‏إظهار الرسائل ذات التسميات أشرف دوابة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أشرف دوابة. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 12 أغسطس 2026

اتفاق مكة.. من الدفاع المشترك إلى القوة الاقتصادية المشتركة

 اتفاق مكة.. من الدفاع المشترك إلى القوة الاقتصادية المشتركة



أشرف دوابة


"قد يكون اتفاق مكة خطوة أولى جيدة، بشرط ألا يبقى اتفاقاً للدفاع عن الحدود، بل يتحول إلى نواة لمشروع بناء القوة الاقتصادية للعالم الإسلامي"

لم يكن توقيع تركيا والسعودية وباكستان اتفاق الدفاع المشترك في مكة في السابع من آب/أغسطس حدثاً عسكرياً عابراً، ولا مجرد استجابة لتوترات إقليمية متصاعدة، بل يمكن أن يمثل نواة لتحول أوسع في علاقات دول العالم الإسلامي، إذا أُحسن البناء عليه اقتصادياً وسياسياً. فالاتفاق الذي ينص في أبرز بنوده المعلنة على أن الاعتداء على إحدى الدول الثلاث يعد اعتداءً عليها جميعاً، ويفتح الباب أمام التعاون في التدريبات والاستخبارات والتكنولوجيا الدفاعية، يحمل رسالة واضحة بأن أمن المنطقة ينبغي أن يُصنع بإرادة دولها، لا أن يبقى مرتهناً لقوى خارجية.

لكن الأهم من منظور اقتصادي أن الدول الثلاث لا تجمعها فقط مصالح أمنية، بل تمتلك عناصر قوة اقتصادية متكاملة بصورة لافتة. فبحسب بيانات 2025، يقترب الناتج المحلي الإجمالي المجمع لتركيا والسعودية وباكستان من 3.3 تريليون دولار، بينما يقترب عدد سكانها من 380 مليون نسمة. وهذه ليست أرقاماً هامشية، بل كتلة اقتصادية وسكانية مؤثرة، وتستطيع إذا أحسنت التنسيق أن تتحول إلى مركز ثقل في العالم الإسلامي.

الأهم ألا يتحول هذا الاتفاق إلى محور مغلق، بل إلى نواة مفتوحة لمن يريد من الدول الإسلامية أن ينضم إلى مشروع يقوم على المصالح المشتركة، لا على الشعارات. فالعالم الإسلامي لا يعاني نقص الموارد، وإنما يعاني تشتتها، وضعف التجارة البينية، وغياب الإرادة السياسية لبناء سلاسل إنتاج وتمويل وأسواق مشتركة


ويزيد من أهمية هذا التجمع أن تركيا والسعودية عضوان في مجموعة العشرين، وأن المجال الجغرافي للدول الثلاث يمتد من شرق المتوسط والبحر الأحمر والخليج إلى بحر العرب وجنوب آسيا. وهذا يمنح أي تعاون اقتصادي بينها أبعاداً تتجاوز التجارة البينية إلى الممرات التجارية وسلاسل الإمداد والطاقة والاستثمار، ويجعلها قادرة على الربط بين أسواق إقليمية ضخمة بدلا من أن تتحرك كل دولة بصورة منفردة.

فتركيا يمكنها تقدم لهذه التجمع قاعدة صناعية وإنتاجية متنوعة، وشبكة تصدير واسعة، وخبرة متقدمة في الصناعات الدفاعية. وقد بلغت صادراتها السلعية في 2025 أكثر من 270 مليار دولار، فيما تجاوزت صادرات الصناعات الدفاعية والطيران عشرة مليارات دولار. وهي إلى جانب ذلك بوابة جغرافية بين آسيا وأوروبا، وتمتلك بنية صناعية يمكن أن تكون قاعدة لمشروعات إنتاج مشتركة.

أما السعودية، فتملك ما هو أكثر من النفط، فهي أكبر اقتصاد عربي، بناتج تجاوز 1.27 تريليون دولار في 2025، وتمتلك قدرات مالية واستثمارية هائلة، فضلاً عن مكانتها في أسواق الطاقة العالمية، ومشروعات التحول الاقتصادي في إطار رؤية 2030. ومن هنا يمكن لرأس المال السعودي أن يلتقي مع الصناعة التركية وحاجة تركيا للطاقة، والسوق والموارد البشرية الباكستانية، في مشروعات تتجاوز بكثير حدود التعاون العسكري.

أما باكستان، فرغم تحدياتها الاقتصادية فإنها ليست طرفاً ضعيفاً في هذه المعادلة. فهي دولة يزيد سكانها على 255 مليون نسمة، وتمتلك قاعدة بشرية وعلمية وصناعية كبيرة، وقدرات زراعية معتبرة، فضلاً عن موقعها الذي يربط جنوب آسيا بآسيا الوسطى وبحر العرب. وإذا أضيف إلى ذلك ثقلها العسكري والنووي، فإنها تمنح هذا التجمع عمقاً استراتيجياً لا يمكن تجاهله.

ومن ثم فإن القيمة الحقيقية لاتفاق مكة لن تكون في عدد المناورات العسكرية التي ستجرى، وإنما في ما إذا كان سيتحول إلى مشروع تكامل اقتصادي. والمطلوب أن نرى اتفاقات تجارة تفضيلية، وصندوقاً استثمارياً مشتركاً، وشركات مشتركة في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا والطاقة، وربطاً للموانئ والممرات اللوجستية، وتعاوناً في الأمن الغذائي، وتمويلاً إسلامياً قادراً على تحريك المدخرات نحو الاستثمار الحقيقي. كما يمكن للدول الثلاث أن تتوسع في التسويات التجارية بعملاتها الوطنية، بما يقلل تدريجياً من الارتهان الكامل للدولار في التجارة البينية.

والأهم ألا يتحول هذا الاتفاق إلى محور مغلق، بل إلى نواة مفتوحة لمن يريد من الدول الإسلامية أن ينضم إلى مشروع يقوم على المصالح المشتركة، لا على الشعارات. فالعالم الإسلامي لا يعاني نقص الموارد، وإنما يعاني تشتتها، وضعف التجارة البينية، وغياب الإرادة السياسية لبناء سلاسل إنتاج وتمويل وأسواق مشتركة.

نحن نتمنى لمصر أن تستعيد مكانها الطبيعي، لا أن تبقى خارج مثل هذه الترتيبات. فتركيا والسعودية وباكستان يمكن أن تشكل بداية طيبة، لكن اكتمال الصورة يحتاج إلى مصر وغيرها من الدول الإسلامية الكبرى


وكان من الطبيعي أن تكون مصر ضلعاً رابعاً في مثل هذا الترتيب. فهي تملك أكثر من 118 مليون نسمة، وقناة السويس، وموقعاً فريداً بين آسيا وأفريقيا، وقاعدة صناعية وخبرات عسكرية وتاريخاً لا يمكن تجاوزه. كما أن مصر شاركت بالفعل مع تركيا والسعودية وباكستان في الاجتماع الوزاري الرباعي في القاهرة في حزيران/يونيو الماضي، بما يؤكد أن أبواب التنسيق السياسي لم تكن مغلقة.

ومع ذلك فإن الحضور في ترتيبات استراتيجية كبرى يحتاج إلى أكثر من التاريخ والجغرافيا؛ يحتاج إلى اقتصاد قوي، ومؤسسات موثوقة، وقطاع خاص قادر على المنافسة، وجيش يركز جهده وموارده على مهمته الأصلية في حماية الوطن. فلا يخدم الثقة في الاقتصاد المصري استمرار اتساع دور المؤسسات المرتبطة بالقوات المسلحة في الأنشطة الاقتصادية المدنية، في وقت تحتاج فيه مصر إلى إطلاق طاقات القطاع الخاص وتكافؤ الفرص، وهو ما يؤكد عليه صندوق النقد نفسه في مطالبته بتقليص بصمة الجيش في الاقتصاد.

نحن نتمنى لمصر أن تستعيد مكانها الطبيعي، لا أن تبقى خارج مثل هذه الترتيبات. فتركيا والسعودية وباكستان يمكن أن تشكل بداية طيبة، لكن اكتمال الصورة يحتاج إلى مصر وغيرها من الدول الإسلامية الكبرى. والوحدة الحقيقية لا تبدأ فقط باتفاق للدفاع المشترك، بل ببناء سوق مشتركة، ومصانع مشتركة، واستثمارات مشتركة، وأمن غذائي وطاقة مشتركة.

إن الأمم لا تصبح قوية لأنها تملك السلاح فقط، وإنما لأنها تملك أيضا اقتصاداً قادراً على إنتاج السلاح والغذاء والتكنولوجيا، واتخاذ قرارها السياسي باستقلال. ومن هنا قد يكون اتفاق مكة خطوة أولى جيدة، بشرط ألا يبقى اتفاقاً للدفاع عن الحدود، بل يتحول إلى نواة لمشروع بناء القوة الاقتصادية للعالم الإسلامي. وهو ما تحتاجه الأمة اليوم أكثر من أي وقت مضى.

x.com/drdawaba

 

الثلاثاء، 19 مايو 2026

قانون الأسرة الجديد في مصر.. وهدم بنيان الأسرة

 قانون الأسرة الجديد في مصر.. وهدم بنيان الأسرة    
  أشرف دوابة 

يثير مشروع قانون الأسرة الجديد في مصر حالة واسعة من الجدل المجتمعي، ليس فقط بسبب ما يتضمنه من مواد تتعلق بالنفقة والحضانة والطلاق والرؤية والاستضافة، وإنما لأن القضية في حقيقتها أعمق من مجرد تعديلات قانونية؛ فهي تمس طبيعة الأسرة المصرية نفسها، وتطرح سؤالا خطيرا حول الاتجاه الذي يراد للمجتمع أن يسير فيه: هل الهدف الحقيقي هو بناء الأسرة واستقرارها، أم إعادة تشكيلها وفق تصورات مستوردة تتبنى الصراع بين الرجل والمرأة بدلا من التكامل بينهما؟

المشكلة الأساسية في كثير من النقاشات الدائرة حول القانون أن البعض يتعامل مع الأسرة وكأنها ساحة نزاع قانوني بين طرفين متخاصمين، بينما تقوم الأسرة في التصور الإسلامي على المودة والرحمة والتكامل وتحمل المسؤولية. 
فالقوامة في الإسلام ليست تسلطا ولا استبدادا ولا قهرا، وإنما هي تكليف ومسؤولية وإنفاق ورعاية ومودة ورحمة، ولذلك ربطها الشرع بالنفقة والواجبات، لا بمجرد السلطة المجردة. والرجل الذي يتحمل مسؤولية الإنفاق والسكن والرعاية لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد خصم ينبغي تحميله مزيدا من الأعباء والعقوبات والالتزامات المالية بلا حدود وكأنه ماكينة صراف آلي.

من هنا تبدو خطورة الاتجاه الذي يحاول معالجة أزمات الأسرة فقط عبر تغليظ الالتزامات المالية على الزوج، أو توسيع دائرة العقوبات، أو تحميل الرجل ما قد لا يطيق قبل الزواج وبعد الطلاق

ومن هنا تبدو خطورة الاتجاه الذي يحاول معالجة أزمات الأسرة فقط عبر تغليظ الالتزامات المالية على الزوج، أو توسيع دائرة العقوبات، أو تحميل الرجل ما قد لا يطيق قبل الزواج وبعد الطلاق. فالحياة الزوجية لا تُبنى بالخوف من القانون، وإنما تبنى بالثقة والرحمة والقدرة على تحمل الأعباء بصورة متوازنة. أما حين يشعر الشاب أن الزواج قد يتحول إلى مغامرة مالية وقانونية مفتوحة، فإن النتيجة الطبيعية ستكون مزيدا من العزوف عن الزواج، وتأخير سنّه، وانتشار العلاقات غير المستقرة، وفتح أبواب الحرام بدل تيسير أبواب الحلال.

وهنا تظهر المفارقة المؤلمة؛ إذ يظن البعض أنه ينتصر للمرأة عبر تحميل الرجل مزيدا من الالتزامات والنفقات والتعقيدات، بينما قد تكون المرأة نفسها أول من يدفع الثمن في النهاية حين يتراجع الإقبال على الزواج، أو تتحول البيوت إلى ساحات صراع اقتصادي دائم. فالاستقرار الأسري لا يتحقق بإفقار الرجل، كما لا يتحقق بإلغاء حقوق المرأة، وإنما يتحقق بالعدل والتوازن ومراعاة طبيعة العلاقة الأسرية التي تختلف عن العقود التجارية الجامدة.

كما أن الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي يعيشها المجتمع المصري اليوم تجعل من الضروري النظر إلى ملف الأسرة نظرة واقعية لا منفصلة عن الظروف المعيشية. فالشباب يواجهون أصلا أعباء هائلة من تكاليف السكن والأثاث والذهب والأفراح والديون والقائمة التي ما أنزل الله بها من سلطان، ثم تأتي قوانين وإجراءات جديدة تزيد من المخاوف المرتبطة بالزواج والطلاق، وكأن المجتمع يسير في اتجاه وضع المزيد من الحواجز أمام تكوين الأسرة لا تسهيلها. وفي النهاية تتحمل الأسرة كلها نتائج هذه الأعباء؛ إذ تتحول سنوات الزواج الأولى إلى مطاردة للديون والأقساط، ويضيع الاستقرار النفسي، وتختفي المودة تحت ضغط الأزمات الاقتصادية، فإذا دخلت المشكلات الاقتصادية من الباب هرب الحب من الشباك، ويكون الطلاق هو سيد الموقف، والمحاكم هي المقصد، وتشرد الأولاد هو النتيجة، وتنقلب المودة والرحمة إلى عداء وانتقام، وأرقام الطلاق المخيفة من القوانين الجائرة السابقة التي هضمت حق الرجل لا تخفي على أحد.

ولا يمكن تجاهل أن كثيرا من الأطروحات المطروحة في هذا الملف تتأثر بوضوح بخطابات نسوية غربية قامت أساسا على فكرة الصراع بين الرجل والمرأة، وهي خطابات نشأت في بيئات اجتماعية وتاريخية مختلفة عن المجتمع المسلم. وقد أثبتت التجربة الغربية نفسها أن هدم الأسرة لم يؤد إلى السعادة والاستقرار، بل أدى إلى ارتفاع معدلات التفكك والعزلة والانهيار الأخلاقي وتراجع معدلات الزواج والإنجاب بصورة باتت تهدد البنية السكانية والاجتماعية في كثير من الدول الغربية.

ومن المؤسف أن بعض الأصوات تتعامل مع الشريعة الإسلامية وكأنها عقبة أمام حقوق المرأة، مع أن الشريعة كانت عبر تاريخها الضمان الحقيقي لحقوق المرأة والرجل معا، لأنها قامت على العدل والتوازن لا على الانحياز لطرف ضد آخر. ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يكون باستنساخ نماذج غربية أو تحويل المحاكم إلى الوسيلة الأساسية لإدارة الحياة الأسرية، وإنما يبدأ من التربية على الإسلام، وتعليم الرجال والنساء حقوقهم وواجباتهم، وبناء الوعي الديني والأخلاقي الذي يحفظ البيوت من الانهيار قبل الوصول إلى ساحات القضاء.

استقرار الأسرة المصرية لا يمكن أن يتحقق عبر قوانين تُفرض من فوق بمعزل عن الشريعة وثقافة المجتمع وواقعه الاقتصادي، وإنما عبر رؤية متوازنة تحفظ الحقوق، وتراعي الواجبات، وتحمي الأسرة من التفكك بدل أن تزيد أسباب الانقسام والصراع داخلها

كما أن الدولة إذا كانت حريصة فعلا على استقرار الأسرة، فإن الأولى بها أن تعالج جذور الأزمة الاقتصادية التي تدفع كثيرا من الشباب إلى الهروب من الزواج، وأن تسهل تكاليف السكن والمعيشة والعمل، لا أن تضيف مزيدا من الأعباء القانونية والمالية التي تزيد الأزمة اشتعالا. فبناء الأسرة ليس معركة قانونية، وإنما مشروع حضاري وأخلاقي واقتصادي متكامل، وفي هذا السياق يجدر بالحكومة المصرية أن تتخذ من سياسة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نموذجا يُحتذى به في تيسير أمور الزواج ودعم وبناء الأسرة الشابة؛ حيث بادرت الحكومة التركية بإطلاق "صندوق الأسرة والشباب" الذي يمنح المقبلين على الزواج قرضا حسنا بدون أي فوائد بقيمة تصل إلى 250 ألف ليرة تركية، مع فترة سماح مريحة تمتد لعامين كاملين وسداد على أربع سنوات، فضلا عن تقديم خصومات وإعفاءات من الأقساط ترتبط طرديا بإنجاب الأطفال تشجيعا لزيادة النسل؛ وهي رؤية استراتيجية واجتماعية تستحق الدراسة والتطبيق لتخفيف الأعباء عن كاهل الشباب ومواجهة أزمة العزوف عن الزواج.

لقد شهدت مصر عبر عقود محاولات متعددة لإعادة تشكيل قوانين الأسرة من زوجات رؤساء سابقين، وبعض هذه المحاولات واجه رفضا مجتمعيا واسعا لأنها اصطدمت بثقافة المجتمع وهويته الإسلامية. والدرس الذي ينبغي استيعابه هو أن استقرار الأسرة المصرية لا يمكن أن يتحقق عبر قوانين تُفرض من فوق بمعزل عن الشريعة وثقافة المجتمع وواقعه الاقتصادي، وإنما عبر رؤية متوازنة تحفظ الحقوق، وتراعي الواجبات، وتحمي الأسرة من التفكك بدل أن تزيد أسباب الانقسام والصراع داخلها.

فالأسرة المسلمة ليست مجرد علاقة خاصة بين رجل وامرأة، بل هي آخر حصون المجتمع، وإذا هدمت الأسرة ضاع المجتمع كله. ولذلك فإن أي تشريع يتعلق بها يجب أن ينطلق من الحفاظ عليها وتقوية بنيانها، لا من تغذية الصراع داخلها أو تعقيد طريق الزواج أمام الشباب.

    



الخميس، 14 أغسطس 2025

متى تنتهي صفقات العار مع الكيان الصهيوني؟!

 متى تنتهي صفقات العار مع الكيان الصهيوني؟!

أشرف دوابة


في الوقت الذي تعاني فيه غزة من القتل بالجوع والحصار تارة وبالنابالم تارة أخرى، وتوجه الكيان الصهيوني لاحتلالها، طفت على السطح صفقة جديدة من صفقات العار، فلم يكتف النظام في مصر بغلق معبر رفح، والحيلولة دون دخول الشاحنات لغزة ما أدى لتكدسها وفساد الغذاء والدواء والمستلزمات وموت العشرات يوميا جياعا في غزة، بل قام بتوقيع اتفاقية مع الكيان الصهيوني لتوريد الغاز إلى مصر. وتعد هذه الاتفاقية أكبر اتفاقية تصدير في تاريخ الكيان الصهيوني، حيث تصل قيمتها إلى 35 مليار دولار من منصة الغاز في حقل ليفياثان، أكبر حقل غاز في الكيان الصهيوني.

وقد ذكرت رويترز أنه بموجب الاتفاقية التي أُعلن عنها الخميس الماضي، فإن حقل ليفياثان، قبالة سواحل إسرائيل على البحر الأبيض المتوسط، والذي تبلغ احتياطياته نحو 600 مليار متر مكعب، سيبيع نحو 130 مليار متر مكعب من الغاز إلى مصر بسعر أعلى بنسبة 14.8 في المئة مقارنة بالصفقة السابقة، وتمتد الصفقة حتى عام 2040 أو حتى يتم استيفاء جميع الكميات المتعاقد عليها.

تشير بيانات مبادرة بيانات المنظمات المشتركة إلى أن الغاز الإسرائيلي يمثل ما بين 15 في المئة إلى 20 في المئة من استهلاك مصر. وبالنظر إلى هذه النسب نجد أن صفقات العار للغاز مع الكيان الصهيوني ليست وليدة اليوم


وبموجب الاتفاقية سيزود حقل ليفياثان مصر في المرحلة الأولى بنحو 20 مليار متر مكعب من الغاز اعتبارا من أوائل عام 2026 بعد ربط خطوط أنابيب إضافية. وقالت شركة نيوميد إنها ستصدر 110 مليارات متر مكعب المتبقية في مرحلة ثانية في عام 2029، تبدأ بعد الانتهاء من مشروع توسعة حقل ليفياثان وإنشاء خط أنابيب نقل جديد من الكيان الصهيوني إلى مصر عبر نيتسانا في الكيان الصهيوني. وسوف يزيد تدفق الغاز إلى مصر مطلع العام المقبل من 4.5 مليار متر مكعب إلى 6.5 مليار متر مكعب. وبعد الانتهاء من المرحلة الثانية من حقل ليفياثان ستزيد الكمية إلى 12 مليار متر مكعب سنويا.

وتهدف مصر من هذه الصفقة للتخفيف من أزمة الطاقة، حيث أنفقت مليارات الدولارات على استيراد الغاز الطبيعي المسال منذ أن أصبحت إمداداتها أقل من الطلب. وقد بدأ إنتاج مصر بالتراجع في عام 2022، مما أجبرها على التخلي عن طموحاتها في أن تصبح مركزا إقليميا للإمدادات، ولجأت بشكل متزايد إلى الكيان الصهيوني لتعويض ذلك النقص.

وتشير بيانات مبادرة بيانات المنظمات المشتركة إلى أن الغاز الإسرائيلي يمثل ما بين 15 في المئة إلى 20 في المئة من استهلاك مصر. وبالنظر إلى هذه النسب نجد أن صفقات العار للغاز مع الكيان الصهيوني ليست وليدة اليوم، ففي عام 2005 وقّعت مصر اتفاقية لتصدير 1.7 مليار متر مكعب سنويا إلى الكيان الصهيوني عبر شركة غاز شرق البحر الأبيض المتوسط، وتم تشغيل خط أنابيب أرِيش-عسقلان في 2008، وفيما بعد تم رفع الكمية إلى 2.1 مليار متر مكعب سنويا، مع عقد إضافي لتزويد القطاع الصناعي الإسرائيلي بكمية تصل إلى ملياري متر مكعب. وحينما جاءت ثورة يناير 2011، تم إلغاء الاتفاقية بدافع وطني رفضا للتطبيع مع الكيان الصهيوني، وتلبية الاحتياجات الداخلية، إضافة إلى تفجيرات مستمرة طالت خط الأنابيب. وقد لجأ الكيان الصهيوني لهيئة تحكيم دولية فحكمت على مصر بدفع تعويضات بلغت نحو ملياري دولار، ثم تم تسوية ذلك بدفع 500 مليون دولار على مدى 8.5 سنة في عام 2019.

وبعد تراجع الإنتاج المحلي المصري، بدأت مصر تستورد الغاز من الكيان الصهيوني، ففي شباط/ فبراير 2018، جرى الاتفاق على توريد 64 مليار متر مكعب على مدى 10 سنوات من حقلي تمار وليفياثان عبر شركة دولفينوس القابضة، وبذلك تحولت مصر من مصدر للغاز إلى مستورد، ثم بدأ حقل ليفياثان بتصدير الغاز إلى مصر بداية عام 2020 بناء على الاتفاقيات السابقة، ووصلت كمية التوريد إلى حوالي 23.5 مليار متر مكعب حتى الآن، ثم في الأسبوع الماضي، وقّع الطرفان تلك الصفقة التي سميت بالصفقة التاريخية، باعتبارها الأكبر في تاريخ الكيان الصهيوني.

تبرير يحمل معه عوامل هدمه، فهل ضاقت من أمامنا الدول العربية المصدرة للغاز -وفي مقدمتها قطر- ولم يتبق إلا الكيان الصهيوني للجوء إليه؟!


إن هذه الصفقة لا تتوقف عند مهازلها الأخلاقية وحرمتها الشرعية بدعم هذا الكيان المحتل الواجب مقاطعته، بل وبذل الجهد لإنهاء احتلاله، ورفع الظلم عن أهلنا في غزة، فهذه الصفقة تمتد كذلك لتعري ما قيل عن حقل ظُهر للغاز وضخامته ونقله لمصر نقلة نوعية، فقد كشف هذا الأمر عن أكذوبة ما قيل عن هذا الحقل وقدرته، خاصة وأن مصر تواجه صعوبة في زيادة إنتاجها من الغاز وفقا لأحدث الأرقام الصادرة عن مبادرة بيانات المنظمات المشتركة (JODI)، حيث بلغ الإنتاج 3,545 مليون متر مكعب في أيار/ مايو، مقارنة بـ6,133 مليون متر مكعب في آذار/ مارس 2021 بانخفاض يزيد عن 42 في المئة في أقل من خمس سنوات.

إن تبرير الصفقة بالحاجة الملحة للطاقة وتوفير إمدادات ثابتة طويلة الأمد لمصر، مما يساعد على تشغيل محطات تسييل الغاز في إدكو ودمياط بكامل طاقتها، وتعزيز صادرات الغاز المسال إلى أوروبا، خصوصا مع الطلب الأوروبي المرتفع بعد أزمة أوكرانيا، ما يرفع من الإيرادات السنوية من العملة الصعبة ويدعم الاحتياطي النقدي، هو تبرير يحمل معه عوامل هدمه، فهل ضاقت من أمامنا الدول العربية المصدرة للغاز -وفي مقدمتها قطر- ولم يتبق إلا الكيان الصهيوني للجوء إليه؟! كما أن الكيان الصهيوني لا يعرف سوى مصلحته، وهو ينظر لتلك الصفقة على أنها تعاون استراتيجي مع مصر في ملف الطاقة، وهو مؤشر على عمق العلاقات الاقتصادية بينهما، وهو عمق على حساب الدم الفلسطيني، ونهب موارد الفلسطينيين، ولا يوجد مبرر واحد لهذا الفعل مقبول شرعا أو عقلا، وسيظل التاريخ يذكر تلك الصفقات بمزيد من العار.

x.com/drdawaba

الأربعاء، 7 مايو 2025

المساعدات الإنسانية في غزة بين الهوان العربي والهولوكوست الصهيوني

 المساعدات الإنسانية في غزة بين الهوان العربي والهولوكوست الصهيوني

أشرف دوابة

على بعد أمتار من غزة تتكدس الشاحنات المحملة بالمساعدات الإنسانية لأهل غزة والتي وصلت صفوفها عشرات الكيلومترات، وهي مساعدات جاءت من جهات شتى أملا في دخولها لغزة التي حرمت من دخول قطرة ماء أو حبة غذاء منذ أكثر من شهرين ونصف، وما زال المصير لما تحمله تلك الشاحنات غامضا؛ هل سينتهي الأمر بدخولها واستفادة أهل غزة مما بها، أم يذهب ما تحمله تلك الشاحنات إلى عالم المتلفات بفسادها لعدم القدرة على إدخالها.

يأتي هذا وأهل غزة يواجهون الموت إما من خلال النابالم بالهولوكوست الصهيوني، وإما من خلال الجوع، حتى وصل عدد الأطفال الذين ماتوا فقط جوعا أكثر من ستين طفلا خلال الأيام القليلة الماضية، وحتى أن الأمم المتحدة نفسها شكت من أن مخازنها في غزة لم يعد فيها أي غذاء، كما أنه نتيجة حتمية للحصار وقلة الزاد زادت الأسعار بأكثر من 400 في المئة، ولم يعد في مقدرة عموم الناس الحصول على كسرة خبز، في حين أن إخوانهم من العرب والمسلمين أصابتهم التخمة من كثرة الشبع، وحتى ضميرهم لم يتحرك لمد يد العون إلى أهالي غزة، ورفع الحصار عنهم، ووقف الموت السريع والبطيء لهم، وإن أرادوا لفعلوا،
نتنياهو وعصابته يعيشون المتناقضات؛ ما بين حرب ضروس وإجرام بلا حدود وقتل بلا هوادة، وما بين توفير لقيمات لأهل غزة لن يقمن أصلابهم ولن تصلهم بصورة تلائم احتياجاتهم، في ظل القصف المستمر وتوسيع دائرة العدوان والحرب

 ولكنه الهوان العربي بل والإسلامي الذي أخرس الجميع وجعلهم يصمتون صمت القبور أمام الإجرام الصهيوني الذي أعلن رئيس وزراء كيانه بنيامين نتنياهو أنه سيزيد من توسيع الحرب على غزة، وهو في الوقت نفسه يتجه إلى توفير سعرات حرارية لأهل غزة لا تسمن ولا تغني من جوع.

فوفقا لما نشرته صحيفة تايم أوف إسرائيل فإن إسرائيل تعتزم تغيير طريقة توزيع المساعدات الإنسانية في قطاع غزة بشكل جذري عندما تبدأ السماح بدخول المساعدات مجددا خلال الأسابيع المقبلة، بعد تجميد دام قرابة شهرين ونصف، وتقضي الخطة بالابتعاد عن نموذج التوزيع بالجملة والتخزين المركزي، واللجوء بدلا من ذلك إلى قيام منظمات دولية ومتعاقدين أمنيين خاصين بتسليم صناديق غذاء مباشرة إلى العائلات في غزة، وسيحتوي كل صندوق على كمية من الغذاء تكفي عدة أيام، إلى أن يُسمح لممثل العائلة بالعودة مجددا لتسلُّم حزمة جديدة، حيث تعتقد إسرائيل أن هذه الآلية ستُصعّب على حماس الاستيلاء على المساعدات لصالح مقاتليها. ولن يشارك الجيش الإسرائيلي بشكل مباشر في عملية التوزيع، في ظل اعتراض رئيس الأركان الفريق إيال زمير؛ لكن الجنود سيتولون تأمين الحماية الخارجية للمتعاقدين الخاصين والمنظمات الدولية المكلفين بتوزيع المساعدات.

وهكذا فإن بنيامين نتنياهو وعصابته يعيشون المتناقضات؛ ما بين حرب ضروس وإجرام بلا حدود وقتل بلا هوادة، وما بين توفير لقيمات لأهل غزة لن يقمن أصلابهم ولن تصلهم بصورة تلائم احتياجاتهم، في ظل القصف المستمر وتوسيع دائرة العدوان والحرب، وكون أهل غزة الجائعين أهدافا مكشوفة للعدو الصهيوني، وهؤلاء الصهاينة الذين استخدموا استراتيجية التجويع والحصار للضغط على حماس للعودة إلى صفقة الرهائن التي أفسدتها أيدي الصهاينة يعرفون جيدا أن حماس يكفي مقاتليها الذين يزودن عن عرض الأمة وكرامتها وأرضها المقدسة بضع تمرات وماء.

المسؤولية التاريخية تتطلب من الدول العربية والإسلامية -وفي مقدمتها مصر- حكاما وشعوبا وقف لجام هذه الحرب، وفك الحصار عن أهل غزة، والمسارعة في إعادة تعميرها، ولا أقل للشعوب من الضغط على حكامها

إن الوضع الجائر والحصار الخانق لأهل غزة دعا بأحرار من العالم لاتخاذ سفينة لرفع هذا الحصار، ولكن العدوان الصهيوني لم يترك لها مجالا لتحقيق أغراضها، فقد أفاد تحالف أسطول الحرية أن سفينة له تابعة لحملة كسر الحصار عن غزة تعرضت لهجوم إسرائيلي بطائرتين مسيّرتين قرب مالطا، وقد أدى ذلك إلى اندلاع حريق في أحد أجزائها مع عدم وقوع إصابات بين الناشطين المشاركين في الرحلة وعددهم 30 ناشطا دوليا.

كما أن هذا الوضع الخانق دعا التجمع الوطني للقبائل والعشائر والعائلات في غزة إلى مطالبة كل أحرار العالم بالحشد والمشاركة في فتح المعابر، ووجه نداء خاصا لمصر رئيسا وحكومة وشعبا، مشيرا للدور التاريخي لمصر ومسؤوليتها التاريخية. ولكن هل من مستجيب، خاصة وأن مصر هي الدولة التي بها هذه المعابر مباشرة، وهي من أوقفت الحرب على غزة وألجمت العدوان الصهيوني من قبل إبان فترة رئاسة الدكتور محمد مرسي؟

إن المسؤولية التاريخية تتطلب من الدول العربية والإسلامية -وفي مقدمتها مصر- حكاما وشعوبا وقف لجام هذه الحرب، وفك الحصار عن أهل غزة، والمسارعة في إعادة تعميرها، ولا أقل للشعوب من الضغط على حكامها لا سيما الذين باعوا ضمائرهم وتحالفوا أو تآمروا مع الكيان الصهيوني، وجعلوا بقعة دولهم وممالكهم الضيقة مقدمة على مفهوم الأمة الإسلامية وأرضها المقدسة، فلا نامت أعين الجبناء والمتخاذلين والمتآمرين!

x.com/drdawaba

الثلاثاء، 16 نوفمبر 2021

ميلاد منظمة الدول التركية بين الواقع والمأمول

 ميلاد منظمة الدول التركية بين الواقع والمأمول

أشرف دوابه

انعقدت يوم الجمعة الماضي في "جزيرة الديمقراطية والحريات" قبالة ولاية إسطنبول في بحر مرمرة؛ قمة المجلس التركي الثامنة. ويضم الدول الناطقة بالتركية ممثلة في تركيا وأذربيجان وكازاخستان وقرغيزيا وأوزبكستان، والمجر بصفة مراقب.

وقد أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن تحويل المجلس التركي إلى "منظمة الدول التركية"، مع انضمام تركمانستان بصفة مراقب، ليكون ذلك نواة لمنظمة تجمع الشعب التركي في دول متعددة. وقد تم اختيار "نزل عارف باشا" التاريخي في إسطنبول مقرا للأمانة العامة للمنظمة، ولرفع أعلام الدول الأعضاء فوقه.

وكان "المجلس التركي" قد تأسس في 3 تشرين الأول/ أكتوبر 2009، ومقره مدينة إسطنبول، بهدف تأسيس وتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء في قضايا التعليم، والاقتصاد، والسياسة الخارجية، والمواصلات، والجمارك، والسياحة، والإعلام، والرياضة والشباب، فضلا عن تعميق العلاقات البينية وتوسيع مجالات التعاون الدولي في العالم الإسلامي، وترسيخ السلام والاستقرار فيها.

بدا التشارك بين الدول الأعضاء واضحا من خلال تقاسم الإمكانات خلال انتشار وباء كورونا، فضلا عن الدور التركي البارز في النصر الذي حققته أذربيجان على أرمينيا


وقد وافق الرؤساء في قمة إسطنبول الثامنة على وثيقة "رؤية العالم التركي 2040" التي ترسم المنظور المستقبلي للمنظمة، من خلال تعزيز التضامن السياسي والتعاون الاقتصادي والتجاري والثقافي، وتفعيل العلاقات الإنسانية والاجتماعية والتنموية، ومكافحة الإرهاب بكافة أشكاله والتطرف والعنصرية ومعاداة الإسلام، واتخاذ خطوات مشتركة ضد الأزمات مثل التغير المناخي والأوبئة. وقد بدا التشارك بين الدول الأعضاء واضحا من خلال تقاسم الإمكانات خلال انتشار وباء كورونا، فضلا عن الدور التركي البارز في النصر الذي حققته أذربيجان على أرمينيا.

وقد جاء في رؤية المنظمة 2040 أنها تهدف إلى دعم قدرة أعضائها على مواجهة تحديات العصر بشكل فردي وجماعي، حيث سيتم تسخير روح التعاون الحالية لخدمة الهدف الأساسي لكل دولة عضو، لرفع المعايير السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لمجتمعاتها، من خلال الآليات التعاونية والمشاريع المشتركة، وتجميع الخبرات وتقديم الموارد المادية والفكرية عند الحاجة، وسوف توفر المنظمة منصة قوية وشفافة للتعاون المتزايد والتضامن. وإدراكا للحقائق الجيوسياسية العالمية والإقليمية، ستسعى المنظمة إلى العمل كمجموعة إيجابية تزداد قدرتها على إشراك جميع الشركاء الراغبين في التعاون البنّاء من أجل تحقيق السلام والاستقرار والازدهار على الصعيدين الإقليمي والدولي. وفي هذه العملية، ستتمسك المنظمة بالقانون الدولي وثقافة التعاون المتعدد الأطراف بهدف دعم حالة يمكن التنبؤ بها على الصعيد الدولي.

من حق تركيا بعد أو وجهت وجهتها للتعاون مع بني دينها ووجدت التآمر عليها من كل حدب، أن تتوجه إلى بني قومها، لا سيما وأن الإسلام يجمعهم جنبا إلى جنب مع القومية


ويأتي ميلاد هذه المنظمة بارقة أمل في مرحلة حرجة من التفكك بل والتآمر الذي يضرب أركان الوحدة بين الدول الإسلامية، فمنظمة التعاون الإسلامي أضعفتها الخلافات السياسية، وينطبق الأمر ذاته على دول مجلس التعاون الخليجي، وتحولت الجامعة العربية إلى خنجر في خاصرة القضايا العربية والإسلامية، حتى أن التجمع الإسلامي الذي ضم تركيا وباكستان وإندونيسيا وماليزيا وقطر واجه تآمرا عربيا لإفشاله، لذا فمن حق تركيا بعد أو وجهت وجهتها للتعاون مع بني دينها ووجدت التآمر عليها من كل حدب، أن تتوجه إلى بني قومها، لا سيما وأن الإسلام يجمعهم جنبا إلى جنب مع القومية. والتاريخ شاهد على أن الأتراك حملوا الإسلام وحموه لأكثر من ستة قرون، وكان وقتها وضع المسلمين أفضل حالا وأكثر قوة ومكانة وعدلا وانتشارا مما هو عليه حالنا الآن، والذي قسم المستعمر فيه بلاد الإسلام إلى دويلات غلب على سلوكها التآمر ضد بعضها البعض؛ والولاء للصهاينة واتخاذهم قربانا لملكهم.

إنه من رحم الألم يولد الأمل، وإذا كان الحاضر مظلم فالمستقبل بإذن الله مشرق، فالتكامل بين هذه الدول قادر على ميلاد كيان يملك غذاءه ودواءه وسلاحه، لا سيما في ظل التطور الذي شهدته تركيا علي كافة الأصعدة، فيمكن لهذه الدول الاستفادة من التجربة التركية في بناء اقتصادها. وفي الوقت نفسه قد تكون هذه المنظمة طوق النجاة للاقتصاد التركي بتوفير ما يحتاجه من موارد تزخر بها الدول الأخرى في المنظمة، من ذهب وفضة وحديد ونحاس وتيتانيوم وكروم ومنجنيز وكوبالت ونفط وغاز، لا سيما وأن موارد الطاقة تمثل نصيب الأسد من الواردات التركية. فإذا تم ذلك من خلال تفعيل نظام المدفوعات المتعددة داخل المنظمة - بل وتوحيد المنظمة عملتها مستقبلا - فإنه حتما سيكون له دور ملحوظ في تحسن قيمة الليرة التركية، لا سيما في ظل انفتاح أسواق تلك الدول على الصادرات التركية، وهو ما يسهم بفعالية في التنمية والاستقرار بدول المنظمة.

twitter.com/drdawaba

الأربعاء، 22 سبتمبر 2021

الاستثمار في السجون في مصر

 الاستثمار في السجون في مصر

أشرف دوابه

أعلن السيسي عن الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، والتي تشتمل على أربعة محاور عمل رئيسة: محور الحقوق المدنية والسياسية، ومحور الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومحور حقوق الإنسان للمرأة والطفل وذوي الإعاقة والشباب وكبار السن، ومحور التثقيف وبناء القدرات في حقوق الإنسان.

