الخميس، 26 فبراير 2026

التراجع الغربيّ الأبعد أثرًا

 التراجع الغربيّ الأبعد أثرًا

د. عطية عدلان
مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول- أستاذ الفقه الإسلامي

لا يبدو لكثيرٍ مِن الناس مِن صور التراجع الغربي إلا تلك الظاهرة اللافتة للأنظار، وهي ظاهرة الانحسار التدريجي لهيمنة القطب الواحد، على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية، بينما الحقيقة أنّ التراجع أعمق بكثير من كل ما يبدو طافيا على سطح الأحداث، والمفكرون في الغرب تحدثوا عن ذلك التراجع العميق، الذي يبدأ من الاختلال في التركيبة الديموغرافية ويمر بنفاذ رصيد الثقة في المنتج الأنثربيولوجي غير المستقر، وينتهي بذلك البعد الأكثر عمقا وأثرا، ألا وهو فقد الثقة في النظرية المعرفية الغربية (الأبستمولوجيا)، ذلك هو التراجع الكبير الذي سيكون له بالغ الأثر في تغيرات ثقافية هائلة.

    بدايةً لا يستطيع أحد أن ينكر فضل "فرنسيس بيكون" على العلم والعلماء؛ حيث قَدَّم المنهج التجريبيّ الذي يُعَدُّ طفرةً كبيرة في مسيرة النهضة الأوربية والحضارة الإنسانية بوجه عام، وإن كان علماء المسلمين من أمثال "الحسن بن الهيثم" و"جابر بن حيان" و"الرازي" قد طبقوا هذا المنهج حرفيا في بحوثهم، غير أنّ "بيكون" قَعَّدَ لهذا المنهج تقعيدا يجعله ميزانا لا يكاد يخطئ؛ فلماذا - إِذَنْ - تورط العلم الحديث في الإنكار الذي فتح الباب على مصراعية للإلحاد حتى صار مذهبا ودينا جديدا؟!

هل الأزمة في المنهج التجريبي؟

لم تكن الأزمة قط في المنهج التجريبيّ ولن تكون؛ لأنّه منهج قرآنيّ قبل أن يكتشفه فرنسيس بيكون، فالله تعالى هو الذي وجه الناس هذا التوجيه:(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (العنكبوت: 20)، إلا أنّ هذا المنهج لا ينفرد بتفسير الكون والحياة والوجود، وإنّما لابد من اتصال السلسلة الدلالية، فكما أنّه في الابتداء يعتمد على الاستقراء فلابد في الانتهاء من ذهابه إلى ما وراء نتائج التجربة عن طريق الاستدلال، "بالبرهان الذي يبدأ من قضايا يُسَلّمُ العقل بها وينطلق منها إلى قضايا أخرى تنتج عنها بالضرورة، دون الالتجاء إلى التجربة".

    ولعل شبح الكنيسة بطغيانها وجبروتها الذي اعتمدت فيه على أوهام وخرافات نسبتها إلى الميتافيزيقا هو الذي دفع العلماء دفعا للاعتصام بالتجربة الحسية، والوقوف عند نتائجها المحسوسة، دون محاولة الولوج إلى ما وراء هذا الكون؛ لذلك نجد عالما بوزن "آرثر كيث" يقول بلا مواربة: "إنّ نظرية النشوء والارتقاء غير ثابتة علميًا، ولا سبيل إلى إثباتها بالبرهان، ونحن لا نؤمن بها إلا لأنّ الخيار الوحيد بعد ذلك هو الإيمان بالخلق الخاص المباشر، وهذا ما لا يمكن حتى التفكير فيه"! وربما كان الفيلسوف الألماني الكبير "إيمانويل كانت" على وعي مبكر بنتائج الافتتان بالمنهج التجريبي؛ عندما أكد في أكثر من موضع في كتابه "نقد العقل المحض" أنّ "الأفهوم" العقلي يقع في كثير من الأحيان خارج "الأمبيري" أي بدون التوقف على التجربة القائمة على الحواس.

الخرافة العلمية

لقد أَوْقَعَتْ الحداثةُ العلمَ الحديثَ في فَخِّ "الخرافة العلمية" أكثر من مرة؛ بسبب تنكرها لما وراء الكون، وتجاهلها لربوبية الله تعالى، كان من أبرز هذه الخرافات خرافة النشوء والارتقاء، تلك التي جاءت في اعترافات عالم الأنثرولوجيا الأمريكي "لورين إيزلي" بهذا الوضوح: "بعد أن أمضى العلماء عصورا طويلة يعيبون على رجال الدين اعتقادهم بالمعجزات والغيبيات، وجد العلماء أنفسهم في وضع لا يحسدون عليه؛ فاضطروا إلى اختراع خرافتهم الخاصة بهم.

    تلك الخرافة التي فُتن بها الخلق زمنا طويلا - ولا يزالون - أثبت العلم الحديث نفسه استحالتها، وذلك من وجهين، الأول: عدم وفاء الأحافير بما يثبت اتصال السلسلة التطورية المزعومة، وهذا أمر قد صرح به كثير من العلماء الطبيعيين، منهم "آرشي كار" يقول: "من الأمور المحبطة في سجل الأحافير لتاريخ الفقاريات أنّ ما يبينها من معلومات عن تطور الزواحف في غاية الندرة"، 

الثاني: استحالة تخلق خلية حية أو حتى جزيء بروتين بطريق الصدفة، هذا ما أثبته كثير من العلماء المتخصصين، فهذا "تشارلز يوجين" يقوم بحساب احتمالية الخلق بالصدفة لجزيء واحد من البروتين ويقرر أنَّ خلق مثل هذا الجزيء قد يستغرق 10243 بليون سنة؛ ووفقا لذلك لا يوجد إمكانية أن تكون الحياة قد نشأت صدفة خلال 4.5 بليون سنة عمر الأرض، وهذا "كريستيان دو دوف" يقول: "إذا حسبنا فرصة ولادة خلية بكتيرية واحدة وهي أبسط أنواع الخلايا بسبب تجمع ذراتها المكونة عشوائيا فإنّ الأبدية لا تكفي لخلق تلك الخلية المفردة".

تراجع العلم عن غروره

إنّ ما قدمناه لم يكن سوى أنموذجا للغرور العلميّ والافتتان بالمنهج التجريبي والنظرة المادية المحضة للكون والحياة والأحياء، تلك النظرة التي بدأ العقل الغربيّ ينأى عنها شيئا فشيئا، يقول "إيدموند ج بورن": "الكثيرون اليوم  أصبحت لهم رؤية للبشرية وللكون وللعلاقة بينهما مختلفة تمام الاختلاف عن الرؤية المادية السابقة، رؤية تقوم على النظر للكون على أنَّه كون واع يتميز بالتنظيم الذاتي والتماسك والقصدية، وعلى النظر للواقع على أنَّ له أبعاداً تتجاوز الحدود المادية الفيزيقية"، أمّا مراد هوفمان فقد ذهب إلى أبعد من ذلك عندما قرر أنّ ما وراء الطبيعة لا يمكن الاهتداء إليه بدون الوحي الإلهي: "لولا الوحي لظللنا عميانا".

تفسير الوجود الإنساني ضرورة إنسانية

ولا سبيل إلى تجاهل الأسئلة الكبرى التي لم يستطع العلم أن يجيب عليها؛ لأنّه - بحسب الطيب بو عزة - "الإنسان لا يستطيع أن يعيش في الوجود دون أن يستفهم  عن معناه، ويفكر في مدلوله"؛ ولذلك نجزم بأنّ العالم في اتجاه التراجع عن الحتميات الأبستمولوجية التي تَبَنَّتْها الحداثة، وسيكون للثقافة شأن آخر يفسح للإسلام طريقا للولوج إلى عمق التركيبة الثقافية الغربية، ولاسيما مع الإفلاس الشديد من الفكر الإنساني البديل.

المصدر: موقع د. عطية عدلان 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق