الخميس، 29 سبتمبر 2022

مقال بحثي: بين يدي القرآن الكريم (منهجية الهرمنيوطيقا)

 مقال بحثي: بين يدي القرآن الكريم (منهجية الهرمنيوطيقا) 

د. محمد جلال القصاص 

بسم الله الرحمن الرحيم
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

منهجية  الهرمنيوطيقا (أمين الخولي ورفاقه)

الهمرمنيوطيقا، أو فلسفة التأويل، منهجية غربية تستهدف تأويل النص الديني، وطبقت في أوروبا على الكتاب "المقدس"، وظهرت في مصر على يد أمين الخولي ورفاقه[1] فيما عرف بـ "جمعية الأمناء". حيث حاولوا تطبيق هذه الفلسفة على "الذكر الحكيم"، كما طبقها الغربيون على كتابهم، وذلك بدعوى التجديد الديني، أو التطور المعرفي أو حتمية البيئة.. ذات المقولاتين اللتين انطلق منهما عامة المنحرفين فكريًا في قراءتهم للوحي كتابًا وسنة.


ويحلو لبعض الدارسين أن ينسب أمين الخولي ورفاقه إلى المنهج الاعتزالي، أو المنهج العقلاني في فهم النصوص، وذلك لأنهم يصرحون بتقديم العقل على النص بل يرون أن العقل أرحب وأوسع مدى من النص. وهو الهوى على الحقيقة. وهم الذين اتبعوا أهواءهم. يقول الله تعالى: (أَفَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡم وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمۡعِهِۦ وَقَلۡبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةً فَمَن يَهۡدِيهِ مِنۢ بَعۡدِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) (الجاثية:23). فأصحاب العقول السليمة (الألباب) هم ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ الزمر: ١٨، وعلى عكس هؤلاء الذين ينسبون الخولي للاعتزال هناك من يرى أنه كان مستقلًا لم يقلد أحدًا من المذاهب والفرق الإسلامية. وعند التحقيق نجد أن نسبة الخولي للاعتزال تغطية على المنهجية الغربية التي انتهجها الخولي ورفاقه، وهذا متبع في وصف حال كثير ممن تأثروا بالفلسفات (المناهج) الغربية في قراءة الشريعة. فالحقيقة التي لا مراء فيها أن الخولي فتن بالتطور الإداري في الفاتيكان والتطور التقني الغربي عمومًا، وآمن بفلسفة التأويل "الهرمنيوطيقا Hermeneutics". بمعنى أنه انتظم في السياق الثقافي الغربي، وكان ضمن من حاولوا قراءة الوحي من خلال النظريات الغربية. كان يجاهر بضرورة التحرك خلف الغرب لحيازة التقدم التقني الذي حازوه. وإن التجديد الذي دعا إليه هو إعادة قراءة الشريعة بما يتوافق مع السائد الآن (الحضارة الغربية)، وليس إعادة توطين القيم والمبادئ التي جاء بها الإسلام وأصلح بها الدنيا على يد محمد، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه. كانت قضيته مواكبة التطور الثقافي الغربي من أجل الحصول على التطور التقني.. كان ضمن سياق طه حسين وسلامة موسى وأمثالهم. بل، بموجب شخصيته الحادة الثائرة، اقترف ما لم يتجرأ عليه غيره، ومن ذلك:


أولًا: الدعوة لنزع القداسة عن القرآن الكريم:

دعا، ورفاقه، إلى نزع القداسة عن القرآن الكريم وإلغاء الأهداف التشريعية والأخبار الأخروية (الحديث عن الدار الآخرة وما فيها من نعيم مقيم وعذابٍ أليم) للقرآن الكريم، فدعا إلى التعامل مع القرآن الكريم الذي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ فصلت:٤٢ على أنه كتاب أدبي للعظة والتسلية، والنظر إلى ما فيه من قصص على أنه أساطير الأولين!!

نعم. والله. قالوا مثل ما قال كفار قريش بالحرف الواحد، وتدبر: (وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡ قَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ) (النحل: )، (إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ) (القلم:15).

وهي ذات الأفكار التي رددها طه حسين حين أنكر وجود إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام[2]. 

والفرق أن طه حسين قال كلمة ثم تراجع حين هوجم، أما الخولي بطبعه الحاد تصلب على رأيه واشتد مدافعًا عن باطله، رغم معارضة الجميع له. كانت موجة من الثقافة الغربية اجتاحت العالم الإسلامي.

ومما يروى في هذا الصدد أن أمين الخولي توافق مع أحد طلابه (محمد أحمد خلف الله) على تقديم رسالة "علمية" (دكتوراة) يتحدثان فيها عن زعمهم الكاذب بأن القصص في القرآن الكريم من أساطير الأولين، ورفضت الجامعة الرسالة وأزيح الخولي من الإشراف على الموضوعات ذات الصلة بالقرآن الكريم، ولم يتراجع بل اشتد في الدعوة إلى هذا الإفك المبين.

 وبعد أربعين عامًا عاد تلميذه غير المباشر نصر حامد أبو زيد إلى ذات الحديث مرة ثانية، بل زاد على الإفك إفكًا مبينًا، ومما زاد: زعمه أن التحدي لم يكن من القرآن الكريم وحده كما قال الله:وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ البقرة: ٢٣، يقول: بل كان التحدي من قريش أيضًا، ويستحضر ما طلبوه من معجزات، مثل: (وَقَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفۡجُرَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَرۡضِ يَنۢبُوعًا) (الإسراء:٩٠)، وما بعدها من آيات. يظن أن عدم إجابة طلبهم المعجزات عجز. يقول: كان التحدي من الطرفين. وهي جرأة على الله وجهل بالله وصفاته، وجهل بما أنزله على نبيه. أو جرأة على الكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فقد وجدت المعجزات، وبكثرة، ولكن لم تتم إجابة الكفار لما طلبوه رحمة بالأمة حتى لا يصيبها ما أصاب مَن قبلها حين طلبوا المعجزة ولم يؤمنوا بها، يقول الله تعالى: (وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرۡسِلَ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلۡأَوَّلُونَۚ وَءَاتَيۡنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبۡصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَاۚ وَمَا نُرۡسِلُ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّا تَخۡوِيفًا) (الإسراء: ٥٩)، (قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيۡكُمۡۖ فَمَن يَكۡفُرۡ بَعۡدُ مِنكُمۡ فَإِنِّيٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابًا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدًا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ)(المائدة: 115).


وزعم أن القرآن الكريم نوع من الشعر. يقول: قريش أعلم بما هو شعر مما ليس بشعر، وبالتالي فإنها حين وصفت القرآن بالشعر فإن قولها معتبرًا. والله يقول: (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ* وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ) (الحاقة:41و 42)، ولم يكن للنبي، صلى الله عليه وسلم، أي دراية بالشعر، يقول الله تعالى:(وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ)(يس:69(

يأخذ الرسول، صلى الله عليه وسلم، بقول أعدائه، مع بيان كذب كلامهم، ومع بيان تعمدهم الكذب عليه، فقريش كانت تكذب وهي تعلم أنها تكذب، كانت تكذب لتصد الناس عن دين الله (قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحۡزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَۖ فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِ‍َٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ) (الأنعام:33)، وهم بأنفسهم نفوا صفة الشعر عن القرآن الكريم وعن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وحديث الوليد بن المغيرة بين الملأ من قريش مشهور ومعروف[3] والله يقول: (وَمَا عَلَّمۡنَٰهُ ٱلشِّعۡرَ وَمَا يَنۢبَغِي لَهُۥٓۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ وَقُرۡءَانٞ مُّبِينٞ) (يس:69). وإن الشعر كفَنٍ من فنون البيان معروف للعامة قبل الخاصة، وهذا القزم تجرأ على ما لم يتجرأ عليه أبو جهل وكفار قريش والذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين!! يقول: كل ما أثر شعر وبالتالي فالقرآن شعر. وهذا كذب بيّن فالتأثر موجود بالنثر مكتوبًا أو إلقاءً (خطابة).

وزعم أن القصص القرآني، باستثناء قصة يوسف عليه السلام، مشتت وليس فيه سرد كامل للقصة، وادعى- كذبًا- أنه أول من التفت لهذا. وهو ينقل عن المستشرقين وليس رأسًا في هذا الضلال كما يزعم فقد عزّ على المستشرقين فهم فوائد التكرار في القرآن الكريم فطالبوا بإعادة صياغته وحذف المكرر منه. وقد أكثر علماء الأمة في بيان فوائد التكرار في القرآن الكريم، ومنَّ الله علي بتقديم إضافة في هذه المسألة في مقال بعنوان "من فوائد التكرار في القرآن الكريم"[4]. وكذلك ثمة فرق كبير بين أسلوب القرآن الكريم والأسلوب العلماني (الأكاديمية)، فكل منهما في وادٍ[5]. فلا يصح أن نحاكم القرآن الكريم للأسلوب الغربي في الكتابة، فأين الثرى من الثريا؟!!

ثانيًا: ارتباط النص بالزمان والمكان:

تحدثت مدرسة "الهرمنيوطيقا" عن أن النص مرتبط بالزمان والمكان (البيئة التي ظهر فيها)، وأن على كل أصحاب زمانٍ ومكانٍ أن يجتهدوا في إعادة تفسير النص بما يوافق زمانهم ومكانهم. بمعنى أن البعثة المحمدية بكل ما جاءت به من نصوص (كتاب وسنة) وما في النصوص من نبأ الأولين والآخرين مما لم يكن معروفًا في مكة ولا حواليها، وتشريعاتٍ في جميع جوانب الحياة تُعجِز كل من عُني بخطة إصلاحية أن يأتي بمثلها، والتطبيق العملي الذي تحقق على يد النموذج الأول من البعثة (الرسول، صلى الله عليه وسلم، وصحابته رضوان الله عليهم).. أولئك الذين غيروا وجه الجزيرة العربية وبلاد فارس وكثيرًا من بلاد الرومان، زعموا أن هذا كله نتاج البيئة التي ظهرت فيها البعثة المحمدية!!

فزعم نصر حامد أبو زيد أن القرآن الكريم توافق مع حركة الدعوة في مكة والمدينة (قرآن مكي وقرآن مدني)، ثم مع حركة المسلمين بعد ذلك (في عهد الراشدين والذين من بعدهم)، يقول: كلٌ يستدعي من النص ما يوافق واقعه الذي يعيشه. وكأن الوحي (الكتاب والسنة) تابع لا مؤسس. يقول كل من مرّ بالنص أوّله تبعًا لما يحب!! ولذا ظن أن من شغل بالقرآن الكريم إنما شغل به لتأويله تبعًا لهواه لا لمعرفة مراد الله من عباده. ولذا عمم "التأويل"، فذكر أن التأويل تَعَدَّدَ حسب المجالات التي تعلقت بعلوم القرآن الكريم، فذكر التأويل اللاهوتي[6] (الديني، والمتدينون عنده هم المعتزلة)، وتأويل أدبي يتعلق بالسياق اللفظي (المجاز). وتأويل الأحكام (المحكم والمتشابه، وفي هذا السياق زعم أن القرآن الكريم متشابه كله.. أو ظني الدلالة كله، وأن المحكم غير موجود؛ ثم التأويل الصوفي، وينقل عن ابن عربي أن المعنى لا نهائي!!

وينفي وجود نصوص قطعية الدلالة في القرآن الكريم، يقول: كل نصوص القرآن الكريم ظنية الدلالة، ويتنكر للعموم والخصوص والمطلق والمقيد، وما تحدث به علماء أصول التفسير من قواعد ضابطة للفهم عن الله، فالكل عنده متأول. الكل عنده يفهم النص حسب هواه، يقول: دائمًا يوجد تأويل وتأويل مضاد، والذي يسود هو ذو القوة (السلطة) وليس صاحب الحق.

 وقوله غير صحيح، فكل سلطة (عادلة أو ظالمة) معها معرفة أنتجت هذه السلطة ابتداءً وتؤيدها بعد أن سادت وتسلطت على الناس. والعكس: كل معرفة منزوية (مستضعفة) تظل تبحث عن أدوات للتمكين(سلطة) حتى تتمكن. فالحال على ما قال الله.. تداول. (وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ) (ال عمران: 140)، لا أن كلام ذي السلطان هو الذي يستقر . فالسلطان لا يبقى... يذهب ومن أيده.

 وأوضح مثالٍ على هذا هو القرآن الكريم نفسه، فقد صنع الله بما في كتابه جيلًا فريدًا غيَّر به واقع مكة والمدينة فالجزيرة ثم فارس والروم والدنيا كلها.

ودعا "نصر حامد أبو زيد" إلى ترك التعامل مع القرآن الكريم كنص والتعامل معه كخطاب، ويعرِّف الخطاب بأنه "بنية تحاورية، تجادلية، سجالية، بين أصوات متعددة"، يقول: الله تكلم بالقرآن (أوحى به) ولكن تفاصيل القرآن تحدث بها كثيرون: أحدهم الله، جل جلال ربنا وتقدس، (ويسميه المقدس، ولا ينطق لفظ الجلالة)، ومعه آخرون، البشر (أنبياء وعامة، يهود، ونصارى، وعوام، ومنافقين..إلخ)، والحيوانات (قالت نملة) والطيور (جئتك من سبأ بنبأ يقين..).

 وكأن هذا الذكر الحكيم تابع لأهواء البشر. والله يقول: (كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (هود:١). فالقرآن محكم (هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٌ مُّحۡكَمَٰتٌ) (آل عمران: من الآية7). والقرآن مفصل. يقول الله تعالى: (وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنًا لِّكُلِّ شَيۡءٍ) (النحل:89)، ويقول الله تعالى: (وَكُلَّ شَيۡءٍ فَصَّلۡنَٰهُ تَفۡصِيلًا) (الإسراء:12)، ويقول الله تعالى: (مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءۚ) (الأنعام: من الآية28). ويقول الله تعالى: (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (الإسراء من الآية9)، هادٍ وليس نتاج بيئة أو حركة اجتماعية. نور نزل من الله فتغيرت به البشرية (يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُم بُرۡهَٰنٌ مِّن رَّبِّكُمۡ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ نُورًا مُّبِينًا)(المائدة:74).


 والقول بأن "المجتمع مُنْتِج ثقافي واجتماعي" يستبطن أن النبي، صلى الله عليه وسلم، هو الذي جاء بالقرآن من عند نفسه، فكأنه كان يستحضر من القرآن حسب الموقف، وفي تفصيل البعثة أن القرآن كان موجهًا ولم يكن تابعًا. قد كان النص ينزل فيمتثل لما فيه من أمر ونهي، لا أنه يُستدعى مؤيدًا.


والقول بأن "المجتمع مُنْتِج ثقافي واجتماعي"لا يقبله عاقل، فبدهي أن ذات البيئة، بل ذات البيت ظهر فيه الأضداد، فقد كان خير خلق الله، صلى الله عليه وسلم، وأبو طالب وأبو لهب، كانوا من بيئة واحدةٍ، بل من بيتٍ واحد (بني عبد المطلب بن هاشم). و-أيضًا- من صلب رأس النفاق (ابن سلول) خرج ابنه (عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول)، وكان ممن يحب الله ورسوله. وفي بيت نبي الله نوح - عليه السلام - تربى ولده الذي كان من المغْرقين. وفي بيت فرعون كانت آسية التي صدّقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين. وفي بيتَيْ نوح، ولوط - عليهما الصلاة والسلام – امرأتان كانتا على غير ما عليه زوجيهما. فكيف يقال أنها البيئة وأنها العوامل الوراثية؟

وشيء آخر: هو "فجائية الدعوة". أو أن النبي، صلى الله عليه وسلم، لم يتعرض، قبل البعثة.. ولا بعدها، لإعداد معرفي من البيئة المحيطة به، فلم يُعرف عنه، صلى الله عليه وسلم، أنه طلب العلم على يد معاصريه، أو أنه قرأ في صحف السابقين له، أو أنه، صلى الله عليه وسلم، برز في فن من الفنون المعرفية التي انتشرت في بيئته كالشعر والخطابة. كانت صياغة ربانية نزل بها الروح الأمين (جبريل عليه السلام) على محمد صلى الله عليه وسلم. ولم تكن تطورًا من البيئة.

هذا هو الواقع الذي رأيناه على صفحات الأيام: تغير حال الرسول، صلى الله عليه وسلم، وصحابته رضوان الله عليهم، ثم حال المدينة ومكة، ثم العرب، ثم ما جاور العرب من بلاد فارس والرومان على يد من لم يتعلم سوى الوحي الذي نزل من الله، وحدث ذلك فجأة دون مقدمات معرفية أو حركية من البيئة التي خرجوا منها (مكة المكرمة).

ثالثًا: استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة:

ومن هذا المنطلق (التطور ومواكبة العصر وحتمية البيئة) تحدثوا عن وجوب التقليل من التفكير الغيبي (الأخروي) والإكثار من التفكير الاجتماعي أو الفهم الاجتماعي الحر للدين، وهم في هذا يحاولون التوافق مع الغرب المادي الذي لا يعرف سوى الحياة الدنيا (يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرًا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ)(الروم:7). ويظنون أن الحصول على "الرفاهية" الدنوية لابد أن يمر من خلال التخلي عن الخطاب الأخروي. يظنون أن "الرفاهية" لا تنال إلا بخطابٍ دنيوي.

 وإن الوحي (كتابًا وسنة) عُني بالأساس بالدار الآخرة. أو: اتخذ الوحي (كتابًا وسنة) من الترغيب في الجنة وما فيها من نعيم، والترهيب من النار وما فيها من عذاب أليم.. مهين.. عظيم، منطلقًا لإصلاح حال الناس في دنياهم (مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٌ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةً طَيِّبَةۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ) (النحل:97)، أو: الرسالة إنما جاءت لتعبيد الناس لله ليفوزوا بما أعد الله للصالحين من نعيم وينجوا مما توعد به العاصين من عذاب أليم، أو: الحياة الدنيا دار اختبار وثمة آخرة.. مستقرة ليس بعدها شيء. فيها عذاب أليم للعاصين ونعيم مقيم للطائعين (أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثًا وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ) (المؤمنون: 115)، (فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرًا يَرَهُۥ. وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ) (الزلزلة: 7-8)، وإن هذا الخطاب الأخروي قدّم للبشرية أفضل نموذجٍ عرفته على الإطلاق.

 وعمليًا لم تساهم مخرجات هذه المدرسة وأمثالها في تقدم الأمة وإنما كانوا أداة في الصراع الثقافي مع الغرب. فهؤلاء لم يخرجوا من مكاتبهم وأقبيتهم، ولم يقدموا مشاريع عملية للنهوض بالأمة.. لم يتحدثوا في أكثر من المطالبة في الدخول في المنظومة الثقافية الغربية.. كأن التقدم لا يكون إلا بهذا. واشتهر أمرهم بين الناس بسبب تأييدهم من قبل أدوات العلمانية الغربية، وخاصة الإعلام، هي التي امتطت ظهر هؤلاء وقاتلت من على ظهرهم الشريعة وأهلها، فالفاعل الرئيسي هو الغرب ومن اتبع هوى الغرب من أصحاب الأدوات.. هم الذين أخرجوا كلام هؤلاء وحاولوا تفعيله بين الناس.. هم الذين يحاولون تقديم أعداء الوحي رموزًا للناس كي يتبعوهم.

رابعًا: مفهم النص:

من أهم أسباب الانحراف عند هؤلاء ظنهم أن النص هو، فقط، منطوق القرآن الكريم.. ما بين دفتي المصحف الشريف . وإن النص عندنا هو منطوق القرآن الكريم ومعه السنة النبوية الشارحة والتطبيق العملي الذي قام به الرسول، صلى الله عليه وسلم، وصحابته رضوان الله عليهم بين يديه وسيرة الخلفاء الراشدين في الحكم. فالسنة النبوية من الوحي، وقد أرسل الله الكبير المتعال، سبحانه وعز وجل، أنبياءه بكتابٍ وسنة شارحة (حكمة) يقول الله تعالى: (وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّنَ لَمَآ ءَاتَيۡتُكُم مِّن كِتَٰبٍ وَحِكۡمَة) (آل عمران: 81). (وَيُعَلِّمُهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ) ( آل عمران: 48)، و(وَٱذۡكُرۡنَ مَا يُتۡلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱلۡحِكۡمَةِۚ) (الأحزاب: 34). وذكر أن الاهتداء يكون باتباع ما كان عليه محمد، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، رضوان الله عليهم، (فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ) (البقرة: 137)، وفي الحديث "فإنَّه مَن يَعِشْ منكم فسيَرَى اختِلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ المَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ، وإيَّاكم ومُحدَثاتِ الأُمورِ؛ فإنَّ كُلَّ بِدعةٍ ضَلالةٌ"، ومثل هذا كثير في الوحي (القرآن الكريم والسنة النبوية). (وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ) (الحشر:من الآية 7).

 إننا تلقينا نصًا وطريقة فهمه وطريقة تطبيقه.. تلقينا نصًا ونموذجًا عمليا للتطبيق فليس لأحد أن ينفرد بما بين دفتي المصحف ثم يقول هذا هو النص الشرعي، ثم يعمل فيه الاحتمالات من عند نفسه، وقد حذرنا من هذا الفعل.


وقد ذكر الدكتور محمود خليل (مدير إذاعة  القرآن الكريم المصرية سابقًا)، أن عدو القرآن هذا خط بيده، في أواخر أيامه بعض التراجعات تتعلق بالاعتراف بنبوة النبي، صلى الله عليه وسلم، والاعتراف بعالمية الإسلام. وليست تراجعات على الحقيقة، وإنما حالة من  وإنما الاعتراف بنبوة النبي، صلى الله عليه وسلم، وعالمية الإسلام يأتي ضمن موضة فكرية عالمية انتشرت في الربع الأخير من القرن العشرين الميلادي، مع تحول الغرب من الإلحاد الصلب (الكفر بالغيب وبالتالي الأديان كليةً) إلى الإلحاد النسبي القول بأن الحقيقة نسبية وأن الكل حاضر.. الإسلام وغير الإسلام، وفي هذا السياق تجد الملحدين اليوم ينتمون إلى "الديانات الإبراهيمية".. حالة من الشك (لا أدري). وتجد رؤساء الإلحاد يصفون محمدًا، صلى الله عليه وسلم، بالنبوة، بمعنى يتنبأ، كما العرّافين والمشعوذين، ويعترفون بالإسلام كأحد نماذج الإيمان، بل إن عديدًا من الملحدين يتجمعون تحت شعار "مؤمنون بلا حدود".


محمد جلال القصاص

[1] سبق التعريف بهم في مقدمة البحث، وقلت رفاقه لأنهم لم يكونوا جميعًا تلاميذه، فمنهم التلميذ بوضوح مثل محمد أحمد خلف الله، ومنهم من كان يحمل ذات الأفكار قبل أن يتحدث بها أمين الخولي، مثل شكري عياد، ولكن المدرسة نسبت للخولي وقيل أستاذ لأنه كان يدرس بالجامعة وأثار جدلًا ببث آرائه بين الطلاب.


[2] رفض قصة إبراهيم وإسماعيل كان في الثلاثينات من القرن المنصرم حين كانت الموضة الثقافية المنتشرة هي موضة "الهرمنيوطيقا" أو: ادعاء أن التاريخ لي لا يعترف إلا بما هو مشاهد من آثار. ثم حين نشأ كيان لليهود في فلسطين واجتاح العالم الإسلامي موجة تنصير في الربع الأخير من القرن العشرين بدأ الحديث عن الخليل إبراهيم عليه السلام بشكل آخر. تحدثوا عن أنه موجود. وأنه مصري، وأن موسى- عليه السلام- من مصر، كما في كتابات  سيد القمني (تل العمارنة). فالثقافة تحركت حسب السائد.


[3] روى الحاكم، وغيره، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه، فقال: يا عم، إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالًا! قال: لم؟ قال: ليعطوكه، فإنك أتيت محمدًا تتعرض لما قبله، قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالًا، قال: فقل فيه قولًا يبلغ قومك أنك منكر له، أو أنك كاره له، قال: وماذا أقول؟! فوالله، ما فيكم من رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن مني، والله، ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، والله، إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته، قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه! قال: فدعني حتى أفكر، فلما فكر، قال: (هذا سحر يؤثر) يأثره عن غيره، فنزلت: ذرني ومن خلقت وحيدًا. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.ينظر: "سير أعلام النبلاء" للذهبي، (بيروت، الرسالة، 1405ه/1985م)، ج1، ص125.


[4] ينظر: "من فوائد التكرار في القرآن الكريم" لمحمد جلال القصاص، 


[5] ينظر: "العبوس المتغطرسة" لمحمد جلال القصاص، 


[6] يستخدم المفردات الكنسية: (اللاهوت)، (يوم الدينونة). مع أنه يتحدث عن القرآن الكريم!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق