ثلاث ركائز تآكلها يعيد قراءة مصير الدولة العبرية
. أحمد الفقي
هل يواجه الأمن القومي الإسرائيلي مرحلة تآكل تدريجي رغم تفوقه العسكري، بعد تصاعد الانقسامات الداخلية واستنزاف الحروب وتغير البيئة الإقليمية والدولية، بما يفرض إعادة تقييم قدرة الدولة العبرية على الحفاظ على استقرارها الإستراتيجي مستقبلاً؟
لم يكن مؤتمر هرتسليا لعام 2026 مجرد مناسبة سنوية لتقييم البيئة الأمنية الصهيونية، بل بدا أقرب إلى جلسة مراجعة داخلية لعقيدة أمن قومي تواجه أكبر اختبار لها منذ تأسيس الدولة. فالمفارقة التي هيمنت على معظم الأوراق والنقاشات تمثلت في أن الدولة العبرية، التي تمتلك تفوقًا عسكريًا غير مسبوق وتفوقًا تكنولوجيًا واستخباراتيًا واضحًا، تجد نفسها في الوقت ذاته أمام مؤشرات متزايدة على تراجع قدرتها على تحويل هذا التفوق إلى استقرار استراتيجي مستدام.
ولعل أخطر ما كشفت عنه السنوات الأخيرة هو انتقال مركز التهديد من الحدود إلى الداخل. فبدل أن يكون الانقسام المجتمعي نتيجة للأزمات الأمنية، أصبح في نظر عدد متزايد من الباحثين الصهاينة أحد مسبباتها.
ولذلك لم يكن مستغربًا أن يحذر رئيس الاستخبارات العسكرية الأسبق، عاموس يدلين من أن "تقويض التماسك الداخلي، وأزمة قوات الاحتياط، والإضرار بكفاءة الجيش، والخلاف مع الولايات المتحدة، كلها عناصر تُضعف الردع بصورة خطيرة".
أما العامل الثاني، فيتمثل في التحول من الحروب القصيرة إلى الاستنزاف طويل الأمد. فقد بُنيت العقيدة العسكرية الصهيونية منذ عهد ديفيد بن غوريون على أن الدولة العبرية، بحكم ضيق مساحتها وقلة مواردها البشرية، لا تستطيع تحمل حروب ممتدة، ولذلك كان الحسم السريع جزءًا من فلسفة الأمن القومي وليس مجرد خيار عسكري. إلا أن الحرب الأخيرة كسرت هذه القاعدة؛ إذ جرى استدعاء نحو 318 ألفًا من قوات الاحتياط في الأشهر الأولى، وهو أكبر استدعاء منذ عقود، بينما حذر بنك إسرائيل من أن استمرار الحرب يفرض أعباء هيكلية طويلة الأجل تتمثل في ارتفاع الإنفاق الدفاعي، وتراجع الإنتاجية، واتساع العجز المالي، وتباطؤ النمو الاقتصادي. كما بدأت قطاعات اقتصادية تعاني نقصًا في القوى العاملة نتيجة طول فترة التعبئة.
ويبرز العامل الثالث في التحولات التي تشهدها البيئة الاستراتيجية المحيطة بالدولة العبرية. فمنذ عقود، شكلت الولايات المتحدة العمق الاستراتيجي الأهم للدولة العبرية، ليس فقط من خلال الدعم العسكري والتكنولوجي، وإنما أيضًا عبر الغطاء السياسي والدبلوماسي، والتفوق النوعي الذي ضمنته واشنطن للدولة العبرية في المنطقة. غير أن مراكز الدراسات الصهيونية نفسها تناقش اليوم احتمال أن تصبح البيئة الدولية أقل استقرارًا بالنسبة للدولة العبرية، مع تغير أولويات السياسة الأمريكية، واتجاه واشنطن إلى توزيع مواردها بين مسارح تنافس عالمية متعددة، وهو ما يدفع الدولة العبرية إلى التفكير في كيفية الحفاظ على تفوقها في بيئة قد لا تكون فيها المظلة الأمريكية بالحجم نفسه الذي عرفته خلال العقود الماضية. وفي هذا السياق، يكتسب صعود قوى إقليمية مثل تركيا أهمية خاصة، ليس باعتباره بديلًا مباشرًا للدور الأمريكي، وإنما بوصفه عاملًا يعيد تشكيل توازنات القوة في الشرق الأوسط. فقد طورت أنقرة خلال العقد الأخير قاعدة صناعات دفاعية متقدمة، ووسعت حضورها العسكري وشبكات تعاونها مع عدد من الدول، بما جعلها لاعبًا مؤثرًا في ملفات الأمن الإقليمي. وإذا اقترن ذلك بتعميق أشكال التعاون الدفاعي أو الأمني بين قوى إقليمية مؤثرة، فقد يؤدي إلى بيئة استراتيجية أكثر تعقيدًا بالنسبة لإسرائيل، ويؤثر في حسابات الردع، ومسارات التطبيع، وآليات بناء التحالفات. ولا يعني ذلك أن هذه المسارات ستنهار، لكنه يعني أن البيئة التي استفادت منها الدولة العبرية خلال السنوات الماضية قد تصبح أكثر قابلية للتغير تبعًا لإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية.
وتكتسب هذه القراءة وزنًا إضافيًا إذا ما استحضرت ملاحظة مستشار الأمن القومي الصهيوني السابق إيال حولاتا، الذي قال إن "أي حكومة إسرائيلية لم تعتمد حتى اليوم مفهومًا رسميًا متكاملًا للأمن القومي"، في إشارة إلى أن إدارة الأمن القومي اعتمدت طويلًا على التقاليد المؤسسية أكثر من اعتمادها على عقيدة استراتيجية موحدة تربط بين القوة العسكرية، والاقتصاد، والمجتمع، والدبلوماسية.
وبناءً على ذلك، فإن قراءة المؤشرات الكمية والنوعية مجتمعة لا تقود إلى استنتاج حتمي بانهيار الدولة العبرية، لكنها تشير إلى أن منظومة الأمن القومي الصهيونية تواجه عملية تآكل تدريجي إذا استمرت الاتجاهات الحالية دون معالجة.