‏إظهار الرسائل ذات التسميات أحمد الفقي مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أحمد الفقي مقالات. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 21 يوليو 2026

ثلاث ركائز تآكلها يعيد قراءة مصير الدولة العبرية

 ثلاث ركائز تآكلها يعيد قراءة مصير الدولة العبرية

 . أحمد الفقي

هل يواجه الأمن القومي الإسرائيلي مرحلة تآكل تدريجي رغم تفوقه العسكري، بعد تصاعد الانقسامات الداخلية واستنزاف الحروب وتغير البيئة الإقليمية والدولية، بما يفرض إعادة تقييم قدرة الدولة العبرية على الحفاظ على استقرارها الإستراتيجي مستقبلاً؟


لم يكن مؤتمر هرتسليا لعام 2026 مجرد مناسبة سنوية لتقييم البيئة الأمنية الصهيونية، بل بدا أقرب إلى جلسة مراجعة داخلية لعقيدة أمن قومي تواجه أكبر اختبار لها منذ تأسيس الدولة. فالمفارقة التي هيمنت على معظم الأوراق والنقاشات تمثلت في أن الدولة العبرية، التي تمتلك تفوقًا عسكريًا غير مسبوق وتفوقًا تكنولوجيًا واستخباراتيًا واضحًا، تجد نفسها في الوقت ذاته أمام مؤشرات متزايدة على تراجع قدرتها على تحويل هذا التفوق إلى استقرار استراتيجي مستدام. 
هذه المفارقة دفعت العديد من الباحثين الصهاينة إلى الانتقال من سؤال "كيف تنتصر إسرائيل؟" إلى سؤال أكثر عمقًا: "كيف تحافظ إسرائيل على قدرتها على الاستمرار؟". 
وتكشف الأدبيات الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الصهيوني (INSS) أن الأمن القومي لم يعد يُقاس بالتفوق العسكري وحده، وإنما بمنظومة متكاملة تضم القوة العسكرية، والاقتصاد، والمناعة الوطنية، والشرعية الدولية، والعلاقات مع الحلفاء، بما يعني أن أي اختلال في أحد هذه الأعمدة ينعكس مباشرة على بقية المنظومة.

ولعل أخطر ما كشفت عنه السنوات الأخيرة هو انتقال مركز التهديد من الحدود إلى الداخل. فبدل أن يكون الانقسام المجتمعي نتيجة للأزمات الأمنية، أصبح في نظر عدد متزايد من الباحثين الصهاينة أحد مسبباتها. 

ويُعد مقياس معايير المناعة الوطنية الذي طوره الباحثان الصهيونيان شاؤول كيمحي ويوحنان إشيل من أهم الأدوات العلمية المستخدمة لقياس المناعة الوطنية، إذ يعتمد على ثلاثة عشر مؤشرًا تقيس الثقة بالمؤسسات، والانتماء للدولة، والتماسك الاجتماعي، والثقة بالمستقبل، والقدرة على تحمل الأزمات. وقد خلص الباحثان إلى أن "العوامل المعززة للمناعة الوطنية، مثل مناعة المجتمع والإحساس بالتماسك، ترتبط ارتباطًا إيجابيًا بالمناعة الوطنية، بينما يرتبط الشعور بالخطر والانقسام ارتباطًا سلبيًا بها". 
ولم يعد هذا الاستنتاج نظريًا؛ إذ أظهرت استطلاعات INSS بعد الحرب أن الثقة بالجيش بقيت مرتفعة عند نحو 75%، بينما انخفضت الثقة بالحكومة إلى نحو 23%، وأعرب أكثر من 80% من الصهاينة عن قلقهم من الانقسامات الداخلية، في حين لم يتجاوز متوسط تقييم الأمن القومي 5.7 من 10. 
هذه الأرقام تكشف أن التحدي لم يعد يتمثل في امتلاك القوة، بل في المحافظة على البيئة المجتمعية والسياسية التي تسمح باستخدامها بفعالية.

ولذلك لم يكن مستغربًا أن يحذر رئيس الاستخبارات العسكرية الأسبق، عاموس يدلين من أن "تقويض التماسك الداخلي، وأزمة قوات الاحتياط، والإضرار بكفاءة الجيش، والخلاف مع الولايات المتحدة، كلها عناصر تُضعف الردع بصورة خطيرة". 
وتكتسب هذه العبارة أهميتها لأنها صادرة عن أحد أبرز منظري العقيدة الأمنية الصهيونية، الذي أكد في أكثر من دراسة أن الأمن الصهيوني قام تاريخيًا على ثلاثة مرتكزات هي الردع، والإنذار المبكر، والحسم، وهي مرتكزات تفترض وجود جبهة داخلية متماسكة واقتصاد قادر على تمويل الحرب، وقيادة سياسية تحظى بالثقة. وإذا اختل أحد هذه العناصر، فإن فعالية المنظومة الأمنية بأكملها تصبح موضع تساؤل، حتى لو بقي التفوق العسكري قائمًا.

أما العامل الثاني، فيتمثل في التحول من الحروب القصيرة إلى الاستنزاف طويل الأمد. فقد بُنيت العقيدة العسكرية الصهيونية منذ عهد ديفيد بن غوريون على أن الدولة العبرية، بحكم ضيق مساحتها وقلة مواردها البشرية، لا تستطيع تحمل حروب ممتدة، ولذلك كان الحسم السريع جزءًا من فلسفة الأمن القومي وليس مجرد خيار عسكري. إلا أن الحرب الأخيرة كسرت هذه القاعدة؛ إذ جرى استدعاء نحو 318 ألفًا من قوات الاحتياط في الأشهر الأولى، وهو أكبر استدعاء منذ عقود، بينما حذر بنك إسرائيل من أن استمرار الحرب يفرض أعباء هيكلية طويلة الأجل تتمثل في ارتفاع الإنفاق الدفاعي، وتراجع الإنتاجية، واتساع العجز المالي، وتباطؤ النمو الاقتصادي. كما بدأت قطاعات اقتصادية تعاني نقصًا في القوى العاملة نتيجة طول فترة التعبئة. 
والأهم من ذلك أن وثيقة الأمن القومي الصادرة عن معهد الأمن القومي الصهيوني دعت صراحة إلى "تحويل الإنجازات العسكرية إلى إنجازات سياسية"، وهو اعتراف ضمني بأن استمرار العمليات العسكرية من دون أفق سياسي يحمل في ذاته كلفة استراتيجية متراكمة، ويقوض القدرة على ترجمة الإنجاز التكتيكي إلى استقرار طويل الأمد.

ويبرز العامل الثالث في التحولات التي تشهدها البيئة الاستراتيجية المحيطة بالدولة العبرية. فمنذ عقود، شكلت الولايات المتحدة العمق الاستراتيجي الأهم للدولة العبرية، ليس فقط من خلال الدعم العسكري والتكنولوجي، وإنما أيضًا عبر الغطاء السياسي والدبلوماسي، والتفوق النوعي الذي ضمنته واشنطن للدولة العبرية في المنطقة. غير أن مراكز الدراسات الصهيونية نفسها تناقش اليوم احتمال أن تصبح البيئة الدولية أقل استقرارًا بالنسبة للدولة العبرية، مع تغير أولويات السياسة الأمريكية، واتجاه واشنطن إلى توزيع مواردها بين مسارح تنافس عالمية متعددة، وهو ما يدفع الدولة العبرية إلى التفكير في كيفية الحفاظ على تفوقها في بيئة قد لا تكون فيها المظلة الأمريكية بالحجم نفسه الذي عرفته خلال العقود الماضية. وفي هذا السياق، يكتسب صعود قوى إقليمية مثل تركيا أهمية خاصة، ليس باعتباره بديلًا مباشرًا للدور الأمريكي، وإنما بوصفه عاملًا يعيد تشكيل توازنات القوة في الشرق الأوسط. فقد طورت أنقرة خلال العقد الأخير قاعدة صناعات دفاعية متقدمة، ووسعت حضورها العسكري وشبكات تعاونها مع عدد من الدول، بما جعلها لاعبًا مؤثرًا في ملفات الأمن الإقليمي. وإذا اقترن ذلك بتعميق أشكال التعاون الدفاعي أو الأمني بين قوى إقليمية مؤثرة، فقد يؤدي إلى بيئة استراتيجية أكثر تعقيدًا بالنسبة لإسرائيل، ويؤثر في حسابات الردع، ومسارات التطبيع، وآليات بناء التحالفات. ولا يعني ذلك أن هذه المسارات ستنهار، لكنه يعني أن البيئة التي استفادت منها الدولة العبرية خلال السنوات الماضية قد تصبح أكثر قابلية للتغير تبعًا لإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية.

وتكتسب هذه القراءة وزنًا إضافيًا إذا ما استحضرت ملاحظة مستشار الأمن القومي الصهيوني السابق إيال حولاتا، الذي قال إن "أي حكومة إسرائيلية لم تعتمد حتى اليوم مفهومًا رسميًا متكاملًا للأمن القومي"، في إشارة إلى أن إدارة الأمن القومي اعتمدت طويلًا على التقاليد المؤسسية أكثر من اعتمادها على عقيدة استراتيجية موحدة تربط بين القوة العسكرية، والاقتصاد، والمجتمع، والدبلوماسية. 
لذلك فإن التحدي الذي تواجهه الدولة العبرية اليوم لا يتمثل في نقص الدبابات أو الطائرات أو التكنولوجيا، وإنما في الحفاظ على التوازن بين عناصر القوة المختلفة في لحظة تتعرض فيها جميعها لضغوط متزامنة.

وبناءً على ذلك، فإن قراءة المؤشرات الكمية والنوعية مجتمعة لا تقود إلى استنتاج حتمي بانهيار الدولة العبرية، لكنها تشير إلى أن منظومة الأمن القومي الصهيونية تواجه عملية تآكل تدريجي إذا استمرت الاتجاهات الحالية دون معالجة. 
فحين تتراجع مؤشرات المناعة الوطنية التي يقيسها NR-13، وتتسع فجوة الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة، وتتحول الحروب إلى استنزاف مفتوح بلا مخرجات سياسية واضحة، وتصبح البيئة الإقليمية والدولية أكثر تنافسًا وأقل استقرارًا، فإن التفوق العسكري وحده لا يكفي لضمان الاستقرار الاستراتيجي. 
ومن هنا تبدو المفارقة التي لخصها مؤتمر هرتسليا 2026 أكثر وضوحًا، قد تمتلك الدولة فائضًا من القوة، لكنها في الوقت نفسه تواجه اختبارًا متصاعدًا لقدرتها على الحفاظ على مقومات أمنها القومي في بيئة تتغير بوتيرة أسرع من قدرتها على التكيف معها.


فلسطين   أمريكا  إسرائيل

الجمعة، 27 فبراير 2026

إسرائيل الكبرى: من أساطير التوراة إلى طموحات هاكابي

 إسرائيل الكبرى: من أساطير التوراة إلى طموحات هاكابي

 . أحمد الفقي 

هل الدعم الأمريكي لإسرائيل تحالف استراتيجي عابر، أم أنه امتداد لمشروع أيديولوجي عميق يجمع الصهيونية السياسية بالصهيونية المسيحية تحت مظلة “إسرائيل الكبرى”؟ وكيف تحوّل الوعد الديني إلى معادلة قوة تعيد رسم خرائط المنطقة وتؤثر في القرار الأمريكي؟


أعاد الحوار الذي جمع الإعلامي الأمريكي المحافظ تاكر كارلسون بالسفير الأمريكي لدى الدولة العبرية مايك هاكابي فتح نقاش قديم متجدد حول الطبيعة الحقيقية للدعم الأمريكي للدولة العبرية، وما إذا كان هذا الدعم يستند فقط إلى اعتبارات استراتيجية، أم أنه يعكس مشروعًا أيديولوجيًا أعمق يرتبط بتصورات دينية وسياسية تتجاوز حدود الدولة القائمة نحو فكرة "إسرائيل الكبرى".

فخلال الحوار، لم يُخفِ هاكابي أن قطاعات واسعة من التيار الإنجيلي الأمريكي تنظر إلى قيام الدولة العبرية وتوسعها بوصفه تحقيقًا لوعد ديني تاريخي، وهو طرح يعكس تداخلًا متزايدًا بين العقيدة الدينية وصناعة القرار السياسي في واشنطن، خاصة داخل التيارات المحافظة المؤثرة في السياسة الخارجية الأمريكية.

غير أن مفهوم "إسرائيل الكبرى" لا يُعد نتاجًا حديثًا للخطاب الديني الإنجيلي، بل يمتد جذريًا إلى أدبيات الحركة الصهيونية منذ نشأتها أواخر القرن التاسع عشر، حين لم تكن الحدود الجغرافية للدولة اليهودية المقترحة محددة بصورة نهائية، بل طُرحت ضمن تصورات توسعية مفتوحة.

ففي المؤتمر الصهيوني الأول عام ١٨٩٧، الذي قاده تيودور هرتزل، لم يُحسم النقاش حول الحدود السياسية المستقبلية، إذ ركز المشروع الصهيوني المبكر على إنشاء "وطن قومي" قابل للتمدد وفق الظروف السياسية والديموغرافية. وقد أشار هرتزل في مذكراته إلى أن المشروع الصهيوني يمثل "حركة استعمارية منظمة"، وهو توصيف يعكس الطبيعة التوسعية الكامنة في الفكر الصهيوني المبكر.

لاحقًا، ظهرت تصورات أكثر وضوحًا داخل الخطاب الصهيوني حول المجال الجغرافي للدولة المنشودة، حيث نُسب إلى عدد من القيادات الصهيونية في مطلع القرن العشرين الحديث عن حدود تمتد "من النيل إلى الفرات"، وهو تصور استند إلى تأويلات دينية لنصوص وردت في سفر التكوين بالعهد القديم، حيث جاء: "لنسلك أعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات".

ومع تطور المشروع الصهيوني سياسيًا، تحولت هذه الرؤية من خطاب أيديولوجي إلى عنصر حاضر ضمن النقاشات الاستراتيجية المتعلقة بالأمن والعمق الجغرافي. وقد عبّر رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق دافيد بن غوريون في أكثر من مناسبة عن أن حدود الدولة لا تُرسم بالنصوص أو الاتفاقيات، بل "بما تفرضه القوة والواقع على الأرض"، في إشارة واضحة إلى مركزية التوسع كأداة تأسيسية في المشروع الصهيوني.

وفي السياق ذاته، قدّم رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو في كتابه مكان بين الأمم تصورًا قائمًا على ضرورة السيطرة الأمنية الدائمة على الأراضي الفلسطينية، معتبرًا أن أي انسحاب جغرافي قد يحول تلك المناطق إلى تهديد استراتيجي مستقبلي، وهو طرح يعيد إنتاج مفهوم "الأمن عبر التوسع".

أما في الخطاب السياسي المعاصر، فقد أعادت تصريحات رئيس الوزراء الصهيوني السابق يائير لابيد المحسوب على اليسار؛ الجدل حول حدود الدولة، حين شدد في تصريحات حديثة على أن "أرض إسرائيل التاريخية" تمثل أساس الهوية القومية، وأن الحفاظ على السيطرة الاستراتيجية في محيطها الإقليمي يعد ضرورة وجودية، وهو خطاب يُفسَّر لدى العديد من المراقبين باعتباره استمرارًا للرؤية التوسعية الاستعمارية.

وفي الولايات المتحدة، وجدت هذه الرؤية حاضنة أيديولوجية قوية داخل تيار الصهيونية المسيحية، الذي يقوده قساوسة وشخصيات دينية بارزة مثل جون هاغي، مؤسس منظمة المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل، حيث يُنظر إلى دعم الدولة العبرية باعتباره التزامًا دينيًا مرتبطًا بتحقيق نبوءات توراتية.

هذا التلاقي بين الصهيونية السياسية والصهيونية المسيحية أسهم في إعادة تعريف العلاقة الأمريكية مع الدولة العبرية، بحيث لم تعد قائمة فقط على المصالح الجيوسياسية، بل على شراكة عقائدية ترى في توسع الدولة العبرية جزءًا من مسار تاريخي ديني أوسع. ومن هنا، فإن تعيين شخصيات ذات خلفية إنجيلية واضحة، مثل هاكابي خلال إدارة دونالد ترامب، يعكس انتقال هذا التحالف من مستوى التأثير الفكري إلى موقع الفعل السياسي المباشر.

يكشف تتبع خطاب الحركة الصهيونية منذ تأسيسها، مرورًا بالأدبيات السياسية لقادتها، وصولًا إلى التصريحات المعاصرة، أن فكرة "إسرائيل الكبرى" لم تختفِ من الوعي السياسي الصهيوني، بل أعيدت صياغتها عبر الزمن بما يتلاءم مع التحولات الدولية، لتبقى حاضرة كإطار فكري يربط بين الدين والسياسة والقوة في رسم مستقبل المنطقة.







الاثنين، 3 نوفمبر 2025

الكميت.. أدوات السلطة لإضعاف الانتماء العربي والإسلامي

 الكميت.. أدوات السلطة لإضعاف الانتماء العربي والإسلامي

 . أحمد الفقي     

 

ظاهرة "الكميت" هي استراتيجية دولة ممنهجة لإعادة هندسة الهوية المصرية نحو سردية فرعونية محايدة، تهمّش الانتماء العربي والإسلامي لخدمة توجهات سياسية واقتصادية جديدة على الساحتين الإقليمية والدولية.


على مدار السنوات الأخيرة، برزت ظاهرة الكميت في مصر كأداة استراتيجية للسلطة لإعادة هندسة الهوية الوطنية، وتحويل وعي المجتمع نحو سردية ثقافية جديدة تُهمش الانتماء العربي والإسلامي التقليدي. 
الكميت لا يقتصر على الفعاليات الفنية أو الترفيهية، بل يمتد إلى السياسات الثقافية والإعلامية والتعليمية، ويظهر بشكل واضح في خطاب المسؤولين وتصريحات النخب الفنية والثقافية، وممارسات ومشاريع حكومية على الأرض.

تصريحات المسؤولين تكشف عن عمق هذا التوجه، فوزير الثقافة المصري أحمد حنّو صرح بأن الوزارة تعمل على حماية “هوية مصرية مستقلة”، في إشارة مباشرة إلى مشاريع تهدف إلى إعادة رسم الانتماء الجمعي بعيداً عن الأطر الدينية أو العربية التقليدية.
 الرئيس عبد الفتاح السيسي شدّد على أن بناء الشخصية القومية المصرية يمثل أولوية، وهو خطاب متكرر أيضاً على لسان رئيس الوزراء مصطفى مدبولي الذي أكّد أن الدولة تواصل تعزيز الوعي الوطني عبر الثقافة والفن والتعليم.

النخب المصرية في دائرة الفنون والثقافة ساهمت بصورة كبيرة لدعم هذه السريدة من خلال حساباتها في وسائل التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى شخصيات حكومية مثل وزيرة الدولة للهجرة والمغتربين، سهى جندي، التي دعت الشباب المصري في الداخل والخارج إلى الانخراط في المبادرات الثقافية الحكومية، معتبرة أن التواصل مع “الهوية المصرية” يجب أن يتقدم على أي هوية دينية أو عربية. 
كذلك جابر عصفور، وزير الثقافة السابق، دعّم هذا الخطاب بمواقفه حول إزالة خانة "الديانة" من البطاقة الشخصية، في إشارة إلى بناء وعي مدني مستقل عن الانتماء الديني.

شواهد ملموسة للظاهرة ظهرت في الفعاليات الكبرى التي تتبناها الدولة، مثل افتتاح المتحف المصري الكبير الذي تريد الحكومة المصرية تحويله إلى أيقونة تحول لترسيخ سردية الكميت، وإبراز الدولة كمحور للهوية المصرية الجديدة بعيداً عن الانتماء العربي والإسلامي. حفل الدي جي الإيطالي Anyma قرب الأهرامات أيضاً شكّل نموذجاً صارخاً لهذا التوجه، إذ استُخدمت رموز مصرية محايدة ثقافياً لترويج خطاب عالمي يُقصي الهويات التقليدية، ويحوّل الحدث إلى منصة للترويج للهوية المصرية الحديثة على حساب الانتماءات التاريخية والدينية.

السياسات الحكومية امتدت إلى الحياة اليومية والتعليم، حيث تم إطلاق مبادرات مثل "هويتنا المصرية" وفعاليات "أهل مصر"، التي ركّزت على ترسيخ انتماء محلي مباشر، مع توجيه المجتمع نحو الانتماء المدني القومي على حساب الانتماءات العربية والإسلامية.

الخلفية وراء هذه الظاهرة تتجاوز حدود الفضاء الثقافي الداخلي، لتكشف عن أبعاد استراتيجية أوسع تتعلق بتخاذل الدولة المصرية عن مواجهة التحديات الإقليمية والإستراتيجية بوضوح، فقد تجلّى ذلك في غياب مصر عن موقعها التقليدي كداعم للقضية الفلسطينية أثناء حرب غزة، وفشلها في احتواء الأزمات المتصاعدة في السودان، إلى جانب تعزيز علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع الدولة العبرية، ما جاء على حساب الالتزامات العربية التاريخية. 
كما استثمرت الدعم الأوروبي السخي المرتبط بمواقفها في ليبيا، مما رسّخ فكرة أن السياسات الرسمية لا تستند إلى مصالح الأمة العربية والإسلامية بقدر ما تهدف إلى حماية المصالح الاقتصادية والسياسية لمصر في المحيط الدولي.

هذا السياق السياسي والاقتصادي كان مصحوباً بخطاب ثقافي نخبوي لإضعاف تأثير الهوية الإسلامية بعد ثورة يناير 2013، عبر توجيه وعي الشباب نحو سردية وطنية “محايدة”، تقوم على تقليل حضور الانتماءات الدينية والعربية في الوعي الجمعي، وتقديم صورة جديدة لمصر كدولة فرعونية مستقلة ثقافياً وسياسياً.

من هنا، يمكن فهم الكميت كاستراتيجية مزدوجة: 
داخلياً، لإعادة صياغة وعي المجتمع وبناء هوية مصرية "محايدة" تضعف الانتماءات الدينية والعربية؛ وخارجياً، كوسيلة لتسهيل سياسات الدولة في الملفات الإقليمية والاقتصادية، مع تقديم مصر كقوة مستقلة أمام شركائها الدوليين، بينما تتراجع الالتزامات العربية والإسلامية التقليدية إلى هامش الخيارات السياسية والثقافية.

في المحصلة، تتضح وظيفة الكميت كأداة شاملة للسلطة، تجمع بين السياسة والفن والتعليم والإعلام، لتشكيل وعي جديد في المجتمع المصري يعتمد على ترسيخ الهوية القومية المستقلة، مع إضعاف الانتماءات التاريخية والدينية، وتوجيه الرأي العام نحو تبني سردية الدولة الجديدة، في ما يمكن اعتباره صراعاً مباشراً على الهوية بين خيارين: هوية مصرية محايدة ومستقلة، وهوية مصرية متجذرة في الانتماء العربي والإسلامي.

الأحد، 7 مايو 2023

الكومبارس الأمريكي هل يسقط أردوغان؟!

 الكومبارس الأمريكي هل يسقط أردوغان؟!

  أحمد الفقي

وصفت المجلة سعي اوغلو للفوز في هذه الانتخابات بأنه قد يكون شيء من الخيال، فالرئيس التركي الحالي تولى رئاسة الوزراء منذ عام 2003 بقيادة حزب العدالة والتنمية واستطاع السيطرة على كل مؤسسات الدولة بما في ذلك الامتيازات الكثيرة التي قدمها للمؤسسة العسكرية


خلال الحملة الانتخابية الرئاسية في تركيا لعام 2018 نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالة أعربت فيها عن دعمها لخصم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، محرم إنجه، أوضحت بعض فقرات المقال أن هيئة التحرير في الصحيفة كانت تعلم أنها كانت تكره أردوغان لكنها لم تكن تعرف شيء عن خصمه إنجه. وفقاً لتقرير نشرته مجلة فورين بوليسي الأمريكية حول الانتخابات التركية الحالية فإن ما يجري بين كمال أوغلو زعيم حزب الشعب ومرشح المعارضة التركية والائتلاف السداسي الذي يمثله فإن القصة تتكرر مرة أخرى، لأن ذلك التحالف تجمع كراهية أردوغان أكثر من توافق قادته على أي مشروع سياسي خاص بمستقبل تركيا.

 

 إن تحقق أسوء الاحتمالات بشأن فوز تحالف "طاولة الستة " بقيادة أوغلو لا يعني بالضرورة تحقق التوقعات الغربية بشأن عودة تركيا للمستنقع الغربي، فالتحالف الذي يتصدره مرشح المعارضة متباين سياسياً وايديولوجياً

لقد وصفت المجلة سعي اوغلو للفوز في هذه الانتخابات بأنه قد يكون شيء من الخيال، فالرئيس التركي الحالي تولى رئاسة الوزراء منذ عام 2003 بقيادة حزب العدالة والتنمية واستطاع السيطرة على كل مؤسسات الدولة بما في ذلك الامتيازات الكثيرة التي قدمها للمؤسسة العسكرية التي كانت أهم أسلحة حزب الشعب سابقاً للفوز في الانتخابات.

إن تحقق أسوء الاحتمالات بشأن فوز تحالف "طاولة الستة " بقيادة أوغلو لا يعني بالضرورة تحقق التوقعات الغربية بشأن عودة تركيا للمستنقع الغربي، فالتحالف الذي يتصدره مرشح المعارضة متباين سياسياً وايديولوجياً، فاوغلو يقود يسار الوسط العلماني في تركيا ويتفاخر بنزعته الدينية العلوية بينما يتقاسم الرصيد السياسي على نفس الطاولة مع شخصيات قومية يمنية متطرفة بالإضافة إلى تيار محافظ منشق عن حزب العدالة والتنمية مثل علي باباجان وأحمد داوود أوغلو بالإضافة إلى ممثل عن حزب السعادة المحافظ ذو النزعة القومية.

يركز تحالف الأمة المعارض في حملته الانتخابية على مجموعة من السياسيات المشتركة أهمها البعد عن نظام الحكم الرئاسي الذي تبناه أردوغان قبل ست سنوات، وهنا لا يمكن التركيز فقط على تصويت تشريعي لتغيير هذا النظام بقدر ما نتحدث عن مرحلة جديد في السياسة التركية تتعلق بإعادة إنشاء مؤسسات حكومية تكلف إنشائها عقدين من الزمن تحتاج لإحداث تغيير فيها الكثير من التوافق بين تحالف المعارضة لذلك يمكن أن ينظر إلى عناوين الحملة الانتخابية للمعارضة على أنها محاولة لإدخال البلاد في صراع سياسي عملاق.

بالإضافة إلى نظر الكثير من الأتراك للطريقة التي نصب فيها كمال أوغلو زعيماً لتحالف المعارضة رغم أنه أضعف المنافسين بالنسبة لأردوغان باعتباره شخصاً يتبنى الخيار الديمقراطي لمواجهة الرئيس الحالي، كذلك الأمر بالنسبة لخلافات أوغلو مع نائبيه أكرم أوغلو ومنصور يافاش.

 أما بالنسبة للملف الكردي فإن المعارضة لا تزال غير حاسمة في خياراتها اتجاه هذا الملف الذي استطاعت الحكومة التركية الحالية تحقيق بعض الإنجازات فيه وهي إنجازات حفزت الحركة القومية لمساندتها،

أما بالنسبة للسياسيات الخارجية التي يرى كمال أوغلو بضرورة عدم التوسع فيها فإن هذا الأمر قد يكون صفعة لحليفة أحمد أوغلو عراب السياسة الخارجية السابق في حكومة أردوغان، كذلك فهي خطوة من شأنها عرقلة الكثير من الحراك الدبلوماسي الخارجي للدولة التركية التي استطاعت من خلاله تحقيق إنجازات مختلفة مثل حماية حدودها البحرية في البحر المتوسط وتعزيز حضورها في الصراع الروسي الغربي من خلال تدخلها في الأزمة الأوكرانية بالإضافة إلى دورها البارز في الملف السوري ونجاحها في تدمير مشروع الدولة الكردية في الشمال السوري.

الجزء الأهم الذي تخفيفه المعارضة التركية هي طبيعة علاقتها بالإدارة الأمريكية، فرغم زيارة كمال أوغلو للولايات المتحدة مرتين سراً خلال العشر السنوات الماضية إلا أنه لا يستطيع أن يتحدث علناً عن موقفه من السياسيات الأمريكية تجاه بلاده، فهم يتجهون دائماً لتعزيز تحالفهم مع واشنطن من تحت الطاولة.

 

السبت، 16 يوليو 2022

الشذوذ الجنسي والقصور العربي!

الشذوذ الجنسي والقصور العربي!


 أحمد الفقي

 

إن الزحف الدافئ لمثل هذه الظواهر المدمرة للمجتمعات المسلمة يجب التعاطي معه ليس من قبيل (الرأي والرأي الآخر) وترك مساحة لتبريرها بحجة العقل، بل يجب وأدها في مراحل المهد وترسيخ عقوبات شديدة تمارس إجتماعياً وتشريعياً لمن يمارسونها أو حتى يظهرون تقبلها أو تحف


خجل النظام الرسمي العربي والإسلامي من مواجهة الشذوذ الجنسي ومخاطره بصفته إنحراف سلوكي وأخلاقي وقيمي وسلوك الكثير من النخب الثقافية والسياسية والدينية هذا المنحنى الخطير من التبعية هو حالة كارثية تعطينا مؤشرات صادمة حول مستوى التراجع الذي تشهده المجتمعات المسلمة ليس فقط فيما يتعلق بصراعاتها الداخلية التي أنهكتها في العقد الماضي وجنوحها للتنازل والضعف أمام الهجوم البشع للحضارة الغربية بتنوع ألوانها وأساليبها، فكلمة الفطرة والحق الذي يجب أن يصدح بها من أجل التحذير من هذه الآفة لا تمثل بوصلة لجيل متعدد الفئات في عالمنا الإسلامي الكبير بل ايضاً تنبيه لهشاشة المنظومة التشريعية والقانونية التي تحمي تماسك مجتمعاتنا المسلمة في وجه الهجمة الشرسة التي تستهدفها.

لقد زاد بعض التنويرين العرب الخطاب الشعبوي حده تجاه التدين وتحول بعض الكومبارسات في الإعلام الشعبوي إلى "رموز فكرية" في نظر جيل جديد يتم تدجينه من خلال وسائل التواصل الاجتماعي التي تربطه بصورة مباشرة بالهوية العلمانية والسلوكيات الأخلاقية الدخيلة في العالم الغربي، فقبل أيام قلائل خرج الطبيب المصري، حسام موافي، على إحدى الشاشات لنظن بأنه سيصدر نصائحه الطبية كعادته لكنه هذه المرة خرج بفتوة شرعية تلغي ماسبق من إجماع المذاهب الأربع بشأن تحريم القرآن الكريم للحم الخنزير، ورغم أن ما صرح به موافي يمكن إسقاطه من قبل علماء التشريع والفقه إلا أن الخطير في قوله هو أنه أطلق العنان للكثير من الجدل السفسطائي بين طبقات مختلفة من رواد التواصل الاجتماعي الذين أصبح الكثير منهم صاحب رأي ومشوره بشأن النصوص الشرعية ونماذج مصغره لــ" أحمد عبده ماهر"، ولا يمانعون من إسقاط القداسة عن النص الشرعي والأخذ برأي موافي بشأن لحم الخنزير. ما أود قوله في هذا المقام هو أن الحملة الإعلامية الأخيرة الرافضة للانحراف والشذوذ الجنسي كانت تحذيراً هاماً لانتكاسة تعاني منها الشعوب المسلمة تتعلق بغياب الحصانة والقداسة على المدارس التشريعية والفقهية وغياب دور الكثير من مراكز الإفتاء الإسلامية وتصدرها لمثل هذه الأزمات التي تعيشها الشعوب المسلمة، وقصور دور الأنظمة الرسمية وإنبطاحها أمام الإبتزاز الغربي لها وهو أمر يشبه كثيراً ملف التطبيع مع الكيان الصهيوني وشرعنة وجوده ككيان لقيط في وسط محيطنا العربي.

إن الزحف الدافئ لمثل هذه الظواهر المدمرة للمجتمعات المسلمة يجب التعاطي معه ليس من قبيل (الراي والراي الآخر) وترك مساحة لتبريرها بحجة العقل، بل يجب وأدها في مراحل المهد وترسيخ عقوبات شديدة تمارس إجتماعياً وتشريعياً لمن يمارسونها أو حتى يظهرون تقبلها أو تحفيز المجتمع على تقبلها.

الأزمة التي نعيشها في عالمنا الإسلامي ونعاني بسببها من توحش أتباع هذه السلوكيات بدعم غربي منقطع النظير سببها تبعية المؤسسات الدينية للنظم الحاكمة وإنحيازها دائماً للجانب الرسمي من هذه القضايا، فخلال الأيام الماضية لم يصدر أي بيان رسمي أو فتوى أو تصريح أو تلميح بإستثناء الأزهر الشريف في القاهرة الذي جرم الظاهرة واعتبرها من "الكبائر"، والعجز الآخر الذي لايجب أن نغفله ضعف المؤسسات الإسلامية الأهلية وغياب دورها في توعية المجتمعات من اثر هذه الظاهرة ولاشك أن ضعفها الفكري والإجتماعي نتيجة طبيعية لحالة الإنهيار التي سببتها لها الإنهاكات السياسية التي مرت بها بعد "الربيع العربي".

أنا لا كتب عن تشخيص تلك الظاهرة المنحرفة بقدر ما أحاول تسليط الضوء على ضعف مناعة الأمة المسلمة تجاه هذه الكارثة التي تتسلل إلى جيل بكامله دون إستيعاب لخطورتها،وهنا أذكر بالكثير من المشاريع والحملات المنظمة التي غزت عالمنا الإسلامي الكبير والتي يقتصر في محاربتها غالباً على المعالجة الأمنية دون وجود حصانة قانونية وإعلامية وتوعية منها.

بالطبع هناك الكثير من الجهود التي تبذل للتصدي للظاهرة في سياق ديني، لكن غياب الوعي الديني عند الكثيرين وغياب دور المؤسسات التعليمية والتربوية وخصوصاً الأسرة يسمح للكثير من الإختراق في منظومة القيم وعلاج ذلك بالتشديد في القوانين والتشريعات من خلال تجريم التعاطي مع هذه الظاهرة وعدم التهاون مع مرتكبيها، فالكثير من الدول الغربية أصبحت أكثر إستسلاماً لهذه الظاهرة رغم رفض أغلبية المجتمعات لها بسبب قوة المال السياسي الداعم لها وتمركز الكثيرين ممن يمارسون هذه الرذيلة في مراكز صناعة القرار الغربية أو لديهم حصص عالية في إقتصاديات الدول، لذلك وجدنا الرئيس الأمريكي الأسبق، باراك أوباما، يخرج مذعنً في آخر أيامه في البيت الأبيض للمشاركة في مظاهرة للشاذين جنسياً، وكذلك بابا الكاثوليك فرنسيس، الذي خالف الرفض الدائم للفاتيكان وأعلن دعمه لجواز الشواذ جنسياً، بعد سلسلة فضائح هزت الكنيسة الكاثوليكية، وذلك إن دل على شيء فهو يدل على أن هذه الظاهرة ليست سلوك قيمي وإجتماعي منحرف بل ظاهرة سياسية تدعمها الرأسمالية الغربية بإعتبارها أحد وسائل تحطيم وتفكيك المجتمعات الشرقية وضمان إنهيار منظومتها الأخلاقية، لولا الوجود الروسي والصيني في مجلس الأمن لحولتها الولايات المتحدة لتشريع ثابت ضمن النظم الداخلية لهيئات الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

العام الماضي نشرت إحدى دور النشر المجرية المتخصصة في الترويج للشذوذ الجنسي، كتاب (A Fairy Tale for Everyone )، ولم يكن الكتاب سوى عبارة عن تحديث لقصص أطفال قديمة يتم استبدال الشخصيات فيها بشخصيات شاذة جنسياً، أي عبارة عن "دس السم في العسل" كما يقولون، لم تقف السلطات المجرية عاجزة أمام هذه الظاهرة، بل بادر رئيس الوزراء فكيتور أوربان وهو مسيحي متشدد إلى مهاجمة دار النشر والشذوذ الجنسي وأطلق حملة شرسة ضد هذه الظاهرة أسفرت عن حملات منظمة لمصادرة الكتاب من المكتبات. وفي بولندا وصف الرئيس اندريه دودا الشذوذ الجنسية بأنه "أيديولوجية" أسوء من الشيوعية، وقاد حملة تسمى "ميثاق الأسرة" تضمن نصوص تمنع وتحارب "زواج الشواذ" أو السماح لهم بتبني أطفال وحماية مؤسسات التعليم من خطرهم. وفي روسيا صدر قانون يجرم "الترويج للشذوذ"، وتم طرح مقترح مشروع قانون لحماية الأسرة يمنع زواج الشواذ أو السماح لهم بتبني أطفال، بالإضافة إلى إضافة خانة الجنس عند ولادة الطفل. كذلك في ماليزيا هناك خطوات شعبية ورسمية لمحارة الشذوذ الجنسي، أهمها قانون يقضي بالسجن لمدة 20 عاماً لمن يمارسون الشذوذ الجنسي، وتقوم وزارة الصحة الماليزية بصورة دائمة بتنظيم مسابقات للتوعية من مخاطر هذا السلوك المنحرف، أما في الصين فتُقر وزارة التعليم في مناهج علم النفس أن "الشذوذ الجنسي عبارة عن إضطراب عقلي غير طبيعي"، وتقارن هذه الفئة بمن يمارسون الجنس مع الحيوانات أو الموتى.

في عام 1947م كانت الولايات المتحدة تصف الشذوذ الجنسي بــ" بالمرض السيكوباتي" وخصصت الشرطة الأمريكية في حينه برنامج" القضاء على الإنحراف الجنسي"، وأصدر الكونغرس قانون " علاج السيكوباتيين جنسياً" في واشنطن،وكان هذا القانون مدخلاً لمعاقبة وإعتقال الأشخاص الذين يقومون بهذا السلوك المنحرف، بإعتباره مرضاً عقلياً، وكان ينظر له على انه تهديد تخريبي للبلاد يقارن بالشيوعية، لكن مع هيمنة الشركات الدولية على الراسمالية العالمية وشيوع هيمنة وسائل الإعلام الجديد على المعرفة الرقمية وقيام الكثيرين من رموز الإعلام والمال بدعم وتبني هذه الظاهرة مثل جورجيو أرماني، فإن العالم الإسلامي مقبل على التعاطي مع هذه الظاهرة في سياق أمني وسياسي وليس مجرد أزمة رأي!