الأحد، 22 فبراير 2026

هل نستطيع أن نرى أنفسنا في مرآة رمضان؟

هل نستطيع أن نرى أنفسنا في مرآة رمضان؟

"يا أيها الذين آمنوا فُرض عليكم الصيام كما فرض على الذين من قبلكم"

ياسين اكتاي

في كل رمضان تنزل هذه الآية من جديد على حياتنا. لا بوصفها حكمًا فحسب، بل تذكيرًا. ولا باعتبارها نداءً إلى عبادة فقط، بل دعوةً إلى الانتماء. تمتد من خلال الزمن كخيطٍ غير مرئي يربطنا بالماضي، وبالذين سبقونا؛ بالمؤمنين الذين صاموا في الصحارى، وفي المدن، وفي قرى الجبال، وفي أفنية القصور. ومع قدوم رمضان يخرج الإنسان من تقويمه الخاص ويدخل زمنًا آخر. الساعات هي هي، لكن الزمن يغدو زمنًا مختلفًا. نعيش في المدينة نفسها، غير أننا نتنفس مناخًا آخر.

رمضان ليس مجرد شهرٍ من بين الشهور؛ إنه هوية، ورابطة، وقرابة.

الحياة تفرقنا. مهننا، ألقابنا، مواقعنا الطبقية، استقطاباتنا الأيديولوجية، أصولنا العرقية والثقافية نعيش كلٌّ منا في كونه الصغير، وسط ضجيج أجندته الخاصة. بيننا جدران غير مرئية. قد نسكن الشارع ذاته، أو المبنى نفسه، بل حتى البيت نفسه، ونظلّ غرباء بعضنا عن بعض. نعيش في البلد نفسه، لكننا نتنفس أجواءً متباينة، ونبقى متباعدين بُعد العوالم.

حين يأتي رمضان، تترقق هذه الجدران على الأقل في مستوى الوعي. يجوع الغني كما يجوع الفقير. يصمت المدير كما يصمت العامل. ينتظر ابن المدينة موعد الإفطار كما ينتظره ابن القرية. المرأة والرجل، الشاب والشيخ جميعنا نترقّب اللحظة ذاتها. نصغي إلى الأذان نفسه، نشرب الماء نفسه، ونتقاسم التمرة نفسها.

إنها تجربة مساواة فريدة. ليست مساواة سياسية، ولا قانونية؛ بل مساواة في العبودية، في الوجود، في التجلي أمام حقيقة الانتماء إلى الله، وفي التعرض لذلك التجلي على قدم المساواة.

الصوم أهدأ معركة يخوضها الإنسان مع جسده، لكنها أعمقها. الجوع والعطش أوامر بيولوجية. الجسد يقول: «كُل»، «اشرب»، «افعل ما تشاء». والصوم يقول: «قف». والقدرة على استشعار «قف» وممارسته بإرادة واعية هي الخط الفاصل بين الإنسان والحيوان. إنها القدرة على مقاومة الأمر البيولوجي الصادر من الداخل ومن هنا تبدأ الإرادة.

اليوم يقوم كل شيء على السرعة واللذة. استهلك، أسرع، لحق، لا تفوّت، جرب، تذوق، أنفق لغة الإعلانات، ولغة السوق، ولغة الشاشات تردد الرسالة نفسها: «اشتهِ وامتلك فورًا». أما رمضان فيضع في يد الإنسان مكبحًا: «لا تملك، اصبر». يقول: «فكر قبل أن تأكل». «اصمت واستمع إلى ما يُقال». وهذا هو جوهر تمرين الإرادة.

وبالطبع، هناك أيضًا حقيقة تحول رمضان إلى موسم استهلاك، وتحويل الإفطار إلى صناعة مستقلة للمتعة والإنفاق، ولا نتجاهل ذلك. غير أن ثمة من يحاول الالتفاف على الصوم بتحويله إلى مناسبة استهلاكية. وكأن الامتناع عن الصيام يقتضي الامتناع عن الإفطار أيضًا! ومع ذلك، فإن هذا الحضور، ولو جاء في صورة استهلاك، يرسخ مناخ رمضان في المجال العام، ويجعل أثره محسوسًا حتى لدى من لا يلتفت إليه.


رمضان ليس عبادة فردية فحسب، بل هو مقاومة اجتماعية أيضًا.

على امتداد العصر الحديث، ولا سيما في بعض البلدان، بُذلت جهود كبيرة لإزاحة الحياة الدينية من المجال العام، وحصر الدين في الفضاء الخاص، واختزال العبادة في الضمير الفردي. غير أن رمضان لا يختبئ. يظهر في الشارع، ويُحس به في السوق، ويُتداول في الحي. ازدحام الأفران قبيل الإفطار، حلقات تلاوة القرآن في المساجد، طرود المساعدات، دعوات الإفطار رمضان يقول: «أنا هنا».

وليس من قبيل المصادفة أن أشد سياسات العلمنة في الحقبة الجمهورية لم تستطع أن تمس رمضان مسًا كاملًا. قد يتغير الحرف، ويتبدل الزي، ويتحول نظام التعليم؛ لكن قرار ملايين الناس، شهرًا كاملًا، أن يقاوموا قوتهم البيولوجية، وأن يقفوا في وجه أوامرها (بالصوم)، ليس أمرًا يسهل محوه. لأن رمضان ليس طقسًا فحسب، بل ذاكرة. وعيٌ يُنقل من جيل إلى جيل.

ولا نستطيع القول إننا درسنا بما يكفي هذه الشيفرات الثقافية والاجتماعية لرمضان. فكتب علم الاجتماع غالبًا ما تسرد مسار العلمنة، وتعدّد آثار الحداثة في الدين. لكن حين ننظر في مرآة رمضان، تتبدل الصورة.

فالتدين لا يُقاس بإحصاءات مواقف سياسية. الصوم، والصدقة، وموائد الإفطار، وحلقات التلاوة… كلها مؤشرات على نمط عيش.


رمضان مناخٌ كامل. وكلمة فيه قد تتحول إلى حدث. وكونه الشهر الذي أُنزل فيه القرآن يعمق هذا المناخ أكثر. فالقرآن في رمضان لا يُقرأ فقط؛ بل يُستعاد سماعه. تُركن نقاشات السياق التاريخي جانبًا، وتخاطب الآية إنسان اليوم مباشرة. تتكلم «هنا والآن».


هذا الشهر فرصة لقراءة أنفسنا أيضًا

غير أن مرآة رمضان لا تعكس دائمًا صورًا مريحة. القلب الذي تُهذّبه المجاعة ينبغي أن يمتلئ رحمة. واللسان الذي يقول: «لماذا نساعد غيرنا ولدينا فقراؤنا؟» يُسيء إلى روح الصوم. والمواقف التي لا تُنفق، بل تمنع غيرها من الإنفاق، تناقض نداء الرحمة في رمضان.


وثمة مسألة الحنين إلى الماضي. سؤال «أين رمضانات زمان؟» يُطرح كل عام من جديد. لعل كل جيل يشتاق إلى رمضان طفولته. لكن تجميل الماضي مع تجاهل الحاضر نوع من قلة الشكر. فلكل عصر إمكاناته وجمالياته. معارض الكتب في ساحات المساجد اليوم، حملات المساعدة التي ينظّمها الشباب عبر وسائل التواصل، موائد الإفطار التي تُبثّ في اللحظة نفسها من أنحاء العالم… هذه أيضًا رمضانات هذا العصر.


رمضان ليس تطهيرًا فرديًا فحسب، بل وعيًا بالأمة


ما يجري في غزة، وفي القدس، وفي سائر الجغرافيات المظلومة يُستشعر في رمضان بعمق أكبر. فالتجربة الرمزية للجوع تُوقظ وعينا بالجوع الحقيقي. قد تكون موائد إفطارنا عامرة؛ لكن إن كان هناك من يفطر تحت القصف، فإن مرآة رمضان تقلقنا.


إنه شهر المواجهة، لا مع النفس وحدها، بل مع مسار العالم أيضًا


يذكّرنا رمضان بالوحدة، لكنه يكشف أيضًا غيابها. نقول إن المؤمنين إخوة، لكننا كثيرًا ما نقصّر في مقتضى هذه الأخوّة. ولعل نداء رمضان الأصيل يكمن هنا: كما نجلس إلى المائدة نفسها، ينبغي أن نكون قادرين على تقاسم المصير نفسه.


مع قدوم رمضان يبطؤ العالم قليلًا. تنفتح فجوة وسط زحمة الأيام. وفي تلك الفجوة يسمع الإنسان صوته، نبض قلبه، أنين ضميره، ارتعاش دعائه…

فلنستقبل رمضان لا كشهر في التقويم فحسب، بل كمرآة. مرآة ننظر فيها إلى أنفسنا، وإلى مجتمعنا، وإلى تاريخنا، وإلى مستقبلنا. ونحن نجوع، فلنفتح قلوبنا. ونحن نصمت، فلنطهّر كلماتنا. ونحن نوسع موائد إفطارنا، فلنوسع رحمتنا.


فرمضان يأتي ويمضي. لكن ما يبقى منه، رهن بإرادتنا.


ليكن رمضان باعثَ يقظةٍ فينا، وليكن الصوم عونًا لنا على تهذيب أنفسنا، حتى نقترب أكثر من حقيقتنا ومن ربّنا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق