السبت، 28 مارس 2026

من قناة السويس إلى هرمز.. هل تبدأ نهاية أمريكا من المضيق؟

من قناة السويس إلى هرمز.. هل تبدأ نهاية أمريكا من المضيق؟




مضيق هرمز. هذا المضيق لا تقتصر أهميته على كونه معبرًا لنحو خُمس نفط العالم، بل لأنه شريان مركّب يمر عبره جزء كبير من اقتصاد العصر الحديث بكل طبقاته، من الطاقة إلى الصناعة إلى الاتصالات..

لم تسقط الإمبراطوريات يومًا لأنها خسرت معركة واحدة، بل لأنها فقدت السيطرة على ما يربط العالم بها. هذه ليست عبارة إنشائية، بل خلاصة دراسة عميقة قدّمها المستثمر والمفكر العالمي رأي داليو، في كتابه "النظام العالمي المتغيّر"، الصادر عام ٢٠٢١ عن دار نشر أميركية في نيويورك، حيث يتتبع تاريخ الإمبراطوريات خلال خمسة قرون ليكشف نمطًا يتكرر بلا استثناء تقريبًا: صعود، ثم ذروة، ثم تآكل بطيء يبدأ من الداخل قبل أن يظهر على شكل عجز عن حماية مفاصل التجارة العالمية.

هرمز تحول من مضيق إلى رمز لهيبة وجبروت وسيطرة أمريكا على العام، فإن خسرت معركته، خسرت الحرب، وخسر الدولار، وبدأت خسارتها الكبرى كإمبراطورية تحولت عبر العقود الماضية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى مركز العالم!
ولعلّ المقارنة الأكثر دلالة، والتي تعطي هذا الطرح وزنه الحقيقي، هي ما جرى للإمبراطورية البريطانية. تلك القوة التي كانت تحكم ربع العالم لم تسقط فجأة، بل بدأت رحلة الأفول عندما فقدت السيطرة على قناة السويس عقب أزمة السويس 1956. في تلك اللحظة، لم تخسر بريطانيا معركة عسكرية فقط، بل خسرت شريانها الحيوي الذي كانت تتدفق عبره تجارتها ونفوذها. ومن هناك، بدأ التراجع الصامت حتى تقلّصت "بريطانيا العظمى" إلى دولة عادية، بعد أن كانت مركز النظام العالمي!

اليوم، يعيد التاريخ طرح نفسه ولكن عبر عقدة جديدة أكثر تعقيدًا وخطورة: مضيق هرمز. هذا المضيق لا تقتصر أهميته على كونه معبرًا لنحو خُمس نفط العالم، بل لأنه شريان مركّب يمر عبره جزء كبير من اقتصاد العصر الحديث بكل طبقاته، من الطاقة إلى الصناعة إلى الاتصالات. فمن خلاله تعبر شحنات الغاز الحيوي مثل الهيليوم، الذي يدخل في صناعات دقيقة لا غنى عنها، كما تمر عبره مواد استراتيجية كبرى مثل الأسمدة التي يرتبط بها الأمن الغذائي العالمي، فضلًا عن كونه جزءًا من شبكة أعقد تشمل كابلات الاتصالات البحرية التي يقوم عليها تدفق الإنترنت والبيانات. أي أن الحديث هنا لم يعد عن نفط فقط، بل عن بنية الحياة الحديثة نفسها.

لا يصبح مضيق هرمز مجرد موقع جغرافي، بل اختبارًا تاريخيًا مكثفًا. فكما كانت قناة السويس لحظة كشفت عجز بريطانيا وأعلنت بداية أفولها، يقف هرمز اليوم كمرآة تعكس قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على موقعها في عالم يتغير بسرعة، خاصة في ظل تراكم الديون، وتعمّق الانقسام الداخلي، وصعود الصين كمنافس يعيد تشكيل ميزان القوى.
وفي هذا السياق، يحذر راي داليو في تصريحات حديثة نقلتها وسائل إعلام متعددة، من أن السيطرة على هذا المضيق تمنح تأثيرًا هائلًا على الاقتصاد العالمي، وأن الصراع حوله قد يكون لحظة حاسمة في تحديد ملامح المرحلة القادمة، بل إن العالم قد يكون بالفعل على أعتاب مرحلة أكثر خطورة، وهي مرحلة ترتبط عادة بلحظات تغيّر النظام العالمي.

بهذا المعنى، لا يصبح مضيق هرمز مجرد موقع جغرافي، بل اختبارًا تاريخيًا مكثفًا. فكما كانت قناة السويس لحظة كشفت عجز بريطانيا وأعلنت بداية أفولها، يقف هرمز اليوم كمرآة تعكس قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على موقعها في عالم يتغير بسرعة، خاصة في ظل تراكم الديون، وتعمّق الانقسام الداخلي، وصعود الصين كمنافس يعيد تشكيل ميزان القوى.

التاريخ، كما يقرأه راي داليو، لا يكرر نفسه حرفيًا، لكنه يعيد أنماطه بدقة مقلقة. في حكاية انهيار كل الامبراطوريات الكبرى، كانت البداية دائمًا من لحظة تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها تحمل في داخلها بداية التحول الكبير. واليوم، يقف العالم أمام سؤال لا يمكن تجاهله: هل يكون مضيق هرمز هو قناة السويس الجديدة؟ أم أن العالم على وشك اكتشاف أن هذه المرة، ليس مجرد شريان واحد هو ما يُختبر، بل كامل النظام الذي يقوم عليه؟

هل علمنا اليوم لم تركزت المعضلة الرئيسة في الحرب التي شنتها واشنطن على إيران على فتح مضيق هرمز بصفة محددة، (وقد كان مفتوحا أصلا قبل الحرب!) مع أن نفطها لا يمر من هذا المضيق، كما تبجح رئيسها ترامب غير مرة؟

هرمز تحول من مضيق إلى رمز لهيبة وجبروت وسيطرة أمريكا على العام، فإن خسرت معركته، خسرت الحرب، وخسر الدولار، وبدأت خسارتها الكبرى كإمبراطورية تحولت عبر العقود الماضية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى مركز العالم!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق