‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات عادل المطيري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات عادل المطيري. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 8 أغسطس 2025

ذئاب في إهاب الضَّأن.. وقفات عن النصرة والقوة

 ذئاب في إهاب الضَّأن.. وقفات عن النصرة والقوة

عادل المطيري

لقد رأت قريش كيف ينتشر الدين وتزداد قوته ومنعته، ويبزغ فجره ونوره في أرجاء مكة وهضابها، خصوصاً بعد عودة عمرو بن العاص، وعبدالله بن أمية، من الحبشة، صفري اليدين، يحملان ما يكرهان من خبر منع المسلمين وأمنهم في جوار النجاشي، ليتفق ذلك أن تقوم قريش بكتابة الصحيفة القاطعة الظالمة في حرب بني هاشم، فكتبوها وتعاهدوا عليها وقد وضعوها في جوف الكعبة.

خرج من بني هاشم أبو لهب بن عبدالمطلب إلى قريش، فلقي هند بنت عتبة فقال لها: كيف رأيتِ نصري اللاَّت والعزى؟ فقالت: أحسنت فعلاً. 
(البداية والنهاية، ابن كثير، ذكر خبر الصحيفة).

ولقد ذكر أهل السير في غير ما موضع أن أبا لهب لقي حكيماً بن حزام ومعه قمح يريد عمته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وهي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهاه أن يذهب بالطعام لها، فقال له أبو البختري: مالك وله؟ عنده طعام لعمته أفتمنعه أن يذهب به إليها؟ خلِّ سبيله، فأبى ذلك أبو لهب، فضربه البختري بلَحْيِ جمل فشجه.

لقد قام نفر من قريش تحركت المروءة فيهم، وانتبهت عروبتهم من رقدتها، فتوافقوا على تمزيق ودحض الصحيفة وكسر الحصار المضروب على بني هاشم، ودفع الظلم والجور عن الضعيف الأعزل، وإرجاع حريته له، إذ كيف ينعمون والقريب يتلوى من الجوع، والمسكين تقعده المتربة.

فكان هشام بن عمرو بن الحارث يأتي بالبعير وقد أوفره طعاماً ليلاً، ويستقبل به الشِّعب، فيخلع عنه خطامه، حتى تتابعت النصرة إلى زهير بن أبي أمية، وهو ابن عاتكة بنت عبدالمطلب فقال له: يا زهير، أرضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء وأخوالك من بني هاشم حيث علمت؟! أما إني أحلف بالله لو كان أخوال بني الحكم -يعني أبا جهل- ثم دعوته إلى مثل هذا أجابني له، فقال: ماذا أصنع إنما أنا واحد؟ فقال له هشام: لقد ربحت رجلاً معك، فقال زهير: ومن هو؟ قال: أنا، فقال زهير: ابغنا ثالثاً» (الروض للسهيلي باب الصحيفة).

يقول ابن كثير: فما زال بهم هذا الأمر يتعاقبون حديثه كل يخبر به صاحبه فيقول له مثل الذي قال زهير: ابغنا ثالثاً، فكان الثالث هو المطعم بن عدي، والرابع هو أبو البختري، والخامس زمعة بن عبدالمطلب.

وقد قال زهير: أنا أبدأ في قريش، والمطعم يخلع الصحيفة، فخرج زهير بن أبي أمية إلى قريش في ناديهم عند البيت فقال: يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم لا يبتاعون ولا يُبتاع منهم، والله لا أقعد حتى أشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة، فكان الذي كتب الصحيفة منصور بن عكرمة وقد شُلَّت يده. 
(البداية والنهاية، ابن كثير، باب شعب أبي طالب).
إن التعاطف والشجون إن لم تترجمه الأفعال الإيجابية والخطوات الدافعة، لا فائدة منه، فالتعاطف لا بد أن يجدد العزمات ويحرك الراكد من الشعور، خصوصاً وقد تأْسلف النفس مشاهد الخذلان والتخلي.

إن المرارة التي تلحق الضعيف والغصة التي تزرع في روحه، لا يفهمها إلا من عرف حقيقتها وخبر أمرها وأثرها، والقرآن الكريم في تأكيد مستمر لمفهوم النصرة بمعناها الواسع، وهو الاستجابة العامة بلا تحديد مقيد؛
 (وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) (الأنفال: 72).

إذا كان أبو لهب وهو الكافر يتفاخر بنصرته للصنم،

 وفي جاهليته وبغيه على الضعيف، وصبره على

 باطله الذي قال الله عن حاله وأمثاله: (إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا) (الفرقان: 42)، فماذا يقول الكرام أهل الحق والبذل؟! هل يقعد عزمهم عن

 إغاثة الملهوف، ونصرة الضعيف، وإجابة الصريخ،

 والعون على نوائب الدهر؟

الضعيف الذي اجتمع عليه القهر والجوع والمخمصة،

 يقع موقع النصرة في نفسه موقعاً يجدد الحياة فيه،

 لأن الرعب والخوف والجوع الذي ينشأ من الحوائج

 لا يملأ القلب فحسب، بل يملأ الأحلام لسنين طويلة

 من العمر الذاهب.

إن النصرة في لحظات الخذلان والعوز تفتح آفاق

 الحياة وسط الخرائب والأنقاض، تماماً كما تتفتح

 زهرة يتيمة خرساء وسط حقل مهجور، والضعيف

 الذي يجتمع عليه الخوف والجوع يرفُّ قلبه من

 الوجع والحيرة، كأن قطاةً عُلِّقت على قلبه من شدة

 الخفقان.

ولم أجد وصفاً للجوع كوصف عزيز ضياء وهو

 يشرح الجوع في المدينة المنورة في الحرب العالمية

 الأولى وهجرتهم إلى الشام وما صاحب ذلك كله من

 أحداث: «الجوع الذي يجعل المرء يمشي في الشارع

 أو الزقاق لا ينظر إلى ما حوله أو أمامه، وإنما ينظر

 إلى الأرض وحدها حيث يتحرى العثور على كسرة

 خبز أو حبة فاكهة أو عظمة، فلا يكاد يرى ما يبحث

 عنه فيركض لالتقاط ما رأى حتى تكون الهياكل

 العظمية السائرة في الطريق نفسه قد مدت أيديها

 تتنازع كسرة الخبز أو حبة الفاكهة العطنة أو العظمة

 التي زهدت فيها الكلاب، ويبلغ النزاع أو الصراع

 أوجه الأعلى حين تمتد الأيدي التي أخفقت في التقاط

 هذه اللقمة إلى فم الهيكل العظمي، وإلى شدقه وما

 بين فكيه تستخرج منه ما بقي، ولو أدى ذلك إلى شق

 الشدقين وتمزيقهما» (حياتي، عزيز ضياء).

منطق القوة

إن سورة «الحشر» تسترعي سمعك، وتأخذ بذهنيتك

 لتفهم الطبيعة المخذولة لليهود ومن تبعهم، فهم لا

 يعرفون إلا منطق القوة، ولا يخضعون إلا مع الردع،

 ولا تنتزع منهم الحقوق إلا بالقوة والغلبة، أما

 الموادعة والمداهنة واختيار التهدئة والاستقرار ما

 هو إلا سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا

 جاءه لم يجده شيئاً!

ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير

 يفاوضهم في دية القتيلين، فتآمروا عليه، وتعاهدوا

 على قتله بأن يلقوا بصخرة كبيرة من فوق الحائط

 على رأسه الشريف صلى الله عليه وسلم، وقد أفصح

 الوحي له خبرهم وكشف له سوء طويتهم،

 فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكتب الله

 عليهم الجلاء.

والاستعطاف اليهودي بعد الغدر عادة أصيلة ومذهب

 متجذر في العقلية اليهودية، فها هم بعد غدرهم

 بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم «الخندق»

 واصطفافهم مع المنافقين، يخرجون بالرجال والنساء

 والأطفال يستعطفون ويبكون، ذهب إليهم أبو لبابة

 فسألوه عن نية صاحبه فقال: «وأشار إلى عنقه

 بالذبح»، وهو الذي يقول: «فوالله ما وضعت يدي

 حتى أدركت أني خنت الله ورسوله» 

(تهذيب سيرة بن هشام).

إذا كان هذا الرجل البدري الكريم الذي اقتطع له رسول الله صلى الله عليه وسلما سهماً وعدَّه من الشهداء يوم «بدر» يقول مثل هذا، فماذا عساه يقول صاحب المداهنة والملاطفة مع هؤلاء الأوباش الخائنين، والذي يجاملهم ويواليهم ويسعى فيهم، بل يتنازل من أجل إرضائهم، وستظل سارية أبي لبابة سارية التوبة التي ربط بها نفسه في روضة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد عز وفخار وتوبة وصفاء على صدقه وإيمانه وولائه الصادق لله وللرسول صلى الله عليه وسلم، كما ستظل سواري الخونة شاهدة عليهم في قادم الأيام والأعوام، ما تجددت صفحات التاريخ وما كتبت سطور على رقعة الزمن.

ولقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبه سعداً بن معاذ رضي الله عنه وقد ضرب له خيمة بجوار المسجد قريباً منه ليزوره، دعاه ليحكم على بني قريظة، فحكم بهم بحكم الله من فوق سبع سماوات.

لقد تنبه آرثر ليستر، في كتابه المهم «القبيلة الثالثة عشرة»، الذي يفصح فيه عن سلالة انتماء الصهاينة لقبيلة الخزر، وما الدوافع الباعثة لحقدهم على الديانة اليهودية والإسلام: «هؤلاء لا يعرفون الدين الذي جاء به موسى ومن بعده محمد، إنما يعرفون الحيلة الواحدة في سبيل الغاية مهما اتفقت، وبمجرد التصدي لهؤلاء تراكضوا إلى الاحتماء بالسامية، وأن الذي يواجههم هو عدو للسامية، وهم قطعاً لا يعرفون هذا المرجع ولم يرتبطوا به».

وهنا نستحضر مقولة اليهودي العربي آفي شلايم: «كان الهدف الأساسي للصهيونية على أرض فلسطين واضح المعالم، ولقد بُحَّت الأصوات التي حذرت من الكارثة التي حلت عام 1948م، لقد حولت الصهيونية معظم الفلسطينيين إلى لاجئين واقتلعتهم من أرضهم» (العوالم الثلاثة، مذكرات يهودي عربي).

إن التاريخ والشواهد والأحداث تخبر يقيناً أن زرع هذا الكيان البغيض في خاصرة الشام لا يجعله يستريح ولا يهنأ ولا ينتهي الدم فيه ما دامت هذه الجرثومة السامة تذهب في أعماق جسده، كدابة الأرض تأكل منسأة العيش الإنساني الرغيد.


الخميس، 7 أغسطس 2025

أوشفيتز

أوشفيتز

لم تكن آن فرانك مجرد ناجية من جرائم الهولوكوست النازية في معسكرات أوشفيتز فحسب، بل كانت يومياتها التي سَطَّرتها شاهدة على ما جرى في الفترة ما بين 1942 و1944، لتوثق المشهد الماثل أمامها في ذلك الوقت، ثم لتفسح المجال لمن يقرأ يومياتها للمقارنة بين ما يجري في عالمنا من قتل الإنسان وحرقه وتجويعه: 

"لقد كان الناس يموتون بالغاز، أو يدفعهم الجنود للخروج في ساحات المعسكر ليقتلوهم، ومن يطلب الماء والطعام يجبرونه على السير لمسافة ثم يطلقون عليه الرصاص وهم يضحكون، ومثلهم الذين يموتون بسبب الجوع والعطش وهم الأكثر" 

(يوميات آن فرانك.. بتصرف بسيط).

وفي كتابه "إن كان هذا إنسانًا"، يخبر الكيميائي الإيطالي بريمو ليفي عن سلسلة من الجرائم الوحشية النازية التي لا تختلف بحال عن الوحشية الصهيونية: "لقد كانت مشاهد الرجال وهم عراة محشورون في مكان ضيق يفتح عليهم الجندي باب الغرفة ليهجم الزمهرير عليهم بلا رحمة، أتذكر أولئك الذين يموتون من الجوع وهم عراة، والذين يشربون من تلك الحنفية التي كتب عليها تحذير من عدم شرب الماء".

لقد كان الجوع والعطش والمرض في سباق إلى أجساد أولئك المعذَّبين، يقول في وصف مختصر لكل تفاصيل المعاناة: 

"لقد كتبوا على مدخل المعسكر: أيها الداخلون اطرحوا عنكم كل أمل". 

وعليك أن تقارن هذا القتل الممنهج، والجماعي، واستخدام سياسة التجويع مع ما يعانيه أهل غزة من الصهيونية التي تكرر الجرائم النازية في هذا العصر.

إن أوشفيتز النازية لا تختلف في شكلها ولا مضمونها عن غزة أوشفيتز الصهيونية التي تفرض حصارًا قاتلًا، وتستخدم آلة القتل مع أولئك الذين يتسابقون للنجاة والبحث عن الطعام والشراب. 

الصهيونية اليوم تجدد ذات النكبة والحصار والقتل مع الفلسطينيين العزل بدءًا من دخول الكتيبة الهندية لبيت المقدس وحصارها للمسجد الأقصى وقتلها للمسلمين فيه بعد حصار دام أيامًا، ومعركة القسطل وما صاحبها من تخاذل عربي ظهر واضحًا بانتظار المجاهدين للجيش العربي ودخوله القدس.. 

ولكن لم يأتِ بعد، لتَحين بعده النكبة الطاحنة 1948، والشتات والقهر الملازم للفلسطينيين طوال الثمانين عامًا الماضية، حتى أزمات الحروب ومسلسل القتل والحصار المستمر، وانتهاءً بغزة وما تبعها من أحداث.

يقول بريمو ليفي في مذكراته: 

"لقد جمعوا الرجال في غرفة وكان عددهم 96 والنساء في غرفة وكان عددهم 29 والأطفال في الخارج يشاهدون نسف الضابط النازي الغرف بمن فيها". 

ألا يتشابه هذا مع ما يقوم به الصهاينة من هدم وقتل وقهر؟

تشظي النموذج الغربي

على مدار عقود طويلة كانت الحضارة الغربية تفتخر بنموذجها الذي قام على أفكار مارتن لوثر للحرية والمساواة، وروسو في الحقوق والعدل، ونظم ديفيد هيوم لبناء الدولة والسياسة والديمقراطية وحماية الإنسان وحقوقه، وغيرهم، حتى أصبح هذا النموذج محل تأثير واسع على النخب الفكرية العربية والمسلمة، إلا أن هذا النموذج وما أنتجه من حضارة أصابه التشظي، وتداعى إلى هوة سحيقة بين ما ينادي به وبين ما يشاهده ويغض الطرف عنه، وبين ما يدافع عنه بانتقائية وازدواجية مشهودة ومعهودة.

لا أعرف لماذا تذكرت مقولة الكاتب والروائي البرتغالي:

"أي عالم هذا الذي يستطيع إرسال السفن الفضائية للمريخ، بينما لا يفعل شيئًا لوقف قتل إنسان"؟!

فهو في هذا التساؤل العميق يفصح عن المفارقة الغريبة بين ما ينادي به النموذج الغربي وما وصلت إليه الحضارة الغربية وبين ما يحدث اليوم، فهي تركض نحو السماء وتخترق المسافات ولكنها عاجزة عن اختراق التناقض في نموذجها، ورأب الصدع البشري وحماية النموذج الأخلاقي للإنسان.

إن النموذج الغربي يتعثر بالقيم التي كان ينادي بها، ويتلفع بنفس السواد الذي حاربه، وينادي بالعدل والمساواة وهو قد دخل بالكفر وقد خرج به:

"الحضارة الغربية غير قادرة على مواجهة نفسها وعلى مواجهة الحقيقة، فالمتحدثون لا يكفون عن الثرثرة عن حقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الطفل والقطط والكلاب... إلخ،

فالحضارة الغربية بمقاييسها غير العادلة هي التي شاهدت وعاصرت إبادة السكان الأصليين في أمريكا الشمالية، واستمرت حتى عصرنا الحديث في فيتنام والبوسنة والهرسك والشيشان" 

(الفكر الصهيوني. المسيري).

ولقد بَسَطَ المسيري رحمة الله عليه في كتابه هذا العلاقة بين الصهيونية والنازية، والتشابه في السردية والمرجعية بين الصهيونية والفاشية.

وإن تعجب فعجب من تمسك الصهاينة واليهود بالمرجعية، واحتكامهم لما في كتاب هرتزل "الدولة والإنجيل الصهيوني"، ورجوعهم الدائم لكل الأيديولوجيات المؤسسة للكيان الصهيوني والتي تقوم على كره الإنسان واحتقاره، والقتل والسلب، وتقديس النموذج 

(انظر بتوسع كتاب جارودي: "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية").

وفي المقابل يتخلى المسلمون عن المرجعية الدينية، بل ويقبلون بتحوير القضية الفلسطينية من قضية اغتصاب للأرض، واستيطان وتدنيس للمقدسات، إلى قضية عربية، وشأن فلسطيني يديره المتنازعون على المال والسلطة، وما ذاك إلا بغياب المرجعية العقدية التي تشرح وتفسر ماهية العلاقة بين المسلم واليهودي المغتصب، وبين اليهود والصهاينة والإسلام بشكل عام كدين وانتماء.

ويؤكد هذا ويعضده حينما جاء جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم بعد غزوة الخندق وقد شاهد المسلمون خيانة اليهود الواضحة والمعتادة: "يا محمد هل وضعت السلاح؟ والله ما وضعنا السلاح"، وأمره أن يخرج إلى بني قريظة وأشار له عن مكانهم (تهذيب سيرة ابن هشام)، ليفهم المسلم المرجعية في طبيعة التعامل مع الخونة والغاصبين والمجرمين.

وفي ذات السياق أيضًا تبرز المرجعية منه عليه الصلاة والسلام وهو يعقب على حكم صاحبه البر المجاهد سعد بن معاذ رضي الله عنه: "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات" (تهذيب سيرة ابن هشام)، تأمل في قوله عليه الصلاة والسلام: "حكمت فيهم بحكم الله..." 

لتفهم منه قداسة المرجعية الدينية وأهميتها في فهم الصراع مع الصهاينة المحتلين واليهود الغاصبين، قبل أن تضيع القضية في زحام التنازلات وغثاء المفاوضات، لأن المرجعية الدينية في الصراع القائم تحفظ تصور المسلم ويستنير بها مفهوم الولاء والبراء فيما يتعلق تحديدًا بالحالة اليهودية.

إن غياب المرجعية هو الذي سمح - وعوامل أخرى - بتحول القضية من اغتصاب وتعدٍّ على المقدسات إلى شأن فلسطيني، قذفت بأهله صروف الخلافات والنزاعات بين رجال يجاهدون ويناضلون، وآخرون يخونون ويفاوضون... حتى انتهى المطاف بحل الدولتين ولا دولتين، وكلما تنازل العرب ازداد الصهاينة صلفًا وبطشًا.

لقد خرَّ النموذج الغربي في أزمة غزة من سماء العلم والوعي والحضارة، لتخطفه طيور الغي والبغي والانتقائية فتهوي به ريح الغواية الغربية في مكان سحيق.

 

الثلاثاء، 24 يونيو 2025

عاقل الأندلس!

 

عاقل الأندلس!



جاء في «السير» للذهبي، و«المقتبس من أنباء أهل الأندلس» للقرطبي: فيما اتفق من ترجمة الإمام يحيى الليثي، أنه كان تلميذاً للإمام مالك يقرأ عليه الموطأ في المسجد النبوي، وقد جاء المنادي بالخبر: يا أهل المدينة، هلموا فشاهدوا الفيل، وكان أهل المدينة لا يعرفون الفيل، فانصرف الناس عن الإمام مالك وبقي عنده الليثي يقرأ عليه، فقال مالك: وأنت لماذا لا تذهب معهم فتشاهد الفيل؟ فقال: جئت من الأندلس لأقرأ عليك «الموطأ» وأرجع به لقومي، لا للفيل، فقال له الإمام مالك: «أنت عاقل الأندلس».

وما نريد أن نقوله أيضاً توطئة لما هو قادم في هذه السطور، أن الإمام مالك كان له تلميذان هما يحيى بن يحيى النيسابوري، وهذا من شيوخ مسلم، ويدخل الإمام مسلم من طريقه لرواية وإسناد «الموطأ»، والإمام يحيى بن يحيى الليثي الذي رفعه الله بعقله، وظلت روايته لـ«الموطأ» الرواية المعتبرة والمعتمدة لكل من يدرس «الموطأ» دراية ورواية.

إن هذا الخلود ثمرة من ثمرات العقل الواعي الذي يولد وعياً حقيقياً بالذات، والعقل الثابت الذي يقود صاحبه لشرف الزمن وقدسية العمر، الذي بغيره تنفرط حبات عقده ويغدو كسنبلة عجفاء في ريح صرصر.

في كتابه الماتع «قوة العقل» يقول جيمس بورج: 
«إن قوة العقل تكمن بالصبر وحبس النفس وتوطين الجوارح على الانضباط الذي من ثمرته الاستمرار الذي من نتائجه وبواكيره الإنتاج، وكذلك تكمن قوة العقل بالشغف بالعلم، وتغيير المعتقدات المعيقة التي تسلب الإرادة وتعيق التفكير».

إن العقل نعمة يحجب بها الإنسان عن مسيره الصوارف، ويزهد عليه الرغائب العاجلة الملهية التي لا يستطيع أن ينفك منها متى ما تولع بها، والإنسان إذا طال به الطريق واستوحش أن يجدّ السير، كان عقله يطلبه حثيثاً، فيأخذ بيده ليفتح له نوافذ الغايات، ويقرع باب الأمل المرجو، ويستطلع له ضمير الغيب المحجب.

إن الانضباط قوة حقيقية وغريزة أبدية في كل المخلوقات، وهي في الإنسان أعمق وأصلب، وهكذا يجب أن تكون.

تأمل في حال أولئك الذين يبدؤون بالشيء ولا ينهونه، ويمضون في الطريق ولا يقطعونه، ويفتحون الكتاب ولا يتمونه، ويكتبون الأماني ولا يعاجلونها بالبدار والمضي.. إن مثل هؤلاء كمثل الظمآن يدير ظهره للنبع الصافي السخي، ويضرب في البيداء فلا يرد إلا السراب، وهو كلما ابتعد عن النبع ازداد عطشاً.

«إن الشغف شعور داخلي وقوة دافعة تقودك إلى الطريق الصحيح» (القبعات، إدوارد دي بونو).

وعندها يكون المرء صادقاً مع نفسه بصيراً بدربه وما يريد، فإن المولى الكريم يعينه ويساعده ويطوي له البيد: (فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ) (الفتح: 18)، والعقل كذلك يحقق موازنة الفوات من داخل الإنسان، فيعيد له توازنه الذي يفقده أحياناً من فوات المرغوب أو حصول المرهوب، وقد ألمح القرآن لمثل هذا، واتفق أن أشارت إليه أنوار آياته: (إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ) (الأنفال: 71).

والنتيجة الحتمية لهذا الشغف ووضوح الغايات وسلامة الوجهة وتكرار التدبر والتأمل، ما قاله العلامة محمد أبو موسى: 
«وكلما فتحت في العلم باباً تبدى لك أبواب، وكلما اكتشفت فيه سراً تبدى لك من وراء السر أسرار» (مقدمة كتاب من بلاغة القرآن، د. محمد البنا).

إن العقل حين تتأكد فيه نزعة الوعي، وتنمو معه القدرة على تقديم الأهم والمهم، يخرج الإنسان بحول الله من مربع الطوارئ العالق فيه من أمد بعيد، وتتباطأ معه وتيرة الحياة الضاغطة على عقله لتنفيذ كل ما هو مستجد.

إن العقل من نعمه أن يحفز في الإنسان التكرار وهو -أي العقل- إن مارست معه التكرار استجاب له لتكون عادة، التي من شأنها أن تكون معتقداً يجدد الشغف والوعي في الإنسان.

وأبشع قيود العقل هي الاهتداء إلى غير الهدى، والاقتداء بلا وعي، في ممارسة عقيمة يسلب المرء بها عقله ويغيبه؛ «إن المعتقدات السيئة تقود إلى نتائج سيئة، والعقل الواعي هو الذي يطرح المعتقد البالي بآخر جديد، متصفاً بسمات الحقيقة والصواب والوضوح، وما ضل من الجماهير إلا بالمعتقدات التي لا يترتب عليها عمل مثمر صحيح» 
(المعتقدات، جوستاف لوبون).

والقرآن حينما تكلم عن الأتباع الذين اختاروا طواعية تغييب عقولهم قال: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ {22}‏ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ) (الزخرف)، إنها استجابة صريحة لكل صارف، بل لكل جديد يتبعه الإنسان لا كالمهتدي المسدد، ولا كالمتأمل البصير.

إن الفيل الذي ذاع خبره عند الإمام يحيى الليثي هو ذات الصارف في عصرنا هذا، ولكنه اتخذ شكلاً مغايراً، فمغريات الحياة وخلاقها، والإعلام ووسائل التواصل ببرقها الخُلّب، ونوازع النفس المستسلمة لبريق الحداثة والمغريات، وتقلب المزاج بصاحبه وشواغل الحياة.. وغيرها، كل واحدة من تلك تمثل الفيل الذي يصيح الطائف فيه ليشاهده الناس حاله كحال كل جديد صارف، إنك إن عرفت ذلك أدركت واتصل لك أن تفهم حقيقة قول الإمام مالك رحمه الله لتلميذه الليثي: «أنت عاقل الأندلس».