وقد جاء هذا الإعلان لمغازلة الغرب لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، في ظل الانتهاك الممنهج من قبل النظام المصري لحقوق الإنسان، والمحاكمات بالشبهة وترسيخ التعذيب ومصادرة الأملاك الخاصة. وما هي إلا أيام معدودات حتى أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عن تعليق مبلغ 130 مليون دولار من المعونة العسكرية الأمريكية لمصر، رهناً باتخاذ خطوات لتحسين أوضاع حقوق الإنسان، فيما وافقت في الوقت نفسه على منح مصر 170 مليون دولار من المساعدات، من شريحة قيمتها 300 مليون دولار للسنة المالية 2020، حيث تتلقى مصر سنوياً 1.3 مليار دولار من المساعدات العسكرية الأمريكية.

جاء هذا الإعلان لمغازلة الغرب لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، في ظل الانتهاك الممنهج من قبل النظام المصري لحقوق الإنسان، والمحاكمات بالشبهة وترسيخ التعذيب ومصادرة الأملاك الخاصة


وعلى الرغم من الشروط المفروضة على شريحة الـ300 مليون دولار، تجاوزت الإدارات الأمريكية السابقة عن تلك الشروط وسمحت بإرسال المساعدات. وأوضح المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية أن وزير الخارجية (أنتوني بلينكن) سيمضي قدما في الموافقة على تقديم 130 مليون دولار من المساعدات العسكرية؛ إذا عالجت الحكومة المصرية بشكل حازم أوضاعا محددة تتعلق بحقوق الإنسان.

وفي خضم هذه الأحداث التي كاد أن يقول فيها المريب خذوني، نفى السيسي وجود انتهاكات لحقوق الإنسان في مصر، معلنا في الوقت نفسه أنه سيتم افتتاح أكبر مجمع للسجون قريب، حيث قال في مداخلة هاتفية مع برنامج تلفزيوني مصري: "يجب أن يطمئن المصريون بعدم وجود انتهاك لحقوق الإنسان في بلادهم"، مضيفا: "لا شك في أن مظاهر الفقر والجهل وثقافتنا خلال سنوات ماضية أدت إلى وجود ممارسات خاطئة". وتابع بالقول: "مش من حق حد يسيء للآخرين سواء بالتنمر أو التحرش، لأنه يعد انتهاكا لحقوق الإنسان".

ثم أعلن السيسي أنه سيتم افتتاح أكبر مجمع سجون في مصر خلال أسابيع قليلة، قائلا: "إحنا هنفتتح أكبر مجمع سجون، واحد من 7 أو 8 هنعملهم في مصر، إحنا جايبين نسخة أمريكية كاملة، فيه كل شيء.. حتى لو إنسان أذنب وبنعاقبه، مش هنعاقبه مرتين هنعاقبه مرة واحدة بأنه يقضي عقوبة في السجن". وأضاف: "المسجون في المجمع هيقضي عقوبته بشكل آدمي وإنساني.. حركة وإعاشة ورعاية صحية ورعاية إنسانية وثقافية وإصلاحية". وتابع: "مفيش حركة كتير، ولا يتنقلوا بعربية الترحيلات.. لا، القضاء سيكون هناك.. عملية الإصلاح تتضمن إنشاء منظومة متكاملة".

يبشر السيسي المصريين ليس ببناء المدارس التي يجلس تلاميذها على أراضي فصولها، أو المستشفيات التي تفتقد للأسرّة وأدنى احتياجات العلاج أو المصانع التي لها قدرة على تشغيل الشباب.. إنما يبشرهم بأكبر مجمع للسجون


وهكذا يبشر السيسي المصريين ليس ببناء المدارس التي يجلس تلاميذها على أراضي فصولها، أو المستشفيات التي تفتقد للأسرّة وأدنى احتياجات العلاج أو المصانع التي لها قدرة على تشغيل الشباب.. إنما يبشرهم بأكبر مجمع للسجون، ولن يتوقف الأمر على هذا، بل إن استثماره خلال المرحلة المقبلة متوجه نحو إنشاء سبعة أو ثمانية مجمعات؛ ليس لإسكان الشباب ليعيش حياة حرة كريمة، بل لسجنهم في سجن كبير داخل سجن أكبر اسمه مصر.. والعجيب أن المتهم سيجد قاضي النظام في نفس المجمع، فالداخل لهذا المجمع مفقود والخارج منه مولود، في حين سيعيش هو وأنصاره في ظل ما سماه العاصمة الإدارية الجديدة، والتي لن تختلف عن المنطقة الخضراء التي ابتدعها الأمريكان لحماية عملائهم في البلاد التي غزوها.

إن مصر فيها 42 سجنا، وقد اتخذ السيسي سياسة الاستثمار في السجون منهجا وجمّلها رغم قبحها بالطراز الأمريكي لمغازلة الولايات المتحدة الأمريكية، وياليته غازلها في رفع الدخل للمصريين، أو الاهتمام بالصحة، أو التعليم، أو التصنيع، أو حفظ الكرامة الإنسانية التي ليس لإهانتها في مصر نظير..

سياسة السيسي بالاستثمار في السجون جنبا إلى جنب مع الاستثمار في الديون؛ نتيجتها حبس الناس داخل جدران السجون أو سجن مصر الكبير، بالغلاء والقهر والاستعباد. وهذه السياسة وإن استمرت وقتيا فهي تحمل معها عوامل الانفجار


فما التوسع في بناء السجون إلا مؤشر واضح على غياب منظومة العدالة، فلو توفر العدل ما احتاج البلد لسجن واحد.. ولكنه الظلم الاقتصادي بمصادرة أموال الناس، وليس آخرها محلات التوحيد والنور التي سماها مول القاهرة، وهذا نتاج طبيعي لكرهه لكل اسم إسلامي وهجومه المغلف المتتالي على الدين عقيدة وشريعة، فضلا عن الظلم الاجتماعي بالقضاء على الطبقة المتوسطة وزيادة نسبة الفقر وتقسيم المجتمع إلى شيع: سادة من جيش فشرطة فقضاء فإعلام، وعبيد وهم جموع الشعب.. إضافة إلى الظلم السياسي برفع شعار: ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد..

فهو الذي تغنى بأن الإيمان والكفر بالله مفتوح، ولكنه في الوقت نفسه جعل من يجرؤ على معارضته ليس له إلا السجون التي تعج الآن بأكثر من 60 ألف مسجون سياسي؛ انتقاما وظلما وعدوانا. 

إن سياسة السيسي بالاستثمار في السجون جنبا إلى جنب مع الاستثمار في الديون؛ نتيجتها حبس الناس داخل جدران السجون أو سجن مصر الكبير، بالغلاء والقهر والاستعباد. وهذه السياسة وإن استمرت وقتيا فهي تحمل معها عوامل الانفجار، ووقتها سيكون طف الصاع ولن تكون السجون إلا لبانيها، ولنا في التاريخ العظات والعبرات.

twitter.com/drdawaba

السبت، 20 يونيو 2020

حياة المصريين في خطر

حياة المصريين في خطر

أشرف دوابة
أعلنت إثيوبيا أنها سوف تبدأ في ملء "سد النهضة" في تموز/ يوليو المقبل، بغض النظر عن التوصل إلى اتفاق مع مصر من عدمه، حيث اكتملت ثلاثة أرباع أعمال البناء في السد، واكتمل الجزء المعني بالهندسة المدنية من السد بنسبة 87 في المئة.

وتتخذ إثيوبيا هذه الخطوة بصورة منفردة بعد فشل المفاوضات مع الحكومة المصرية، والتي اتهمت إثيوبيا بالتسويف في المفاوضات خلال السنوات الخمس الماضية، وأنها تفتقر إلى إرادة سياسية للوصول لاتفاق، مشددة على أن التوجه الإثيوبي يمثل تراجعا كاملا عن التفاهمات الفنية التي اتفقت عليها الأطراف الثلاثة: مصر وإثيوبيا والسودان، خلال الجولات السابقة. وهو ما يمثل خرقا صريحا لاتفاقية إعلان المبادئ الموقعة في عام 2015، وأن الأمر مثير للقلق ويعد محاولة لفرض الأمر الواقع، كما يعد مخلا من الناحيتين الفنية والقانونية.

وترفض الحكومة المصرية أي إجراء أحادي الجانب في ما يتعلق بملء خزان سد النهضة، كما رفضت إلى جانب السودان المقترح الأخير لأديس أبابا بالتخلي عن جميع الاتفاقات السابقة حول قواعد ملء السد، والتي توصلت إليها الدول الثلاث خلال المفاوضات التي جرت في واشنطن برعاية أمريكية وبمشاركة البنك الدولي.

ورغم تقدم مصر بشكوى لمجلس الأمن الدولي في هذا الشأن، فإن الرد الإثيوبي جاء قويا ومستهترا بالنظام المصري. فقد قال نائب رئيس هيئة الأركان الإثيوبية إن بلاده "لن تتفاوض حول سيادتها" على سد النهضة، مضيفا: "المصريون يدركون جيدا كيف ندير الحرب كلما حان وقتها".

إن ما يحدث يكشف فشل ذريعا للحكومة المصرية في إدارة أزمة تتعلق بحياة المصريين جميعا، بل في صنع تلك الأزمة المدمرة لحاضر مصر ومستقبلها. فالسيسي وعد المصريين بدولة جديدة في 30 حزيران/ يونيو 2020م، وقد اقترب هذا التاريخ ولكن مصر باتت دولة جديدة.. ليس في التعمير والتنمية وحقوق الإنسان بل في الهدم والتخريب وقهر الإنسان. وكل المشاكل تهون، من كورونا إلى اقتصاد ممزق إلى ديون توريطية إلى بيع تيران وصنافير، رغم جرم فاعلها وحق المصريين في نيل حقوقهم من فاعلها، ولكن القضية الكبرى الآن هي قضية مياه النيل الذي ارتبطت به حياة المصريين على مدار تاريخهم.

لقد بلغت نسبة الإجهاد المائي في مصر وفقا لتقديرات حكومية مصرية نسبة 140 في المئة، وهو ما يعني أن حصة المواطن المصري من مياه النيل انخفضت إلى نحو 600 متر مكعب سنويا بعدما كانت 2500، وهذه النسبة تعتبر أقل بـ40 في المئة من خط الفقر المائي الذي حددته الأمم المتحدة عند 1000 متر مكعب للفرد سنويا. كما أن حصة مصر من مياه النيل البالغة 55 مليار متر مكعب التي تمثل 95 في المئة من احتياجاتها المائية، سوف تتأثر تأثرا كبيرا بسبب ملء سد النهضة، وهو ما يتوقع أن تنخفض بنسبة 38 في المئة.

إن من ورط مصر والمصريين في تهديد حياتهم هو السيسي نفسه الذي وقع اتفاقية إعلان المبادئ مع إثيوبيا بحثا عن شرعية المنقلب، وهو الذي جعل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يحلف أمام الكاميرات في موقف عبثي مضحك وفاضح. وشتان بين موقفه المخزي ومفاوضاته العبثية؛ وموقف الرئيس الشهيد الدكتور محمد مرسي الذي قالها صريحة مدوية: "إن نقصت مياه النيل قطرة واحدة فدماؤنا هي البديل".

إن تاريخ مصر منذ وجودها يعكس ارتباطها بالنيل الذي هو هبة الله لها، وما حل بمصر من رخاء أو أزمات منذ وجودها ارتبط بمياه النيل إيجابا وسلبا، حتى أن المؤرخ المصري المشهور تقي الدين المقريزي ذكر أن مصر تعرضت لنحو 20 أزمة اقتصادية منذ الفتح الإسلامي لها حتى القرن الخامس عشر الميلادي (الذي عاش فيه)، وذكر أن أسباب معظمها ترجع إلى قصور نهر النيل وعدم وفائه وانخفاض مستوى الفيضان، وأن نتاج ذلك كان ارتفاعا في الأسعار ونقصا في الأقوات وانتشارا للطاعون والأوبئة الفتاكة.. فكيف الحال إذا أصبح ضياع مياه النيل في واقعنا المعاصر هو الأساس؟!.. إنه يعني ببساطة نهاية حياة المصريين.. فمتى يفيق المصريون وينقذون حياتهم ومستقبل أولادهم ممن فرط في المياه والأرض والعرض والغاز؟!

twitter.com/drdawaba