الاثنين، 24 أغسطس 2026

المقارنة المميتة وفخ فيستنغر الاجتماعي

 المقارنة المميتة وفخ فيستنغر الاجتماعي

حمد حسن التميمي

هناك إنجازات تموت بعد ولادتها بدقائق. لا لأن أصحابها اكتشفوا أنها ناقصة، بل لأن اسماً آخر دخل الغرفة. يفرح موظف بترقيته حتى يعرف أن زميل دراسته أصبح مديراً، ويرضى رجل عن بيته حتى يرى بيت قريب انطلق معه من النقطة نفسها، ويعتز كاتب بكتابه حتى يسمع بالاحتفاء الذي حظي به من بدأ الكتابة معه. لم يخسر أحد منهم شيئاً، لكن نجاح الآخرين جعل إنجازاتهم تبدو في أعينهم أصغر مما كانت عليه.

فالغريب البعيد قد يُثير إعجابنا، أما الذي يشبهنا فيربكنا. لا نراه شخصاً نجح في طريقه، بل سؤالاً يمشي أمامنا: إذا بدأنا معاً، فلماذا وصل هو قبلي؟ ومن هذا السؤال لا تولد الغيرة وحدها، بل تبدأ محاكمة كاملة لحياتنا؛ نعيد فيها الحكم على أعمارنا ومواهبنا وقراراتنا، لا بما حققناه، بل بالمسافة التي تفصلنا عن شخص آخر.

في عام 1954، نشر عالم النفس الاجتماعي ليون فيستنغر بحثه «نظرية عمليات المقارنة الاجتماعية» في مجلة العلاقات الإنسانية العلمية. 

رأى أن لدى الإنسان دافعاً إلى تقييم آرائه وقدراته، وأنه حين لا يجد معياراً موضوعياً، يلجأ إلى الآخرين ليعرف موقعه. 

وبلغة أقرب إلى حياتنا، يستطيع المرء أن يقيس طوله بالمتر، لكنه لا يجد أداة تخبره أن كان ناجحاً بما يكفي، أو متقدماً في حياته، أو جديراً بالمكان الذي يطمح إليه. 

وحين يغيب المقياس، يصبح الناس وحدات قياس.

ومن بين ما افترضه فيستنغر أن ميل الإنسان إلى المقارنة يتراجع كلما اتسعت المسافة بينه وبين من يقارن نفسه به. 

لذلك قد لا تستفز الموظف ثروة رجل وُلد في عالم بعيد عنه، بقدر ما يستفزه منصب ناله زميل كان يجلس إلى جواره. 

البعيد حكاية، أما الشبيه فمرآة؛ لأنه يجعل الوصول يبدو ممكناً، ثم يحول تأخرنا عنه إلى سؤال شخصي لا نستطيع الهرب منه.

لكن المقارنة لم تبق وسيلة نفهم بها موقعنا، بل تحولت في مجتمعات كثيرة إلى سلطة توزع المواعيد على الأعمار. 

في سن معينة يجب أن تتخرج، ثم تعمل وتتزوج وتملك بيتاً، وتصل إلى منصب يليق بعدد السنوات التي مضت. 

ومن يتأخر عن هذا الجدول لا يُسأل عما اختاره، بل عما عطله. كأن للحياة ساعة واحدة، وكأن الناس خُلقوا ليصلوا إلى المحطات نفسها بالترتيب نفسه.

وتبدأ هذه السلطة مبكراً. 

يدخل الطفل بيته حاملاً درجة عالية، فيُسأل عن درجة ابن عمه قبل أن يسمع كلمة تقدير. 

هكذا يتعلم أن نجاحه لا يكفي في ذاته، وأن عليه أن يجد شخصاً يتفوق عليه قبل أن يسمح لنفسه بالفرح. ثم يكبر، وتأتي المنصات فتوسع دائرة المقارنة أمامه؛ يرى في جلسة واحدة نجاحات لا تنتهي لأشخاص يعرف بعضهم ولا يعرف أكثرهم. لا يرى الطرق التي قادت إليها، بل لحظات الوصول وحدها، فيخرج شاعراً بأن الجميع تقدموا وأنه وحده تأخر.

وقد تكون المقارنة دافعاً حين تكشف للإنسان ما يستطيع بلوغه، لكنها تصبح فخاً حين تتحول تجربة الآخر إلى حكم على تجربته. 

هناك فرق بين أن يقول: «إذا استطاع، فقد أستطيع»، وأن يقول: «لأنه استطاع، فأنا متأخر». عندها قد يختار تخصصاً لا يحبه، أو يستعجل زواجاً لم يستعد له، أو يشتري بيتاً لا يقدر على ثمنه، حتى لا يبدو أقل من أقرانه. وهنا تصبح المقارنة مميتة؛ لا لأنها تنهي حياته، بل لأنها تدفعه إلى أن يعيش حياة لم يخترها.

الاسم الآخر الذي دخل الغرفة لم يأخذ الترقية، ولم يسكن البيت، ولم يكتب الكتاب. جلس فقط في موضع الميزان، ونحن الذين وضعنا أمامه أعمارنا. ذلك هو فخ فيستنغر الاجتماعي: ألا تخسر إنجازك، بل تفقد القدرة على رؤيته؛ فبعض الأعمار لا تضيع لأنها أخفقت، بل لأنها ظلت تصل في مواعيد الآخرين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق