‏إظهار الرسائل ذات التسميات ياسين أقطايي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ياسين أقطايي. إظهار كافة الرسائل

السبت، 25 يوليو 2026

إسرائيل تريد محو فلسطين ليس من الأرض فحسب بل من التاريخ أيضا

 إسرائيل تريد محو فلسطين ليس من الأرض فحسب بل من التاريخ أيضا

قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم


يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

ما جرى أمس في المسجد الأقصى لم يكن استفزازاً عادياً ولا اقتحاماً اعتيادياً من قبل المستوطنين. فقد اقتحم 4 آلاف و248 مستوطناً، بقيادة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، وتحت حماية أمنية مشددة من الشرطة، ساحات المسجد الأقصى. وكان بينهم وزراء، وأعضاء في الكنيست، وحاخامات، ومسؤولو جماعات "الهيكل". وأقاموا طقوساً تلمودية، وسجدوا، وأنشدوا الترانيم. 

أما بن غفير، فقد صرّح في ساحة المسجد الأقصى قائلاً: "إن اليهود باتوا يؤدون عباداتهم في جبل الهيكل براحة أكبر بكثير مما كان عليه الأمر في السابق"
، معلناً بذلك، في استعراض للقوة والجريمة، الاستراتيجية التي تنتهجها إسرائيل منذ زمن طويل خطوةً بعد أخرى.

إن قراءة هذا الحدث على أنه مجرد إساءة جديدة وخطوة أخرى متقدمة ضد المسجد الأقصى ستكون قراءة ناقصة. 

لأن ما يجري اليوم في فلسطين ليس ثلاث أزمات منفصلة. فغزة، والضفة الغربية، والقدس، هي ثلاث جبهات لاستراتيجية واحدة. 

ففي غزة يُباد الإنسان؛ وفي الضفة الغربية تُفرَّغ الأرض من سكانها؛ أما في القدس فيُعاد كتابة التاريخ والهوية.

إن ما يجري في غزة ليس حرباً، وما يحدث في الضفة الغربية ليس مجرد حوادث أمنية منفردة بالطبع. لكن إسرائيل الصهيونية التي تمارس الإبادة الجماعية تريد أن تبدو الأمور كذلك، وقد نجحت حتى الآن في ترسيخ هذه الصورة لدى جميع المؤسسات الرسمية في العالم. إلا أنها لم تعد اليوم قادرة على إقناع أحد بهذه الرواية. وتُظهر أحدث تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة أصبح يُرى بوضوح على أنه جبهات مختلفة لاستراتيجية واحدة.

وبحسب أحدث تقييمات الأمم المتحدة، يُجبر ملايين الأشخاص في غزة على النزوح مرة بعد أخرى. فقد جعلت أوامر الإخلاء المتواصلة، والأحياء التي سويت بالأرض، والمستشفيات التي أصبحت غير قادرة على العمل، وانهيار شبكات المياه والصرف الصحي، وخطر المجاعة وانتشار الأوبئة، من المستحيل على الناس أن يعيشوا حياة طبيعية. 

وتكشف تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن الوصول إلى الغذاء والمياه النظيفة بلغ مستوىً حرجاً، وأن النظام الصحي انهار إلى حد كبير، وأن ظروف معيشة السكان المدنيين تزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

أما في الضفة الغربية، فتجري عملية أكثر هدوءاً، لكنها لا تقل تدميراً. وبطبيعة الحال، فإن هدوءها مرتبط أيضاً بعتبة استماع العالم، وإلا فإن صدى الانتهاكات المرتكبة هناك قد بلغ الآفاق. فالعمليات العسكرية المتزايدة، ونقاط التفتيش، وهدم المنازل، ومصادرة الأراضي الزراعية، واعتداءات المستوطنين، والتضييق المتواصل على حرية الحركة، لا تؤدي إلى تهجير الفلسطينيين مباشرة، بل تجعل الحياة على أرضهم غير قابلة للاستمرار. ولم يعد ما يصفه القانون الدولي بـ"التهجير القسري" يقتصر على الوقوف على الأبواب بالسلاح، بل أصبح يتمثل في خلق ظروف معيشية تدفع الناس إلى الهجرة قسراً. وهذا هو بالضبط الخطر الأبرز الذي يحذر منه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

وما يميز هذه الانتهاكات عن سابقاتها هو أن هذا التحرك لم يعد مجرد استفزاز منفرد. بل أصبح استعراضاً لوقاحة جامحة ومتغطرسة، لم يعد الصهاينة المتعصبون يشعرون معها حتى بالحاجة إلى تقديم أي تبرير يبرئ جرائمهم. 

ووفقاً لتقييم محافظة القدس، فإن الحكومة الإسرائيلية تحاول الآن فرض وقائع سياسية وقانونية جديدة في المسجد الأقصى. فقد سُمح للمستوطنين بإقامة الطقوس التلمودية، والسجود، وإنشاد الترانيم بصوت مرتفع، بينما مُنع المسلمون إلى حد كبير من الدخول، بل وللمرة الأولى أُقيمت مظلة دائمة في الساحة الشرقية مخصصة للمستوطنين. 

أما جماعات "الهيكل"، فقد أعلنت صراحة أنها تستهدف في السنوات المقبلة رفع عدد المشاركين في هذه الاقتحامات إلى 5 آلاف مستوطن وأكثر.

كل ذلك يدل على أن إسرائيل لم تعد تشعر حتى بالحاجة إلى التذرع بخطاب السياسات الأمنية، بل باتت تعمل مباشرة على تغيير الهوية الدينية والتاريخية للمدينة. والهدف، بطبيعة الحال، ليس مجرد زيارة المسجد الأقصى، وإنما القضاء فعلياً على الوضع التاريخي الذي اعترف به القانون الدولي على مدى قرون، وترسيخ التقسيم الزماني والمكاني، وإقامة نظام جديد تكون فيه السيادة لإسرائيل بصورة لا تقبل الجدل.

وعند هذه النقطة، تصبح غزة والضفة الغربية والقدس أجزاءً من الصورة نفسها. ففي غزة يُقتل الناس بالقنابل؛ وفي الضفة الغربية يُجبر الناس على الهجرة عبر تدمير مقومات حياتهم؛ أما في القدس فتُغيَّر الذاكرة والتاريخ والأماكن المقدسة. ففي مكان يُغيَّر الواقع الديموغرافي، وفي مكان آخر تُغيَّر الجغرافيا، وفي الثالث يُعاد كتابة التاريخ.

لم يعد اسم هذا مجرد احتلال. بل إنها استراتيجية تصفية شاملة تستهدف القضاء على جميع مقومات وجود شعب بأكمله. فالإبادة الجماعية لا تتحقق فقط بقتل الناس؛ بل إن اقتلاع مجتمع من أرضه، وتدمير تراثه الثقافي والديني، وحرمانه من المستقبل، كلها أجزاء من العملية نفسها.

وللأسف، فإن موقف المجتمع الدولي يسهم أيضاً في تعميق هذه المأساة. فالأمم المتحدة تصدر أخيراً تقارير، والمحاكم الدولية تتخذ قرارات، ومنظمات حقوق الإنسان توثق الانتهاكات؛ لكن كل ذلك لا يكفي لتغيير الواقع على الأرض. ففي المكان الذي لا يُطبَّق فيه القانون، تحل القوة محل العدالة. لقد أصبحت فلسطين اليوم اختباراً لضمير النظام الدولي، وليس لإسرائيل وحدها.

وفي الحقيقة، فإن هذه المحاولات ليست موجَّهة ضد الفلسطينيين وحدهم، بل تمثل تحدياً صريحاً للعالم الإسلامي بأسره. لأن المسجد الأقصى ليس القبلة الأولى للفلسطينيين فحسب، بل هو القبلة الأولى لجميع المسلمين، وأمانة مشتركة بينهم جميعاً.

 

الاثنين، 15 يونيو 2026

تعزية للدكتورة رانيا وأطفالها الستة في الجامع الأموي

 تعزية للدكتورة رانيا وأطفالها الستة في الجامع الأموي


ياسين أقطاي 

- يني شفق - ترجمة و تحرير ترك برس

دمشق. قبل فترة، وبعد إلقاء القبض على أمجد يوسف، المعروف في سوريا باسم «جزار التضامن»، في مكان اختبائه، كشفت التحقيقات التي أُجريت معه وما جرى الحصول عليه من معلومات وبيانات، الستار عن اختفاء الدكتورة رانيا العباسي وأطفالها الستة مع زوجها قبل ثلاثة عشر عاماً.

وأظهر مقطع فيديو عُثر عليه في هاتف أمجد يوسف كيف جرى قتل الأطفال الستة بوحشية، وهم في منتهى البراءة والجمال، وأصغرهم لم يتجاوز عامه الأول. ومن خلف الكاميرا التي كانت تتجول فوق أجسادهم الهامدة، كانت تُسمع أصوات قاتليهم وهم يصرخون: «انتقام».

أيُّ انتقام؟ وممن الانتقام؟ وأيُّ ألم تسبب فيه هؤلاء الأطفال، أو أيُّ ضرر ألحقوه بأحد، حتى يُلقى على عاتق حياتهم عبء انتقام كهذا؟

وبعد القبض على هؤلاء القتلة، بدأت تفاصيل الحياة المأساوية التي عاشتها سوريا طوال أربعة وخمسين عاماً تظهر إلى العلن بشكل أوضح، كما استعادها من بقي على قيد الحياة.

كنا نتابع ما يجري في سوريا من خلال أولئك الذين لجأوا إلى بلادنا. وبالطبع، لم يكن بمقدور أحد أن يتخيل، من دون أن يعيش التجربة بنفسه، نوع الحياة التي تركها وراءه أولئك الذين اضطروا إلى الفرار من بيوتهم وأوطانهم واللجوء إلى تركيا.

فالذين جاؤوا بهذه الطريقة كانوا يحملون معهم، في الحقيقة، شرعية ما حدث في بلادهم. إذ لا يمكن لأي نظام يدفع شعبه بأكمله إلى الفرار منه بهذه الصورة أن يمتلك أي مبرر لوجوده.

سبق أن كتبت عن ذلك. فأسرة الدكتورة رانيا العباسي تعود بجذورها إلى تيلو في سيرت. وكان والدها محمد عيد العباسي عالماً إسلامياً كبيراً، وله العديد من المؤلفات، من أبرزها كتب حول حقوق الإنسان في الإسلام، ونتائج التعصب المذهبي في الإسلام.

وقد وُلد محمد عيد العباسي نفسه في دمشق عام 1938، بعدما هاجر والده في ثلاثينيات القرن الماضي من تيلو لتحصيل العلوم الإسلامية.

ومنذ البداية تلقى تعليماً متميزاً، وتخصص في العلوم الإسلامية. وفي عام 1980، اعتُقل في أجواء سياسية كان مجرد الاشتباه بالانتماء إلى جماعة الإخوان فيها كافياً للزج بالشخص في السجن أو قتله، وقضى أربعة عشر عاماً في سجن تدمر.

نحن نقول إنه «قضى» أربعة عشر عاماً هناك، لكن عندما تستمع إليه، لا يسعك إلا أن تندهش كيف أمكنه أن يعيش كل تلك السنوات.

حتى الاستماع إلى ما يرويه عن السجن يجعلك تشعر بالخجل من إنسانيتك.

أيُّ كراهية هذه؟ وأيُّ حقد؟ وأيُّ عداوة يمكن أن تدفع الإنسان إلى أن يفعل بالإنسان كل ذلك؟

هل يمكنكم أن تتخيلوا مكاناً لا تتجاوز مساحته ثلاثين متراً مربعاً، يعيش فيه مئة وثلاثون شخصاً متلاصقين بأجسادهم، متكئين بعضهم على بعض، لأسابيع وأشهر؟

وكيف يمكن لكيس دقيق يوضع أمام الباب على أنه طعام أن يكون كافياً لإبقاء هذا العدد الكبير من الناس على قيد الحياة؟

كيف استطاع الناس في بقية أنحاء العالم أن يواصلوا حياتهم الطبيعية بينما كانت كل هذه الفظائع تجري في مكان أصبحت فيه التعذيب أكثر سلوكيات الدولة اعتياداً ومنهجية؟

وكيف عاش الشعب السوري كل تلك السنوات تحت حكم هذا النظام؟

لقد كان نظام المخابرات متغلغلاً في كل غرفة من غرف المنازل، وكان يمد آلة التعذيب هذه بضحايا جدد باستمرار.

فأيُّ نوع من الدول يمكن أن يكون ذلك الذي يجعل الأخ مخبراً على أخيه، والمرأة على زوجها، والزوج على زوجته، ويقضي على ثقة الإنسان بالإنسان إلى هذا الحد؟

وبالطبع، لم يكن الإخوة يشي بعضهم ببعض، ولا النساء بأزواجهن، طوعاً.

فعندما يُفرض الإبلاغ تحت وطأة التعذيب، لا يعود من الضروري أن يكون المرء متعاوناً أو عميلاً حتى تُنتزع منه اعترافات كاذبة ومضللة.

لقد حوّلت شبكة السجون المنتشرة في أنحاء البلاد التعذيب إلى قطاع اقتصادي، إلى آلة تحتاج باستمرار إلى ضحايا جدد كي تستمر في العمل.

وكان لا بد لعجلة هذا القطاع أن تستمر في الدوران، وألا تتوقف الآلة عن العمل.

ولذلك، لم يكن أمجد يوسف الوحش الوحيد في تلك المنظومة، كما لم تكن الدكتورة رانيا وأطفالها الستة الضحايا الوحيدين أو الأكثر مأساوية فيها.

ولا شك أن قصة الدكتورة رانيا وأطفالها الستة اكتسبت ثقلاً خاصاً ودلالة رمزية في الكشف عن واقع ستين عاماً من التعذيب الممنهج والمجازر وحالات الإخفاء القسري.

وبحكم أصول الأسرة القادمة من سيرت، انطلقنا إلى سوريا للمشاركة في مراسم العزاء بدعوة من مؤسسة سيرت.

وجئنا إلى دمشق لتقديم واجب العزاء برفقة حمزة بولدو، أحد أقارب الأسرة، وزكي أك يوزلو، الذي يعمل في مؤسسة سيرت كجيش إغاثي إنساني بمفرده، والنائب السابق في الدورة الرابعة والعشرين عفيف دمير قران، ونائب بورصة محمد مفيد أيدن، ورئيس مؤسسة الوحدة في أنقرة يوسف مجاهيت أوغلو، وأمين المظالم أوزجان يلدز، ورجال الأعمال من سيرت: فكرت بايردارمان، وآياز أك قويون، ومراد أوزومجو، وعبد الله شانلي، وشامل غولباران، وأورال أوجي، إلى جانب أعضاء آخرين.

وبعد نصف ساعة فقط من هبوط طائرتنا القادمة من إسطنبول إلى دمشق، حطّت طائرة محمد عيد العباسي القادمة من الرياض.

وهكذا، كان من نصيبنا أن نستقبله في مطار دمشق للمرة الأولى منذ ستة وعشرين عاماً.

ولا شك أن مشاهدة لحظة اللقاء تلك كانت شعوراً استثنائياً.

إنها لحظة العودة إلى الوطن بعد ستة وعشرين عاماً من الإبعاد القسري.

ومع استحضار ما سمعناه منه عن معاناته السابقة، لا يسعنا إلا أن نقول إن هناك من قضى ستة وعشرين عاماً، بل وأربعين عاماً، في سجني تدمر وصيدنايا، في ظروف أشد قسوة.

وقد جاءت السيدة العباسي مع ابنتها، وكانتا غارقتين في مشاعر الحماس والتأثر.

وبعد حديث قصير في المطار، غادرنا المكان.

أما هم، فتوجهوا إلى منزلهم الذي اضطروا إلى مغادرته قبل ستة وعشرين عاماً، والذي ظل لفترة طويلة تحت سيطرة أحد ضباط حزب البعث.

وكانوا قد استعادوا منزلهم قبل فترة وجيزة، حيث أعدّه لهم بقية أفراد العائلة.

وأدينا صلاة الجمعة في الجامع الأموي، حيث ألقى خطبة الجمعة مفتي حمص، سهل جنيد، أحد الرموز الروحية للثورة، ومن كبار الدعاة، وعضو مجلس العلماء الأعلى في سوريا.

وفي خطبته، ذكّر الإمام بالدَّين المستحق للشهداء الذين بفضل تضحياتهم نعيش اليوم هذه الحرية التي لم يكن من الممكن حتى تخيلها قبل عام ونصف، ودعا إلى عدم نسيان هذا الدَّين أبداً.

وبعد صلاة الجمعة، انتقلنا إلى قاعة الشرف في الجامع الأموي لتقديم واجب العزاء.

وقد جرى تخصيص هذه القاعة لهذه المناسبة بمبادرة من السفارة التركية، واستجابة إيجابية من السلطات السورية.

وفي الظروف العادية، لا تُستخدم هذه القاعة لتلقي التعازي إلا في حالات استثنائية جداً.

وفي هذا اللقاء المؤثر، الذي حضره أيضاً صهرا محمد عيد العباسي الآخران وأحفاده، اجتمع أفراد أسرة الفقيدة مع أبناء سيرت، مسقط رأسها وموطن أجدادها، إلى جانب سوريين قدموا من مختلف المناطق.

وشارك في مجلس العزاء نواب يمثلون الشعب السوري، وشيوخ عشائر وقبائل، وممثلون عن منظمات المجتمع المدني، وأشخاص من مختلف فئات المجتمع.

وكان الجميع يردد الحقيقة نفسها: إن الجغرافيا لا تستطيع قطع روابط الدم، والحدود لا تستطيع اقتلاع الجذور.

وقد أظهر هذا اللقاء، بما حمله من أبعاد إنسانية وروح تضامن، مرة أخرى، أنه لا يمكن القبول بالفرقة والانقطاع بين أبناء الأمة الواحدة.

وتحدث بعض الحاضرين معزين ذوي الشهداء، وقالوا إن معرفتهم بالأصول التركية لهؤلاء الشهداء تحمل بالنسبة إليهم معنى خاصاً.

وأكدوا أن الموقف النبيل الذي وقفت به تركيا إلى جانب أشقائها السوريين منذ البداية لن يُنسى أبداً.

وفي الحقيقة، فإننا، من خلال تقديم العزاء لهؤلاء الشهداء من أصول تركية، كنا نقدم العزاء أيضاً لمليون سوري استشهدوا خلال المحنة العصيبة التي عاشها شعبهم.

فالدكتورة رانيا وزوجها وأطفالها الستة ليسوا سوى نموذج واحد من بين مليون شهيد، وربما مئات الآلاف من المفقودين الذين اختفوا بالطريقة نفسها ولا يزال مصيرهم مجهولاً.

فلا دم أحد أغلى من دم الآخر أو أقل قيمة منه.

لقد كانت دماء هؤلاء الشهداء هي التي مهدت الطريق لسوريا الحرة التي نراها اليوم.

 عن الكاتب  

ياسين أقطاي

قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم

الاثنين، 25 مايو 2026

أيام القهر العلماني كان الحج هو ذاكرتنا الصامتة في تركيا

أيام القهر العلماني كان الحج هو ذاكرتنا الصامتة في تركيا
أكاديمي وسياسي وكاتب تركي.

الإحرام، والطواف، والسعي، ومنى، وعرفات، ومزدلفة، ورمي الجمرات، والأضحية، قد تبدو كل واحدة من هذه، لمن ينظر من الخارج، مجرد طقوس دينية لا أكثر. غير أن الحج ليس مجرد عبادة فحسب؛ بل هو أيضا واحد من أعظم المؤسسات السوسيولوجية التي منعت العالم الإسلامي، عبر قرون طويلة، من التفكك والانهيار.

حين ننظر اليوم إلى العالم الإسلامي، فإن أكثر ما يلفت النظر هو مشهد التمزق: حروب، واحتلالات، وفقر، وأنظمة استبدادية، وصراعات مذهبية، وتدخلات خارجية، وتبعيات اقتصادية.. في كثير من أنحاء العالم يبدو المسلمون وكأنهم فقدوا إرادتهم التاريخية وقدرتهم على الفعل الجماعي.

لكن الناس أنفسهم الذين يعيشون داخل هذا العالم الممزق، يتحولون مع موسم الحج إلى نموذج مذهل من الانضباط والصبر والوعي الجماعي. ففي كل عام يستجيب ملايين البشر للنداء نفسه؛ يرتدون اللباس نفسه، ويرددون الكلمات نفسها، ويتحركون نحو الجهة نفسها.

والحقيقة أنه لا توجد في العالم الحديث حركة بشرية أخرى بهذا الحجم، وبهذا التنوع القومي، وبهذا العمق الرمزي والمعنوي.

وهنا يجد الإنسان نفسه مضطرا لطرح سؤال بالغ الأهمية:
كيف يمكن لأمة تبدو شديدة التمزق في حياتها اليومية أن تنتج أثناء الحج هذا الإحساس القوي بالوحدة؟

وربما كان الأمر على العكس تماما:
فلعل الحج نفسه هو أحد الروابط الخفية التي منعت هذه الأمة من الانهيار الكامل.

والحق أنه لا يوجد أدنى شك في أن الحج واحد من أهم المؤسسات التي تحفظ المقاومة الروحية والاجتماعية للعالم الإسلامي؛ لأن الحج ليس مجرد عبادة فردية، بل هو أيضا آلية عالمية ضخمة لإنتاج الوعي الجماعي الإسلامي، والتنشئة الاجتماعية، والشعور بالأمة.

فعندما يخرج المسلم من حيه الصغير أو من بلده، ويصل إلى مكة، يواجه لأول مرة الحجم الحقيقي للعالم الإسلامي. النيجيري يقف بجانب الإندونيسي، والتركي بجانب الماليزي، والعربي بجانب الأفريقي، والجميع يطوفون حول الكعبة نفسها، ويقفون في الصف نفسه، ويؤمّنون على الدعاء نفسه.

الإحرام هنا لا يغير لباس الإنسان فقط، بل يعلق مؤقتا كل الفوارق الدنيوية. الغني والفقير، الأسود والأبيض، الحاكم والمحكوم.. كلها فروق تتلاشى، ولو لأيام قليلة.

وهنا يتحقق ما سماه عالم الاجتماع فيكتور ترنر بـ"الكوميونيتاس" (communitas): أي تجربة المساواة والأخوة العميقة التي يعيشها الناس حين يتحررون مؤقتا من مواقعهم الاجتماعية المعتادة.

ولعل أعظم درس يتعلمه الإنسان في الحج يبدأ من هنا: أن الإنسان ليس مركز الكون.

فالحياة الحديثة تضع الإنسان باستمرار في مركز ذاته، وتغذي فردانيته ونرجسيته. أما الحج، فإنه يخرج الإنسان من مركزه الضيق، ويضعه داخل حقيقة أكبر منه بكثير. والفرد الذي يذوب وسط ملايين الطائفين حول الكعبة، يجد نفسه لأول مرة.

وفوق ذلك، فالحج لا ينتج آثارا روحية فقط، بل ينتج أيضا آثارا اجتماعية هائلة.

فطرق الحج عبر التاريخ لم تكن طرق عبادة فحسب، بل كانت أيضا طرق تجارة، وشبكات لتداول الأفكار والعلوم والثقافات وذاكرات المقاومة. وكثير من العلاقات العلمية والتجارية والتفاعلات الثقافية في العالم الإسلامي نشأت أصلا بفضل الحج.

واليوم، تقوم تقنيات الاتصال الحديثة بتوسيع هذا التأثير أكثر فأكثر. في الماضي كان الحاج العائد يحمل القصص إلى بلدته الصغيرة. أما اليوم فإن ملايين البشر يشاهدون ذلك اللقاء العظيم مباشرة عبر الشاشات. ولم تعد الكعبة مجرد مكان يُرى في مكة، بل أصبحت مركز الذاكرة العاطفية المشتركة للعالم الإسلامي كله.

وما قاله غودفري هـ. يانسن قبل نحو نصف قرن لا يزال صحيحا إلى اليوم: فالحج ليس مجرد علامة على حيوية الإسلام، بل هو أيضا أحد أهم أسباب هذه الحيوية نفسها؛ لأن الحج مؤسسة فريدة تجمع المسلمين من أنحاء العالم كافة في الزمان نفسه، والطقوس نفسها، وعالم المعاني نفسه.

وفي هذا السياق، تبدو التجربة التركية ذات دلالة خاصة.

فخلال مسار التحديث في تركيا، جرى لفترة طويلة إخضاع الحياة الدينية للرقابة والضبط. ورغم أنه لم يكن هناك "حظر" مباشر على الحج في العقود الأولى للجمهورية، فإن نظام الجوازات، وقيود العملة، وصعوبات السفر، والعراقيل الإدارية، جعلت الحج شديد الصعوبة عمليا. وفي ظل السياسات العلمانية الصارمة في عهد الحزب الواحد، تحول الحج، بصورة ما، إلى مساحة صامتة لحفظ الذاكرة الدينية للمجتمع.

ومع ذلك، لم يختف الحج أبدا من حياة الناس.

بل على العكس، ظل لقب "الحاج" في تركيا يحمل، لسنوات طويلة، ليس فقط معنى دينيا، بل أيضا رمزا أخلاقيا واجتماعيا للثقة والاحترام. وكان استقبال الحجاج وتوديعهم، والهدايا التي يجلبونها، والحكايات التي يروونها بعد عودتهم، تعكس كلها مدى الحضور الثقافي العميق للحج داخل المجتمع التركي.

ومن هنا تكتسب الدراسات المبكرة لعالم اجتماع الدين محمد باييغيت أهمية كبيرة؛ إذ تناول الحج في تركيا ليس بوصفه عبادة فحسب، بل بوصفه مؤسسة اجتماعية كبرى تؤثر في العائلة، والحي، والمكانة الاجتماعية، والذاكرة الثقافية، والعلاقات المجتمعية. والحقيقة أن الحج كان، لفترة طويلة، أحد أهم المجالات التي أعادت إنتاج الذاكرة الدينية التي حاول مشروع التحديث تفكيكها.

كما أن الأرقام التي أوردها يانسن تؤكد هذا المعنى بوضوح. فعلى الرغم من كل الضغوط العلمانية خلال مرحلة الحزب الواحد، استمرت أعداد الحجاج في الارتفاع؛ لأن الحج لم يكن مجرد عبادة فردية، بل تجربة يعيد الناس من خلالها وصل أنفسهم بتاريخهم، وأمتهم، ومقدساتهم.

ولعل جزءا من السبب الذي جعل الذاكرة المحافظة في تركيا تبقى حية وقوية حتى اليوم يعود إلى هذه الشبكات الدينية غير المرئية.

ومع ذلك، يبقى سؤال صعب يفرض نفسه: إذا كان الحج ينتج هذا القدر من الوعي والانضباط، فلماذا لا يزال العالم الإسلامي عاجزا عن تجاوز أزماته الحالية؟

هنا توجد نقطة مهمة كثيرا ما يجري تجاهلها. قد يكون الحج قادرا على تربية الشعوب، لكن مصير الشعوب الإسلامية ليس دائما بأيديها. ففي أجزاء واسعة من العالم الإسلامي توجد فجوة عميقة بين الشعوب والأنظمة الحاكمة. وكثير من هذه الأنظمة هو نتاج مرحلة ما بعد الاستعمار، أي إنها كيانات لم تنشأ من إرادة اجتماعية عضوية حقيقية.

وربما كان هذا أحد أسباب الفارق الكبير بين ذلك الانضباط الجماعي الذي نراه أثناء الحج، وبين حالة الفوضى والتشظي التي نراها في الحياة السياسية اليومية.

فالناس في الحج يتحركون استجابة لنداء الله، بينما يُجبرون في السياسة اليومية على العيش داخل الحدود الضيقة التي فرضتها ترتيبات ما بعد الاستعمار.

ومع ذلك، فإن الحج يواصل تأثيره التحويلي، ربما يغير ببطء، وربما يغير بصمت، لكنه يغير حتما.

فرمضان، والصلاة، والأضحية، والعمرة، والحج، كلها تعمل بوصفها شعائر كبرى تحفظ الذاكرة الجماعية للمجتمعات الإسلامية حية. ورغم كل الضغوط التفكيكية التي يمارسها العالم الحديث، فلا يزال المسلمون قادرين على الاجتماع داخل أفق معنوي مشترك، ولعل أحد أهم أسباب ذلك هو هذه الشعائر نفسها.

ولهذا فإن الحج ليس مجرد تطهر فردي، الحج هو اللقاء السنوي العظيم الذي يعلن أن الأمة لم تمت بعد.

وربما كان هذا بالذات هو ما لا يستطيع العالم الحديث فهمه تماما: فالذي يدفع ملايين البشر إلى الحركة في الوقت نفسه ليس مجرد واجب ديني، بل هو أيضا ذاكرة مشتركة، ومصير مشترك، وشعور عميق بالانتماء.

ولهذا فإن الحج ليس مجرد عبادة، بل هو أعظم معجزة سوسيولوجية تثبت أن العالم الإسلامي لا يزال حيا.