأ بانحرافاتٍ أخلاقية لدى نخبها السياسية والمالية، ومن رأى الأندلس وهي تُسلَّم للحرق والتهجير والقتل والدمار، ورأى الشام تُدمَّر باسم “التمدّن” و“الرسالة الحضارية”، يدرك أنّ ما يجري اليوم ليس استثناءً أخلاقيًّا، بل امتدادٌ لانحطاط متجذّر في بنية القوة الغربية حين تنفلت من أيّ رادع.
فالاهتمام العالمي الواسع بفضيحة إبستين بعد التسريبات الأخيرة يكشف طبيعتها العابرة للحدود، ويؤكد أنّها لم تكن مجرّد شبكة جرائم فردية، بل منظومة قذرة ومعقّدة تتداخل فيها العلاقات ، والمال، والجنس، والسياسة، والاستخبارات، ويمكن اختزال “إبستين” في أربع صور للمتابع :
الأولى تتعلّق بدوره كوسيط علاقات وصفقات بين نخبة المال والسياسة، والثانية تدور حول جزيرته حيث حفلات الانحراف والاستغلال الجنسي الوقح، والثالثة تتصل بالتصوير والابتزاز وتوظيف لصالح أجهزة استخباراتية، والرابعة أخطرها، وهي السقوط الأيديولوجي، حيث يرى هؤلاء أنفسهم “نخبة العالم” المخوّلة بإدارة مصائر البشروهم أقذر الناس و أبعدهم عن الإنسانية والحضارة .
هذه الصور الأربعة ليست معزولة، بل تتغذّى من بعضها بعضًاوتتناسل، وتنتج ظاهرة أخطر من مجرّد فضيحة ، ظاهرة يصبح فيها الانحراف الأخلاقي أداة سياسية وأمنية واقتصادية.
لكن في المقابل، من المخيف توارد أسماء شخصيات ومنظمات معروفة للكل في عالمنا العربي الكبير و لا يمكن تجاهل أنّ الصمت المطبق لمن وردت أسماؤهم في الوثائق يسيء لهم ولمؤسساتهم، وأنّ “بيان الحقيقة” بات ضرورة أخلاقية لحماية الثقة العامة بين الشعوب العربية وبين تلك الشخصيات التي يدعي ابستين أنّ له علاقة بهم، فالتسريبات سواء أكانت مقصودة أو مسرّبة بلا قصد مباشر ، ستُحدث أثرها، وقد تختلف تداعياتها بين الغرب والعالم العربي، حيث يمكن أن تُستثمر سياسيًّا كما استُثمرت سابقًا تسريبات ويكيليكس.
فيا اخوتي .. لسنا أمام حدث عابر، بل أمام ظاهرة مرشحة للتكرار في عصر الثورة الرقمية ، حيث لم يعد شيء قابلًا للكتمان طويلًا ولم تعد السرية المطبقة ملاذاً للمجرمين، وقد تُخفي هذه الفضيحة بوادر حدث دولي أكبر، لكن ما كشفته سيظلّ شاهدًا على عالم تُدار فيه السياسة أحيانًا بأدوات لا أخلاقية، وتُخفى فيه الحقائق الكبرى خلف فضائح صاخبة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق