الثلاثاء، 13 يوليو 2021

. نبوءة ‘‘خراب مصر’’ بين الكتاب المقدَّس وأحاديث الفتن “2”

 نبوءة ‘‘خراب مصر’’ بين الكتاب المقدَّس وأحاديث الفتن “2”


د. عبد الرحمن المصري

لا يستبعد روزنبرغ أن تكون الثَّورات الشَّعبيَّة الَّتي اندلعت مطلع العقد الثَّاني من القرن الحالي والعشرين للميلاد، في عدَّة دول عربيَّة كانت مصر أوسطها، ممهّدة للحرب الأهليَّة الَّتي تخبر عنه نبوءة اشعياء (إصحاح 19، آية 2)، مؤكّدًا على ضرورة توظيف الطَّاقات الإيمانيَّة المصريَّة للاستعداد لليوم العظيم، ويوم مجيء الرَّبّ. واستكمالًا لأهمّ ما تحمله النُّبوءة، هناك توقُّع لحدوث تقارُب بين مصر وأشور لدرجة وجود طريق لنقْل المواطنين بين مصر وأشور: “فِي ذلِكَ الْيَوْمِ تَكُونُ سِكَّةٌ مِنْ مِصْرَ إِلَى أَشُّورَ، فَيَجِيءُ الأَشُّورِيُّونَ إِلَى مِصْرَ وَالْمِصْرِيُّونَ إِلَى أَشُّورَ، وَيَعْبُدُ الْمِصْرِيُّونَ مَعَ الأَشُّورِيِّينَ” (23). ويوضح المبشّر الصُّهيوني أنَّ إمبراطوريَّة أشور في الماضي كانت تضمُّ العراق والشَّام، الَّذي انفصل إلى 4 دويلات، هي سوريا والأردن ولبنان وفلسطين، على يد الاحتلال البريطاني مطلع العشرينات من القرن الماضي. وتأمُّل واقع مجريات الأحداث اليوم، نجد إبرام اتّفاق للتَّعاون الاقتصادي والسّياسي بين مصر والعراق والأردن، تحت اسم مشروع ‘‘الشَّام الجديد’’، ومن بين أركانه تسيير خطّ للنَّقل البرّي بين مصر والعراق والأردن لتسهيل التَّبادل التُّجاري بين الدُّول الثَّلاث. وقد عُقدت في العاصمة العراقيَّة، بغداد، في 27 يونيو 2021م، قمَّة ثلاثيَّة بين زعماء الدُّول الثَّلاث، “تناولت سبل تعزيز التَّعاون الثُّلاثي المشترك في مختلف المجالات بين الدُّول الثَّلاث، في إطار العلاقات التَّاريخيَّة والأخويَّة الَّتي تجمعهم”، نقلًا عن موقع روسيا اليوم.


ويفترض روزنبرغ أنَّ الهدف من تسيير “سِكَّة مِنْ مِصْرَ إِلَى أَشُّورَ” هو تسهيل قدوم المواطنين إلى مصر للعبادة، على اعتبار أنَّهم جميعًا يشتركون في الاعتقاد الدّيني بيسوع المسيح، وحينها سيباركهم الرَّبُّ جميعًا بعد أن يصبحوا شعبه، مثل إسرائيل، بعد أن يجتمع المسيحيون في مصر وأشور: “فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ إِسْرَائِيلُ ثُلُثًا لِمِصْرَ وَلأَشُّورَ، بَرَكَةً فِي الأَرْضِ. بِهَا يُبَارِكُ رَبُّ الْجُنُودِ قَائِلًا: «مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْرُ، وَعَمَلُ يَدَيَّ أَشُّورُ، وَمِيرَاثِي إِسْرَائِيلُ»”. ويتأسَّف روزنبرغ على أنَّ فئة من المسيحيين الأرثوذكس لا يؤمنون بنبوءة مجيء المسيح إليهم، مضيفًا أنَّه لا يريد أن يجادلهم، لكنَّه يتعجَّب من تعنُّتهم في رفْض الإيمان بتلك النُّبوءة. ويدعو المبشّر الصُّهيوني، الَّذي استقرَّ في السَّنوات الأخيرة في دولة الاحتلال الإسرائيلي، إلى “دعْم وتدريب الَّذين يخرجون من الإسلام ويدخلون دين المسيح”، للشُّروع في العمل التَّبشيري في مصر. ويعترف روزنبرغ بأنَّ التَّحوُّل إلى المسيحيَّة نادرًا ما يحدث ذلك في مصر؛ لأنَّ ترْك الإسلام في دولة الغالبيَّة العظمى من أهلها من المسلمين (أكثر من 90 بالمائة على أقلّ تقدير) مسألة في “غاية الحساسيَّة” و “محفوفة بالمخاطر”، على حدّ قول المبشّر، الَّذي يعترف، مع ذلك، بتحسُّن أوضاع المسيحيين في الآونة الأخيرة. لا يكفي عدد المسيحيين في مصر، الَّذي يقدّره المبشّر الصُّهيوني بحوالي 15 إلى 17 مليون شخص وهو في الحقيقة أقل بكثير، لتهيئة الأجواء لقدوم المسيح؛ يُضاف إلى ذلك أنَّ غالبيَّة مسيحيي مصر من سلالة المسيحيين الأوائل، الَّذي بشَّرهم القدّيس مرقس بالإنجيل في القرن الأوَّل الميلادي.

 ‘‘خراب مصر’’ في أحاديث الفتن

نأتي إلى ما يدعم صحَّة نبوءة سفر اشعياء آنفة الذّكر من الأحاديث النَّبويَّة، فقد روى أبو هريرة (رضي الله عنه وأرضاه)، عن النَّبي (ﷺ)، كما ورد في صحيح مسلم (2896) “مَنَعَتِ العِراقُ دِرْهَمَها وقَفِيزَها، ومَنَعَتِ الشَّأْمُ مُدْيَها ودِينارَها، ومَنَعَتْ مِصْرُ إرْدَبَّها ودِينارَها، وعُدْتُمْ مِن حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وعُدْتُمْ مِن حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وعُدْتُمْ مِن حَيْثُ بَدَأْتُمْ شَهِدَ علَى ذلكَ لَحْمُ أبِي هُرَيْرَةَ ودَمُهُ”. يوضح الحديث الشَّريف أنَّ أهل العراق والشَّام ومصر يمرُّون بحالة من الضّيق بسبب تسلُّط أعداء الإسلام عليهم، في فترة من فترات ضَعف الأمَّة واستكانتها؛ لدرجة انتشار الفقر والحاجة إلى الغذاء في دار الإسلام، الَّتي كانت تسود العالم يومًا. ويُلاحظ أنَّ الحديث يحدّد العراق والشَّام ومصر لتُصاب بتلك المحنة، وهي ذاتها الدُّول الَّتي تخبر نبوءة اشعياء أنَّ الرَّبَّ سيباركها بعد أن تؤمن به. السُّؤال: هل يُفهم من ذلك أنَّ سبب تسلُّط أعداء الإسلام على أهل تلك الدُّول هو دفْعهم إلى الإيمان بألوهيَّة المسيح واتّخاذه ربًّا من دون الله الواحد القهَّار؟ على كلّ حال، يوجد حديث صحيح آخر يعزّز ما جاء به الحديث الأوَّل، لكنَّه لا يشير إلى مصر، كما أنَّه يبشّر بأنَّ الفرج يأتي مع قدوم خليفة ” خَلِيفَةٌ يَحْثِي المَالَ حَثْيًا، لا يَعُدُّهُ عَدَدًا”، وليس المسيح. فعن جابر بن عبد الله، أنَّ النَّبي(ﷺ) “يُوشِكُ أَهْلُ العِرَاقِ أَنْ لا يُجْبَى إليهِم قَفِيزٌ وَلَا دِرْهَمٌ، قُلْنَا: مِن أَيْنَ ذَاكَ؟ قالَ: مِن قِبَلِ العَجَمِ، يَمْنَعُونَ ذَاكَ، ثُمَّ قالَ: يُوشِكُ أَهْلُ الشَّأْمِ أَنْ لا يُجْبَى إليهِم دِينَارٌ وَلَا مُدْيٌ، قُلْنَا: مِن أَيْنَ ذَاكَ؟ قالَ: مِن قِبَلِ الرُّومِ، ثُمَّ سَكَتَ هُنَيَّةً، ثُمَّ قالَ: قالَ رَسُولُ ﷺ: يَكونُ في آخِرِ أُمَّتي خَلِيفَةٌ يَحْثِي المَالَ حَثْيًا، لا يَعُدُّهُ عَدَدًا”.

أمَّا بخصوص ما ورد عن تلك المحنة من الأحاديث الضَّعيفة، فقد جاء في كتاب الفتن لنعيم بن حمَّاد (571)، عن التَّابعي كعب الأحبار، الحبر اليهودي الَّذي أسلم في عهد أمير المؤمنين عُمر بن الخطَّاب: “ليوشكنَّ العراق يعرك عرك الأديم، ويُشقُّ الشَّام شقَّ الشَّعر، وتُفتُّ مصر فتَّ البعرة، فعندها ينزل الأمر”. وأورد نعيم بن حمَّاد في الفتن كذلك (145) “قال ابن حمير، وأخبرني محمد بن يزيد الصنعاني، عن عمير بن هانئ العنسي، أنّه قال: ليبلغني أنَّ الرَّجل من إخواني اتَّخذ بجبل الخليل منزلًا، وأغبطه قيل ولم ذاك؟ قال لأنَّه سينزله أهل مصر، إمَّا يحبس نيلهم، وإمَّا يمدُّ فيغرق حتَّى يتماسحوا جبل الخليل بينهم بالحبال”. وجاء في الفتن كذلك (161) بشأن انحسار النّيل في مصر “حدثنا الحكم بن نافع عن صفوان، عن شريح بن عبيد، عن كعب: قال ليقتسمن أهل مصر الجون بالحبال بينهم وذلك لحسور نيلهم أو مدة فيغرقهم”. وبشأن وقوع حرب أهليَّة بين المصريين، فالأحاديث الواردة تُرجع السَّبب إلى جفاف النّيل، ويبدو أنَّ انصلاح الأحوال لن تختصَّ بها مصر وحدها، بل سيشملها مع غيرها من ديار الإسلام.

جفاف نهر الفرات


 

ليس بجديد الإشارة إلى ما حلَّ بالعراق من خراب ودمار، منذ اشتعال الحرب العراقيَّة-الإيرانيَّة (1980-1988م)، الَّتي استمرَّت لما يقرب من عقد من الزَّمان، أُنهك خلالها الاقتصاد العراقي؛ ثمَّ جاء الغزو الأمريكي عام 1991م، ثمَّ عام 2003م، ليقضي على تبقَّى من ثروات العراق، وليصل سعر الدُّولار الأمريكي إلى ما يقرب من 1500 دينار عراقي. مرَّت سوريا أزمة اقتصاديَّة طاحنة في أعقاب الحرب الدَّائرة على أرضها منذ عام 2011م، حتَّى وصل سعر الدُّولار الواحد إلى 3200 ليرة سوريَّة. ويعاني نهر الفرات، الَّذي يمرُّ بكلّ من العراق وسوريا، بانخفاض كبير في منسوب تدفُّق المياه، حيث لا يتجاوز التَّدفُّق 200 متر مكعَّب في الثَّانية، أي أنَّه أصبح ينقل أقلَّ من نصف كميَّة المياه الَّتي ينقلها في المعتاد. ويُرجع السَّبب في ذلك إلى تعمُّد دولة تركيا حجب سريان المياه بما شيَّدته من سدود على منبع النَّهر في هضبة الأناضول. وقد حذَّر المرصد السوري لحقوق الإنسان في 4 مايو 2021م من “كارثة وشيكة تهدد حياة وسبل معيشة أكثر من ثلاثة ملايين سوري يعتمدون على النَّهر في تأمين مياه الشُّرب والكهرباء والرَّي”، كما نشر موقع BBC عربي في 19 مايو 2021م.

علاقة مشروع سدّ النَّهضة بنبوءة جفاف النّيل

وبرغم أنَّ النَّتيجة المباشرة المتوقَّعة لتنفيذ مخطَّط إثيوبيا، بملء سدّ النَّهضة في 4 سنوات، بدلًا من 10 سنوات كما تطالب مصر، هي حدوث جفاف في نهر النّيل يفضي إلى شحّ في المياه، فهناك نتيجة أخرى لا تقلُّ خطورة، وهي انهيار السَّدّ بسبب عدم تحمُّله الكم الهائل من المياه المفترَض تخزينه في تلك الفترة القصيرة نسبيًّا. فإلى جانب انخفاض حصَّة مصر من مياه النّيل من 55 مليار متر مكعَّب إلى 40-45 مليارًا وما قد يسفر عن ذلك من خسائر اقتصاديَّة، تواجه مصر تهديدًا بالغرق إذا ما انهار السَّدّ المعيب في تصميمه. ومن الملفت أنَّ السَّدّ العالي الَّذي استغرق بناؤه 10 سنوات، أُتمَّ البناء عام 1970م، في عهد جمال عبد النَّاصر وبتوجيه منه، أثيرت حوله نفس المخاوف، كما يوضح د. بهاء الأمير في كتابه الأشهر، الوحي ونقيضه: بروتوكولات حكماء صُهيون في القرآن (2006م)، مشيرًا إلى سحْب التَّمويل الأمريكي لبناء السَّدّ العالي، بعد أن أكَّد وزير خارجيَّتها جينها، جون فوستر دالاس، أنَّ البناء ستكون له عواقب وخيمة. يوضح الأمير أنَّ مصر في انتظارها كارثة تتمثَّل في انهيار السَّدّ، وأنَّ دالاس كان يعرف ذلك؛ لوجود نبوءة في العهد القديم عن غرق مصر (صـ362):

والكارثة الَّتي ستحيق بمصر، واستعظم الذّهن التَّوراتي أن يرتبط ذكره بها، هي نبوءة التَّوراة بإغراق مصر في زمن عودة اليهود إلى فلسطين وإتمام الوعد بدولة كبرى!

فإليك الكارثة الموعودة الَّتي أثارها مشروع السَّدّ العالي في نفس دالاس، واستخرجها من تلافيف ذهنه، هي وعواقبها الوخيمة: “كَلاَمَ الرَّبِّ صَارَ إِلَيَّ قَائِلًا: «يَا ابْنَ آدَمَ، ارْفَعْ مَرْثَاةً عَلَى فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ… وَأُسْقِي أَرْضَ فَيَضَانِكَ مِنْ دَمِكَ إِلَى الْجِبَالِ، وَتَمْتَلِئُ مِنْكَ الآفَاقُ. وَعِنْدَ إِطْفَائِي إِيَّاكَ أَحْجُبُ السَّمَاوَاتِ، وَأُظْلِمُ نُجُومَهَا، وَأُغْشِي الشَّمْسَ بِسَحَابٍ، وَالْقَمَرُ لاَ يُضِيءُ ضَوْءَهُ. وَأُظْلِمُ فَوْقَكَ كُلَّ أَنْوَارِ السَّمَاءِ الْمُنِيرَةِ، وَأَجْعَلُ الظُّلْمَةَ عَلَى أَرْضِكَ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ” (حزقيال 32: 2-8). وهي الكارثة الَّتي يتلوها جفاف نهر مصر وإفقار أرضها وتشريد أهلها.

ويبدو أنَّ نبوءة غرق مصر لن تتحقَّق بسبب انهيار السَّدّ العالي، بل قد تكون من عواقب الملء السَّريع لسدّ النَّهضة، خاصَّة إذا اكتمل الملء بتخزين 74 مليار متر مكعَّب من المياه. وكما أوضح تقرير لقناة تلفزيون الآن الفضائيَّة أذاعته في 17 أغسطس 2020م، كشف خبراء عن أنَّ المنطقة الَّتي بُني فيها السَّدُّ لم تكن مناسبة؛ كونها تعاني من وجود فوالق أرضيَّة كبيرة، إلى جانب كونها منطقة جبليَّة بها تجمُّعات صخريَّة قد تتفتت بسبب سرعة تدفُّق المياه، ثم تصيب السَّدَّ بانشقاقات تؤدّي إلى انهياره. ويُضاف إلى انخفاض معدَّل أمان السَّدّ، الَّذي أثار مخاوف أمريكا والبنك الدُّولي عام 2011م، أثناء معاينة السَّدّ. وفي حال انهيار السَّدّ، ستكون السُّودان الأكثر تضرُّرًا بعد تدفَّق عشرات المليارات من المترات المكعَّبة من المياه، قد تفضي إلى غرق مساحات واسعة من أراضيها. أمَّا عن تأثير الانهيار المحتمل على مصر، فستصل المياه حينها إليها بعد فترة تُقدَّر بـ 17 يومًا، وسيؤدّي ذلك إلى كارثة بيئيَّة وإنسانيَّة محقَّقة.


نبوءة ‘‘خراب مصر’’ بين الكتاب المقدَّس وأحاديث الفتن 1من 4

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق