نبوءة ‘‘خراب مصر’’ بين الكتاب المقدَّس وأحاديث الفتن “3”
د.عبد الرحمن المصري
تصوُّر ماسوني لمجيئ ‘‘المسيح’’ إلى مصر
قدَّمت شركة سيمور ستوديوز (Seymour Studios)، المعنيَّة بإنتاج أفلام رسوم متحرّكة تروّج لأفكار الماسونيَّة وتنشر رموزها، مطلع عام 2021م جزءً جديدًا في سلسلة I, Pet Goat، أو أنا، الماعز الأليف هو الثَّالث، بعد 8 سنوات من نشْر الجزء الثَّاني، الَّذي أنتجته الشَّركة الكنديَّة، هليوفانت (Heliofant) عام 2013م. يظهر المسيح في الجزء الثَّاني من الفيلم وهو لم يزل مقيَّدًا وغائبًا عن الوعي في كهفه، قبل أن تنطلق رحلته على قارب في بحر مظلم.
“أنا الماعز الأليف 2” صورة 1 – المسيح لم يزل مقيدًا
ويتزامن انطلاق رحلة المسيح وخروجه من كهفه مع ظهور الجماعات الجهاديَّة/الإرهابيَّة الَّتي تسعى إلى تأسيس دولة الخلافة الإسلاميَّة، ويُرمز إلى ذلك بشخصيَّة أسامة بن لادن، الملياردير السَّعودي مؤسّس تنظيم القاعدة في أفغانستان عام 1988م، والَّذي اغتالته أمريكا عام 2011م، بعد اتّهامه بارتكاب أعمال إرهابيَّة ضدَّها، على رأسها تدبير تفجير برجي مبنى مركز التّجارة العالمي في نيويورك في 11 سبتمبر 2001م.
“أنا،الماعز الأليف 2″صورة 2 – أسامة بن لادن يهم بالصلاة ،وعلى اليمن هلال أحمر يرمز إلى دموية الإسلام كما يراه الغرب
يشرع المسيح في رحلته، حيث يخرج على قاربه من الكهف المظلم، قبل أن ينشط ويستفيق.
“أنا،الماعز الأليف 2” صورة السيد المسيح يخرج من كهفه وتنزل عليه طاقة توقظه
يستيقظ المسيح بعد أن تنشّطه الطَّاقة النَّازلة عليه من السَّماء، ويفتح عينيه. من الملفت أنَّ رمزين من أهمّ رموز الماسونيَّة يظهران على جبهة المسيح، هما الهرم، مسكن الشَّيطان على الأرض، أسفله عن الرّقابة الإلهيَّة؛ ممَّا يجعل هذا النَّموذج يمثّل الدَّجَّال أكثر من المسيح عيس بن مريم، رسول الله (عليه وعلى سائر أنبياء الله ورسله أزكى الصَّلوات والتَّسليم).
“أنا ، الماهز الأليف 2” صورة 4- رموز الماسونية تعلو جبهة المسيح “الدجال”
ويُلاحظ أنَّ استيقاظ المسيح/الدَّجَّال يتزامن مع انهيار برج كنيسة، كما يظهر يسار الصَّورة 4. ومن الملفت أنَّ البعض وجد تشابهًا بين انهيار برج الكنيسة في أنا، الماعز الأليف 2 وانهيار برج كنيسة نوتردام دو باري (Notre-Dame de Paris)، وهي كنيسة كاثوليكيَّة تعود إلى فترة القرون الوسطى وتقع في قلب العاصمة الفرنسيَّة، باريس، عند تعرُّضها للحريق في 15 أبريل 2019م. وقد فُسّر ذلك بإيذان انهيار الكنيسة الكاثوليكيَّة، الَّتي تؤمن عقيدتها بالصُّهيونيَّة، وبخاصَّة بما يتعلَّق بتأسيس مملكة المسيح العالميَّة في آخر الزَّمان، واتّخاذ الأرض المقدَّسة عاصمة لها. وبانهيار الكنيسة الكاثوليكيَّة، الَّتي يدين بعقيدتها السَّواد الأعظم من مسيحيي العالم، سيصبح للكنيسة البروتستانتيَّة، صاحبة عقيدة الصُّهيونيَّة المسيحيَّة، السّيادة، بعد أن ينضمَّ إليها الكاثوليك.
انهيار برج كنيسة في ‘‘أنا، الماعز الأليف 2’’ وانهيار برج كاتدرائيَّة نوتردام دو باري
ويصل المسيح/الدَّجَّال إلى مصر على قاربه، بالتَّزامن مع سقوط صاعقة على الهرم الأكبر، تفجّر قمَّته.
“أنا،الماعز الأليف2” صورة 5 تفجّر قمة الهرم الأكبر في مصر مع وصول المسيح “الدجال”
وللرَّبط بين أحداث أنا، الماعز الأليف 2 والجزء الجديد، تبدأ أحداث أنا، الماعز الأليف 3 بظهور قمَّة متحرّكة للهرم الأكبر في مصر، في وسطها عين ترمز إلى عين الرّقابة الإلهيَّة، في إشارة إلى هيمنة الماسونيَّة على العالم، مع اقتراب خروج المسيح/الدَّجال. ويظهر على اليمين شخصان يتعاركان، يشبهان الرَّئيسين الأمريكي، جو بايدن، والرُّوسي، فلاديمير بوتين، في إشارة إلى احتماليَّة اندلاع حرب عالميَّة جديدة بسبب صراعهما على الرّيادة في العالم.
‘‘أنا، الماعز الأليف 3‘‘-صورة 1-هيمنة الماسونيَّة على العالم بالتَّزامن مع حرب عالميَّة جديدة
يظهر المسيح/الدَّجَّال على عرشه داخل الهرم الأكبر، ويحيط به مجموعة من الجنود الواجمين، وكأنَّما يشيع الفيلم، زورًا، أنَّ جيش مصر في خدمة مخطَّطات الماسونيَّة.
‘‘أنا، الماعز الأليف 3‘‘-صورة 2-المسيح/الدَّجال على عرشه داخل الهرم الأكبر
تنتقل بؤرة التَّركيز بعد ذلك إلى من الهرم الأكبر في مصر إلى مسجد آيا صوفيا في إسطنبول، آخر عاصمة لدولة الخلافة الإسلاميَّة، حيث يظهر شاب، يمثّل المهدي/ضدَّ المسيح، وهو يؤمُّ المصلّين في المسجد.
‘‘أنا، الماعز الأليف 3‘‘-صورة 3-المهدي/ضدُّ المسيح يؤم المسلمين في مسجد آيا صوفيا
تقرَّر إعادة الصَّلاة فيه بدءً من الجمعة 24 يوليو 2020م، بعد أسبوعين من قرار الحكومة التُّركيَّة عام 1934م، في عهد كمال أتاتورك، هادم نظام الخلافة في 28 رجب 1342ه/3 مارس 1924م بتحويل المسجد إلى متحف. ويجدر التَّذكير بأنَّ آيا صوفيا كان في الأصل كاتدرائيَّة أرثوذكسيَّة بُنيت في القرن الرَّابع الميلادي، في عهد الإمبراطور قنسطانطيوس الثَّاني (337-361م)، ثمَّ حوَّلها السُّلطان محمَّد الفاتح إلى مسجد بعد فتْح القسطنطينيَّة عام 1453م.
إقامة الصَّلاة لأوَّل مرَّة داخل مسجد آيا صوفيا بعد 86 عامًا-الجمعة 24 يوليو 2020م
في هذه المرحلة، يدور طبقٌ طائر فوق الهرم الأكبر، حيث يتَّخذ المسيح/الدَّاخل عرشه، ثمَّ يدخل الطَّبق إلى داخل الهرم.
‘‘أنا، الماعز الأليف 3‘‘-صورة 4-طبق طائر يدور فوق الهرم الأكبر
وحينها، يبدأ المسيح/الدَّجَّال في التَّحرُّك، بعد أن يركب الطَّبق الطَّائر، تمهيدًا لتحقُّق نبوءة العهد القديم لظهور الرَّبّ في مصر على سحابة: “وَحْيٌ مِنْ جِهَةِ مِصْرَ: هُوَ ذَا الرَّبُّ رَاكِبٌ عَلَى سَحَابَةٍ سَرِيعَةٍ وَقَادِمٌ إِلَى مِصْرَ” (اشعياء: إصحاح 19، آية 1).
‘‘أنا، الماعز الأليف 3‘‘-صورة 5-المسيح/الدَّجَّال يبدأ في التَّحرُّك
غير أنَّ ظهور الرَّبّ في مصر لا بدَّ وأن تسبقه سنوات المحنة الكبرى، وهي فترة تسلُّط المهدي/ضدّ المسيح على أتباع المسيح/الدَّجَّال، وسيطرته على حُكم العالم. وكما يدَّعي أنا، الماعز الأليف 3، يباشر المهدي/ضدُّ المسيح مهمَّته بعد ظهور تابوت عهد الرَّبّ أسفل مسجد آيا صوفيا.
‘‘أنا، الماعز الأليف 3‘‘-صورة 6-خروج تابوت عهد الرَّبّ من تحت الأرض في مسجد آيا صوفيا
ويُعثر بداخل التَّابوت على كتاب من المفترض أنَّه النُسَّخة الأصليَّة للتَّوراة، الَّتي تبشّر بالنَّبيّ مُحمَّد(ﷺ)، الَّذي يظهر اسمه بالعبريَّة. والمفارقة أنَّ كلمة “מַחֲמַדִּים”، أو محمَّديم، وردت كثيرًا في العهد القديم، ولكن بمعنى الجمال والاشتهاء، ولا صلة لها بالتَّنبُّؤ عن النَّبيّ مُحمَّد(ﷺ)، كما يشير مفسّرو الكتاب المقدَّس.
‘‘أنا، الماعز الأليف 3‘‘-صورة 7-‘‘מַחֲמַדִ’’ تعني محمَّد بالعبريَّة
وقد ذُكر في العهد القديم أنَّ الرَّبَّ أمر بني إسرائيل بصناعة تابوت من خشب السَّنط لحفظ ألواح الوحي المنزَّلة عليهم من السَّماء: “«فَيَصْنَعُونَ تَابُوتًا مِنْ خَشَبِ السَّنْطِ، طُولُهُ ذِرَاعَانِ وَنِصْفٌ، وَعَرْضُهُ ذِرَاعٌ وَنِصْفٌ، وَارْتِفَاعُهُ ذِرَاعٌ وَنِصْفٌ” (سفر الخروج: إصحاح 25، آية 10). بغضّ النَّظر عمَّا إذا كانت موصفات التَّابوت المذكورة في الكتاب المقدَّس تتوافق مع موصفات التَّابوت الَّذي يظهر في أنا، الماعز الأليف 3 أم لا، فمن المفترَض أنَّ هذا التَّابوت ليس الأصلي؛ حيث أنَّ الأصلي ليس تحت الأرض، إنَّما “تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ”، مصداقًا لقول الله تعالى﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ﴾[سورة البقرة: 248]. ويبدو أنَّ المقصود بذلك هو إظهار استناد المهدي/ضدّ المسيح، الَّذي يرتدي ملابس عصريَّة في إشارة إلى أنَّه ليس بداعية إسلامي ولا عضو في تنظيم مسلَّح، إلى أدلَّة واهية على بطلان الاعتقاد في ألوهيَّة المسيح.
‘‘أنا، الماعز الأليف 3‘‘-صورة 8-المهدي/ضدُّ المسيح يحمل إنجيل برنابا أمام وسائل الإعلام العالميَّة
يتَّضح ذلك أكثر في ظهور المهدي/ضدّ المسيح يحمل كتابًا يُفترَض أنَّه النُّسخة الأصليَّة للإنجيل، وهو إنجيل برنابا، كما يظهر اسمه على الشَّاشة في الخلفيَّة (Gospel of Barnabas)، وهو الَّذي تنكر الكنيسة صحَّته وتؤكّد أنَّه مجرَّد هرطقة لا صحَّة لها. وكما سبق الإيضاح، يُقرُّ المسيح في إنجيل برنابا أنَّه بشرٌ عاديٌّ من تراب (الفصل 212)، ويبشّر ببعثة النَّبي مُحمَّد(ﷺ)، الَّذي يأتي من بعده (الفصل 42)، في ذلك ما يتطابق مع قول الله تعالى﴿ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ﴾[سورة الصَّفّ: 6]. ويظهر المهدي/ضدُّ المسيح وهو يؤكّد على أنَّ الإنجيل الَّذي بين يديه “يحتوي على نفس الآية في القرآن”، كما تقول العبارة على الشَّاشة “It contains the same verse as the Quran”.
‘‘أنا، الماعز الأليف 3‘‘-صورة 9-المهدي/ضدُّ المسيح يؤكّد تطابُق إنجيل برنابا مع القرآن الكريم
ويتوافق ذلك مع ما جاء في العهد الجديد ضدَّ المسيح، من أنَّه يُنكر ألوهيَّة المسيح وبنوَّته للرَّبّ: “مَنْ هُوَ الْكَذَّابُ، إِلاَّ الَّذِي يُنْكِرُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ؟ هذَا هُوَ ضِدُّ الْمَسِيحِ، الَّذِي يُنْكِرُ الآبَ وَالابْنَ” (رسالة يوحنَّا الرَّسول 1: إصحاح 2، آية 22). وتظهر على الشَّاشات آيات من سورة آل عمران تنفي مزاعم الأناجيل حول ألوهيَّة المسيح، وهي قول الله تعالى﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ۚ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) ﴾[سورة آل عمران: 62-64
‘‘أنا، الماعز الأليف 3‘‘-صورة 10-آيات تنكر ألوهيَّة المسيح وبنوَّته لله تعالى
وبظهور المهدي/ضدّ المسيح، تبدأ سنوات -المحنة الكبرى، الَّتي يفنى خلالها عدد كبير من اليهود، وتبدأ مهمَّته بإسقاط الإمبراطوريَّة الأمريكيَّة، كما يتمثَّل في إصابة نسر يحلّق في الهواء بسهمه.
‘‘أنا، الماعز الأليف 3‘‘-صورة 11-المهدي/ضدُّ المسيح يصيب نسرًا يرمز إلى أمريكا
نبوءة ‘‘خراب مصر’’ بين الكتاب المقدَّس وأحاديث الفتن “2”
د. عبد الرحمن المصري
لا يستبعد روزنبرغ أن تكون الثَّورات الشَّعبيَّة الَّتي اندلعت مطلع العقد الثَّاني من القرن الحالي والعشرين للميلاد، في عدَّة دول عربيَّة كانت مصر أوسطها، ممهّدة للحرب الأهليَّة الَّتي تخبر عنه نبوءة اشعياء (إصحاح 19، آية 2)، مؤكّدًا على ضرورة توظيف الطَّاقات الإيمانيَّة المصريَّة للاستعداد لليوم العظيم، ويوم مجيء الرَّبّ. واستكمالًا لأهمّ ما تحمله النُّبوءة، هناك توقُّع لحدوث تقارُب بين مصر وأشور لدرجة وجود طريق لنقْل المواطنين بين مصر وأشور: “فِي ذلِكَ الْيَوْمِ تَكُونُ سِكَّةٌ مِنْ مِصْرَ إِلَى أَشُّورَ، فَيَجِيءُ الأَشُّورِيُّونَ إِلَى مِصْرَ وَالْمِصْرِيُّونَ إِلَى أَشُّورَ، وَيَعْبُدُ الْمِصْرِيُّونَ مَعَ الأَشُّورِيِّينَ” (23). ويوضح المبشّر الصُّهيوني أنَّ إمبراطوريَّة أشور في الماضي كانت تضمُّ العراق والشَّام، الَّذي انفصل إلى 4 دويلات، هي سوريا والأردن ولبنان وفلسطين، على يد الاحتلال البريطاني مطلع العشرينات من القرن الماضي. وتأمُّل واقع مجريات الأحداث اليوم، نجد إبرام اتّفاق للتَّعاون الاقتصادي والسّياسي بين مصر والعراق والأردن، تحت اسم مشروع ‘‘الشَّام الجديد’’، ومن بين أركانه تسيير خطّ للنَّقل البرّي بين مصر والعراق والأردن لتسهيل التَّبادل التُّجاري بين الدُّول الثَّلاث. وقد عُقدت في العاصمة العراقيَّة، بغداد، في 27 يونيو 2021م، قمَّة ثلاثيَّة بين زعماء الدُّول الثَّلاث، “تناولت سبل تعزيز التَّعاون الثُّلاثي المشترك في مختلف المجالات بين الدُّول الثَّلاث، في إطار العلاقات التَّاريخيَّة والأخويَّة الَّتي تجمعهم”، نقلًا عن موقع روسيا اليوم.
ويفترض روزنبرغ أنَّ الهدف من تسيير “سِكَّة مِنْ مِصْرَ إِلَى أَشُّورَ” هو تسهيل قدوم المواطنين إلى مصر للعبادة، على اعتبار أنَّهم جميعًا يشتركون في الاعتقاد الدّيني بيسوع المسيح، وحينها سيباركهم الرَّبُّ جميعًا بعد أن يصبحوا شعبه، مثل إسرائيل، بعد أن يجتمع المسيحيون في مصر وأشور: “فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ إِسْرَائِيلُ ثُلُثًا لِمِصْرَ وَلأَشُّورَ، بَرَكَةً فِي الأَرْضِ. بِهَا يُبَارِكُ رَبُّ الْجُنُودِ قَائِلًا: «مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْرُ، وَعَمَلُ يَدَيَّ أَشُّورُ، وَمِيرَاثِي إِسْرَائِيلُ»”. ويتأسَّف روزنبرغ على أنَّ فئة من المسيحيين الأرثوذكس لا يؤمنون بنبوءة مجيء المسيح إليهم، مضيفًا أنَّه لا يريد أن يجادلهم، لكنَّه يتعجَّب من تعنُّتهم في رفْض الإيمان بتلك النُّبوءة. ويدعو المبشّر الصُّهيوني، الَّذي استقرَّ في السَّنوات الأخيرة في دولة الاحتلال الإسرائيلي، إلى “دعْم وتدريب الَّذين يخرجون من الإسلام ويدخلون دين المسيح”، للشُّروع في العمل التَّبشيري في مصر. ويعترف روزنبرغ بأنَّ التَّحوُّل إلى المسيحيَّة نادرًا ما يحدث ذلك في مصر؛ لأنَّ ترْك الإسلام في دولة الغالبيَّة العظمى من أهلها من المسلمين (أكثر من 90 بالمائة على أقلّ تقدير) مسألة في “غاية الحساسيَّة” و “محفوفة بالمخاطر”، على حدّ قول المبشّر، الَّذي يعترف، مع ذلك، بتحسُّن أوضاع المسيحيين في الآونة الأخيرة. لا يكفي عدد المسيحيين في مصر، الَّذي يقدّره المبشّر الصُّهيوني بحوالي 15 إلى 17 مليون شخص وهو في الحقيقة أقل بكثير، لتهيئة الأجواء لقدوم المسيح؛ يُضاف إلى ذلك أنَّ غالبيَّة مسيحيي مصر من سلالة المسيحيين الأوائل، الَّذي بشَّرهم القدّيس مرقس بالإنجيل في القرن الأوَّل الميلادي.
‘‘خراب مصر’’ في أحاديث الفتن
نأتي إلى ما يدعم صحَّة نبوءة سفر اشعياء آنفة الذّكر من الأحاديث النَّبويَّة، فقد روى أبو هريرة (رضي الله عنه وأرضاه)، عن النَّبي (ﷺ)، كما ورد في صحيح مسلم (2896) “مَنَعَتِ العِراقُ دِرْهَمَها وقَفِيزَها، ومَنَعَتِ الشَّأْمُ مُدْيَها ودِينارَها، ومَنَعَتْ مِصْرُ إرْدَبَّها ودِينارَها، وعُدْتُمْ مِن حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وعُدْتُمْ مِن حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وعُدْتُمْ مِن حَيْثُ بَدَأْتُمْ شَهِدَ علَى ذلكَ لَحْمُ أبِي هُرَيْرَةَ ودَمُهُ”. يوضح الحديث الشَّريف أنَّ أهل العراق والشَّام ومصر يمرُّون بحالة من الضّيق بسبب تسلُّط أعداء الإسلام عليهم، في فترة من فترات ضَعف الأمَّة واستكانتها؛ لدرجة انتشار الفقر والحاجة إلى الغذاء في دار الإسلام، الَّتي كانت تسود العالم يومًا. ويُلاحظ أنَّ الحديث يحدّد العراق والشَّام ومصر لتُصاب بتلك المحنة، وهي ذاتها الدُّول الَّتي تخبر نبوءة اشعياء أنَّ الرَّبَّ سيباركها بعد أن تؤمن به. السُّؤال: هل يُفهم من ذلك أنَّ سبب تسلُّط أعداء الإسلام على أهل تلك الدُّول هو دفْعهم إلى الإيمان بألوهيَّة المسيح واتّخاذه ربًّا من دون الله الواحد القهَّار؟ على كلّ حال، يوجد حديث صحيح آخر يعزّز ما جاء به الحديث الأوَّل، لكنَّه لا يشير إلى مصر، كما أنَّه يبشّر بأنَّ الفرج يأتي مع قدوم خليفة ” خَلِيفَةٌ يَحْثِي المَالَ حَثْيًا، لا يَعُدُّهُ عَدَدًا”، وليس المسيح. فعن جابر بن عبد الله، أنَّ النَّبي(ﷺ) “يُوشِكُ أَهْلُ العِرَاقِ أَنْ لا يُجْبَى إليهِم قَفِيزٌ وَلَا دِرْهَمٌ، قُلْنَا: مِن أَيْنَ ذَاكَ؟ قالَ: مِن قِبَلِ العَجَمِ، يَمْنَعُونَ ذَاكَ، ثُمَّ قالَ: يُوشِكُ أَهْلُ الشَّأْمِ أَنْ لا يُجْبَى إليهِم دِينَارٌ وَلَا مُدْيٌ، قُلْنَا: مِن أَيْنَ ذَاكَ؟ قالَ: مِن قِبَلِ الرُّومِ، ثُمَّ سَكَتَ هُنَيَّةً، ثُمَّ قالَ: قالَ رَسُولُ ﷺ: يَكونُ في آخِرِ أُمَّتي خَلِيفَةٌ يَحْثِي المَالَ حَثْيًا، لا يَعُدُّهُ عَدَدًا”.
أمَّا بخصوص ما ورد عن تلك المحنة من الأحاديث الضَّعيفة، فقد جاء في كتاب الفتن لنعيم بن حمَّاد (571)، عن التَّابعي كعب الأحبار، الحبر اليهودي الَّذي أسلم في عهد أمير المؤمنين عُمر بن الخطَّاب: “ليوشكنَّ العراق يعرك عرك الأديم، ويُشقُّ الشَّام شقَّ الشَّعر، وتُفتُّ مصر فتَّ البعرة، فعندها ينزل الأمر”. وأورد نعيم بن حمَّاد في الفتن كذلك (145) “قال ابن حمير، وأخبرني محمد بن يزيد الصنعاني، عن عمير بن هانئ العنسي، أنّه قال: ليبلغني أنَّ الرَّجل من إخواني اتَّخذ بجبل الخليل منزلًا، وأغبطه قيل ولم ذاك؟ قال لأنَّه سينزله أهل مصر، إمَّا يحبس نيلهم، وإمَّا يمدُّ فيغرق حتَّى يتماسحوا جبل الخليل بينهم بالحبال”. وجاء في الفتن كذلك (161) بشأن انحسار النّيل في مصر “حدثنا الحكم بن نافع عن صفوان، عن شريح بن عبيد، عن كعب: قال ليقتسمن أهل مصر الجون بالحبال بينهم وذلك لحسور نيلهم أو مدة فيغرقهم”. وبشأن وقوع حرب أهليَّة بين المصريين، فالأحاديث الواردة تُرجع السَّبب إلى جفاف النّيل، ويبدو أنَّ انصلاح الأحوال لن تختصَّ بها مصر وحدها، بل سيشملها مع غيرها من ديار الإسلام.
جفاف نهر الفرات
ليس بجديد الإشارة إلى ما حلَّ بالعراق من خراب ودمار، منذ اشتعال الحرب العراقيَّة-الإيرانيَّة (1980-1988م)، الَّتي استمرَّت لما يقرب من عقد من الزَّمان، أُنهك خلالها الاقتصاد العراقي؛ ثمَّ جاء الغزو الأمريكي عام 1991م، ثمَّ عام 2003م، ليقضي على تبقَّى من ثروات العراق، وليصل سعر الدُّولار الأمريكي إلى ما يقرب من 1500 دينار عراقي. مرَّت سوريا أزمة اقتصاديَّة طاحنة في أعقاب الحرب الدَّائرة على أرضها منذ عام 2011م، حتَّى وصل سعر الدُّولار الواحد إلى 3200 ليرة سوريَّة. ويعاني نهر الفرات، الَّذي يمرُّ بكلّ من العراق وسوريا، بانخفاض كبير في منسوب تدفُّق المياه، حيث لا يتجاوز التَّدفُّق 200 متر مكعَّب في الثَّانية، أي أنَّه أصبح ينقل أقلَّ من نصف كميَّة المياه الَّتي ينقلها في المعتاد. ويُرجع السَّبب في ذلك إلى تعمُّد دولة تركيا حجب سريان المياه بما شيَّدته من سدود على منبع النَّهر في هضبة الأناضول. وقد حذَّر المرصد السوري لحقوق الإنسان في 4 مايو 2021م من “كارثة وشيكة تهدد حياة وسبل معيشة أكثر من ثلاثة ملايين سوري يعتمدون على النَّهر في تأمين مياه الشُّرب والكهرباء والرَّي”، كما نشر موقع BBC عربي في 19 مايو 2021م.
علاقة مشروع سدّ النَّهضة بنبوءة جفاف النّيل
وبرغم أنَّ النَّتيجة المباشرة المتوقَّعة لتنفيذ مخطَّط إثيوبيا، بملء سدّ النَّهضة في 4 سنوات، بدلًا من 10 سنوات كما تطالب مصر، هي حدوث جفاف في نهر النّيل يفضي إلى شحّ في المياه، فهناك نتيجة أخرى لا تقلُّ خطورة، وهي انهيار السَّدّ بسبب عدم تحمُّله الكم الهائل من المياه المفترَض تخزينه في تلك الفترة القصيرة نسبيًّا. فإلى جانب انخفاض حصَّة مصر من مياه النّيل من 55 مليار متر مكعَّب إلى 40-45 مليارًا وما قد يسفر عن ذلك من خسائر اقتصاديَّة، تواجه مصر تهديدًا بالغرق إذا ما انهار السَّدّ المعيب في تصميمه. ومن الملفت أنَّ السَّدّ العالي الَّذي استغرق بناؤه 10 سنوات، أُتمَّ البناء عام 1970م، في عهد جمال عبد النَّاصر وبتوجيه منه، أثيرت حوله نفس المخاوف، كما يوضح د. بهاء الأمير في كتابه الأشهر، الوحي ونقيضه: بروتوكولات حكماء صُهيون في القرآن (2006م)، مشيرًا إلى سحْب التَّمويل الأمريكي لبناء السَّدّ العالي، بعد أن أكَّد وزير خارجيَّتها جينها، جون فوستر دالاس، أنَّ البناء ستكون له عواقب وخيمة. يوضح الأمير أنَّ مصر في انتظارها كارثة تتمثَّل في انهيار السَّدّ، وأنَّ دالاس كان يعرف ذلك؛ لوجود نبوءة في العهد القديم عن غرق مصر (صـ362):
والكارثة الَّتي ستحيق بمصر، واستعظم الذّهن التَّوراتي أن يرتبط ذكره بها، هي نبوءة التَّوراة بإغراق مصر في زمن عودة اليهود إلى فلسطين وإتمام الوعد بدولة كبرى!
فإليك الكارثة الموعودة الَّتي أثارها مشروع السَّدّ العالي في نفس دالاس، واستخرجها من تلافيف ذهنه، هي وعواقبها الوخيمة: “كَلاَمَ الرَّبِّ صَارَ إِلَيَّ قَائِلًا: «يَا ابْنَ آدَمَ، ارْفَعْ مَرْثَاةً عَلَى فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ… وَأُسْقِي أَرْضَ فَيَضَانِكَ مِنْ دَمِكَ إِلَى الْجِبَالِ، وَتَمْتَلِئُ مِنْكَ الآفَاقُ. وَعِنْدَ إِطْفَائِي إِيَّاكَ أَحْجُبُ السَّمَاوَاتِ، وَأُظْلِمُ نُجُومَهَا، وَأُغْشِي الشَّمْسَ بِسَحَابٍ، وَالْقَمَرُ لاَ يُضِيءُ ضَوْءَهُ. وَأُظْلِمُ فَوْقَكَ كُلَّ أَنْوَارِ السَّمَاءِ الْمُنِيرَةِ، وَأَجْعَلُ الظُّلْمَةَ عَلَى أَرْضِكَ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ” (حزقيال 32: 2-8). وهي الكارثة الَّتي يتلوها جفاف نهر مصر وإفقار أرضها وتشريد أهلها.
ويبدو أنَّ نبوءة غرق مصر لن تتحقَّق بسبب انهيار السَّدّ العالي، بل قد تكون من عواقب الملء السَّريع لسدّ النَّهضة، خاصَّة إذا اكتمل الملء بتخزين 74 مليار متر مكعَّب من المياه. وكما أوضح تقرير لقناة تلفزيون الآن الفضائيَّة أذاعته في 17 أغسطس 2020م، كشف خبراء عن أنَّ المنطقة الَّتي بُني فيها السَّدُّ لم تكن مناسبة؛ كونها تعاني من وجود فوالق أرضيَّة كبيرة، إلى جانب كونها منطقة جبليَّة بها تجمُّعات صخريَّة قد تتفتت بسبب سرعة تدفُّق المياه، ثم تصيب السَّدَّ بانشقاقات تؤدّي إلى انهياره. ويُضاف إلى انخفاض معدَّل أمان السَّدّ، الَّذي أثار مخاوف أمريكا والبنك الدُّولي عام 2011م، أثناء معاينة السَّدّ. وفي حال انهيار السَّدّ، ستكون السُّودان الأكثر تضرُّرًا بعد تدفَّق عشرات المليارات من المترات المكعَّبة من المياه، قد تفضي إلى غرق مساحات واسعة من أراضيها. أمَّا عن تأثير الانهيار المحتمل على مصر، فستصل المياه حينها إليها بعد فترة تُقدَّر بـ 17 يومًا، وسيؤدّي ذلك إلى كارثة بيئيَّة وإنسانيَّة محقَّقة.
نبوءة ‘‘خراب مصر’’ بين الكتاب المقدَّس وأحاديث الفتن 1من 4
د. عبد الرحمن المصري
منذ تفجُّر أزمة سدّ النَّهضة، وتهديده لمستقبل مصر والسُّودان، بما يحتجزه من كميَّات هائلة من المياه ستُنقص من حصَّة الدَّولتين من المياه سنويًّا، بحجَّة الحاجة إليها توليد الكهرباء، بدأ خبراء متخصّصون في أعمال الزّراعة والرَّيّ يتنبَّؤون بأنَّ نقصان حصَّة الدَّولتين من المياه قد يفضي إلى جفاف وتصحُّر وانكماش في رقعة الأرض الزّراعيَّة، هذا إن لم ينهار السَّدّ فيحدث فيضانًا قد يغرق كلا الدَّولتين. أعاد الحديث عن الجفاف المتوقَّع في نهر النّيل ما ورد في نبوءة في العهد القديم، تحديدًا في سفر اشعياء، عن جفاف النّيل الرَّحيب في فترة من الفترات في مستقل الأيَّام، وفي الغالب لم تتحقَّق تلك النُّبوءة في الأزمنة القديمة. ويتشابه الحديث عن الخراب المحتمل لمصر، الَّذي تحكي عن نبوة سفر اشعياء (إصحاح 19)، مع ما ورد في عدد الأحاديث النَّبويَّة، منها المرويَّة عن نبيّنا مُحمَّد (ﷺ) بسند صحيح ومنها الضَّعيف، والَّتي تتَّفق جميعها في الجمع بين العراق والشَّام ومصر في التَّنبُّؤ بحدوث أزمة طاحنة، تُحدث خرابًا واسعًا، وبخاصَّة على المستوى الاقتصادي. وبعيدًا عن التَّكهُّن والرَّجم بالغيب، فما يعزّز صدْق نبوءة العهد القديم وما يتناول نفس موضوعها من أحاديث الفتن وآخر الزَّمان للصَّادق المصدوق (ﷺ)، الَّذي لا ينطق عن الهوى، هو تحقُّق الشّقَّين المتعلّقين بخراب العراق، الَّتي مزَّقها الغزو الأمريكي عام 2003م، والشَّام، الَّتي لم تضع الحرب فيها أوزارها منذ عام 2011م.
نبوءة جفاف النّيل وتداعياته في العهد القديم
روزنبرغ في محاضرة نبوءة مستقبل الشرق الأوسط
تناوَل الكاتب والخبير الاستراتيجي والمبشّر الصُّهيوني المسيحي، جويل روزنبرغ، نبوءة خراب مصر في الكتاب المقدَّس، في محاضرة تحت عنوان ‘‘Prophecy: The Future Of The Middle East’’، أو نبوءة: مستقبل الشَّرق الأوسط، نظَّمها صندوق يشوع (The Joshua Fund)، وهو صندوق خيري أسَّسه روزنبرغ بهدف “مباركة إسرائيل وجاراتها باسم يسوع”. وقد نشر الصُّندوق مقطعًا مصوَّرًا للمحاضرة في 12 مارس 2020م عبر قناته على موقع يوتيوب. يستهلُّ المبشّر الإسرائيلي، أمريكي الأصل، حديثه بالإشارة إلى تركيزه على مصر، عند حديثه عن مستقبل الشَّرق الأوسط في تلك المحاضرة، محدّدًا النُّبوءة الوارد في العهد القديم عن خرابها، والَّتي تقول (سفر اشعياء: إصحاح 19، آيات 1-10):
يثير روزنبرغ حقيقة أنَّ الغالبيَّة العظمى من سُكَّان منطقة الشَّرق الأوسط، حتَّى من أبناء الكنيسة الشَّرقيَّة، لا يدرسون نبوءات العهد القديم، ويُرجع ذلك إلى العداء بين سُكَّان المنطقة وإسرائيل، حيث فقَد كثيرون من العرب ذويهم من جرَّاء الاعتداءات الإسرائيليَّة المتكرّرة على دار الإسلام. وبالتَّساؤل عمَّا إذا كانت تلك النُّبوءة تحقَّقت من قبل، يؤكّد روزنبرغ أنَّها لم تتحقَّق بعد؛ ويستدلُّ على ذلك بما جاء في إحدى آيات النُّبوءة: “فِي ذلِكَ الْيَوْمِ تَكُونُ مِصْرُ كَالنِّسَاءِ، فَتَرْتَعِدُ وَتَرْجُفُ مِنْ هَزَّةِ يَدِ رَبِّ الْجُنُودِ الَّتِي يَهُزُّهَا عَلَيْهَا” (سفر اشعياء: إصحاح 19، آية 16). فعبارة “فِي ذلِكَ الْيَوْمِ تَكُونُ” تشير إلى أنَّ تحقُّق تلك النُّبوءة يكون في آخر الزَّمان، خاصَّة مع ذكْر فَتَرْتَعِدُ وَتَرْجُفُ مِنْ هَزَّةِ يَدِ رَبِّ الْجُنُودِ الَّتِي يَهُزُّهَا عَلَيْهَا”؛ ممَّا يعني أنَّ ذلك يتزامن مع المجيء الثَّاني للمسيح، أو مخلّص بني إسرائيل. وبرغم ما مرَّ بمصر من نكبات وما خاضته من صراعات دمويَّة على مدار 5 آلاف سنة مضت، لم يحدث أن تعرَّضت للجفاف والحرب الأهليَّة، بالصُّورة الَّتي تروي عنها النَّبيُّ اشعياء. ولعلَّ في استهلال النُّبوءة بالآية الَّتي تقول “وَحْيٌ مِنْ جِهَةِ مِصْرَ: هُوَ ذَا الرَّبُّ رَاكِبٌ عَلَى سَحَابَةٍ سَرِيعَةٍ وَقَادِمٌ إِلَى مِصْرَ”، ما يؤكّد على أنَّ المسيح سيأتي إلى مصر في آخر الزَّمان، وربَّما تكون محطَّته الأولى بين أقطار العالم. غير أنَّ من الواضح أنَّ المسيح إلى مصر ستستبقه محنة عصيبة يمرُّ بها أهلها، وتكون نتيجتها شيوع الإيمان به وتقديسه بين المصريين، كما تكشف النُّبوءة: “فَيُعْرَفُ الرَّبُّ فِي مِصْرَ، وَيَعْرِفُ الْمِصْرِيُّونَ الرَّبَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، وَيُقَدِّمُونَ ذَبِيحَةً وَتَقْدِمَةً، وَيَنْذُرُونَ لِلرَّبِّ نَذْرًا وَيُوفُونَ بِهِ” (سفر اشعياء: إصحاح 19، آية 21).
تكشف الآيات السَّبعة الأولى في النُّبوءة عن حدوث حرب أهليَّة بين أبناء مصر بتدبير من الرَّبّ، “وَأُهَيِّجُ مِصْرِيِّينَ عَلَى مِصْرِيِّينَ، فَيُحَارِبُونَ كُلُّ وَاحِدٍ أَخَاهُ وَكُلُّ وَاحِدٍ صَاحِبَهُ: مَدِينَةٌ مَدِينَةً، وَمَمْلَكَةٌ مَمْلَكَةً” (2)، ويفسّر روزنبرغ ذلك بحدوث سلسلة من الثَّورات الشَّعبيَّة، ربَّما نتيجة لسوء الأوضاع المعيشيَّة، وبخاصَّة في حالة حدوث شحّ في المياه. ويبدو أنَّ تلك المحنة ستغربل المصريين، وتختبر إيمانهم الحقيقي، وتميّز المؤمن عن المنافق؛ حيث سيلجأ البعض إلى الكهنة والعرَّافين للحصول على المشورة، كما سيمارس بعضٌ طقوسًا وثنيَّة بسبب ما يصيبهم من شتات الذّهن والاضطراب الرُّوحي: “وَتُهْرَاقُ رُوحُ مِصْرَ دَاخِلَهَا، وَأُفْنِي مَشُورَتَهَا، فَيَسْأَلُونَ الأَوْثَانَ وَالْعَازِفِينَ وَأَصْحَابَ التَّوَابعِ وَالْعَرَّافِينَ” (3). تشير النُّبوءة كذلك إلى تولّي زمام الأمور في مصر ملك ظالم، “وَأُغْلِقُ عَلَى الْمِصْرِيِّينَ فِي يَدِ مَوْلًى قَاسٍ، فَيَتَسَلَّطُ عَلَيْهِمْ مَلِكٌ عَزِيزٌ” (4)، ويعتقد روزنبرغ أنَّ ذلك الملك الظَّالم هو ضدُّ المسيح (Anti-Christ)، الَّذي سيتسلَّط على العالم بأسره، وليس على مصر وحدها. غير أنَّ المبشّر الصُّهيوني يتجاهل أنَّ قبل الملك الظَّالم، يتولَّى أمر المصريين “مَوْلًى قَاسٍ”، لم يكشف عن هويَّته. على كلّ حالٍ، يتبع تسلُّط “المولى القاسي” ومن بعده “الملك العزيز” على مصر حدوث جفاف في نهر النّيل يفضي إلى خراب واسع وحالة من القحط، ربَّما لم تعرفها مصر في تاريخها؛ ببساطة، وكما يؤكّد روزنبرغ “بدون النّيل، لا حياة…لا حياة في مصر بدون مياه، ولا مياه بدون النّيل”.
دون تحديد تاريخ بعينه، أشار جويل روزنبرغ إلى التقائه بالرَّئيس المصري، عبد الفتَّاح السّيسي (يونيو 2014م-إلى الآن)، قبل أسبوع من إلقاء تلك المحاضرة، تلبيةً لدعوة السّيسي له، أثناء وجوده في مدينة نيويورك الأمريكيَّة، غالبًا للمشاركة في مؤتمر الجمعيَّة العامَّة للأمم المتَّحدة الـ 74، الَّذي انطلق يوم الثَّلاثاء 24 سبتمبر 2019م. وكان من بين المسائل الَّتي طُرحت خلال اجتماع الرَّئيس المصري بعدد من كبار الشَّخصيَّات السّياسيَّة البارزة، ومن بينهم روزنبرغ، مسألة سدّ النَّهضة، وخشية الرَّئيس المصري من تداعيات تخزين إثيوبيا الكميَّات الَّتي تحتاج إليها، بزعمها، في توليد الكهرباء بوتيرة زمنيَّة سريعة. يقدّر روزنبرغ حجم التَّهديد الَّذي يشكّله إتمام مشروع سدّ النَّهضة على مستقبل دولة مثل مصر، يتجاوز عدد سكّانها 100 مليون نسمة، وإن كانت من أغنى دول المنطقة بالثَّروات الطَّبيعيَّة، على حدّ قوله. يذكّر روزنبرغ بأنَّ فشْل المفاوضات الَّتي كانت تجري بين الطَّرفين، واستمرَّت حتَّى نهاية يونيو 2021م، قد يفضي إلى الحرب. وتوضح النُّبوءة طبيعة أحوال مصر خلال فترة الجفاف: “وَتُنَشَّفُ الْمِيَاهُ مِنَ الْبَحْرِ، وَيَجِفُّ النَّهْرُ وَيَيْبَسُ. وَتُنْتِنُ الأَنْهَارُ، وَتَضْعُفُ وَتَجِفُّ سَوَاقِي مِصْرَ، وَيَتْلَفُ الْقَصَبُ وَالأَسَلُ. وَالرِّيَاضُ عَلَى النِّيلِ عَلَى حَافَةِ النِّيلِ، وَكُلُّ مَزْرَعَةٍ عَلَى النِّيلِ تَيْبَسُ وَتَتَبَدَّدُ وَلاَ تَكُونُ” (5-7). ونتيجة لذلك، تحدث حالة من الكساد بسبب العجز عن الزّراعة والصَّيد؛ وحينها يصاب البعض بالضّيق والغمّ: “وَالصَّيَّادُونَ يَئِنُّونَ، وَكُلُّ الَّذِينَ يُلْقُونَ شِصًّا فِي النِّيلِ يَنُوحُونَ. وَالَّذِينَ يَبْسُطُونَ شَبَكَةً عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ يَحْزَنُونَ. وَيَخْزَى الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الْكَتَّانَ الْمُمَشَّطَ، وَالَّذِينَ يَحِيكُونَ الأَنْسِجَةَ الْبَيْضَاءَ. وَتَكُونُ عُمُدُهَا مَسْحُوقَةً، وَكُلُّ الْعَامِلِينَ بِالأُجْرَةِ مُكْتَئِبِي النَّفْسِ” (8-10). وتقول باقي آيات النُّبوءة (سفر اشعياء: إصحاح 19، آيات 19-25):
ينتقل روزنبرغ إلى جزء آخر من النُّبوءة، يتحدَّث عن وجود عداء شديد بين مصر و ‘‘أرض يهودا’’، الَّتي يُقصد بها في الغالب دولة إسرائيل، الَّتي تكون مصدر تهديد كبير وخوف شديد للمصريين: “وَتَكُونُ أَرْضُ يَهُوذَا رُعْبًا لِمِصْرَ. كُلُّ مَنْ تَذَكَّرَهَا يَرْتَعِبُ مِنْ أَمَامِ قَضَاءِ رَبِّ الْجُنُودِ الَّذِي يَقْضِي بِهِ عَلَيْهَا” (17). ومن بين الأمور الَّتي يقف عندها المبشّر الصُّهيوني ورود ذكر ‘‘مَدِينَةُ الشَّمْسِ’’ في النُّبوءة، مذكّرًا بأنَّ مدينة مصريَّة قديمة حملت ذلك الاسم، وأنَّ في عشرينات القرن الماضي أعيد بناء تلك المدينة في القاهرة وسُمّيت هليوبوليس، أو مدينة الشَّمس باليونانيَّة، وتُعرف باسم مصر الجديدة. ويشير روزنبرغ إلى أنَّ القصر الرّئاسي يقع في ‘‘مَدِينَةُ الشَّمْسِ’’، الَّتي تكون في مرحلة تحقُّق النُّبوءة ضمن “خَمْسُ مُدُنٍ تَتَكَلَّمُ بِلُغَةِ كَنْعَانَ وَتَحْلِفُ لِرَبِّ الْجُنُودِ، يُقَالُ لإِحْدَاهَا «مَدِينَةُ الشَّمْسِ»” (18). وتجدر الإشارة في هذا السّياق إلى تأسيس عاصمة إداريَّة جديدة في مصر، شرقي القاهرة، على امتداد مصر الجديدة، أو ‘‘مَدِينَةُ الشَّمْسِ’’، وهي تضمُّ قصرًا رئاسيًّا وكاتدرائيَّة سُمّيت كاتدرائيَّة ميلاد المسيح، هي الأكبر مساحةً على الإطلاق في الشَّرق الأوسط، ومسجدًا كبيرًا باسم مسجد الفتَّاح العليم.
مسجد الفتَّاح العليم وكاتدرائيَّة ميلاد المسيح
وقد افتُتح مسجد الفتَّاح العليم وكاتدرائيَّة ميلاد المسيح في 6 يناير 2019م، بحضور رئيس الجمهوريَّة وكبار رجال الدَّولة، تزامنًا باحتفال الكنيسة الأرثوذكسيَّة بميلاد المسيح. وبخصوص ما تشير إليه الآية الَّتي تقول “فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ مَذْبَحٌ لِلرَّبِّ فِي وَسَطِ أَرْضِ مِصْرَ، وَعَمُودٌ لِلرَّبِّ عِنْدَ تُخْمِهَا” (19)، فيفسّره روزنبرغ بأنَّ المصريين سيمرُّون بضيق شديد، وسيتوجَّهون حينها إلى الرَّبّ بالتَّضرُّع والابتهال لكي يخرجهم من تلك الحالة بعد بناء “مَذْبَحٌ لِلرَّبِّ”، أي مكان لعبادته؛ فيرسل الرَّبُّ لهم المخلّص بعد أن يعودوا إليه: “لأَنَّهُمْ يَصْرُخُونَ إِلَى الرَّبِّ بِسَبَبِ الْمُضَايِقِينَ، فَيُرْسِلُ لَهُمْ مُخَلِّصًا وَمُحَامِيًا وَيُنْقِذُهُمْ” (20). ويتَّضح عفو الرَّبّ عن مصر وأهلها، بعد أن يعبدوه حقَّ العبادة، أكثر في الآتين التَّاليتين “فَيُعْرَفُ الرَّبُّ فِي مِصْرَ، وَيَعْرِفُ الْمِصْرِيُّونَ الرَّبَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، وَيُقَدِّمُونَ ذَبِيحَةً وَتَقْدِمَةً، وَيَنْذُرُونَ لِلرَّبِّ نَذْرًا وَيُوفُونَ بِهِ. وَيَضْرِبُ الرَّبُّ مِصْرَ ضَارِبًا فَشَافِيًا، فَيَرْجِعُونَ إِلَى الرَّبِّ فَيَسْتَجِيبُ لَهُمْ وَيَشْفِيهِمْ” (21-22). وهكذا، يخرج المصريون من حالة التَّخبُّط والاضطراب العقائدي الَّتي تعبّر عنها الآية 14 في الإصحاح 19 في سفر اشعياء، “مَزَجَ الرَّبُّ فِي وَسَطِهَا رُوحَ غَيٍّ، فَأَضَلُّوا مِصْرَ فِي كُلِّ عَمَلِهَا، كَتَرَنُّحِ السَّكْرَانِ فِي قَيْئِهِ”، بعد أن يرجعوا إلى الرَّبّ “فَيَسْتَجِيبُ لَهُمْ وَيَشْفِيهِمْ” (22). على ذلك، يعتبر المبشّر الصُّهيوني أنَّ الأزمة الشّديدة الَّتي تخبر بها نبوءة اشعياء عن مصر هدفها صدمة المصريين ليعودوا إلى ربّهم، معتبرًا أن تقوية الكنيسة المصريَّة في هذه الفترة من الضَّرورات؛ حيث أنَّ تعزيز الإيمان بالمسيح لدى المصريين من الممهّدات لمجيء الرَّبّ، وإن كان ذلك في مرحلة متأخّرة من سنوات المحنة الكبرى (Great Tribulation)، وهي فترة حُكم ضدّ المسيح، الَّتي أخبر عنها إنجيل متَّى (إصحاح 24، آيات 21-29)، ورؤيا يوحنَّا اللاهوتي (إصحاح 17، آية 14).