‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات علي أنوزلا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات علي أنوزلا. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 30 سبتمبر 2025

حراك "جيل زد" في المغرب... البساطة والجرأة

 حراك "جيل زد" في المغرب... البساطة والجرأة

علي أنوزلا


حشد من شباب "الجيل زد" في تظاهرة احتجاج في الرباط (29/9/2025 Getty)


يعيش المغرب منذ أيام على إيقاع موجة احتجاجية غير مسبوقة تقودها حركة غير مرئيةٍ تطلق على نفسها اسم "جيل زد"، خرجت فجأةً من الفضاء الافتراضي لتتحوّل قوةً حقيقيةً في الشارع، عابرةً المدن والقرى، ومعبّرةً عن غضب اجتماعي تراكم طويلاً. هذه الحركة، التي نشأت في مجموعات مغلقة داخل تطبيقاتٍ مثل ديسكورد، ثمّ انتشرت كالنار في الهشيم في “فيسبوك" و"تيك توك" و"إنستغرام"، اختارت أن ترفع مطالب اجتماعية صرفة: تحسين الخدمات الصحّية، ضمان تعليم عمومي مجّاني وذي جودة، وتوفير فرص العمل للشباب العاطل وتحقيق العدالة الاجتماعية، لكنّها في الوقت نفسه أعلنت رفضها الانخراط في الأحزاب والنقابات أو الارتهان لأجندات أيديولوجية، ما جعلها تبدو كائناً سياسياً جديداً يرفض القوالب القديمة.

بدت الحكومة والأحزاب والنقابات المغربية خارج الزمن السياسي: صمت ثقيل، غياب تامّ من المشهد، مقابل حضور أمني كثيف

جاءت ردّة فعل السلطات سريعةً وحادّةً، منذ اللحظة الأولى لنزول المحتجّين إلى الشوارع، وُوجِهَت المظاهرات بعنف مفرط. صبّت مقاطع الفيديو التي وثّقت اعتقالات طاولت شبّاناً وشابّات في مقتبل العمر، وأمّهات وقاصرين، وحتى رضّعاً كانوا يشحنون بطريقة عنيفة، مثل الخرفان، داخل سيارات الشرطة، الزيت على نار الغضب، وأطلقت دينامية تضاعفت معها رقعة الاحتجاجات. أمام هذه الموجة، بدت الحكومة والأحزاب والنقابات كأنّها خارج الزمن السياسي: صمت ثقيل، غياب تامّ من المشهد، مقابل حضور أمني كثيف يحاول وحده احتواء غضب الشارع. المفارقة أن هذا الغياب عزّز صورة حركة "جيل زد" فاعلاً جماعياً جديداً، يمتلك طاقةً سياسية من خارج المؤسّسات التقليدية.
لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن سياق أوسع، فجيل الاحتجاج الجديد ليس اختراعاً مغربياً صرفاً، بل جزء من موجة عالمية انطلقت من جنوب آسيا، من نيبال وبنغلاديش وسريلانكا، قبل أن تصل إلى أفريقيا جنوب الصحراء في كينيا ومدغشقر. انتفاضات شبابية مشابهة قادها أفراد "جيل زد"، مستخدمين الأدوات الرقمية نفسها، واللغة الاحتجاجية نفسها التي تجمع بين بساطة المطالب وجرأة الموقف. واليوم، المغرب أول بلد عربي وأفريقي شمالي يواجه هذه الموجة، ما يضعه في قلب ظاهرة عالمية تعيد تعريف السياسة من خارج قنواتها التقليدية. جيل جديد من شباب في مقتبل العمر، غارقون في العالم الافتراضي، يرفضون التسميات الأيديولوجية، لكنّهم يمتلكون وعياً سياسياً متّقداً، ولهم قدرة لافتة على التنظيم السريع والمرونة التكتيكية، يرفضون الانتظار، ويصرّون على مطالب ملموسة وآنية وحلول فورية. وفي الشارع يتحرّكون وفق تكتيكات مرنة تربك الأجهزة الأمنية: احتجاجات متفرّقة ومتزامنة، تغييرات سريعة في المسارات وأماكن الاحتجاج، واعتماد كبير على تقنيات البثّ المباشر والتنسيق اللحظي بين فرق صغيرة تتحرّك منفصلةً، وفي الآن نفسه، وفي أكثر من مكان في المدينة نفسها لإرباك قوات الأمن وتشتيت انتباهها وتركيز عناصرها. هنا، يظهر أن "جيل تيك توك"، الذي صُوّر طويلاً جيلاً سلبياً ومنعزلاً، إنما هو جيل يعيد اختراع السياسة بوسائله الخاصة، ويكسر حاجز الخوف في فضاء عام كان يعيش نوعاً من الشلل.
ولكن السياق المغربي يضفي خصوصيةً على هذه الحركة التي لها جذورها المحلية، فالمجتمع كان يعيش منذ سنوات حالةً من الانسداد، قمع متزايد للحريات العامة، تفريغ الأحزاب من محتواها، إضعاف النقابات، وجود مؤسّسات شكلية فاقدة للمصداقية أفرزتها انتخابات مطعون في نزاهتها، وتراجع النقاش العمومي بفعل التضييق على الصحافة المستقلّة لصالح إعلام تفاهة مموّل من المال العمومي. ترافق ذلك مع وضع اقتصادي واجتماعي صعب بفعل ارتفاع تضخّم الأسعار، وارتفاع معدّلات البطالة، وتفاقم الفوارق الطبقية، وتفشّي الفساد، وغياب العدالة الاجتماعية، وتوجيه استثمارات ضخمة على حساب خدمات أساسية، إلى مشاريع رمزية مثل كأس العالم 2030، بينما القرى والمناطق المهمّشة تعاني نقص الماء والطرق والخدمات الأساسية، كلّها عناصر غذّت حالة الاحتقان الاجتماعي. هذه الخلفية جعلت ظهور "جيل زد" أشبه بانفجار مكتوم منذ سنوات، وليس مجرّد ارتجال شبابي عابر.

المشهد اليوم في المغرب أكثر تعقيداً في غياب أيّ مخاطب رسمي يملك شرعية الحوار مع المحتجّين

يؤكد التاريخ المغربي نفسه الطبيعة الدورية لهذه الهزّات، فمنذ أحداث الدار البيضاء الدامية عام 1965، شهدت البلاد موجات احتجاج كبرى في أعوام 1981 و1984 و1991 و2011، وفي كل مرّة كانت السلطة تردّ بمزيج من العنف والانفتاح الجزئي، قبل أن تعود سريعاً إلى سياسة الضبط، والنتيجة تراكم احتقان يولّد انفجاراتٍ جديدة، غالباً أشدّ قوة، وكأنّ البلاد تعيش وفق إيقاع زلازل اجتماعية تتكرّر كل بضع سنوات، تخمد فترةً، ثمّ تعود أقوى بفعل انسداد الأفق. ما يجري اليوم يبدو استمراراً لهذا النمط، لكن بفاعل اجتماعي جديد كلياً: جيل وُلد ونشأ في العالم الرقمي، يمتلك أدوات اتصال وتنظيم تختلف جذرياً عن أدوات الأجيال السابقة، ويصعب على السلطة التقليدية احتواؤه بالأساليب نفسها.
المفارقة أن هذا الجيل، رغم رفضه الأحزاب والنقابات، ليس غير سياسي. على العكس، وعيه السياسي متقدّم، لكنّه لا يثق في مؤسّساتٍ يعتبرها فاسدةً أو فاقدةً للمصداقية والشرعية. جيل "ضدّ المؤسّسات" لا بمعنى اللامبالاة، بل بمعنى البحث عن أفق بديل خارج البنى القائمة. هذه النقطة بالذات تُقلق السلطة، لأنها تعني أن الوساطات المعتادة كلّها قد فقدت صلاحيتها، فلم تعد الأحزاب قادرةً على لعب دور الوسيط، ولا النقابات قادرة على ضبط الشارع، والمعادلة باتت مباشرةً: شباب محتجّ مقابل قوات أمن، في غياب أيّ قنوات حوار وممثّلي الوساطة.
اليوم، يكاد يكون المشهد أكثر تعقيداً في غياب أيّ مخاطب رسمي يملك شرعية الحوار مع المحتجّين، وحدها المؤسّسة الملكية تبقى، موضوعياً ورمزياً، قادرةً على فتح أفق للحوار والحلّ، أمّا استمرار القمع فقد يخنق المظاهرات مؤقتاً، لكنّه يضاعف منسوب الغضب ويشوّه صورة المغرب دولياً، وهو مقبل على مواعيد تنظيم تظاهرات رياضية كبُرى يُفترض أن تكرّس صورته بلد الاستقرار والانفتاح. ويبقى الخيار السياسي وحده القادر على إحداث انفراج: إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، مراجعة المقاربة الأمنية وإعادة هيكلة قطاع أمني حوّل المغرب دولةً بوليسيةً، فتح المجال أمام صحافة حرّة وتوسيع هامش وسقف النقاش العمومي، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع عبر إصلاحات جريئة تشمل انتخابات مبكّرة وقوانين انتخابية أكثر ديمقراطية. الكرة في النهاية ليست في ملعب الشباب وحدهم، بل في ملعب الدولة، التي إن واصلت إنكار الحقائق وتضييع الوقت، ستجد نفسها أمام موجاتٍ أعنف وأعمق. اللحظة الراهنة فرصة نادرة لإعادة وصل ما انقطع بين السلطة والمجتمع، لكنّها فرصة تتطلّب شجاعةً سياسيةً وقراراتٍ سياديةً تعيد رسم أفق جديد، قبل أن تتكرّس القطيعة نهائياً.

اللحظة الراهنة فرصة نادرة لإعادة وصل ما انقطع بين السلطة والمجتمع، لكنها تتطلّب شجاعة سياسية وقرارات سيادية

اللحظة الحالية، إذن، لحظة مفصلية. فهي تكشف حدود النموذج القائم على الضبط الأمني والاستثمار في الصورة الخارجية التي تركّز في المظاهر أكثر من تركيزها في الإنجازات، على حساب معالجة الأعطاب البنيوية الداخلية المزمنة، وتضع المغرب أمام تحدّي الاعتراف بأن السياسة لا تُختزل في مؤسّسات شكلية وواجهات جميلة، بل تعني فتح أفق حقيقي للنقاش العمومي والمحاسبة والإصلاح. "جيل زد" ليس شبحاً عابراً، بل مرآة تعكس اختناقاً اجتماعياً وسياسياً طويلاً. تجاهل هذه المرآة أو محاولة كسرها بالقمع لن يُخفيا الحقيقة: أن جيلاً جديداً قرّر استعادة الفضاء العام وطرح أسئلة جوهرية عن العدالة والحرية والكرامة.
أسئلة كثيرة تفرض نفسها: إلى متى يمكن الاستمرار في سياسة الإنكار؟ وهل يكفي الصمت الحكومي أو المقاربة الأمنية لتبريد الشارع؟ وإلى أيّ حدّ سيكون المغرب قادراً على إخماد هذه الشرارة وتحويلها إلى بداية دورة سياسية جديدة أكثر انفتاحاً وجرأة، بدل أن تتحوّل حلقةً جديدةً في تاريخ طويل من الهزّات المُؤجَّلة والانفجارات المتكرّرة؟ التجارب السابقة داخل المغرب وخارجه توحي بالعكس: الحلّ الأمني قد يُربح وقتاً، لكنه يخسر معركة الشرعية والإصلاح على المدى البعيد.

الأربعاء، 11 سبتمبر 2024

ما أتعسنا... تركنا غزّة وحيدة

 ما أتعسنا... تركنا غزّة وحيدة

علي أنوزلا
صحافي وكاتب مغربي، مدير ورئيس تحرير موقع "لكم. كوم"، أسس وأدار تحرير عدة صحف مغربية، وحاصل على جائزة (قادة من أجل الديمقراطية) لعام 2014، والتي تمنحها منظمة (مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط POMED).


بعيداً عن الشعارات والكلمات الجوفاء والبيانات المندّدة والشاجبة والمستنكرة والغاضبة، والمسيرات الشعبية والمهرجانات الخطابية والوقفات الاحتجاجية والإضرابات التضامنية، ثمّة حقيقة ساطعة، أننا جميعاً، بلا استثناء، شعوباً وحكومات وهيئات مدنية وأشخاصاً عاديين، تركنا غزّة وحيدة تواجه أحقر جيش مدعوم من أقوى الدول. بعد 27 يوماً، بالتمام من يوم الناس هذا، سيكون قد مرّ عام على حرب الإبادة الجماعية التي يشنّها الاحتلال الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني الأعزل في قطاع غزّة وفي الضفة الغربية. ولا يبدو أنّ هذه الحرب الإجرامية ستتوقف، لأنّ الصهاينة يريدونها حرباً فاصلة في تاريخهم الاحتلالي الاستيطاني التطهيري، وكلما طال أمد الحرب ازداد بطش الصهاينة وعنفُهم وحقدُهم وإجرامهم وغطرستهم وساديّتهم وجنونهم الذي تجاوز كل الحدود، وحطّم كل الأرقام القياسية في عدم احترام الحدّ الأدنى من الأخلاق البشرية والقيم الإنسانية، وانتهك كل القوانين والمواثيق والمعاهدات والأعراف الدولية والإنسانية.

عام ونحن نشاهد يومياً عشرات الأبرياء يُقصفون ويُحرقون ويُذبحون أمامنا، أطفال ونساء وشيوخ، ومواطنين عاديين مثلنا، وتنهال عليهم نيران أقوى وأحدث الأسلحة وأشدّها فتكاً بالبشر والحجر، ونحن نتفرّج صامتين، وحتى عندما نحتجّ نعود في المساء إلى بيوتنا ونطفئ التلفاز حتى لا نرى مزيداً من الصور التي تفجعنا وتؤلمنا لنعود إلى روتيننا اليومي، ندفن وجوهنا في كؤوس بؤسنا، ونشغل وقتنا بما يُنسينا خيبتنا وعجزنا وخوفنا.

صمتنا، بل تخاذلنا وجبننا، هو الذي يجعل الاحتلال ومليشيات جيشه وعصابات مستوطنيه يستقوون على أهل غزّة المشرّدين وعلى سكّان الضفة الغربية العزّل، يستبيحون دمهم وأرضهم وعرضهم، ويهدمون بيوتهم ويحرقون خيامهم ويجوّعون أطفالهم ونساءهم ويعدمون مرضاهم ويعذّبون ويغتصبون أسراهم وينبشون قبور شهدائهم. ورغم كل هذه الفظاعة، نظلّ نحن في أضعف حالات الإيمان، صامتين خائفين منتظرين، وفي أسوأ الحالات غير مكترثين أو يائسين محبطين، وبعضنا من الشامتين والمبرّرين لمغول العصر الحالي جرائمه وطغيانه وعربدته وساديّته.

لماذا لا تمتلئ شوارع العواصم العربية وميادينها بالمتظاهرين والمحتجّين حتى تتحرّك الأنظمة أو تهتزّ عروشها تحتها؟

مؤلم هذا الزمن الرديء الذي نعيش فيه، فما أتعسنا حين تستغيث بنا غزّة فلا تجدنا، وقد تركناها عاماً كاملاً، وهي تواجه واحداً من أبشع أنواع الاستعمار في التاريخ وأحقرها وأسوئها، ابتلى الله به الفلسطينيين، ينفّذه حثالة من البشر لا أخلاق ولا قيم لهم، يملأ صدورهم الغلّ والكراهية والحقد والثأر، تحرّكهم عقيدة دينية عنصرية فاشية، تصوّرهم فوق كل البشر، وتضعهم فوق كل القوانين والعهود والأعراف، وتبيح لهم سفك الدماء وقتل الأبرياء وتشريد الناس من بيوتهم وقصفها فوق رؤوسهم وإحراقهم داخلها وهم نيام، واعتقالهم وتعذيبهم والتنكيل بهم واغتصابهم، والاستيلاء على أراضيهم واحتلال بيوتهم وسرقة ممتلكاتهم وتهجيرهم من أرض أجدادهم وطردهم من وطنهم وتجريدهم من جنسيتهم ومن إنسانيّتهم ووصفهم بالوحوش والحشرات والإرهابيين والمخرّبين، وهلم جراً من تعابير لم تُستعمل حتى في حروب العصور المظلمة من تاريخ الحروب البشرية.

لا تواجه غزّة في هذه الحرب الظالمة دويلة إسرائيل وحدها، فهذه انهزم عسكرها ومستوطنوها في السابع من أكتوبر (2023)، وإنما تواجه المشروع الصهيوني الكبير المدعوم مادياً وعسكرياً وسياسياً وإعلامياً واقتصادياً من قوى إمبريالية عظمى، في مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وأستراليا وكندا ودول أخرى لا تعدّ، لكن الأنكى أنه مباركٌ من أنظمة استبدادية ورجعية عربية، ترى فيه خشبة نجاتها من غضب شعوبها يوم تثور في وجهها.

ما يحدُث في فلسطين المحتلة على أرض غزّة وفي الضفة الغربية، منذ "7 أكتوبر"، أصبح، بحقّ، شاهداً على أكبر كارثة إنسانية في عصرنا الحديث، فخلال عام قُتل أكثر من 41 ألف فلسطيني، وجُرح أكثر من مائة ألف، وأغلب هؤلاء من الأطفال والنساء، من دون احتساب المفقودين في سجون الاحتلال أو تحت الدمار، وهو ما يمثل أكثر من 5% من سكّان غزّة، وهذا رقم قياسي لم يسجل حتى في الحرب العالمية الثانية! وكل ما تثيره فينا هذه الأرقام، رغم فداحتها، مشاعر التعاطف الإنساني، لمن بقيت في ضميره قيمة لهذه المشاعر.

أين ذهبت النخوة والمروءة العربيتان؟ كيف صمتنا عاماً على كل هذه المظالم الإنسانية التي تحصل ضد شعب أعزل؟

منذ عام ونحن نرى المشاهد نفسها ونتابع القصص نفسها لمآسي أطفال ونساء، بل شعب بكامله عالق بين النار والدمار، يهربون من القصف الذي يلاحقهم في ملاجئهم، يهجّرون مرّات ومرّات، وهم يعانون من النقص الحاد في الغذاء وفي مياه الشرب، بدون أدوية أو خدمات صحّية. تتكرّر الفظائع مرة تلو الأخرى، المدرسة نفسها تُقصف مرّات عديدة، والمستشفى نفسه يُقصف ويقتحم أكثر من مرّة، وكل يوم أطفال ونساء ورجال عزّل يُستشهدون ويُعتقلون ويُهجّرون، وعائلات تُباد بكاملها، وأماكن تُمحى عن وجه الأرض. والكل يلتزم الصمت.

أين ذهبت النخوة والمروءة العربيتان؟ كيف صمتنا عاماً على كل هذه المظالم الإنسانية التي تحصل ضد شعب أعزل؟ لماذا لا تمتلئ شوارع العواصم العربية وميادينها بالمتظاهرين والمحتجّين حتى تتحرّك الأنظمة أو تهتزّ عروشها تحتها؟ كيف ننام ونستيقظ كل صباح نقرأ عدد الشهداء كما نُطالع نشرة أحوال الطقس، ونمضي إلى حال سبيلنا؟ يا ويلنا ما أتعسنا، خذلنا غزّة وأهلها وأيتامها وثكلاها وأراملها وجرحاها وأسراها وشهداءها، تركناهم جميعاً يتألّمون وحيدين ويقاتلون وحيدين يحزنون وحيدين ويستشهدون وحيدين، وكلما كبرت آلامهم وتعاظمت مأساتهم كبر تخاذلنا وانكشف عجزنا وجبننا. وعلى حد قول الشاعر المتمرّد مظفر النوب: ما أوسخنا ونكابر/ ولا أستثني أحداً.

الثلاثاء، 18 أكتوبر 2022

العالم ما بين العتمة والضوء

 العالم ما بين العتمة والضوء




علي أنوزلا

عندما قال المثقف العضوي الإيطالي أنطونيو غرامشي مقولته الشهيرة "العالم القديم يحتضر، والجديد يتأخّر في الولادة، وما بين العتمة والضوء تظهر الوحوش"، لم يكن بالتأكيد يقصد وضعنا الحالي. فالفيلسوف الإيطالي الذي توفي في السجن تحت التعذيب عام 1937، ترك خلفه عالماً مضطرباً تحكُمه الوحوش التي ساقت البشرية إلى أبشع حرب كونية ذهب ضحيتها الملايين من البشر في جميع أنحاء العالم. فما أشبه ما نعيشه اليوم بتلك السنوات العصيبة التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الثانية، ولا يعني هذا أننا ذاهبون حتماً إلى حربٍ عالمية ثالثة، لكن فترة المخاض الحالية تشبه، إلى حد كبير، تلك المرحلة التي قال فيها غرامشي مقولته الشهيرة التي صارت مضرباً للأمثال في الفترات الانتقالية الصعبة.

وما يعيشه العالم اليوم مرحلة انتقالية صعبة تُعلن انتهاء فترة أحادية القطب أو على الأقل فشلها بما أنها لم تؤدِّ إلا إلى حروبٍ متتالية من أفغانستان إلى العراق، مروراً بما سمّيت "الحرب العالمية على الإرهاب"، فمن أجل إدامة نفسها إمبراطورية قوية، ووقف تآكل العولمة أحادية القطب، لم تتردّد أميركا في زرع الفوضى في جميع أنحاء العالم من خلال حروب بلا نهاية شنتها على عدة دول تجمع بين العمل العسكري ومجموعة أدوات زعزعة الاستقرار الأخرى التي تتقن استعمالها، من عقوبات اقتصادية وحصار اقتصادي وحرمان من التكنولوجيا المتطورة وحروب تجسّس وحروب سيبرانية، وصولاً إلى الحرب المشتعلة في أوكرانيا التي يُنظر إليها على أنها تمثل النهاية الرسمية لفترة شبه السلام المضطرب الذي أعقب نهاية الحرب الباردة.

خطورة هذه الحرب تكمن في أنها أول حرب بين قوى عظمى متنافسة، بالرغم من أنها تُدار من الجانب الغربي الأميركي بالوكالة، وبعد مرور أكثر من سبعة أشهر على اندلاعها، فلا نهاية لها تلوح في الأفق. على الجبهة العسكرية، ما زال الصراع متعثراً، ومن الجانبين الروسي والأوكراني لم يتحقق أي شيء كان مخططاً له في البداية، فلا روسيا حققت انتصارها الخاطف على القوات الأوكرانية، ولا العقوبات الغربية نجحت في انهيار الاقتصاد الروسي كما كان يتوقع الخبراء الغربيون، ولا الصراع امتدّ إلى خارج الحدود الأوكرانية، ولا الرئيس الروسي، بوتين، استخدم أسلحته النووية التي طالما لوّح باستعمالها. في مقابل ذلك، تستمر حرب استنزاف مدمّرة على حساب خسائر فادحة تطاول دولاً وشعوباً بعيدة عن الرهانات الاستراتيجية لهذه الحرب، ما يزيد من حالة عدم اليقين الذي يواجه الجميع في العالم، بما أن التأثير الاقتصادي المدمر لهذه الحرب وتكاليفها المادية في تصاعد كل يوم.

وفي انتظار أن تنتهي هذه الحرب ذات يوم، لأنه عاجلاً أو آجلاً، ومهما طال أمدها، سيأتي اليوم الذي سيتوقف فيه القتال، يبدو العالم كله في حيرةٍ من أمره بشأن عواقبها، لا أحد يعرف كيف أو متى ستنتهي أو ماذا سيكون القرار النهائي للخائضين غمارها. عندما ننظر إلى شروط كييف ومعها الغرب، لن تنتهي الحرب حتى تستعيد أوكرانيا جميع أراضيها المحتلة، وطرد آخر جندي روسي منها، وبالنسبة إلى موسكو، هي لم تحدّد جدولاً زمنياً لما تسمّيه "عمليتها العسكرية" في أوكرانيا، والنتيجة ستكون صراعاً طويل الأمد كجزء من استراتيجية الولايات المتحدة لتقويض روسيا التي تنافس زعامتها على العالم.

الأكيد أن العالم لن يعود إلى الثنائية الوهمية "الديمقراطية مقابل السلطوية" التي أسّست عليها أميركا سياستها الخارجية طوال فترة ما بعد الحرب الباردة

لقد انتهى زمن الحروب التكتيكية بلا نهاية التي شنتها أميركا خلال فترة تسيّدها على العالم قطباً أحادياً حكمت فيه العالم بأهوائها منذ نهاية الحرب الباردة لإدامة الفوضى، ودخلنا إلى زمن الحروب الاستراتيجية الكبرى التي سيكون البقاء فيها للأقوى، والبعد الاستراتيجي الكبير للحرب الجارية في أوكرانيا، لكونها بمثابة الإعلان الرسمي لنهاية فترة ما بعد الحرب الباردة، لأنها أنهت زمن احتكار العمل العسكري الخارجي على الولايات المتحدة، عندما ظهرت قوة عظمى تحمل السلاح خارج حدودها، وتفعل ذلك كتحدٍّ مباشر ومعلن للسياسة الأميركية في العالم. ولسوء حظ أوكرانيا أنها الدولة التي اجتمعت فيها كل الشروط لحدوث هذه المواجهة المدمّرة. فهي جارة روسيا الخصم التاريخي والإيديولوجي لأميركا، وهي المعبر نحو أوراسيا الكبرى، وهي ليست عضواً في حلف الناتو حتى تسبّب حرباً مباشرة بين الغرب وروسيا. وما يتمناه أكثر المتفائلين ألّا يتصاعد الصراع إلى خارج حدود أوكرانيا، ويتحوّل إلى حرب عالمية مدمّرة، في ظل وجود عدد غير قليل من المتهوّرين الذين قد يدفعون العالم نحو حرب نووية تقضي على الوجود البشري فوق الأرض.

كيفما كانت نهاية هذه الحرب ونتيجتها، يتفق مراقبون عديدون على أن تأثيرها سيكون دراماتيكياً وعميقاً بتوازن القوى العالمي. إنها بمثابة لحظة فاصلة، وعلامة كبيرة على مفترق طرق كبير مفتوحة على كل الاحتمالات. وإذا ما صدقنا المقولة التي تُنسب إلى كارل ماركس، أن "التاريخ يعيد نفسه مرّتين، الأولى كمأساة والثانية كمهزلة"، فإن نهاية هذه الحرب بإعلان انتصار أوكرانيا ومن ورائها الغرب لن تؤدّي حتماً إلى تأكيد "أحادية القطبية" وتثبيت هيمنة "النظام الليبرالي"، وتأكيد نظرية "نهاية التاريخ" التي سبق أن تنبأ بها فرانسيس فوكوياما قبل عشرين سنة، قبل أن يتخلى عنها هو نفسه، بل ستؤدّي إلى فوضى عارمة ستكون روسيا بؤرتها، لكنها ستعمّ العالم وتأتي على الأخضر واليابس في كل مكان. وفي حال خروج روسيا منتصرة من هذه الحرب، سيعطي هذا الانتصار حياة جديدة للأنظمة الاستبدادية والأوتوقراطية في العالم، وسيشجّعها على تقوية شوكتها وزيادة بطشها بشعوبها. والأكيد أن العالم لن يعود إلى الثنائية الوهمية "الديمقراطية مقابل السلطوية" التي أسّست عليها أميركا سياستها الخارجية طوال فترة ما بعد الحرب الباردة، بما أنها أثبتت زيفها وفشلها. وفي المقابل، لن يكون المستقبل الناشئ "نظاماً ليبرالياً" متمركزاً حول الولايات المتحدة ولا "نظاماً استبدادياً" متمركزاً حول الصين وروسيا، بل فوضى عالمية تدخل العالم إلى البرزخ ما بين العتمة والضوء الذي تظهر فيه "وحوش غرامشي".

كيفما كانت نهاية الحرب في أوكرانيا، يتفق عديدون على أن تأثيرها سيكون دراماتيكياً وعميقاً بتوازن القوى العالمي

في مقال لأستاذ الجغرافيا السياسية، الكاتب الأميركي، روبرت كابلان، نشره في مجلة فورين أفيرز، يذكّر بأن الحروب تمثل لحظات مفصلية في تاريخ الدول والإمبراطوريات التي انهارت بسبب حروبٍ خاضتها وتبع انهيارها الفوضى واندلاع حروب أخرى. ويسترجع الكاتب أحداثاً تاريخية فاصلة لقراءة المشهد اليوم، في ضوء الحرب الأوكرانية وما تمثله تبعاتها على مستقبل دول عظمى، مثل روسيا وأميركا والصين، التي يقول الكاتب إنها "قد تكون أكثر هشاشة مما تبدو عليه"، فهي تواجه اليوم مستقبلاً يكتنفه الغموض لا يُستبعد فيه انهيارها أو تعرضها لنوع من التفكّك مع ما قد يترتب عن ذلك من فوضى قد تعمّ العالم وحروب تندلع في كل مكان.

ولتجنّب الوصول إلى مرحلة الفوضى هذه، تبقى القوة الوحيدة القادرة على إنهاء هذه الحرب بأقل الخسائر المسجلة، وتجنيب العالم الذهاب نحو الكارثة، الرأي العام الغربي الذي وفر منذ اندلاعها قوة دعم دافعة لحكومات بلدانه للانخراط في دعمها، فإلى متى يمكن القادة الغربيين إقناع مواطنيهم بتمويل مجهود بلدانهم الحربي في أوكرانيا، عندما ترتفع فواتير الغاز والكهرباء هذا الشتاء؟ وفي ظل وجود اقتصادات غربية أضعفها التضخّم ومهدّدة بالركود، ما هو الثمن الذي يستعد الأوروبيون لـتقديمه "ثمناً لحريتهم وقيمهم"، كما يقول إعلامهم؟ الجواب عن هذه الأسئلة هو الذي سيأتي بقليل من الضوء لينير نهاية النفق

الثلاثاء، 30 أغسطس 2022

بمناسبة مؤتمر بازل .. الصهيونية تسير نحو نهايتها

 بمناسبة مؤتمر بازل .. الصهيونية تسير نحو نهايتها



علي أنوزلا

مشاركون في مؤتمر بازل للصهيونية العالمية (29/8/2022/فرانر برس)


التأم في بازل بسويسرا، قبل يومين، أكبر تجمع للصهيونية العالمية في المدينة التي شهدت ميلاد هذه الإيديولوجية العنصرية قبل 125 عامًا، عندما عُقد فيها أول مؤتمر للصهيونية يوم 28 أغسطس/ آب عام 1897، ووضع الأساس لقيام الدولة العبرية عام 1948 على أرض فلسطين التاريخية. كان ذلك المؤتمر جوابًا عن المعاناة التاريخية للشعب اليهودي لمواجهة حالة الخوف والضعف التي كان يشعر بها اليهود لأسبابٍ تاريخية ودينية واجتماعية واقتصادية، خصوصًا في المجتمعات التي تضطهدهم، لا سيما في الدول الغربية. ومن أشغال ذلك المؤتمر انبثقت الإيديولوجية الصهيونية التي تقوم على فكرة قومية عنصرية مفادها بأن اليهود مضطهدون في جميع أنحاء العالم، وحماية وجودهم لا يمكن أن تتحقق إلا بوجود كيان يؤويهم، ولحمل اليهود على الإيمان بهذه الفكرة روّجت الصهيونية فكرة معاداة السامية لحمل اليهود على رفض الاندماج في المجتمعات التي كانت تضطهدهم لأسباب تاريخية أو دينية، ودفعهم، طوعًا أو كرهًا، إلى الهجرة إلى أرض فلسطين لإقامة دولة الخلاص اليهودية التي تكون فيها الأغلبية لليهود.
كانت منطلقات هذه الإيديولوجية تبدو أخلاقية، خصوصًا بالنسبة للشعب اليهودي في الشتات الذي عانى تاريخيًا من الاضطهاد، ولم ينعم قط بالوحدة والاستقرار، تقوم على فكرة تبدو توراتية طهرانية، تقول إن مواجهة ضعف اليهود ووقف نزيف معاناتهم التاريخية لن يتحققا إلا بتجسيد حلم قيام دولة يهودية ديمقراطية. وطوال سنوات القرن وربع القرن الماضية، نجح الفكر الصهيوني الذي استغلّ تاريخ الاضطهاد اليهودي وحالة الشتات والضعف التي كان يعاني منها شعبهم في كسب دعم الغرب المسيحي وتعاطفه لإقامة الدولة اليهودية الموعودة، لكنه فشل في تحقيق حالة الأمن والاستقرار لليهود داخل الدولة اليهودية الديمقراطية الموعودة، فالصهيونية التي حملت فكرة خلاص الشعب اليهودي المضطهد تحوّلت اليوم إلى أكبر عدو لليهود أنفسهم، وبات وجودها أكبر عائق للسلام في المنطقة. وإذا كان هذا الوجود اليوم ضارًّا بالفلسطينيين، فإنه سيصبح في المستقبل ضارًّا باليهود أنفسهم، وسيحمّلهم تاريخيًا مسؤولية مأساة اضطهاد الشعب الفلسطيني الذي مهما طال ظلمه سيجد ذات يوم طريق خلاصه هو الآخر.

لا يمكن أن يعيش الفكر الصهيوني بدون المبالغة في دور الضحية فجعل من معاداة السامية حصان طروادة لترويج أطروحاته العنصرية

سقطت الأطروحة الصهيونية، أخلاقيًا، منذ حرب عام 1967، فبالرغم من أن إسرائيل انتصرت في تلك الحرب، وقدّمت نفسها ضحية الأنظمة العربية التي كانت تسعى إلى رميها في البحر، إلا أن احتلالها الضفة الغربية وقطاع غزة وممارساتها الإجرامية ضد الشعب الفلسطيني وقوانينها العنصرية أكثر من نصف قرن فتحت أعين أحرار كثيرين في العالم، بما في ذلك اليهود أنفسهم، على حقيقة الفكر الصهيوني العنصري والاضطهادي.
ولأن هذا الفكر الذي يقوم على الابتزاز لا يمكنه أن يعيش بدون المبالغة في الركون إلى دور الضحية، جعل من معاداة السامية حصان طروادة لترويج أطروحاته العنصرية والشوفينية وترسيخ فكرة "التفوق اليهودي" بإعلان إسرائيل دولة قومية لليهود فقط، وهي الدولة الوحيدة التي تجعل من ديانتها قوميتها. وهكذا نجحت إسرائيل بالابتزاز والضغط في جعل حكومات غربية عديدة تجرّم معاداة السامية التي أصبحت تفسّر في بعض الدول بانتقاد إسرائيل ومعارضة سياساتها القمعية ضد الفلسطينيين، وباتت الحملة ضد "معاداة السامية" تقيد الحرية في الدول الغربية بل وتهدّدها، ومبرّرًا لقمع الفلسطينيين وتشويه منتقدي إسرائيل في الغرب، بل وأصبحت بعض الأنظمة القمعية، خصوصًاً في منطقتنا العربية، تستعمل التبرير نفسه أمام الغرب لقمع معارضيها والتغطية على انتهاكها حقوق مواطنيها وحرياتهم. ولأن مفهوم معاداة السامية في العالم العربي لا يحمل الحمولة نفسها التي يكتسيها في الغرب، بتنا نسمع عن مفهوم جديد، هو خطاب الكراهية، والمقصود به غالبًا انتقاد إسرائيل وسياساتها العنصرية.

تقود إسرائيل حربا ضد التنظيمات الحقوقية الفلسطينية والدولية المناهضة لسياساتها العنصرية

لا علاقة لمواجهة الصهيونية وانتقادها بمعاداة السامية، السلاح المسموم الذي توجهه إسرائيل واللوبيات الصهيونية في العالم لكل منتقدي السياسات العنصرية ونظام الأبارتهايد الذي تطبقه الدولة اليهودية على أرض فلسطين التاريخية، وهو ما كشفت عنه تقارير حديثة لمنظمتي هيومان رايتس ووتش والعفو الدولية، اتهمت إسرائيل بالاضطهاد وارتكاب جرائم الفصل العنصري، وذهبت منظمة "بتسيلم"، وهي منظمة حقوقية إسرائيلية غير حكومية، إلى وصف إسرائيل بأنها "دولة فصل عنصري" تدير نظام "تفوّق يهودي". وكان الرد الإسرائيلي واللوبيات الداعمة لها اتهام هذه المنظمات الحقوقية بتغذية مشاعر معاداة السامية في جميع أنحاء العالم، وهو ما يفسّر الحرب التي تقودها إسرائيل ضد التنظيمات الحقوقية الفلسطينية والدولية المناهضة لسياساتها العنصرية، والتي لا تختلف، في مستوى تدنّيها الأخلاقي، عن ردود أفعال الأنظمة القمعية التي تشوّه سمعة جماعات حقوق الإنسان التي تنتقد سياساتها.
نشرت صحيفة واشنطن بوست، في الشهر الماضي (يوليو/ تموز)، مقالًا لرئيس المؤتمر اليهودي العالمي، رونالد لودر، يحذّر فيه من أن إسرائيل تواجه تهديدًا وجوديًا، ليس بسبب السلاح النووي الإيراني، وإنما من النمو الديمغرافي المتزايد للفلسطينيين الذين باتوا يتفوقون عدديًا على الإسرائيليين، وهذا الفارق سيزداد مستقبلًا لصالح الفلسطينيين، ما سيضع الدولة العبرية أمام تحدٍّ كبير في مواجهة مطالب الفلسطينيين بالحصول على حقوقهم. وبرأي الكاتب، تتبنّى عقلية المواجهة لدى الجيل الناشئ من الفلسطينيين فكرة الدولة الواحدة، التي يصفها الكاتب بـ "كارثة الدولة الواحدة"، والتي ستُنهي، في حال تطبيقها، وجود الدولة اليهودية. وينهي رئيس المؤتمر اليهودي العالمي مقاله بالتحذير من أن أكبر تهديد للمشروع الصهيوني هو التهديد الديمغرافي الذي يقرّب إسرائيل كل يوم من الهاوية، لأنه سيقضى على حلم قيام "الدولة اليهودية الديمقراطية" التي بشّر بها الآباء المؤسّسون للفكر الصهيوني في مدينة بازل السويسرية قبل قرن وربع قرن من الزمان.


الأربعاء، 22 يونيو 2022

تونس ودستور قيس سعيّد

 تونس ودستور قيس سعيّد

علي أنوزلا

تعتبر لحظة وضع الدساتير في الدول تأسيسية بامتياز، لأنها اللحظة التي توضع فيها أسس الدولة وركائز مؤسساتها العتيدة التي تنظم عمل السلطات الثلاث الأساسية داخلها. وفي الحالات الطبيعية، يتم التهيئة لهذه اللحظة بتوافق سياسي وحالة من الانفراج الاجتماعي لإشراك أكبر قدر من الناس في صياغة الوثيقة التي تعتبر عقدا اجتماعيا تلتف حوله غالبية الشعب. لكن من يتابع ما يجري اليوم في تونس، يتهيأ له أن البلاد على أهبة الدخول في حرب أهلية، وليست بصدد وضع دستور جديد، فالحالة التونسية اليوم هي نتاج مزاج فردي فرضه الرئيس قيس سعيّد منذ انقلابه على السلطة قبل عام، لأنه أراد أن يغير كل شيء في البلاد بشكل فردي، وبطريقة فيها كثير من العجرفة الزائفة والتسلط المقيت، نحو مصير مجهول وغامض.

حتى أيام معدودات من يوم الاقتراع على مشروع الدستور المقترح، ما زال التونسيون لم يطلعوا على نسخته التي سيُستفتون حولها، وكل ما تسرّب من مضامين هذه الوثيقة "السرّية"، يطرح تساؤلاتٍ بشأن مستقبل الدولة اليي يريد سعيّد أن يفرضها على مواطنيه. دولة بلا أحزاب سياسية، وبسلطات مطلقة بين يدي رئيس مزاجي غامض، وفي صراع يومي مع أكثر من جهة داخل مؤسسات البلاد، فالوثيقة التي يريد سعيّد عرضها على التونسيين للتصويت عليها تضع منصب رئيس الدولة أعلى من كل الهياكل الدستورية والحزبية، بحيث يكون الرئيس هو من يختار رئيس الحكومة ويعينه، بغضّ النظر عن نتائج الانتخابات التشريعية ومن سيفوز فيها من الأحزاب التي ستتحوّل إلى مجرّد ديكورات داخل البرلمان، للمصادقة على برنامج رئيس الحكومة الذي يضع الرئيس برنامج حكومته، بحيث تصبح الحكومة المكلفة بالمهام التدبيرية والبرلمان المكلف بالمصادقة والتزكية مجرّد أداتين، تنفيذية وتشريعية، في خدمة الرئيس الذي سيكون، في الوقت نفسه، رئيس السلطة القضائية، يعين القضاة ويعزلهم. ولا ضرورة لوجود مؤسسات دستورية موازية يعتبرها سعيّد مجرد أدوات تعطيل لمشاريعه التي لم تر النور!

الهدف، في حالة مشروع دستور سعيد، من إثارة الجدل حوله إحداث مزيد من التقسيم داخل الصف التونسي

صحيحٌ أن المزاج العام في تونس كان، حتى قبيل انقلاب سعيّد في 25 يوليو/ تموز 2021، ضد شكل النظام السياسي السابق الذي وضعه دستور ثورة 2011، الذي شتّت السلطات الثلاث ما بين الرئيس والبرلمان ورئيس الحكومة، وجعلها جزرا متنافرة، ولعب البرلمان السابق، بعد أن احتله الشعبويون، دورا مسرّعا في حمل التونسيين على فقدان ثقتهم في المؤسسات السياسية لبلادهم، خصوصا بعد أن تحول إلى مسرح للعراك بالأيدي والتنابز بالألقاب بين برلمانيين نساء ورجال، ربما كانوا مدفوعين إلى لعب تلك الأدوار التهريجية داخل المؤسسة التشريعية، لدفع الناس إلى نبذ أنشطتها ومتابعة نقاشاتها البيزنطية. وحتى بدون وجود مبرّرات حقيقية، فإن النظام الذي وضعه دستور عام 2014، المنبثق عن توافق سياسي كبير بين كل أطراف الطيف السياسي التونسي، استنفد مهمته، وأثبت فشله وأدخل البلاد في صراع سياسي على الصلاحيات، أدّى إلى إضعاف الدولة وتعطيل التنمية، وبالتالي كان لزاما تغييره، لكن الطريقة التي اتبعها سعيّد لإحداث تغييره القسري زادت من توتير الوضع، بدلا من إصلاحه. وقد أثبتت سنة من القرارات الفردية التي أقدم عليها الرئيس عن رغبةٍ جامحةٍ لديه للاستفراد بجميع السلطات، وجمعها بين يديه، في سعيه إلى إعادة البلد إلى عهد الدكتاتورية السابقة التي لم يسبق لسعيّد أن انتقد أسلوبها في الحكم الذي كان أحد أسباب ثورة التونسيين ضدّها.

منذ انقلابه على نظام الحكم السابق، تصرّف سعيّد مثل رئيسٍ مطلق الصلاحيات، لا يتراجع عن قراراته، وقد استطاع، إلى حينه، أن يمضي في تنفيذ كل ما خطّط له غير آبه برأي الشارع أو باحتجاجات معارضيه وانتقاداتهم. وبالرغم من أنه أصبح شبه معزول، بعد أن تخلّى عنه كل مؤيديه والمنتصرين لانقلابه، إلا أنه ماضٍ في تعنته. وإذا كان قد نجح في شيء، فقد نجح في توحيد صفوف خصومه ومؤيديه ضده، وفي عودة حالة الاصطفاف إلى الشارع التونسي المنقسم بين من يرغبون في تحقيق تغيير حقيقي يرون آثاره على حياتهم المعيشية ومن يبدون تخوفهم من حالة اللايقين التي أدخل إليها رئيسٌ غامضٌ بلادهم إليها، وهو يقودُها بشكل قسري نحو مصير مجهول وغامض.

يبقى على ذكاء التونسيات والتونسيين أن يقرّروا مصيرهم بأيديهم

من المتوقع أن يثير مشروع الدستور الجديد، بعد عرضه على الجمهور، جدلا واسعا في الأوساط السياسية، وهذا صحّي، لو يتعلق الأمر بمشروع دستورٍ جرى إعداده في ظروف طبيعية، لكن الهدف، في حالة مشروع دستور سعيد، من إثارة الجدل حوله إحداث مزيد من التقسيم داخل الصف التونسي، حتى ليبدو أن الغرض من قرار حذف الإشارة إلى المرجعية الإسلامية للدولة التونسية التي نصّ عليها الدستور الحالي تركيز النقاش حول هذه النقطة بالذات دون غيرها من الأمور الأخرى التي تهم توزيع الصلاحيات بين السلطات الثلاث، وتنظم حياة التونسيين مستقبلا. الهدف من وراء هذا الحذف الاستفزازي، الموجّه، في اعتقادي، نحو كسب استعطاف الغرب، هو إثارة مزيد من الانقسام داخل الشارع التونسي، ما سيتيح لسعيّد تمرير خططه الغامضة، وفرض أمره الواقع بغطرسةٍ وعنجهيةٍ كما يفعل اليوم.

.. سيبقى على ذكاء التونسيات والتونسيين أن يقرّروا مصيرهم بأيديهم، فالكرة اليوم في ملعبهم لإنقاذ بلادهم من العودة إلى عهد الدكتاتوريات الرئاسية التي تسلّطت عليهم منذ استقلال بلادهم قبل أكثر من 60 سنة.


الأربعاء، 15 يونيو 2022

من يُنقذ إبراهيم سعدون؟

 من يُنقذ إبراهيم سعدون؟

علي أنوزلا

إبراهيم سعدون شاب مغربي في ربيعه الواحد والعشرين، قضت محكمة "جمهورية دونيتسك الانفصالية" في أوكرانيا، قبل أسبوع، بالحكم عليه بالإعدام رميا بالرصاص، مع اثنين من المقاتلين البريطانيين، بعد إدانتهم بتهمة القتال في صفوف القوات الأوكرانية. خلّف الحكم ردود فعل غاضبة في عواصم غربية كثيرة دانته، وعبّرت الأمم المتحدة عن قلقها، ووصفت الثلاثة بأنهم أسرى حرب، ويجب معاملتهم وفق معاهدات جنيف، واعتبرت محاكمتهم بتلك الطريقة الاستعراضية "جريمة حرب" في حد ذاتها. وفي وقتٍ تحرّكت فيه لندن، بكل ثقلها الدبلوماسي والإعلامي، للإفراج عن مواطنيها، وعبر كبار مسؤوليها وساستها عن غضبهم من الحكم على اثنين من رعاياها، اقتصر رد الفعل المغربي الرسمي الوحيد على بيان "إخباري" يتيم وباهت لسفارة المغرب في كييف، يخبر الرأي العام المغربي بحكم كيان سياسي غير معترف به دوليا بالإعدام على مواطن مغربي! ولكن على مستوى الرأي العام المغربي، ترتفع أصوات حقوقية ومدنية عديدة مطالبةً السلطات الرسمية بالتدخل بسرعة لإنقاذ حياة الشاب المغربي الذي يواجه حكما قاسيا بالإعدام بالرصاص خلال شهر، في حال تثبيت حكمه استئنافا، وهو أمرٌ مرجّح جدا بالنظر إلى شروط المحاكمة غير العادلة التي خضع لها سعدون ورفيقاه الإنكليزيان في محاكمتهما الابتدائية.

كان يجب أن يكون إبراهيم سعدون على مدرّجات إحدى الجامعات أو المعاهد العليا المغربية يتابع تحصيله العلمي الذي حَمَله على الهجرة مبكرا إلى أوكرانيا عام 2019، لإكمال دراسته الجامعية على غرار شابات وشبان مغاربة كثيرين تُغلق أمامهم أبواب الجامعات والمدراس والمعاهد العليا المغربية، لأسبابٍ تتعلق بالعلامات التي تشترطها تلك المؤسسات لدخولها، أو بالمصاريف الباهظة التي يتطلبها التسجيل في صفوفها، أو فقط بسبب بيروقراطية وفساد إداري ينخر الجامعات المغربية، فيضطرّ أولياؤهم إلى التضحية بكل ما لديهم من أجل ابتعاثهم إلى الخارج، لإكمال دراستهم وإنقاذهم من الضياع الذي ينتظرهم في حالة بقائهم في بلدهم. وغالبا ما يكون هؤلاء الطلاب متميزين، لكن الاحتكام إلى شرط العلامات غير العادل والفساد الإداري والمحسوبية وانعدام الشفافية داخل المؤسسات التعليمية العليا الرسمية المغربية يضطرّهم إلى الهجرة مبكرا خارج بلاهم بحثا عن آفاق رحبة لاستكمال دراستهم وتكوينهم الجامعي، وقد بلغ عدد هؤلاء في أوكرانيا فقط نحو 12 ألف طالبة وطالبا كانوا يتابعون دراستهم فيها حتى قبيل اندلاع الحرب الجارية فيها حاليا، ومثلهم كثيرون موزّعون على عديد من بلدان الأرض من الصين إلى كوبا، يسعون من أجل العلم والتحصيل، زادهم الوحيد إرادتهم الفولاذية وصبر أوليائهم وتضحياتهم الكبيرة من أجل مستقبل فلذات أكبادهم.

في القانون المغربي، ما زال إبراهيم سعدون يحمل جنسية بلده الأصلي، وهو ما يخوّل له الحق في أن تضمن له السلطات المغربية سلامته

وإبراهيم سعدون، كما يصفه والده، نابغة صغير، ذهب إلى أوكرانيا بعدما أُغلقت أمامه أبواب الجامعات والمعاهد العليا المغربية. كان يحلم بأن يكون طيارا أو رائد فضاء. ونظرا إلى تفوقه وموهبته في إتقان اللغات التي يتحدّث بست منها، لغته الأمازيغية الأم والعربية والفرنسية والإنكليزية والروسية، بالإضافة إلى الأوكرانية التي أتقنها في ظرف عام. اختاره معهد الفضاء في أوكرانيا للدراسة على نفقة الدولة الأوكرانية. وسنة بعد وصوله إلى كييف سيجري اختياره من بين زملائه لتوقيع عقد مع الجيش الأوكراني مترجما له، وهو ما أهّله للحصول على الجنسية الأوكرانية.

ولا يحتاج المرء أن يكون أريبا صاحب فِراسةٍ ليفطن إلى نباهة إبراهيم سعدون وذكائه، يفصح عنهما هدوؤه وثقته الكبيرة في نفسه، وهو يواجه مبتسما الحكم عليه بالإعدام رميا بالرصاص، وأجوبته المختصرة والذكية على سجّانيه، ولغة نظراته الحادّة لا ترتعش تنفذُ مباشرة إلى أعماق من يحدق فيها، تنمّ عن ثقة في النفس وقوة وجرأة كبيرتيْن. ووجهه الطفولي يشعّ براءة، يسفر أحيانا عن ابتسامةٍ خفيفة لإخفاء خوفه يرافقها عضٌّ خفيف لشفته السفلى للحفاظ على تماسكه وقوته، وإخفاء توتره وهو يجلس داخل قفص الاتهام وأمام عيون الكاميرات التي تنقل مأساته إلى العالم. إن شخصا، بكل هذه الثقة الكبيرة في النفس والإيمان بقدره والتفاؤل الذي عبّر عنه وهو يوجّه رسالته إلى أمه في المغرب، يطمئنها على أن كل شيء سينتهي قريبا وبسلام، لا يمكن أن يكون "مرتزقا" و"قاتلا" كما تحاول الدعاية الروسية والإعلام الموالي لها تقديمه للعالم.

بحكم القانون الدولي، ليس إبراهيم سعدون مرتزقاً، لأنه التحق بالجيش الأوكراني مترجماً، وليس مقاتلاً

ومع ذلك، ما زال إبراهيم سعدون الفتى الغِرٌّ ذا غفلة وقلة فطنة لا يدرك حجم الورطة التي وضع نفسه فيها، ولا نعرف الأسباب الحقيقية التي رمت به في أتون تلك الحرب المجنونة، لذلك لا يجب أن يُترك لقمة سائغة تتلاقمه ذئابُ البشر. لا يتعلق الأمر هنا بمباركة ما أقدم عليه، وأبعد من ذلك، ليس تشجيعا للشباب أمثاله ليلقوا بأيديهم إلى التهلكة في حربٍ لا ناقة ولا جمل لهم أو لبلدهم فيها. ولكن من واجب سلطات بلاده، ومن حقّه عليهم أن ينقذوا حياته من مصير محتوم سيتقرّر بعد شهر، هي مهلة الطعن في الحكم عليه بالإعدام قبل استئناف محاكمته.

بحكم القانون الدولي، ليس إبراهيم سعدون مرتزقا، لأنه التحق بالجيش الأوكراني مترجما، وليس مقاتلا، وهو يحمل جنسية الجيش الذي اعتقله وهو يرتدي زيه النظامي. وبالتالي، هو أسير حرب أوكراني لدى روسيا والعناصر الموالية لها. وفي القانون المغربي، ما زال إبراهيم سعدون يحمل جنسية بلده الأصلي، وهو ما يخوّل له الحق في أن تضمن له السلطات المغربية سلامته. وينص الدستور المغربي صراحة على عدم جواز "المسّ بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف، ومن قبل أي جهة كانت، خاصة أو عامة". ومعنويا، تتحمّل السلطات المغربية مسؤولية الوضع الذي يوجد فيه هذا الشاب اليوم، فلو أن بلاده وفرت له ظروف التحصيل والتكوين على مقاعد جامعاتها ومعاهدها ما كان ليجد اليوم نفسه جالسا داخل قفص الاتهام في حرب لا يدرك أبعادها الاستراتيجية ورهاناتها الخفية. وأخلاقيا، من حق إبراهيم سعدون علينا أن نطالب بتوفير شروط المحاكمة العادلة له مع الأخذ بعين الاعتبار كل الظروف التي أجبرته على رمي نفسه في أتون حربٍ وجد نفسه، هو وأمثاله من ضحاياها، مجرّد حطب فيها.


الأربعاء، 8 يونيو 2022

تسونامي التطبيع الرسمي في المغرب

 تسونامي التطبيع الرسمي في المغرب

علي أنوزلا

وزير الخارجية الإسرائيلي لبيد يرحب بنظيره المغربي بوريطة في النقب (27/3/2022/فرانس برس)

لا يكاد يمرّ أسبوع من دون إعلان اتفاق جديد بين المغرب وإسرائيل، أو لقاء بين مسؤولين من البلدين، أو تبادل زيارات من جميع المستويات، وذلك منذ إعلان توقيع اتفاق التطبيع رسمياً بين المغرب والكيان الصهيوني نهاية عام 2020، وخروج العلاقات السرّية بينهما إلى العلن. هذه السرعة الفائقة نحو التطبيع، والتهافت على الإمعان فيه، فاجآ كثيرين، حتى الذين كانوا يعلمون بعلاقات سرية بين حكام الدولتين على مستويات مختلفة منذ قيام دولة إسرائيل. لكن ما يحدث اليوم فاق كل التوقعات، فقد تحوّل الأمر إلى تسونامي خطير، لا يجب الاستهانة بانعكاساته السلبية على الدولة والمجتمع المغربيين، لأن الدولة التي قامت على احتلال أرض شعب واغتصاب حقوقه، لا يمكن الثقة بالتزاماتها واتفاقاتها، فجوهر الفكر الصهيوني الاستعماري القائم على التمييز والكراهية والتآمر، يعتبر كل "الآخر" غير اليهودي عدواً، وخصوصاً إذا كان هذا "الآخر" عربياً أو مسلماً، لأن هذا هو جوهر مبرر وجود هذا الفكر، منذ نظّر له حكماء صهيون.

ومنذ توقيع اتفاق التطبيع قبل سنة ونصف سنة، تسير العلاقات بين الرباط وتل أبيب في منحى تصاعدي، توج بزيارات متبادلة لم تتوقف، وبتوقيع اتفاقيات تعاون ثنائية عديدة في مختلف المجالات بشكل متسارع. وخلال الأسبوعين الماضيين فقط، شهد نشاط التطبيع في المغرب تسارعاً كبيراً، بدأ بإعلان افتتاح أول استوديوهات لقناة صهيونية في المغرب، في سياق التطبيع الإعلامي الذي انطلق، حتى قبل خروج العلاقات السرّية إلى العلن. كذلك وُقِّع قبل أيام اتفاق جديد بين المغرب وإسرائيل في مجال مراقبة وحماية البيانات والمعطيات ذات الطابع الشخصي، مع ما يحمله هذا الاتفاق من مخاطر، لأنه يشمل مجالاً حسّاساً يدخل ضمن الأمن القومي للدول وشعوبها. 

وأحدث اتفاق مغربي إسرائيلي هو ذلك الذي وُقِّع بين الجامعات ومراكز الأبحاث في البلدين، لربط التواصل بين الطلاب والباحثين. وطبعاً، لن يفيد القول إن كل هذه الاتفاقات تعرّضت للانتقاد والاحتجاج، وأثارت استنكار المناهضين للتطبيع، وهم كثر، لكن الحكومة، في كل مرّة، تعبّر عن احتقارها الرأي العام المغربي، وتمعن في امتهانها كرامة الأغلبية الصامتة من الشعب المغربي وكبريائها، عندما تعبّر على لسان الناطق بها، أو على لسان بعض وزرائها، عن افتخارهم بما يعتبرونه إنجازات مبهرة، في مجال التقارب المغربي الإسرائيلي، للتغطية على عجز حكومتهم، بل وفشلها في تحقيق ظروف عيش كريمة للمواطن المغربي الذي يئنّ تحت وطأة ارتفاع الأسعار وقهر السلطة التي تمنعه حتى من حق الخروج للتظاهر للتنفيس عن غضبه!

كلما تسارعت خطوات التطبيع، تتباطأ وتتعثر خطوات دمقرطة الدولة والمجتمع في المغرب

لقد تحوّل التطبيع في المغرب إلى رياضة رسمية مستفزّة، تتحدّى مشاعر الأغلبية الصامتة من أبناء الشعب المغربي وبناته المغلوبين على أمرهم، فالمعروف في المغرب أن قرار التطبيع فُرض بقرار فوقي من القصر، وحتى حزب العدالة والتنمية الذي وقّع أمينه العام السابق، سعد الدين العثماني، بصفته رئيساً للحكومة، اتفاقيته المشؤومة، أصبح اليوم من أكثر المعارضين له، خصوصاً بعد السقوط المدوّي للحزب في انتخابات سبتمبر/ أيلول 2021. ويعزو مراقبون، بدرجة أساسية، فقدان الحزب كثيراً من أصوات المتعاطفين معه إلى توقيع أمينه العام السابق هذه الاتفاقية، ودفاعه عنها وتبريره توقيعها، رغم أنه كشف، بعد خروجه من الحكومة وإزاحته من الأمانة العامة للحزب، عن معارضته التطبيع!

أما ما يرافق توقيع اتفاقات التطبيع مع إسرائيل من تبريراتٍ وتصريحاتٍ صادرة عن كبار المسؤولين المغاربة الرسميين، تؤكد حرصهم على صون حقوق الفلسطينيين وحفظها، وقدرة التقارب مع إسرائيل من تمكين المغرب من لعب دور إيجابي في إحلال السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فقد كشفت أحداثٌ عديدة عن صمت مغربي رسمي مريب، إزاء أعمال إجرامية عديدة ارتكبها الاحتلال الصهيوني ضد الفلسطينيين وحقوقهم فوق أرضهم، ودانها واحتجّ عليها حتى أقرب حلفائهم، وبات الصمت المغربي الرسمي المريب تجاه اغتيال الشهيدة شيرين أبو عاقلة، والتنكيل اليومي بالفلسطينيات والفلسطينيين العزّل الأبرياء، وتدنيس قطعان المستوطنين المتطرّفين المتكرّر للأماكن المقدسة، والاستيلاء بالقوة على بيوت المقدسيين، والهدم الانتقامي لبيوت أسر المقاومين على رؤوس سكّانها، والتوسّع الاستيطاني السرطاني الذي لم يتوقف، يثير أسئلة كثيرة عن علاقة هذا الصمت غير المبرّر بوتيرة تسريع التطبيع الرسمي بين المغرب وإسرائيل، ومن يدفع ثمن هذه العلاقة، ومن يستفيد منها حقاً!

تحوّل التطبيع في المغرب إلى رياضة رسمية مستفزّة، تتحدّى مشاعر الأغلبية الصامتة من أبناء الشعب

خطورة هذا التطبيع الرسمي، المرفوض شعبياً، والمدان سياسياً وأخلاقياً، تكمن أولاً في أنه يجري مع دولةٍ قامت على ظلم تاريخي للشعب الفلسطيني، واغتصاب مستمر لحقوقه في الوجود والعيش الكريم فوق أرضه التاريخية، وثانياً في أنه يجري مع كيان محتل ومغتصب دستوره، وقوانينه تنصّ صراحة على عنصرية دينية وقومية مقيتة، وتمنح مرجعيتها من إيديولوجيا شوفينية استعمارية استيطانية وتطهيرية. وثالثاً، من كونه أُبرم مع دولةٍ سجلها أسود في مجال احترام الحقوق والحريات، وسمعتها سيئة في التواطؤ مع أنظمةٍ سلطوية وتقديم الحماية لها ضد إرادة مواطنيها، ودعمها على قمع شعوبها، وهو ما يجعل ديمقراطيين مغاربة كثيرين يبدون تخوفهم من تسارع عمليات التطبيع، وتغلغلها في مسامّ الدولة وأجهزتها الحسّاسة، ما سيؤدي إلى تقوية الهاجس الأمني عند صانع القرار المغربي. وفي المقابل، يضعف ويقمع كل قوى المجتمع الحاملة قيم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، فكلما تسارعت خطوات التطبيع، تتباطأ وتتعثر خطوات دمقرطة الدولة والمجتمع في المغرب.

ومقابل ما يروج في الإعلام الرسمي وشبه الرسمي المغربي، في تقارير وريبورتاجات دعائية مدعومة رسمياً، أن التطبيع يلقى تجاوباً داخل المجتمع وبين شرائحه الشعبية، تمنع السلطات كل تظاهرة أو فعالية مناهضة له وتقمعها، وهو ما يجعله مفروضاً على الأغلبية الصامتة. ولو سمح للمغاربة بالتعبير بحرية عن رأيهم من التطبيع، لنزلوا بالملايين إلى الشوارع للتنديد به، ورفض كل مظاهره، ويكفي إلقاء نظرة سريعة على تفاعل رواد المواقع الاجتماعية في المغرب مع اتفاقات التطبيع التي تبرمها دولتهم مع الكيان الصهيوني لقياس مزاج الشارع المغربي، الرافض كل أشكال التطبيع. ومهما تعدّدت اتفاقاته وتنوّعت مجالاتها، سيبقى فعلاً مفروضاً رسمياً ومرفوضاً شعبياً.



الأربعاء، 1 يونيو 2022

عالم مضطرب على أبواب تحولات جديدة

عالم مضطرب على أبواب تحولات جديدة


علي أنوزلا





لا أعرف هل نحن محظوظون أم لا، بما أننا نعيش على أبواب مرحلة تحولات كبرى يشهدها العالم سيولد من رحمها عالم جديد، فبينما تتراجع أخبار الحرب في أوكرانيا إلى العناوين الثانوية في نشرات الأخبار الرئيسية على كبريات وسائل الإعلام العالمية، تتّجه الأنظار نحو ما يحدث من تحولات عميقة في مناطق أخرى من شأنها أن تعيد ترتيب النظام العالمي القديم الذي حكم العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

مؤشّرات هذا التحول العظيم يمكن أن نلخصها في ثلاثة أحداث كبرى، وكلها نتيجة للحدث الكبير في أوكرانيا، أي الحرب الروسية الأوكرانية التي تتحوّل المعارك تدريجياً فيها إلى حرب استنزاف طويلة الأمد لروسيا وللغرب على حد سواء، بما أن الغرب هو الذي يدعم المجهود الحربي الأوكراني بالمال والعتاد منذ عام 2014، وقد فاق الدعم الأميركي وحده 60 مليار دولار، قدمتها واشنطن لكييف خلال ثماني سنوات، من بينها 54 مليار دولار منذ بدء الحرب الحالية، أي خلال ثلاثة أشهر فقط!

المؤشّر الأول على هذا التحوّل اتفاق الأحزاب السياسية الأساسية في ألمانيا على تخصيص مائة مليار يورو لتحديث جيشها، حتى يصبح قوة دفاعية قادرة على حماية ألمانيا والدفاع عن أوروبا، كما قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، الذي وصف القرار بأنّه "الردّ الصحيح على نقطة التحوّل التي بدأت مع هجوم روسيا على أوكرانيا".

تمثل المؤشّر الثاني في تعهد رئيس الوزراء الياباني، فوميو كيشيدا، بزيادة كبيرة في ميزانية دفاع جيش بلاده التي لا تخفي قلقها من الإنفاق العسكري المتزايد للصين والتهديدات الصاروخية من كوريا الشمالية، وهو ما سيجعل الحكومة اليابانية تنفق 60 مليار يورو السنة المالية المقبلة فقط، على أن يرتفع هذا الإنفاق إلى مائة مليار يورو خلال سنتين.

جاء المؤشّر الثالث على لسان وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، في خطابه الذي عرض فيه سياسة واشنطن تجاه الصين الأسبوع الماضي في جامعة جورج واشنطن، واتهم الصين بأنها تشكّل تحدّياً للنظام الدولي القائم، بما أنّها القوة "الوحيدة التي لديها نية إعادة تشكيل النظام العالمي، كما لديها، وبشكل متزايد، القوة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية للقيام بذلك"، بحسب ما جاء في خطاب رئيس الدبلوماسية الأميركية، الذي حمل رؤية استراتيجية لمستقبل العلاقات بين أكبر قوتين اقتصاديتين عالميتين.

بدأ السباق المحموم نحو التسلح، خصوصاً في مجال إنتاج الأسلحة المتطوّرة والفتاكة، بما فيها النووية، ما من شأنه أن يثقل كاهل ميزانيات الدول

المشترك بين هذه المؤشّرات الثلاثة أنّها تريد أن تعود بنا 77 سنة إلى الوراء، غداة انتهاء الحرب العالمية الأولى، وبداية تشكل ملامح النظام العالمي الحالي الذي تأسّس على رؤية المنتصرين في آخر حرب كونية. وخطورة هذه التحولات لا تكمن فقط في رغبة القوى الصاعدة اقتصادياً وعسكرياً في إعادة ترتيب النظام العالمي الحالي الذي وصفه المتحدّث باسم وزارة الخارجية الصينية، وانغ وينبين، بأنه ليس سوى مجموعة من "قواعد المنزل" التي وضعتها الولايات المتحدة ودول أخرى قليلة للحفاظ على ما يسمّى "النظام" بقيادة الولايات المتحدة، وإنما في التداعيات التي سترافقها.

أول هذه التداعيات إذكاء السباق المحموم نحو التسلح، خصوصاً في مجال إنتاج الأسلحة المتطوّرة والفتاكة، بما فيها النووية، وهو ما من شأنه أن يثقل كاهل ميزانيات الدول، بما فيها تلك الغنية، مثل اليابان وألمانيا اللتين سترفعان سقف ميزانية دفاعهما إلى 2% من إجمالي ناتجهما المحلي، وهو رقم ضخم قياساً بحجم اقتصاد الدولتين، وهذا يعني زيادة مبيعاتهما من الأسلحة التي ستُقبل الدول غير المنتجة لها على اقتنائها، ما سيؤدّي إلى إنهاك ميزانية دولها، وينعكس سلباً على الأوضاع المعيشية والاجتماعية لشعوبها، وأكثر من ذلك سيزيد من حالة الاضطراب وعدم الاستقرار التي تعرفها اليوم أكثر من منطقة مشتعلة في العالم.

النتيجة السلبية الثانية لهذه التحولات سيكون لها انعكاس كبير على مستقبل الديمقراطية، خصوصاً في الدول التي لم تنجح في إرساء مؤسساتٍ ديمقراطيةٍ قويةٍ قادرةٍ على حماية ديمقراطيتها من الداخل، وهذا ما ألمح له بلينكن في خطابه عندما قال إن "رؤية بكين ستبعدنا عن القيم الكونية التي حافظت على قدر كبير من التقدّم العالمي على مدى الأعوام الـ75 الماضية"، بما أن التحالفات المقبلة بين الدول لن تحكمها قيم الديمقراطية والحرية، وإنما ستراعي المصالح السياسية والاقتصادية والجيوسياسية لهذه الدول على حساب كل ما هو قيمي.

المنطقة العربية أكثر المناطق في العالم التي لم تنته فيها الحروب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية

نحن على أبواب تحوّلات كبرى، وخلال العقد الحالي، سترتسم ملامح العالم الجديد الذي قد يضع نهايةً لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وعالم ما بعد نهاية الحرب الباردة. وقد يؤدّي إلى ميلاد نظام عالمي جديد، يخلف "الفوضى المنظمة" القائمة حالياً، حيث الغلبة للقوي، أما ادعاء أميركا أنها تريد إعادة ترتيب النظام الدولي لتجنب الفوضى القائمة، فهي مسؤولة عما يحصل اليوم، لأنها كانت وما زالت القوة المهيمنة في العالم، وفي عهدها انتشرت الفوضى التي تدّعي اليوم التصدّي لها.

وبالنسبة لشعوب الدول الأخرى، خصوصاً العربية، فهي كانت أكثر الشعوب المتضرّرة من تبعات النظام الدولي الحالي. ويكفي أنّ المنطقة العربية هي أكثر المناطق في العالم التي لم تنته فيها الحروب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ليس لأنّ شعوب المنطقة جُبلوا على الحرب، وإنّما بسبب تداعيات مخلفات الاستعمار الغربي لدول المنطقة، ومن بعدها استعماره الاقتصادي لجل دولها، وهو استعمار لا يعلن عن اسمه، لكن عنوانه واحد هو الغرب الذي لا يريد من يعارض طموحاته في الهيمنة والانفراد بزعامة العالم. من دون أن ننسى أن التحوّل الذي قد يطرأ على النظام العالمي الحالي قد يحمل، بالضرورة، تحوّلات في منطقتنا العربية، ولن تكون حتماً إيجابية، ما لم نسارع إلى مواكبة تحوّلات المرحلة الحالية للخروج من حالة السلبية الحالية، وحتى نكون قادرين على التأثير إيجابياً في صناعة مستقبلنا وتقرير مصيرنا وسط التحولات المقبلة.

الثلاثاء، 31 مايو 2022

في تفكيك العولمة

 في تفكيك العولمة

علي أنوزلا



أعادت الحرب الروسية على أوكرانيا، وقبلها أزمة جائحة كورونا، النظر إلى مقولة تفكيك العولمة كنظرية بدأت تأخذ حيزا في التفكير السياسي والاستراتيجي لمفكرين اقتصاديين واستراتيجيين كثيرين، فقد أبانت هذه الحرب مدى حاجة الدول إلى تحقيق اكتفائها الذاتي، واعتمادها على مواردها الخاصة داخل حدودها، لتحقيق استقلالها وضمان حفظ أمنها واستقرارها. وقبل ذلك، كانت أزمة جائحة كورونا أكبر اختبار عالمي لجميع الدول لتحقيق اكتفائها الذاتي، عندما أغلقت جميع الدول حدودها فجأة، وبدون سابق إنذار، مددا غير محدّدة. وبلغت حدة التنافس اللا أخلاقي بين كبريات الدول، بما فيها تلك الديمقراطية، إلى حد قرصنة الطائرات التي كانت تقلّ كماماتٍ واقية من الوباء للاستئثار بها دون غيرها.

ظهر مفهوم تفكيك العولمة للجواب على تراجع العولمة وعدم تمكّنها من تحقيق التنمية المستدامة للدول التي وجدت نفسها منجرفةً داخل هذا السيل العالمي الجارف، وذلك عكس ما كان يرسمه منظّرو العولمة من أحلام رومانسية ستحققها الظاهرة لشعوب الكون. ويُعتقد أن أول من بدأ استعمال مفهوم "تفكيك العولمة" هو عالم الاجتماع الفيليبيني، والدن بيلو، قبل أن يطوّره اقتصاديون ومفكّرون مؤثرون، ومنهم جاك سابير، صاحب كتاب "تفكيك العولمة" الصادر عام 2011. ويختلف هذا المفهوم عن مفهوم مناهضة العولمة الذي تبنّاه مناهضو هذا النظام منذ ظهوره نهاية القرن الماضي، ويتردّد صداه في كل الملتقيات الاجتماعية العالمية التي تشهد المكسيك حاليا نسختها الجديدة.

يختلف مفهوم تفكيك العولمة عن مفهوم مناهضة العولمة الذي تبنّاه مناهضو هذا النظام منذ ظهوره نهاية القرن الماضي

يطالب منظّرو هذا المفهوم بإعطاء الأولوية لإنتاج الأسواق المحلية على حساب الاستيراد. وعلى عكس النظام الذي يمنح الامتيازات للإنتاج المخصّص للتصدير. وبدأ هذا المفهوم بالتبلور في عالم الاقتصاد في خضم الأزمة المالية عام 2008 التي أدّت إلى تراجع حجم التجارة على نطاق العالم، وتسبّبت في انكماش الطلب على السلع، ما أثر على حركة عولمة السوق. وفي المقابل، بدأ ترويج مفهوم مناهضة العولمة في إطار المنتديات الاجتماعية المفتوحة منذ بداية الألفية الحالية، وكانت ترفعه حركات ذات توجهات يسارية راديكالية، وحركات يمينية متطرّفة، كلٌّ لأغراضٍ تخصّ أيديولوجيته التي يدافع عنها.

والعودة إلى إثارة هذا المفهوم اليوم مرتبطة بما يشهده العالم من تحوّلاتٍ استراتيجيةٍ كبرى ستتمخّض، لا محالة، عن الحرب الروسية على أوكرانيا، وما راكمته شعوب الدول من دروس استنتجتها من أزمة جائحة كورونا بكل مآسيها. ففي كلا الحالتين، سقطت أسطورة "العولمة السعيدة"، وبات على الدول، خصوصا النامية منها، واجب البحث عن مقدّرات ذاتية لضمان استمرار تنميتها الاقتصادية والاجتماعية.

مصطلح تفكيك العولمة (وفق منظّريه)، لا يعني العودة إلى الحمائية القديمة، بقدر ما يهدف إلى إعادة تنظيم العالم

كانت العولمة ظاهرة اقتصادية عالمية فرضتها عوامل تاريخية ساهمت في نشأتها وبلورتها، واعتُبرت نهاية الحرب الباردة نهاية ثمانينيات القرن الماضي، التي وصفها المؤرخ الأميركي، فوكوياما، بتعجّل كبير، "نهاية التاريخ" في كتابة الحامل العنوان نفسه، والصادر مطلع تسعينيات القرن الماضي، بمثابة تبلور هذا المفهوم تتويجا لانتصار الرأسمالية نظاما عالميا بات يفرض نفسه على أنماط الاقتصاد الأخرى. عندها، قليلون هم الذين كانوا يشكّون في أن العولمة يمكن أن تكون مجرّد "حالة تاريخية"، مثل حالاتٍ أخرى كثيرة سبقتها، يمكن تجاوزها عبر تطوير بدائل اقتصادية عالمية، ولن تكون النظام الوحيد والنهائي الذي سيحكُم العلاقات الاقتصادية الدولية كما كان، وما زال، يروّج ذلك منظّروها والمدافعون عنها.

اليوم، يعود مفهوم تفكيك العولمة، جوابا عن الأزمات التي تعرّض لها العالم مرورا بأزمة كورونا وحرب أوكرانيا التي يعتقد مفكّرون أنها أنهت العولمة التي عرفها العالم منذ ثلاثة عقود، وقد تكون آخر مظاهرها القاتلة، وهذه مفارقة غريبة، هي عولمة التضخّم الذي تعاني منه اقتصادياتٌ كثيرة في العالم اليوم. أما الآتي فسيكون أصعب، وربما أسوأ، ما يدفع كثيرين إلى التفكير بجدّية في الاعتماد على الذات أكثر، لتحصين أمن شعوبهم الغذائي والطاقي، ووحدة أراضي دولهم واستقلال أنظمتهم السياسية وصيانة سيادة دولهم.

تحوّلات استراتيجية كبرى ستتمخض، لا محالة، عن الحرب الروسية على أوكرانيا

وعودا على بدء، يجب القول إن مفهوم تفكيك العولمة، بحسب منظّريه الجدد، لا يعني القضاء نهائيا على مظاهر العولمة الحالية، لأن أنصاره ليسوا بالضرورة ضد زيادة الدول والأشخاص ثرواتهم، وإنما هم مع تقاسم هذه الثروات بشكل عادل، فالمفهوم لا يعني العودة إلى الحمائية القديمة، بقدر ما يهدف إلى إعادة تنظيم العالم، وتقسيمه إلى مناطق جغرافية متماسكة ومتكاملة ومستقلة.

طبعا، لا يجب إنكار ما للعولمة من إيجابيات كبيرة على دول وشعوب كثيرة كانت تعيش في عزلة قاتلة، وما زالت هذه الظاهرة تحمل بين طياتها إيجابياتٍ كثيرة كالحرية وحقوق الإنسان في مفهومها العام وحرية المبادرة ورقمنة الاقتصاد، والتدفق الحر للمعلومات، إن جرى استغلالها والاستفادة منها بالشكل الصحيح والجيد، فمفهوم التفكيك لا يعني بالضرورة القضاء على الشيء، وإنما إعادة تركيبه، لإعادة صياغته بما يناسب الدول والشعوب ويخدم مصالحها.

ما يدفع إلى الحديث بإلحاح عن مفهوم تفكيك العولمة هو الاتجاه نحو ظهور حربٍ باردةٍ جديدةٍ باتت ملامحها تلوح في أفق نهاية الحرب الروسية على أوكرانيا، وهو ما سيؤثر سلبا على العولمة، خصوصا في طابعها النيوليبرالي، لكن خيار الدول النامية المستقل هو الذي سيحسم فيما سيكون عليه المستقبل، لأن إعادة تقسيم العالم مرّة أخرى إلى معسكرين سيجعل هذه الدول هي الأكثر تضرّرا من انهيار نظام العولمة القديم. 

ومن هنا وجوب التفكير مسبقا بتفكيك هذه الظاهرة قبل سقوطها على رؤوسنا، لأن ذلك سيكون أسلم وأنفع.

الخميس، 5 مايو 2022

لهذه الأسباب ستفشل دكتاتورية قيس سعيّد

 لهذه الأسباب ستفشل دكتاتورية قيس سعيّد

علي أنوزلا

يستمرّ الرئيس التونسي، قيس سعيّد، في تنفيذ انقلابه، غير مكترثٍ بمعارضيه، وهو يسير، بخطى واثقة، نحو تأسيس حكم فردي غريب يشبهه في كل شيء، فبعد انقلابه على الدستور حلّ البرلمان، وحل المجلس الأعلى للقضاء، ومنح نفسه سلطة الحكم بمرسوم، وشلّ الحياة السياسية، وحاكم معارضيه أمام محاكم عسكرية. وأخيرا، أقدم على حل اللجنة المستقلة للإشراف على الانتخابات، وبدأ يعيد كتابة دستور البلاد بنفسه ليطرحه على الاستفتاء في يوليو/ تموز المقبل، وغالبا ستكون النتيجة في صالحه لأنه هو الذي سيقرّرها، وبنسبة لا تقل عن النسب المئوية القياسية التي كان سلفه الدكتاتور زين العابدين بن علي يمرّر بها دساتيره الممنوحة.

سيكون دستور سعيّد بمثابة شهادة وفاة رسمية للثورة التونسية التي خرج من رحمها الربيع العربي، فالرجل يسير عكس عقارب ساعة التاريخ للتأسيس لحكم استبدادي جديد، يقود معه بلاده نحو مأزق خطير، فمنذ انقلابه في 25 يوليو / تموز من العام الماضي، وهو يؤسّس لتثبيت سلطته المطلقة وسط أزمة اقتصادية خانقة، تتصف بركود اقتصاديً غير مسبوق، وارتفاع قياسي في نسبة التضخم، ومعدلات بطالة عالية.

مؤشّراتٌ سلبيةٌ تدفع سعيّد إلى المضي في التأسيس لدكتاتوريته غريبة الأطوار

ومثل كل الدكتاتوريات، يبرّر سعيّد إجراءاته الأحادية والاستبدادية برغبته في إنقاذ البلاد من الأزمة الاقتصادية التي ازدادت تفاقما منذ حيازته السلطة، ويعلق أسبابها على فشل الطبقة السياسية التي يريد أن يُقصيها من كل دور في الحياة السياسية المقبلة تحت حكم دكتاتوريته الجديدة.

لقد أظهر طوال الفترة السابقة من انقلابه ازدراءه كل مكونات الدولة الديمقراطية، همّش الأحزاب السياسية وقضى على التعدّدية، وقمع الصحافة، ومنع التظاهر، وسن قوانين طوارئ تمنحه احتكارا مطلقا للسلطة، واختزل رأي الشعب في استشارةٍ افتراضيةٍ عبر الإنترنت. ويجب انتظار أن يكشف لنا عن النسخة الجديدة من الدستور الذي يعكف على كتابته لتتضح جليا معالم ديكتاتوريته الجديدة، والتي لن تختلف كثيرا عن "جماهيرية" الدكتاتور الليبي السابق معمّر القذافي، لأن ما يجمع بين الرجلين في السلوك والأفكار أكثر مما يفرّق بينهما.

لقد استفاد سعيد، في التأسيس لسلطاته الاستبدادية، من صمت الغرب، أو عدم مبالاته بما يجري في تونس، ومن حالة التدهور العارمة التي يعيش على إيقاعها المحيط الإقليمي لبلاده والذي يشهد تنامي الأنظمة الاستبدادية وتقويتها وانتصار الثورات المضادّة، ومن التحوّلات الإستراتيجية الكبرى التي يتوقع أن تُحدثها الحرب في أوكرانيا، وبدأت تجلياتها الكبرى تظهر في المنطقة العربية من خلال التقارب بين الأنظمة العربية المضادّة لثورات الربيع العربي، مع إيران وتركيا، والتطبيع العربي المتسارع مع إسرائيل، والانسحاب التدريجي لأميركا من لعب أدوار أساسية في المنطقة العربية. وعلى المستوى الداخلي، يستغل الرئيس سعيّد حالة الأزمات الاجتماعية والصحية المستمرة، والنمو الاقتصادي البطيء، وانشغال الناس بالدرجة الأولى بمستوى معيشتهم المتدهور، وخوفهم من المخاطر المحدقة بحالة الاستقرار الهشّة التي تعيشها بلادهم في ظل حالة احتقان اجتماعي حادّ، تنبئ بانفجار الوضع في كل لحظة. تضاف إلى ذلك حالة التشرذم السياسي والمشاحنات المستمرة بين الفرقاء السياسيين والفاعلين المدنيين داخل البلاد.

إذا كانت التجربة الديمقراطية قد فشلت مؤقتا في تونس، فإن التأسيس لدكتاتورية جديدة سيكون مصيره الفشل المحتوم

كلها مؤشّراتٌ سلبيةٌ تدفع الرئيس سعيّد إلى المضي في التأسيس لدكتاتوريته غريبة الأطوار، واضعا نقطة النهاية لقصة نجاح تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس، ومنهيا كل الأحلام الكبيرة التي بشّرت بها الثورة التونسية قبل 11 عاما. السبب الرئيس في كل ما تعيشه اليوم تونس من تردٍّ على جميع المستويات هو فشل تجربة عدالتها الانتقالية، وقد سبق أن فصل الكاتب في هذه النقطة في مقال سابق نشر في "العربي الجديد"، فكل التجارب الديمقراطية التي خرجت من رحم ثورات شعبية أو اجتماعية، أو نهضت على أنقاض أنظمة دكتاتورية، في إسبانيا وتشيلي وجنوب أفريقيا وبولونيا ودول عديدة في "الاتحاد السوفييتي" سابقا انبثقت من عدالة انتقالية حقيقية، عرفت كيف تدفن الماضي وتؤسس لتجارب جديدة أقامت قطيعة حقيقية مع كل ما سبقها. كما أن انصراف وعي الطبقة السياسية، التي سرعان ما نسيت حالة القمع التي كانت تعيش تحتها في عهد الدكتاتور المخلوع، وعدم استعجالها الإصلاحات السياسية والاقتصادية الهيكلية، واستغراقها في مناوشاتٍ سياسيةٍ عقيمة، تحولت، في بعض الأحيان، إلى مشاجرات بالأيدي داخل البرلمان وعلى بلاتوهات القنوات التلفزية، كلها عوامل نفّرت الناس من السياسة والسياسيين، ونمّت منسوب فقدان الثقة لدى شرائح واسعة داخل المجتمع التونسي من كل ما هو حزبي أو سياسي.

"كتلة الغضب" الشعبية هذه هي التي انتخبت الرئيس سعيّد، وهي التي خرجت تبارك انقلابه في يوليو/ تموز الماضي، وهي نفسُها التي يعوّل عليها لترسيم دكتاتوريته الجديدة في الاستفتاء المرتقب خلال أقل من ثلاثة أشهر. ولكن إذا أخلف سعيّد الوفاء بوعوده في محاربة الفساد، وفشل في تحقيق إصلاحاته الدستورية، وإيجاد حل للمشكلات الاقتصادية الهيكلية الأساسية، فإن "كتلة الغضب" التي دعمته بالأمس وتدعمه اليوم سوف تستعيد وعيها بعدما تكتشف أن خطابه المناصر للفقراء والمناهض للفساد استنفد كل شعاراته الشعبوية، وعندها سينقلب السحر على الساحر، وسيجد سعيّد نفسه أمام خيارين، إما الامتثال لرغبة رفض الشعب قراراته وإصلاحاته، أو الاستمرار في تسلٌّطِه وقمع معارضيه، ما سيعجّل من نضوج شروط ثورة تونسية جديدة، لأن أهم ما اكتسبه المجتمع التونسي خلال السنوات العشر الماضية هو جهاز مناعة قوي ضد الدكتاتوريات، بكل أنواعها وتحت كل المسمّيات المزيفة التي تروّج نفسها باسمها، وهذا ما لمسته خلال آخر زيارة لي لتونس قبل أقل من شهرين، فأغلب التونسيين الذين تحدّثت معهم يبدون غير منزعجين من زوال ديمقراطيتهم، ومقتنعين بقدرتهم على الحفاظ على أهم مكتسبات ثورتهم المتمثلة في حريتهم. فإذا كانت التجربة الديمقراطية قد فشلت مؤقتا في تونس، فإن التأسيس لدكتاتورية جديدة سيكون مصيره الفشل المحتوم، لأن سعيّد ينسى أن من جاء به إلى السلطة هو الديمقراطية التي يحاول الآن تهديم بنيانها من الداخل، للتأسيس لواحدة من أسوأ الدكتاتوريات وأفشلها في تاريخنا المعاصر، لأنها تخاف حتى الإعلان عن نفسها، فما بالك الدفاع عن وجودها!