طاعون أصاب العقلَ المسلمَ
لا أعرف طاعوناً أصاب العقلَ المسلمَ في مقتل؛ مثل: (الإسرائليات) في التفسير، و(الشيعيات) في التاريخ!!
ولأنَّ القرآن الكريم لا تَفنى عجائبُه ولا يَخلقُ مِن كثرة الرد؛ فقد خَفَّفَ أثرَ الإسرائيليات في تفسيره نظراتُ العلماء فيه عبر الأجيال، وما فَتحَ اللهُ به على أهل كل جيلٍ مِن فهمٍ فيه ربما لم يُدركه مَن سَبقهم.. ولعل هذا وأمثاله داخلٌ ضمن كفالة الله بحفظ كتابه.
أما (الشيعيات) في التاريخ فهي الداء العضال الذي لا أعرف كيف يمكن أن يزول ضررُها أو يخف أثرُها؛ خاصةً وقد تسربت إلى عقول وكتابات علماء المسلمين عبر الأجيال- تحت مسوغات شتى- دون أن تنهض حركةٌ واسعة لغربلتها، وتنقية تاريخنا منها، أو مِن أكثرها.
إنني أعلمُ أنَّ إخضاعَ أحداث التاريخ لمنهج (الجرح والتعديل الحديثي الصارم) صعبٌ جداً؛ إنْ لم يكن محالاً، ولا أظن ذلك منهجاً صحيحاً في قراءة التاريخ عموماً..
بيد أنَّ الأصل عندي استصحاب هذا المنهج الحديثي الصارم في الأحداث الكبرى والوقائع المفصلية التي انبنت عليها آراءٌ شكلت فِرَقَاً وطوائف ومذاهب، أو أنتجت صوراً مغلوطةً عن شخصياتٍ تاريخية قُدِّسَتْ غلواً، أو لُعنتْ ظُلماً!!
وغنيٌ عن البيان هنا أنَّ أحداثَ الفتنة بين الصحابة رضوان الله عليهم منذ استشهادِ الإمام المظلوم عثمان رضي الله عنه وأرضاه، والانقلابِ على نظام الشورى، وحتى قيام دولة الفتوحات العظمى الدولة الأموية؛ هي الأحداث التي أنتجت غالبية الفرق والطوائف والمذاهب الإسلامية، والمتأسلمة بعد ذلك.. فلا أقلَّ مِن إخضاع هذه الأحداث بعينها (لشيءٍ) مِن منهجية حديثيةٍ تُقارب الصرامة أو لا تبعد عنها.. فإنْ لم تُسقط (مَتْنَهَا) بالكلية، أو تُخضعه للتحليل التاريخي الذي يدرس طبيعة الزمان والمكان والشخصيات، ويضم الوقائع بعضها إلى بعض، وينفي ما هو غريب أو مستبعد عن طبيعة الزمان والمكان والشخصيات؛ فلا أقلَّ مِن التحذير مِن (سلاسل سَنَدِهَا) التي رَوَتْ هذه الأحداث والوقائع؛ حتى يعرف الناسُ حقيقةَ (الراوي)، وحقيقةَ مذهبِهِ، وحقيقةَ أخلاقِه جَرحاً أو تعديلاً؛ فيعرفوا بذلك درجةَ صحةِ الرواية بمعرفة درجة صاحبها.. مع الأخذ في الاعتبار أنَّ استخدام هذا المنهج الحديثي الصارم لم يحفظ حتى كلامَ النبي صلى الله عليه وسلم مِن تسرب الأكاذيب والموضوعات إليه، ولكنه قَلَّلَها أو حَاصَرَهَا..
فما بالك بكلام غيره من عامة الناس في تواريخهم وآدابهم وأسمارهم.. وما لا يُدركُ كُلُّه لا يُترك جُلُّه..
وقد قضيتُ عُمُراً أقرأ الغرائبَ والعجائبَ في كتب التاريخ مبدوءةً بـ: حَدَّثَنا أبو مخنف، أو ابن السائب الكلبي، أو المدائني؛ عن فُلانِ عن فُلانٍ عن فُلان؛ فأتخيلُ أنّي أقرأ: حَدَّثَنا (أحمد موسى)؛ عن (عمرو أديب)؛ عن (إبراهيم عيسى)؛ عن (مصطفى بكري)!!
ولا تعجبوا.. فإنَّ غالب تاريخنا نُقِلَ عن أمثال هؤلاء الكَذَبَة؛ تبعاً لمنهج (التغاضي والتسامح) في روايات التاريخ وحكايات الأدب؛ ليصبح التاريخُ قاتلاً والأدبُ مُدَمِّراً!!
وقد بدأتُ ألحظ انتشارَ منشوراتٍ لشبابٍ غَضِّ السِّنِ- وإنْ شئتَ فقل: غَضِّ العقل- يلتقطون فيها مِن كتب التاريخ (الطبري مثالاً)؛ بعضَ أقاصيص الفتنة بين الصحابة- غير ناظرين إلى رُواتِها وأسانيدها- ثم يُلقونها في وجوه الناس؛ ليؤسسوا عليها حكماً، أو يتبنوا بها رأياً، أو ينصروا بها اتجاهاً.. ومَن يفعل هذا وأمثالَه عُلِّمَ معنى (السند)، وفُهِّم أصولَه إنْ كان جاهلاً، ثم طُبْطِبَ على كتفيه وَوُضِع (جنب الحيط)!!
وإنْ كان عالماً بالمعنى والأصول؛ فهو مدخول النيةِ لا يستحق أقلَّ مِن الحَطِّ عليه، وتبيين عوار أقاصيصه المنقولة للناس، ثم تركه ينطح الجبل بقرنيه.. وَحَسْبُه مِن الحَطِّ عليه؛ حَطُّه على نفسه حين يؤسس حُكماً، أو يَبني رأياً، أو ينصر اتجاهاً؛ معتمداً فيه على عمرو أديب، أو أحمد موسى، أو مصطفى بكري.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق