الأربعاء، 21 سبتمبر 2022

نظرة في دعاء إبراهيم لأبيه مع النهي عن الدعاء للمشركين

 نظرة في دعاء إبراهيم لأبيه مع النهي عن الدعاء للمشركين


السؤال :

فضيلة الشيخ سلمان بن فهد العودة حفظه الله وسدد خطاه! السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
نهى الله إبراهيم عن الدعاء لأبيه فامتثل إبراهيم ولا شك، ولكن انظر معي وتأمل: عندما كبر إبراهيم وشاخ دعا لوالده في سورة إبراهيم، بدليل أنه قال: (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ))[إبراهيم:39-41].
وقد وهب الله إبراهيمإسماعيل و إسحاق وهو شيخ مسن، فكيف نوفق بين الآيات؟
ولو عدنا لكتب التفسير لوجدنا علماءنا رحمهم الله أجابوا بحجج غير سليمة، فمن قائل: إنه دعا لوالده لأنه لم ينه بعد. قلت: وكيف ذلك وسياق الآية يدل على أنه دعا لوالده بعد أن رزق الذرية وهو بلغ من العمر عتياً؟ ومن قائل: إن هناك قراءة: ولوالدي. قلت: وهذا تأويل لا دليل عليه، وليت شعري كيف يحمل أهل السنة رحمهم الله على المؤولين رحمهم الله وهم هاهنا يئولون؟!
ولثقتي بك -أيها العلامة- أرسلنا لك، وبالله التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى إخوانه المرسلين.

الجواب :

ليس في القرآن الكريم تصريح بأن الله نهى إبراهيم عن الدعاء لأبيه.
لكن فيه: (( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ))[التوبة:114].
وهذا التبين يجوز أن يكون في آخر عمره، ويجوز أن يكون يوم القيامة، كما جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك: لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب! إنك وعدتني ألا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين )، الحديث برقم (3350).
ولذلك جاء في رواية ابن المنذر بعدما ذكر مسخ الله لأبيه: ( فإذا رآه كذلك تبرأ منه، وقال: لست أبي ).
وقد طعن الإسماعيلي وغيره في صحة هذا الحديث ومتنه، وعده آخرون مشكلاً مع قوله تعالى: (( فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ))[التوبة:114].
و الصواب أن الأئمة من المفسرين وغيرهم اختلفوا في الوقت الذي تبرأ فيه إبراهيم من أبيه على أقوال عدة:
فقيل: عند موته، كما أخرجه الطبري في تفسيره عن ابن عباس بإسناد صحيح.
وقيل: في الآخرة، كما دل عليه الحديث المذكور آنفاً، وهو قول سعيد بن جبير ، والقولان متقاربان.
ويؤيدهما في المعنى وعد النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي طالب بالاستغفار حين مات على الكفر حتى نهي عن ذلك، وقد ورد في بعض الأحاديث عند ابن جرير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فلا أزال أستغفر لـأبي طالب حتى ينهاني عنه ربي )، ثم نزلت الآية، وبهذا يرتفع الإشكال بحمد الله. وفقكم الله، وتفضلوا بقبول فائق التحية والتقدير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق