‏إظهار الرسائل ذات التسميات قطاع غزة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قطاع غزة. إظهار كافة الرسائل

السبت، 25 يوليو 2026

إسرائيل تريد محو فلسطين ليس من الأرض فحسب بل من التاريخ أيضا

 إسرائيل تريد محو فلسطين ليس من الأرض فحسب بل من التاريخ أيضا

قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم


يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

ما جرى أمس في المسجد الأقصى لم يكن استفزازاً عادياً ولا اقتحاماً اعتيادياً من قبل المستوطنين. فقد اقتحم 4 آلاف و248 مستوطناً، بقيادة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، وتحت حماية أمنية مشددة من الشرطة، ساحات المسجد الأقصى. وكان بينهم وزراء، وأعضاء في الكنيست، وحاخامات، ومسؤولو جماعات "الهيكل". وأقاموا طقوساً تلمودية، وسجدوا، وأنشدوا الترانيم. 

أما بن غفير، فقد صرّح في ساحة المسجد الأقصى قائلاً: "إن اليهود باتوا يؤدون عباداتهم في جبل الهيكل براحة أكبر بكثير مما كان عليه الأمر في السابق"
، معلناً بذلك، في استعراض للقوة والجريمة، الاستراتيجية التي تنتهجها إسرائيل منذ زمن طويل خطوةً بعد أخرى.

إن قراءة هذا الحدث على أنه مجرد إساءة جديدة وخطوة أخرى متقدمة ضد المسجد الأقصى ستكون قراءة ناقصة. 

لأن ما يجري اليوم في فلسطين ليس ثلاث أزمات منفصلة. فغزة، والضفة الغربية، والقدس، هي ثلاث جبهات لاستراتيجية واحدة. 

ففي غزة يُباد الإنسان؛ وفي الضفة الغربية تُفرَّغ الأرض من سكانها؛ أما في القدس فيُعاد كتابة التاريخ والهوية.

إن ما يجري في غزة ليس حرباً، وما يحدث في الضفة الغربية ليس مجرد حوادث أمنية منفردة بالطبع. لكن إسرائيل الصهيونية التي تمارس الإبادة الجماعية تريد أن تبدو الأمور كذلك، وقد نجحت حتى الآن في ترسيخ هذه الصورة لدى جميع المؤسسات الرسمية في العالم. إلا أنها لم تعد اليوم قادرة على إقناع أحد بهذه الرواية. وتُظهر أحدث تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة أصبح يُرى بوضوح على أنه جبهات مختلفة لاستراتيجية واحدة.

وبحسب أحدث تقييمات الأمم المتحدة، يُجبر ملايين الأشخاص في غزة على النزوح مرة بعد أخرى. فقد جعلت أوامر الإخلاء المتواصلة، والأحياء التي سويت بالأرض، والمستشفيات التي أصبحت غير قادرة على العمل، وانهيار شبكات المياه والصرف الصحي، وخطر المجاعة وانتشار الأوبئة، من المستحيل على الناس أن يعيشوا حياة طبيعية. 

وتكشف تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن الوصول إلى الغذاء والمياه النظيفة بلغ مستوىً حرجاً، وأن النظام الصحي انهار إلى حد كبير، وأن ظروف معيشة السكان المدنيين تزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

أما في الضفة الغربية، فتجري عملية أكثر هدوءاً، لكنها لا تقل تدميراً. وبطبيعة الحال، فإن هدوءها مرتبط أيضاً بعتبة استماع العالم، وإلا فإن صدى الانتهاكات المرتكبة هناك قد بلغ الآفاق. فالعمليات العسكرية المتزايدة، ونقاط التفتيش، وهدم المنازل، ومصادرة الأراضي الزراعية، واعتداءات المستوطنين، والتضييق المتواصل على حرية الحركة، لا تؤدي إلى تهجير الفلسطينيين مباشرة، بل تجعل الحياة على أرضهم غير قابلة للاستمرار. ولم يعد ما يصفه القانون الدولي بـ"التهجير القسري" يقتصر على الوقوف على الأبواب بالسلاح، بل أصبح يتمثل في خلق ظروف معيشية تدفع الناس إلى الهجرة قسراً. وهذا هو بالضبط الخطر الأبرز الذي يحذر منه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

وما يميز هذه الانتهاكات عن سابقاتها هو أن هذا التحرك لم يعد مجرد استفزاز منفرد. بل أصبح استعراضاً لوقاحة جامحة ومتغطرسة، لم يعد الصهاينة المتعصبون يشعرون معها حتى بالحاجة إلى تقديم أي تبرير يبرئ جرائمهم. 

ووفقاً لتقييم محافظة القدس، فإن الحكومة الإسرائيلية تحاول الآن فرض وقائع سياسية وقانونية جديدة في المسجد الأقصى. فقد سُمح للمستوطنين بإقامة الطقوس التلمودية، والسجود، وإنشاد الترانيم بصوت مرتفع، بينما مُنع المسلمون إلى حد كبير من الدخول، بل وللمرة الأولى أُقيمت مظلة دائمة في الساحة الشرقية مخصصة للمستوطنين. 

أما جماعات "الهيكل"، فقد أعلنت صراحة أنها تستهدف في السنوات المقبلة رفع عدد المشاركين في هذه الاقتحامات إلى 5 آلاف مستوطن وأكثر.

كل ذلك يدل على أن إسرائيل لم تعد تشعر حتى بالحاجة إلى التذرع بخطاب السياسات الأمنية، بل باتت تعمل مباشرة على تغيير الهوية الدينية والتاريخية للمدينة. والهدف، بطبيعة الحال، ليس مجرد زيارة المسجد الأقصى، وإنما القضاء فعلياً على الوضع التاريخي الذي اعترف به القانون الدولي على مدى قرون، وترسيخ التقسيم الزماني والمكاني، وإقامة نظام جديد تكون فيه السيادة لإسرائيل بصورة لا تقبل الجدل.

وعند هذه النقطة، تصبح غزة والضفة الغربية والقدس أجزاءً من الصورة نفسها. ففي غزة يُقتل الناس بالقنابل؛ وفي الضفة الغربية يُجبر الناس على الهجرة عبر تدمير مقومات حياتهم؛ أما في القدس فتُغيَّر الذاكرة والتاريخ والأماكن المقدسة. ففي مكان يُغيَّر الواقع الديموغرافي، وفي مكان آخر تُغيَّر الجغرافيا، وفي الثالث يُعاد كتابة التاريخ.

لم يعد اسم هذا مجرد احتلال. بل إنها استراتيجية تصفية شاملة تستهدف القضاء على جميع مقومات وجود شعب بأكمله. فالإبادة الجماعية لا تتحقق فقط بقتل الناس؛ بل إن اقتلاع مجتمع من أرضه، وتدمير تراثه الثقافي والديني، وحرمانه من المستقبل، كلها أجزاء من العملية نفسها.

وللأسف، فإن موقف المجتمع الدولي يسهم أيضاً في تعميق هذه المأساة. فالأمم المتحدة تصدر أخيراً تقارير، والمحاكم الدولية تتخذ قرارات، ومنظمات حقوق الإنسان توثق الانتهاكات؛ لكن كل ذلك لا يكفي لتغيير الواقع على الأرض. ففي المكان الذي لا يُطبَّق فيه القانون، تحل القوة محل العدالة. لقد أصبحت فلسطين اليوم اختباراً لضمير النظام الدولي، وليس لإسرائيل وحدها.

وفي الحقيقة، فإن هذه المحاولات ليست موجَّهة ضد الفلسطينيين وحدهم، بل تمثل تحدياً صريحاً للعالم الإسلامي بأسره. لأن المسجد الأقصى ليس القبلة الأولى للفلسطينيين فحسب، بل هو القبلة الأولى لجميع المسلمين، وأمانة مشتركة بينهم جميعاً.

 

الأحد، 2 نوفمبر 2025

الصناعة البشرية الغزاوية

الصناعة البشرية الغزاوية



كشفت لنا غزّة بعد معركة طوفان الأقصى عن معجزةٍ لا تقل عن معجزة الصمود ذاتها، وهي معجزة “الصناعة البشرية الغزاوية”. تلك الصناعة التي لا تُقاس بالمصانع ولا بالآلات، بل تُقاس بمقدار ما تنتجه من رجالٍ ونساء ثابتين على المبادئ، مؤمنين بالقضية، رابطين على الحق رغم القهر والجوع والموت. لقد كشفت لنا غزّة أنّ الإنسان فيها لا يُصنع على مقاعد المدارس الرسمية فحسب، بل في المساجد، وفي حلق القرآن، وفي المحاضن التربوية التي تُنضج العقول وتُزكّي القلوب وتُصلب الإرادات.

في غزّة، لا يُنظر إلى الإنسان بوصفه كائناً يُستهلك أو يُستثمر اقتصادياً، بل بوصفه مشروعاً إيمانياً وتاريخياً. يُربّى منذ نعومة أظفاره على أنّ وجوده رسالة، وأنّ الموت في سبيل الله حياة، وأنّ كل قطرة عرق أو دم تخرج منه هي لبنة في بناء الأمة. هناك لا يُخشى الفقر بقدر ما يُخشى الانهزام، ولا يُخشى الحصار بقدر ما يُخشى الانكسار. في غزة، تُدار معارك الإنسان قبل معارك الميدان، وتُخاض الحروب على النفوس قبل أن تُخاض على الحدود. إنّها مدرسة في صناعة الإنسان الحر، الذي يعرف من أين جاء، ولماذا يعيش، وإلى أين يسير؟.

هذه الصناعة الغزاوية الفريدة لم تنشأ صدفة، بل بدأت من حيث تبدأ الأمم الحقيقية: من المسجد. هناك يُصاغ الوعي، وتُربّى النفوس على العبادة والجهاد والصدق مع الله. ومن حلقات القرآن تتخرج أجيال تعرف أنّ الكلمة يمكن أن تكون طلقة، وأنّ الآية يمكن أن تفتح باباً للنصر. ومن المحاضن التربوية تنشأ شبكات متماسكة من الشباب المؤمنين بالفكرة، المستعدين لحملها مهما طال الطريق أو اشتد البلاء. ومن الأسرة الممتدة التي تتوارث الفكرة قبل الميراث، تنشأ تلك الروح الجماعية التي تجعل من كلّ بيتٍ في غزّة خلية رباط وصبر وإيمان.

وحين نقارن هذه الصناعة الغزاوية بصناعة الإنسان في بقية بقاع الأرض، ندرك الفارق الهائل بين من يُصنع ليستهلك ومن يُصنع ليُحرّر. في كثيرٍ من المجتمعات الحديثة يُراد للإنسان أن يكون ترساً في ماكينة الاقتصاد، أو رقماً في منظومة السوق، يُقاس بما يملك لا بما يؤمن به، ويُربّى على لذاته لا على قيمه، وعلى حريته الفردية لا على مسؤوليته الجماعية. أمّا في غزّة، فالإنسان ليس نتاجاً لثقافة الاستهلاك بل لثقافة المعنى. ليس ابن الشاشة بل ابن السجادة. ليس مخرجات نظام مادي بل ثمار تربية ربانية صاغت روحه قبل عقله، وغرست في داخله أنّ الكرامة لا تُشترى، وأنّ الحريّة لا تُمنح بل تُنتزع.

إنّ الصناعة الغزاوية للبشر هي أقرب ما تكون إلى الصورة التي أرادها الإسلام للإنسان المسلم الحرّ؛ الإنسان الذي يجمع بين الروح والعقل، بين القوة والرحمة، بين العبادة والعمل، بين حب الحياة وإدراك أنّ الموت في سبيل الله أسمى مراتبها. هو الإنسان الذي لا تذله الحاجة ولا يغريه المال ولا يرهبه الطغيان. هو الذي يعرف أنّ الجهاد ليس فعلاً عسكرياً فقط، بل منظومة قيم تبدأ من تربية النفس وتنتهي بتحرير الأرض.

خارطة الطريق لتلك الصناعة تبدأ من إعادة بناء بيئتنا التربوية على هذا المنهج الرباني. تبدأ من المسجد الذي يستعيد دوره كمحضنٍ للرجال والأجيال، ومن حلقات القرآن التي تغرس الإيمان واليقين، ومن البرامج التربوية التي تُعِدّ الإنسان ليكون فاعلاً لا تابعاً. لا يكفي أن نُخرّج طلاباً ناجحين في الامتحانات، بل نحتاج أن نُخرّج رجالاً ناجحين في الامتحان الأكبر: امتحان الثبات حين تتهاوى القيم وتضطرب الموازين. الأمة التي تريد أن تصنع “إنسان غزّة” في ديارها يجب أن تُعيد وصل ما انقطع بين التربية والرسالة، وبين العلم والإيمان، وبين المسجد والمجتمع.

لقد علّمتنا غزّة أنّ الاستثمار الحقيقي ليس في النفط ولا في الأبراج، بل في الإنسان الذي يعرف ربه، ويؤمن بقضيته، ويصبر على البلاء، ويصنع من الألم أملاً ومن الحصار نصراً. تلك هي الصناعة التي تستحق أن تُدرَّس، لا في كتب التنمية البشرية، بل في كتب النهضة الإسلامية القادمة.

الثلاثاء، 30 سبتمبر 2025

الإبادة باسم السلام: كيف صارت خطة نتنياهو خطة العرب والمسلمين؟!

 الإبادة باسم السلام: كيف صارت خطة نتنياهو خطة العرب والمسلمين؟!

ساري عرابي


أعلن ترامب أخيرا عمّا ينبغي أن يُسمّى خطة نتنياهو/ ديرمر لفرض الاستسلام والواقع الإسرائيلي على قطاع غزّة وتصفية القضية الفلسطينية، بعنوان كاذب هو "إنهاء الحرب"، مع بهارات ترامب المألوفة في صياغة العبارات الكبيرة عن إنجازات تاريخية في تحقيق السلام لا وجود لها. بيد أنّ الأسوأ في كل ما هو مذكور، أنّ خطة نتنياهو/ ديرمر وفّر لها ترامب سلفا غطاء عربيّا/ إسلاميّا باجتماعه مع رؤساء وممثلي ثمانية دول عربية وإسلامية على هامش الدورة 80 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. (أثناء كتابة هذه المقالة، أصدر وزراء خارجية هذه الدول بيانا مشتركا جاء فيه: "وقد أكد الوزراء استعدادهم للتعاون بشكل إيجابي وبناء مع الولايات المتحدة والأطراف المعنية لإتمام الاتفاق وضمان تنفيذه، بما يضمن السلام والأمن والاستقرار لشعوب المنطقة").

هكذا باتت خطة نتنياهو/ ديرمر؛ خطة للعرب والمسلمين، باسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وعليه، وُضعت المقاومة الفلسطينية في مواجهة الدول العربية والإسلامية، بالرغم من أنّها ليست إلا في مواجهة دولة الإبادة الجماعية "إسرائيل"، وصار ينبغي أن تُنفَّذ هذه الخطة التي تدعو إلى تسليم جميع الأسرى الإسرائيليين سلفا في ظرف 72 ساعة، ليكون الاحتلال حرّا بالكامل في عموم حركته العسكرية الإبادية، ويبدأ نتنياهو خطته بإنجاز كبير أمام مجتمعه. ثمّ بعد ذلك لا ضمانات ولا جداول ملزمة (فالجدول الزمني الوحيد المنصوص عليه هو تسليم الأسرى الإسرائيليين)، في حين أنّ خارطة الانسحابات تضمن لـ"إسرائيل" شريطا عازلا داخل القطاع، ثمّ تُفْرَض لجنة فلسطينية تعيّنها أمريكا لإدارة القطاع على أساس التنسيق الكامل مع إسرائيل بإشراف دولي، يتمثل في أمريكا و رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، ليضمن هذا الإشراف لا استسلام فصائل المقاومة وتسليم سلاحها فحسب، ولكن أيضا حلّ نفسها والتنصّل من ذاتها والاعتذار لـ"إسرائيل"، 

صار ينبغي أن تُنفَّذ هذه الخطة التي تدعو إلى تسليم جميع الأسرى الإسرائيليين سلفا في ظرف 72 ساعة، ليكون الاحتلال حرّا بالكامل في عموم حركته العسكرية الإبادية، ويبدأ نتنياهو خطته بإنجاز كبير أمام مجتمعه. ثمّ بعد ذلك لا ضمانات ولا جداول ملزمة

وليضمن أيضا التزام اللجنة الفلسطينية بالتبعية الكاملة للشرط الإسرائيلي، وكل ما يتعلق بانسحاب الاحتلال مرهون بقرار الاحتلال بحسب تذرّعه بمدى اطمئنانه إلى تجريد القطاع من السلاح، وكفاية قوات الوصاية الدولية، ليستمر في عمليات الاغتيال والقصف والمداهمة! طبعا، لن يتذكر داعمو خطة نتنياهو/ ديرمر ما تفعله "إسرائيل" في لبنان وسوريا!

هذه الخطة كلّها لم يأت فيها أيّ ذكر للسلطة الفلسطينية، بمعنى أن اللجنة الإدارية الخاضعة للوصاية الأمريكية/ الإسرائيلية ستكون مجردة من الهوية السياسية والمشروع الوطني، وهذا عينه مشروع اليمين الإسرائيلي؛ طمس الهوية الفلسطينية وإلغاء أيّ ممثل سياسيّ للفلسطينيين. وهو إعلان عمليّ بإنهاء الاتفاق المؤسس للسلطة الفلسطينية، أي إنهاء اتفاقية أوسلو، والتأسيس لواقع سياسيّ جديد، يخضع فيه الفلسطينيون لوصاية دولية، فلا توجد أجندة معلنة واضحة لإنهاء هذه الوصاية لصالح السلطة الفلسطينية، أو لصالح تدشين مسار سياسي يقوم على أساس حقّ الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وتحرير أرضهم وتجسيد هويتهم القومية في دولة لهم (بل إنّ ترامب في إعلانه أبدى تفهّمه لرفض نتنياهو إقامة دولة فلسطينية). وغير بعيد عن ذلك، أنّ إعلان ترامب/ نتنياهو، عن خطة نتنياهو/ ديرمر؛ لم يتناول السياسات الاستيطانية/ العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية، بما في ذلك مشاريع الضمّ القائمة بالفعل، ليس فقط في إجراءاتها الفعلية على الأرض، ولكن أيضا بصيغها القانونية، التي تحوّل الوجود الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة من كونه تابعا للحكم العسكري الإسرائيلي، إلى كونه احتلالا مدنيّا خالصا بما يخالف القوانين الدولية.

وفّرت خطة نتنياهو/ ديرمر لنتنياهو فرصة إعادة إنتاج نفسه أمام المجتمع الإسرائيلي، والقدرة على الاستمرار في الحرب بأشكال متعددة تحت عناوين جديدة (تسليم السلاح، وكفاءة القوات الدولية، وجدارة اللجنة الفلسطينية المرتبطة بالاحتلال)، وامتصاص الرأي العامّ العالمي المناهض لسياسات الإبادة الجماعية، وبما يعيد إنتاج الكيان الإسرائيلي مجددا في العالم، بوصفه الساعي إلى إنهاء الحرب، وفي حين لم توافق المقاومة على الخطة التي تدعوها إلى إنهاء نفسها بنفسها، فإنّ الغطاء للإبادة الجماعية هذه المرّة عربي وإسلامي، بعدما تُحمّل المقاومة المسؤولية عن رفضها لخطة تصفيتها وتصفية القضية الفلسطينية.

اصطف الجميع للبحث عن مخرج يعطي "إسرائيل" كل شيء، أو يرفع الحرج عنها في استكمالها للإبادة، لأنّ المسؤولية هذه المرّة سوف تُحمّل للمقاومة، وهكذا فدماء عشرات الآلاف وتشريد سكان القطاع المستمر وتدميره بالكامل، وصمود مقاومتهم، والمحاكم الدولية، والعزلة الدولية، كلّ ذلك جرى تجييره لينتهي لصالح بنيامين نتنياهو


إنّ الأهوال التي صُبَّت على الغزيين، وقدرة مقاومتهم على الصمود المعجز في غمرة الإبادة الجماعية، كان يمكن استثمارها فلسطينيّا وعربيّا وإسلاميّا للتأسيس لواقع سياسيّ جديد يدفع نحو إنهاء الإبادة فورا ويجعل الموقف الفلسطيني في الأفضلية على الأقل سياسيّا، بيد أنّ الجميع كان ينتظر اللحظة السريعة التي تجهز فيها "إسرائيل" على المقاومة في غزّة، وحركتها الأكبر، فلمّا لم يُنجَز الأمر سريعا، اصطف الجميع للبحث عن مخرج يعطي "إسرائيل" كل شيء، أو يرفع الحرج عنها في استكمالها للإبادة، لأنّ المسؤولية هذه المرّة سوف تُحمّل للمقاومة، وهكذا فدماء عشرات الآلاف وتشريد سكان القطاع المستمر وتدميره بالكامل، وصمود مقاومتهم، والمحاكم الدولية، والعزلة الدولية، كلّ ذلك جرى تجييره لينتهي لصالح بنيامين نتنياهو.

وبينما هذا هو الموقف الرسمي للنظام العربي/ الإسلامي، المتواطئ مع تجيير الإبادة وصمود المقاومة لصالح نظام الإبادة ومنطقها، يروّج الإعلام العربي لإرادة ترامب لإنهاء الحرب، وفرضه ذلك على نتنياهو، وكأنّ التجربة كلّها المستفادة منذ وصوله إلى البيت الأبيض، إضافة إلى دورته السابقة (والتي ذكّر بها في إعلانه عن خطته خطة نتنياهو/ ديرمر حينما تحدث عن نقله سفارة بلاده إلى القدس والاعتراف بها عاصمة لـ"إسرائيل" والاعتراف بضمّ الأخيرة للجولان) لم تعلّم هذا الإعلام والمتحدثين فيه والممتهنين الكتابة والموصوفين بالثقافة؛ أنّ أمريكا، وتحديدا في ظلّ إدارته، ما هي إلا منفّذ للأجندة للإسرائيلية، وهو أمر صار محيّرا للعديد من النخب في اليمين الأمريكي، ولكنه لا يُحيّر أبدا بعض مثقفينا، بما في ذلك بعض من أيّد منهم المقاومة طوال المرحلة الماضية، ثمّ سارع أخيرا صراحة أو بنحو خفيّ للترويج لخطة نتنياهو/ ديرمر.

تأتي هذه الخطة الإسرائيلية، المفروضة أمريكيّا، والمغطاة عربيّا وإسلاميّا، في ذكرى الأمين العام الأسبق لحزب الله السيد حسن نصر الله، في هذه الذكرى يطالب الكثير من العرب والمسلمين الفلسطينيين بشتم الرجل الذي وقف معهم هو وحزبه حتى قضى في هذه الوقفة؛ في معركة لم تكن أبدا معركة أحد من العرب والمسلمين، كما هو واضح!

وأخيرا، مهما كان مآل هذه الخطة وكيفية التعاطي معها، سواء أنفذت أم لا، وافقت عليها حماس في أيّ إطار كان، كأن توسع إطار اتخاذ القرار في أمر بات أوسع حتى من الإبادة الهائلة، أم لم توافق عليها، فإنّ من يتحمّل المسؤولية عن النتيجة على حاليها، هو من خذل الفلسطينيين في غزة، وتآمر عليهم، ولم يستثمر الفرصة العظيمة التي أعطيت للعرب والمسلمين ليكونوا بشرا مرئيين وفاعلين في هذا العالم لأوّل مرّة منذ عقود طويلة.

x.com/sariorabi

أوليا جلبي..ابن بطوطة التركي في رحلته إلى القدس وغزة

أوليا جلبي..ابن بطوطة التركي في رحلته إلى القدس وغزة


  تيسير خلف  


رسم لمسجد عمر بالقدس في 1753


زار الرحالة العثماني الكبير أوليا جلبي المتوفى سنة 1090 هجرية/ 1679 ميلادية، فلسطين أكثر من مرة ودوَّن وقائع زياراته في رحلته الشهيرة سياحة نامة سي، ذات الأجزاء الكثيرة، والتي تعد واحدة من أكبر وأشهر الرحلات في العالم الإسلامي خلال حقبة ازدهار الإمبراطورية العثمانية. 
 اسمه محمد ظلي أفندي ويسميه بعض المستشرقين ابن بطوطة التركي. ولد في إسطنبول عام 1020 هجرية/ 1611 ميلادية من أبوين أبخازيين من القفقاس. كان جده الثاني حاملاً للواء السلطان محمد الثاني فاتح القسطنطينية، ووالده درويش كان جواهري البلاط السلطاني (قويومجي باشي) وكان يصحب السلطان سليمان القانوني في حملاته العسكرية. أما أمه فكانت أُختاً للصدر الأعظم. 

 كان أوليا جلبي ذا ميل للدراسات العلمية ولذلك فقد عمل (حافظاً) في مسجد آيا صوفيا، وهناك سنحت له فرصة التعرف بالسلطان مراد الرابع الذي أعجب بصوته في تلاوة القرآن فرفعه إلى قصره وجعله من ندمائه. 

 لكن حياة القصور لم ترق له، فغادرها في رحلة استمرت خمسين عاما زار خلالها معظم مناطق العالم الإسلامي وأوروبا، مرة بصفة إمام، ومرة وحده. وخلال أسفاره رافق أهم الجيوش العثمانية إلى الشرق والغرب، واستطاع أن يرى أكثر بلاد الأناضول والروم والقفقاس، ووصل جزيرة كريت، وجال في إيران وفيينا وألمانيا والسويد، وهولندا وبولندا وروسيا وهنغاريا وبلغاريا واليونان والبوسنة وبلاد الشام والعراق والجزيرة العربية ومصر وغيرها. 

 ويُعد مصنّف أوليا جلبي من أهم الوثائق التي تصف العصر الذي عاش فيه. وهو يزودنا بتفصيلات غنية عن الأقطار التي زارها وعادات شعوبها وأحوالها الفكرية والاجتماعية ونظم حكوماتها ومعاهدها ومنشآتها وآثارها القديمة التي أولاها قدراً كبيراً من اهتمامه وخص منها بعنايته ـ شأنه شأن الهروي ـ المساجد والمزارات والأضرحة. ويتضمن مصنفه حكايات كثيرة عن كرامات الأولياء والأنبياء، ومنها حكايات تتميز بصبغة أسطورية واضحة بسبب تدينه الشديد وتصوفه في عصر انتشر فيه التصوف وعمّ الأقطار الإسلامية. 

 وقد أجمل موردتمان (1852 ـ 1932) الواسع الاطلاع على الثقافة التركية القول في أوليا جلبي حين قال: 
"لقد كان أوليا جلبي كاتباً خصب الخيال مع جنوح واضح إلى الغريب وإلى المخاطر، وهو يفضل الأسطورة على الوقائع التاريخية الجافة ويلذ له الدخول في المبالغات بحيث يبلغ في ذلك حد الإسفاف. فإذا ما وضعنا في حسابنا هذه النقائص فإنه يجب الاعتراف من جهةٍ أخرى بأن كتابه ذخيرة لا تنفد في جميع ما يمس الحياة الاجتماعية والأدب الشعبي والجغرافيا وأنه يعرض كل هذا في أسلوب يمتاز بالبساطة والحيوية معاً". 

 زار أوليا جلبي بلاد الشام مرتين الأولى عام 1058 هجرية/ 1648 ميلادية، صحبة الوزير مرتضى باشا الكرجي المعروف بالسلحدار، والمعيّن واليا على الشام. وأخبار هذه الرحلة في المجلد الثالث من الكتاب. وأما الثانية فكانت في عام 1082 هجرية/ 1671 ميلادية في طريقه إلى الحج وأخبارها في المجلد التاسع. 
 في صفد والجليل 
 وفد جلبي إلى القدس قادماً من صيدا على الساحل الشامي، فسار جنوباً محاذاة البحر ثم انعطف صاعداً إلى المنطقة الجبلية فزار يارون والجش والسوق العتيق وقرية ميرون وعين الزيتون وهي تقع على بعد 12 كم إلى الشمال الغربي من صفد على الطريق التاريخي الذي يصلها بعكا والساحل. 

 ثم زار مدينة صفد التي وصفها بشكل شبه مفصل، فقال عن جامع الملك الظاهر الذي يسمى أيضاً بالجامع الأحمر: إنه كانت تغطي المسجد من الخارج قبة رصاصية، كما غطى الرصاص رأس المئذنة التي تشبه الأبراج في ضخامتها وعلوها، وقد اكتسب هذا الجامع اسمه من حجارته الحمراء المصقولة، وفوق المحراب كتبت سورة العرش بخط جميل. كما تحدث عن جامع الصواوين فقال: "وفي محلة الصواوين جامع الشيخ عيسى وصاحبه مدفون في ساحته". 

 ثم زار مقام "أبو قميص" وبحيرة المنية (طبرية) وقلعتها وقام بزيارات للمشاهد مختلفة في منطقة صفد وطبرية. وبعدئذٍ واصل سفره إلى قلعة عين التجار (اليوم خان التجار وخان السوق) فجبل طابور فاللجون فقرية نَيْن (في مرج ابن عامر) فقرية زرعين (في المرج نفسه). ثم زار جنين وقباطية وعرابة والمغارة والفندقومية وسبسطية. ومن هناك اتجه إلى عكا والناقورة، ثم عاد إلى دير شرف وبيت ايبا وجنين مرة أخرى. 

 ونجد بعد ذلك في رحلته المحطات التالية: نابلس التي يصف فيها الجامع الكبير حيث يقول إن محرابه الحالي "كان مدخل كنيسة من الناحية الشرقية، وعلى جانبي المدخل يوجد ثمانية أعمدة ممشوقة من الرخام يرتكز عليها قوس الجامع الذي هو آية في فن البناء، ويبلغ طول الجامع 300 خطوة وعرضه 100 خطوة، ومجموع ما فيه من الأعمدة 55 عموداً. ومحرابه واسع جداً ومنبره قديم". ثم زار قرى عسكر، وبلاطة، وعورتا، وحوارة، وبيتا، وعقربة، والزاوية، وخان اللبن (عقبة اللبن)، وسنجل، والبيرة، والنبي شمويل (صمويل)، وعين الظاهر بيبرس (قرب قرية العنب "أبو غوش") والشيخ جراح بظاهر القدس، فالقدس. 
 ويقول أوليا جلبي: "عندما قام سليم بتخليص البلاد من أيدي المماليك كان بشالق فلسطين يتألف من السناجق التالية: غزة وجبل عجلون واللجون ونابلس والقدس. وهذه السناجق يديرها الباشا. وهناك خمسة سناجق أخرى تحت حكم زعماء البادية يديرونها كأنها ملك خاص لهم، ولكنهم يدينون في الوقت نفسه بالولاء للسلطان. وفي هذه الولاية بعض القرى المخصصة للأوقاف إلا أن معظم القرى تتبع أرباب الإقطاعات من الزعماء والتيماريين، وهم قادة الفرسان الإقطاعيين. وهناك أيضاً قائد قوات السنجق. وقائد الانكشارية". 
 فتح السلطان سليم للقدس 
وحول دخول السلطان سليم إلى القدس يقول جلبي: "عندما خرجت القدس من حوزة المماليك الشراكسة، خرج كل العلماء والصالحين لملاقاة سليم شاه سنة 922 هجرية (1516م). وسلموه مفاتيح المسجد الأقصى وقبة صخرة الله، وسجد سليم وهتف قائلاً: "الحمد لله أنا الآن صاحب مسجد القبلة الأولى" ثم وزع الهدايا على جميع الأعيان وأعفاهم من الضرائب الباهظة وثبتهم في وظائفهم، ثم أدار الوثائق العمرية التي كانت في حوزة رهبان الروم والفرنجة أمام وجهه وعينيه وأعطاهم خطاً شريفاً أكد للرهبان فيه ما جاء في تلك الوثائق، أي أنهم كانوا معفيين من أداء الضرائب وأن كنيسة أنسطاسيا (المقصود القيامة) تظل مكان الصلاة الرئيسي بالنسبة لهم كما كانت حتى الآن.. 
 وعين السلطان سليم باشا حاكماً على المدينة وثبِّت مولانا أخفش زادة شيخ الدراويش المولوية في منصبه ومنح 500 أقجة على سبيل الصدقة.. وتم تخليص إيالة فلسطين من يد المماليك، وهي ما تزال تعتبر نوعاً من "إقطاعية شعير" تمنح لأرباب المناصب الكبيرة، ويبلغ محصولها العائد إلى السلطان 357.485 أقجة، وفيها تسع زعامات و 106 تيمارات. ولدى حاكم القدس 500 جندي يأتمرون بأمره وهو أمير الحاج الشامي. وأمير حجاج مكة في الذهاب والإياب. وتبلغ مخصصاته السنوية 40.000 قرش". 
 ويتابع وصفه لحال القدس في زمنه: "إنها ولاية مزدهرة. لكن أرباب الإقطاعيات فيها لا يؤمرون بالخدمة في الميدان. وما على هؤلاء إلا أن يرافقوا وهم يحملون إعلامهم الحجاج القادمين ويأخذوهم إلى مكان الحج الذي يقصدونه. ويبلغ عددهم جميعاً ستمائة رجل.. ويتلقى قاضي القدس، وهو الحاكم المدني، مخصصات تعادل مخصصات الباشا، ولأن المنطقة التي ينفذ حكمه فيها تعد ألفاً وستمائة قرية يعين في كل منها نائب شرع، وذلك أن ولايته رفيعة المقام. وعندما يظهر أحياناً أن البطاركة والقسس والشمامسة والرهبان والقساوسة المتزوجين يخلفون بعد وفاتهم بعض الأموال فإن الملا (القاضي الكبير) والباشا يحصلان من تلك الأموال على ما يتراوح بين أربعين وخمسين ألف قرش. ويحدث ذلك بوجه خاص في عيد الفصح الشائن عندما يذهب الملا والباشا إلى باب كنيسة الأنسطاسيا (القيامة) الذي لا يفتح في ذلك اليوم قبل وصولهما إلى هناك، ويأخذ القسيس من كل حاج من الحجاج الذين يتراوح عددهم بين الخمسة آلاف والعشرة آلاف ما بين عشرة قروش وخمسة عشر قرشاً. ويعطى الملا والباشا مبلغاً كبيراً". 
 مدينة مدججة بالسلاح 
 بعد ذلك يصف رحالتنا الوضع العسكري في القدس فيقول: "هناك في القدس قائد الفرسان (آغا السباهية) وقائد الانكشارية وقائد لانكشارية دمشق ومناصب للشيوخ الأربعة للمذاهب الأربعة، ونقيب للأشراف. أما الأشراف والأعيان والعلماء والصالحون فعددهم كبير جداً. وهناك أيضاً قائد القلعة (الدزدار) ويتبعه حامية تتألف من مائتي رجل.. ويرسل الملا جنوداً من الحامية إلى الجهات الصعبة في البلاد ليكونوا تحت تصرف القضاة المقيمين في القدس والخليل ونابلس والرملة والكرك واللجون وجنين. 
 وقد جمعت هذه المناطق كلها تحت ولاية قاضي القدس. وتضم المناطق أحياناً إلى منطقة القدس تبعاً لمقدرة الملا، ولكنه يعين في بعض الأحيان قاضياً لبضع سنوات للقدس وحدها. وباختصار فإن الحصيلة السنوية للإدارة القانونية في القدس تبلغ 40 ألف قرش". 
 ويضيف: "يتبع ملا القدس 20 ضابطاً (آغا) يعينون ببراءات من السلطان وأول هؤلاء المحضر باشي الذي يعينه السلطان في احتفال رسمي. وهو الحارس الليلي لأبواب المدينة، وينفذ مهام وظيفته بوساطة العساكر السلطانية. والآغا الثاني هو ناظر الشرطة الذي يعين خصيصاً للقدس وهو منصب عال يشتهيه الكثيرون. 
 والآغا الثالث هو المعمار باشي ـ (رئيس المعماريين)، والرابع هو المهندس باشي والخامس هو المعتمد باشي (كبير الوكلاء) والسادس الصَّراف باشي (أمين الصندوق الرئيسي) الذي يقوم شخصياً بدفع الهبات السنوية (الصرة) التي ترد من السلطان إلى العلماء والآغا السابع هو الخزندار باشي (أمين بيت المال) والثامن هو الصوباشي (ضابط الشرطة) والتاسع البازار باشي (المحتسب) والعاشر الكتخدا (رئيس البلدية) والحادي عشر: رئيس سوق القماش المقصَّب. وباختصار فإن رؤساء جميع فئات التجار يحضرون يومياً إلى المحكمة الشرعية لأداء واجباتهم". 
 غزة... مدينة مزدهرة العمران 
 يصل أوليا جلبي إلى غزة قادما من القدس فيقول في ذلك: "فما كدت أهبطها حتى توجهت إلى منزل حاكم الولاية حسين باشا. فسلمت عليه، وقدمت له احترامي. ثم ناولته رسالة مولاي مرتضى باشا والثياب الحريرية والهدايا الفاخرة الأخرى التي أحملها إليه منه. فسر بها كثيراً. وقال: أجل. إنه لفرض علينا إن شاء الله. ولا بد أن نرسل معك من يساعدك في تحصيل البقايا، وأن ندفع نحن ما علينا من دين. ولم يضن الباشا عليّ بشيء من لطفه وكرمه. 
 فأعدّ لي منزلاً خاصاً من منازله نزلت به. وقضيت الوقت كله معه في حديث وبحث وتدوين. فأيقنت أن الباشا صديق صادق قولاً وفعلاً. إنه خفيف الروح، لطيف المعشر، أكرم من حاتم طي، أديب، شاعر، ومؤرخ. وعندما علم الباشا أنني ميال للأسفار جمعني مع عدد كبير من علماء المدينة ومؤرخيها. فقضينا الوقت كله، ليلاً ونهاراً، في تتبع آثار المدينة وأخبارها". 
 ويضيف: "أما الآن فإن غزة عامرة، ولها مستقبل زاهر، فقد انتقلت عام 922 للهجرة من يد السلطان الغوري إلى يد السلطان سليم الأول. وهي الآن مركز لسنجق غزة التابع لولاية سوريا. والضرائب الأميرية المعينة لأمير اللواء فيها هي (508328) من الفضة. ولها سبع زعامات، ومئة وسبع تيمارات، وفيها، بموجب القانون، 1150 عسكرياً بينهم من يحملون رتبة (جبه لو). كما أن الباشا والآلاي بك فيها يسيران تحت لوائها.. وأما منصب القاضي، ذلك المنصب النبيل، فقد خصص له ثلاثمائة من الفضة. وعلاوة على هذا فإن مبلغاً قدره أربعة آلاف قرش يجمع من قراها لأجل القاضي، وآخر قدره ثمانون ألفاً لأجل الباشا". 
 ويصف أوليا جلبي سنجق غزة فيقول: 
"هذا السنجق مأهول بالسكان، ومزدهر بالعمران. وهناك شيخ للإسلام ملم بالفقه على المذاهب الأربعة الكبرى، ونقيب للأشراف، وأعيان، ونبلاء عظام، ورجال أفاضل، وكوكبة من السباهي المحترمين، ورجال ماهرون في مختلف الحرف والصنائع.. وهناك، فضلاً عن ذلك، نائب المدينة، وصوباشي، ومحتسب، ولما كانت هذه المدينة قد منحت منذ أيام السلطان سليم الأول إلى حسين باشا وأولاده من بعده وأسرته على مدى الحياة فإن جميع الضرائب التي تجنى فيها شخصية تخص الباشا". 
 وفي وصفه للمدينة يقول: "إن قلعة غزة التي بنيت في العهود الغابرة دمرها نبوخذ نصر. وأما حصنها الحالي فقد بني في وقت بعد ذلك التاريخ، إنه لحصن صغير، مربع الشكل، مبني من الحجارة الرملية في وسط الرمال على مسافة ساعة من شاطئ البحر للشرق. وقد شيدت جدران هذا الحصن على ارتفاع عشرين ياردة من الأرض. وله باب من حديد متجه نحو القبلة. 
 ويترتب على الدزدار والجنود أن يظلوا دوماً مرابطين في الحصن على أهبة الاستعداد. إذ إنه حصن من الخطورة بمكان لوقوعه على تخوم العشائر والقبائل البدوية. والأعداء كثيرون. وأن السلع القيمة، والأشياء الثمينة التي يقتنيها الوجوه والأعيان بوجه خاص، وسكان المدينة بوجه عام، تحفظ في داخل القلعة. وفيها أيضاً منازل الجنود، مستورة بالتراب. وفيها أيضاً مسجد، وعنابر للحنطة ولسائر أنواع الحبوب والمؤن، ومخازن للأسلحة والمهمات الحربية. 
 كان أن فيها مدافع ملكية من الطراز البديع، مجهزة بكل ما تحتاج إليه من ذخائر ومهمات. إن الناحية المواجهة للقبلة من نواحي القلعة شبيهة بمدينة كبرى. وأمام مدخل القلعة من الناحية الأخرى من الشارع، مسجد يصلي الناس فيه الأوقات الثلاثة في النهار. ويؤم هذا المسجد عدد كبير من المصلين". 
 عمران غزة 
 وحول عمران غزة يقول: "غزة مدينة تاريخية قائمة فوق سهل وسيع منبسط. ولها ستة أحياء. وفيها ألف وثلاثمائة منزل. وجميع منازلها مبنية من الحجر. وأسطحتها مستورة بالطين والكلس. وفيها عدة سرايات وقصور، وأن اللسان ليعجز عن وصف سراي حسين باشا. هذا الباشا الكريم الذي يزوره لا يقل عن مئتين من الضيوف في كل ليلة بين مشاة وفرسان.. وفي المدينة سبعون مسجداً ذوات محاريب. وفي أحد عشر مسجداً تقام صلاة الجمعة. 
 وفي القرب من السوق مسجد يقال له (مسجد الجمعة)، ويصلي فيه حاكم الولاية حسين باشا، وهو يتسع لعدد كبير من المصلين. وإنه لبناء جديد وجميل. ليس له نظير. إذ تسابق البناؤون والمهندسون من القاهرة ودمشق والقدس الشريف فأبدوا كل ما لديهم من فن ومقدرة، وأبدعوا في بنائه ما شاء الإبداع أن يكون. 
 والبناء الخبير الذي تولى بناء هذا المسجد بنى له في الوقت نفسه مئذنة عالية متقنة الصنع، لها أروقة ثلاثة، بشكل منقطع النظير. حتى إن مسجد الجمعة الذي بناه سنان باشا فاتح اليمن لم يكن على هذه الدرجة من الإتقان. 
وفي وسط المدينة تكية عبد العظيم، وبالقرب منها تكية مرغان، وفيها مئتا سبيل يرتوي من مائها العطاش.. ولما كانت المدينة واقعة على طرف البادية فليس فيها أنهار جارية. وكل ما هنالك مياه أرضية. إن ماء الحياة يحمل إليها من الخارج على ظهور الإبل.. ومن الحمامات العمومية الكائنة في غزة يجدر بنا أن نذكر حمام الباشا، وحمام العسكر، فإنهما لطيفان ومنعشان للغاية". 
 ويلفت أوليا جلبي النظر إلى أن غزة وإن لم تكن ميناء بكل ما في هذه الكلمة من معنى إلا أنها مدينة تجارية فيها 600 دكان، تستطيع أن تجد في سوقها بضائع وأشياء ذات قيمة. وأن مصانع الزجاج والسروجية فيها رائجة. كما أن سوق التجار المبني من الحجارة مزدهر للغاية". 
 وحول سكان المدينة يقول: "هم يلبسون السمور والفراجية وثياب أخرى غير مزخرفة. وأما الطبقة الوسطى فإنها تكتسي ثوباً بسيطاً أبيض اللون. وأما العمال والطبقة الفقيرة من السكان فإنهم يلبسون (سرتية كراكة؟) ولهذا الثوب أشكال مختلفة. وهؤلاء يلبسون أيضاً العباءة. والغزيون بوجه الإجمال بيض الوجوه، ذوو حواجب قاتمة وهناك فئة منهم سمر اللون كأنهم مدبوغون بالشمس.. إنهم ذوو عزم وإحساس ونشاط، وهم أحرار وكرام ومحبون للضيف، ولا سيما إذا كان هذا غريباً. يعيشون على التجارة والأعمال اليدوية".
 
 الزراعة والمتنزهات 
 وحول زراعات غزة يقول رحالتنا: "للمدينة جو بديع وهواء عليل، وهي واقعة في الإقليم الرابع. تكثر فيها الحنطة. وهذه معروفة ببياض لونها، وكبر حجمها، ويسمونها سن الجمل. وأما شعيرها فإنه مشهور، وكذلك قل عن قطنها، وحريرها. والكراكة التي تصنع من الصوف في غزة، وكذلك المحارم، والبشاكير، والفوط الصغيرة والكبيرة، فإن هذه كلها تصنع في غزة وهي مشهورة.. وفيها سبعة آلاف كرم يغرس فيها العنب. وعنبها مشهور. وكذلك قل عن زيتونها، وتوتها، وليمونها، وكبادها، وتينها، وشمامها، ورمانها، وبلحها، وعن فواكهها الأخرى، فإنها مشهورة في أسواق العالم. إن زيتها يصدر لمصر محملاً على مئات من الجمال. ويروج في أسواق مصر رواجاً غريباً لجودة صنعه". 
 ويفرد جلبي مساحة للحديث عن متنزهات غزة فيقول: "إن عين السجان هي إحدى المحلات التي يطرقها الغزيون للنزهة؛ بالقرب من غزة وفي مكان يدعى (إبلة) حيث ينبسط سهل غير متسع، فيه خمسة ينابيع جارية. منها عين السجان التي يزداد ماؤها في فصل الشتاء، ويقل في فصل الصيف. والمياه التي تنبع منها تجري على وجه الأرض، ثم تغور في حفرة من الأرض. لو شرب جيش برمته من ماء هذه القرية وظل يفعل ذلك مدة عشرة أيام وعشر ليال متواصلات لما نقصت كمية المياه التي فيها. والغريب في الأمر أن ماءها لا يفيض، ويعتقد الأهلون أنه إذا شربت الطيور والحيوانات الداجنة والوحوش من مائها فإن شعرها ووبرها يزول فوراً. وأما الإنسان فلا. إنه (أي الإنسان) إذا شرب من مائها يجد فيه العلاج الشافي للكثير من أوجاعه وآلامه".

الأحد، 14 سبتمبر 2025

هنا غزة

 هنا غزة

قالت للمراسل “امسكني”.. لحظة انهيار طفلة خلال حوار مؤثر مع الجزيرة مباشر

هنا غزة

على وقع القصف والدمار الذي يجتاح غزة، وثق مقطع مصور مشهدا إنسانيا مؤثرا لنجاة طفلة فلسطينية من غارة إسرائيلية على حي النصر في المدينة الواقعة شمالي القطاع المحاصَر، حيث ظهرت وهي في حالة صدمة واضحة خلال لقاء قصير مع مراسل الجزيرة مباشر.

في بداية الحديث، حاول المراسل طمأنة الطفلة التي تبدو على وجهها علامات الجوع والخوف قائلا “سلامتك يا عمو”. لترد بصوت متهدج “الله يسلمك”.

وحين سألها عن مكان وجودها أثناء الضربة، أجابت بصعوبة “في الدار”، وعندما سألها عن مشاعرها لحظة القصف قالت “صفنت.. صُدمت”.

“امسكني”

ومع استمرار الحوار، بدأت الدموع تتساقط من عيون الطفلة الصغيرة فبادر المراسل بسؤالها عن سبب دموعها قائلا “ليش الدمعة بعيونك يا عمو؟”، لتنهار الطفلة وهي تكاد تسقط على الأرض وتقول “امسكني”.

عندها تدخل أحد الحاضرين ليحتضنها مانعا سقوطها، في مشهد يعكس حجم الهشاشة النفسية للأطفال جراء القصف الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة منذ نحو عامين.

“هذه غزة”

وخلال اللحظة ذاتها، عبر الرجل الذي أسعف الطفلة عن غضبه قائلا “حسبي الله ونعم الوكيل، يعني وين العالم؟ وين الأمة العربية والإسلامية من غزة؟”

المشهد الذي بثته الجزيرة مباشر لم يكن مجرد مقابلة صحفية، بل لوحة حية تجسد عمق المأساة الإنسانية في قطاع غزة، حيث لا تزال الطفولة تدفع الثمن الأكبر في حرب تحاصر وتبيد البشر والحجر على مدى عامين.

فتح الجحيم على المدنيين

وكان المكتب الإعلامي الحكومي في غزة قد أصدر بيانا، أمس السبت، قال فيه إن الاحتلال “فتح الجحيم على المدنيين” ودمر أكثر من 1600 بناية سكنية و13000 خيمة، وهجر قسريا ما يزيد على 350000 مواطن من الأحياء الشرقية لمدينة غزة إلى وسطها وغربها.

وأكد المكتب الحكومي أن تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن “فتح أبواب الجحيم على المقاومة” تخفي حقيقة أن النيران موجهة ضد الأطفال والنساء والمسنين، في خرق صارخ للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف.

وأشار البيان إلى أن الاحتلال دمر خلال الشهر الجاري وحده 70 برجا سكنيا بشكل كامل و120 آخر بشكل بليغ، إضافة إلى آلاف الخيام التي كانت تؤوي أكثر من 52 ألف نازح، ما أدى إلى نزوح يفوق 350 ألف مواطن.

المصدر: الجزيرة مباشر

وأضاف “أين الذين يطالبون بحقوق الإنسان؟ هذه غزة، بيوت تدمر وناس نازحون في خيامها، حتى خيامنا دُمّرت”.

وتابع “الآن ما لنا إلا الله سبحانه وتعالى. لا مأوى لنا ولا غطاء.. أطفالنا تبكي والقصف شديد والدمار عظيم”.