الجمعة، 14 أغسطس 2026

رابعة منصة الانطلاقة

 رابعة منصة الانطلاقة


أستاذ الفقه والسياسة الشرعية

لم أشأ أن أكتب عن رابعة في ذكرى الفض المؤلمة؛ ولعلكم تتفقون معي في أنّ رابعةَ حاضرةٌ في ضمير الأمة حضوراً حياً دافعاً مستمراً، وأنّها ستبقى لهذا الجيل وللأجيال القادمة مصدر إلهام، لا مجرد ذكرى يحييها المنتمون إليها مرة كل عام.

   أجل .. ستبقى رابعة مصدر الإلهام ومنصة الانطلاق إلى الآفاق البعيدة، ليس فقط لما تحمله من رمزية أولما تبثّه من المعاني الكبار التي تؤسس للأمجاد، ولكن لذلك ولأمر آخر لا يصح أن نجهله أو نتجاهله فتضيع الفرصة التاريخية، ألا وهو صناعة المنصة، منصة الانطلاقة الكبرى.

    لقد وقعنا جميعاً في خطأ كبير يوم أن حمَّلنا رابعة ما لا تحتمله، وعولنا عليها فيما هو خارج عن اختصاصها، وطالبناها بكسر الانقلاب وإعادة الشرعية وتحقيق أحلام الثورة والثوار؛ وربما نكون يومها معذورين بسبب وَقْعِ الصدمة، وبسبب الطبيعة البشرية التي يصعب التغلب عليها، وهي المشار إليها في قول الله تعالى: ( وَكانَ ‌الْإِنْسانُ ‌عَجُولاً).

    لكننا بعد أن وعينا السياق الكبير للأحداث؛ لسنا معذورين، وإذا كنّا قد أخطانا في تقديرنا للمواقف فيما مضى؛ فإنّ الاستمرار في البناء على هذا التقدير الخاطيء جريمة ترتكب من القادة في حق الجند، ومن أولي الأمر في حق الرعية، ومن الجيل الحاليّ في حق الأجيال القادمة.

    ها نحن قد أدركنا أنّ رابعة لم يكن منوطاً بها كسر الانقلاب، وأنّ ترتيب الخالق لها ليس كترتيب المخلوقين، فما الذي صنعته رابعة؟ وكيف صنعته؟ سؤال له ما بعده في تصور المرحلة، وفي الترتيب لها على نحو لا يجعل عجلة الحراك تدور في فراغ بلا تأثير.

    ومن المؤكد أنّ رابعة لم يكن منوطاً بها كسر الانقلاب؛ لأنّه ليس من العقل ولا من الشرع أن يكون عدوٌّ غاشم يملك السلاح ويهيمن على البلاد ويُدعَم دولياً وإقليمياً ومحلياً لا يواجَهَ إلا بتجماعات بشرية محصورة في (شعب رابعة العدوية) بلا عُدّة ولا عتاد ولا أُسس ولا عماد.

    وإذا كنّا يومها قد استسلمنا للوهم الكبير؛ فتخيلنا أنّ عدونا الذي أحرق مراكبه كلها؛ فلم يبق للعودة ثغراً يرتد منه آمناً يمكن أن يعطي ظهره للمواجهة أو يتردد في المضيّ قدماً لمجرد هتافات تدوي هنا وهناك ثم يمتصها الفضاء مثلما تمتص الصحراء الجرداء قطرات الماء .. إذا كنّا فيما مضى لم نر الصورة بوضوح فها نحن نراها اليوم كما يرى المرء منّا ما حوله من الشخوص والأشياء؛ فيجب - إِذَنْ - أنّ نصحح رؤيتنا للمسار كله؛ وإلا فنحن نرى بالعينين الشيء الواحد شيئين مختلفين، وهذا عوار بيّن.

    إنّ ما صنعته رابعة هو عين ما أنيط بها، هو - على وجه الدقة - صناعة المنصة، منصة الانطلاقة الكبرى، هذه المنصة تتمثل في النواة الصلبة التي يناط بها التغيير الحقيقيّ، إذا ما توافرت لها الظروف وتوفرت من حولها العوامل والمقومات اللازمة، هذه النواة الصلبة هي التي افتقدتها ثورة الخامس والعشرين من يناير، حيث توافرت فيها الكتلة الحرجة دون أن تتوسطها النواة الصلبة، فكانت ثورةَ اللحظة الخاطفة، استلهمت من الفطرة العامة وضمير الأمة العام طريقها قبل أن يقفز على ظهرها أصحاب المشاريع الخاصة، وفيما يبدو أنّ خزّان الخبرة لدى قوى الشرّ أمدّ العسكر ومن معهم بالحكمة اللازمة لمواجهة (الأزمة!) فلم يجدوا صعوبة في القضاء على الثورة، ولو كانت تلك الكتلة الحرجة مشدودة إلى نواة صلبة تتوسطها، ومقودة بقيادة حكيمة تنتمي إلى تلك النواة الصلبة لما وقع ما وقع، ولقد كان بإمكان الإسلاميين أن يرتبوا الأوضاع بما يفوت على المجرمين ما يرتبون له، وإذْ لم يفعلوا فها هو الحق تبارك وتعالى - بعد أن أذاقهم جزاء بعض ما قصروا فيه وعفا بفضله عن كثير - يعيد ترتيب الأوضاع بما يضمن لأهل الحق أن يمضوا في طريقهم على تؤدة؛ ليحققوا ما لم تحققه الموجة الأولى من الثورة، فوقع الانقلاب، ونزل الإسلاميون عن العرش المزيف إلى رابعة؛ ليبدأ المسير من جديد؛ فلتتشكل هنا المنصة، ولتتكون هنا القاعدة الصلبة، هنا في رابعة، محضن الجيل الفذّ الذي سيناط به التغيير.

    ولم يغب عن هذا المحضن عنصر واحد من عناصر البناء: التجميع - التصفية - الوحدة - الجماعية - التربية - التوعية – التعاهد .. فلقد تجمع أهل الخير والحق والعدل من كل مكان ومن كل فصيل، اجتذبتهم رابعة بقوة الحق وسلطانه، فلم تترك منهم أحداً يحجبه عنها حاجب ماديّ أو معنويّ، فمن لم يشهدها بنفسه شهدها بقلبه وشعوره ووجدانه، وكذلك نفضت رابعة بقوة النازلة وشدة الابتلاء كل من لم يتمتع بالصدق وينعم بالاستقامة، ثم طفقت تربي تربية إسلامية ميدانية مفتوحة، فتشكلت المنصة وتكونت القاعدة الصلبة وتعاهدت على التضحية وتبايعت على الموت في سبيل الله.

    ثمّ جاء الفضّ على هذا النحو ليتخذ الله تعالى من هذه القاعدة عربون النصر، وهو التمحيص للمؤمنين والاصطفاء للشهداء منهم؛ (وَلِيَعْلَمَ ‌اللَّهُ ‌الَّذِينَ ‌آمَنُوا ‌وَيَتَّخِذَ ‌مِنْكُمْ ‌شُهَداءَ ‌وَاللَّهُ ‌لا ‌يُحِبُّ ‌الظَّالِمِينَ، ‌وَلِيُمَحِّصَ ‌اللَّهُ ‌الَّذِينَ ‌آمَنُوا ‌وَيَمْحَقَ ‌الْكافِرِينَ).

    وخرجت هذه القاعدة من رابعة لتنطلق في فجاج مصر وتسيح في شوارعها؛ تلتمس الفتح الذي لا يعلم إلا الله متى سيكون، ولكنّ الذي نعلمه ولا نرتاب فيه أنّه كائن، وأنّ هذه القاعدة الصلبة سيتحقق بها وبما سيتكاثف على متنها من الخلق كل ما كان يحلق في سماء رابعة.

    وإذا كان الحراك اليوم قد فتر لعوامل كثيرة - ليس هنا موضع الحديث عنها - فإنه لم يمت ولن يموت؛ بل ليس من طبيعة الأمور أن يموت، وربما كان عدونا أكثر منا بصيرة بهذه الحقيقة؛ إذ يستمر في المطاردة ولو لأشباح الثائرين، ولا يصح أن نغرق في الخطأ فنعمى عن هذه الكتلة الصلبة رغم أنها بكل مكوناتها حاضرة وماثلة في عين الدنيا، حاضرة بالمكون البشريّ الذي - وإن غاب عن المشهد قليلاً - فإنه لم ولن ينسى قضيته، ومن باب أولى لن يستسلم لليأس أو ينساب في ركب الباطل، ومع المكون البشريّ مكون عقديّ وفكريّ ومنهجيّ، ربما لم يكن في يوم من أيام الصحوة الإسلامية بهذا الوضوح وهذا التجانس وهذه الصراحة.

    وإِذَنْ؛ فالواجب علينا شرعاً أن ننطلق من هذه المُسَلَّمة الواقعية، وأن نؤمن بأنّ لدينا قاعدةً صلبة تصلح لأن تكون عصبَ التغيير ومنصةَ التحرير ومنطلقَ التحولِ الكبير، ثمّ ننطلق من هذه المسَلَّمة إلى الأمام، وفي هذا الجو المتفائل الواعي، وبهذه الروح الواثقة المتحررة من الأوهام ندرس الظواهر على اختلافها، بما في ذلك ظاهرة عجز الحراك عن الحسم، وظاهرة افتقار الحراك للحاضنة الشعبية، وظاهرة تقلص المد الثوري وتراجعه، هل يستلزم لعلاج هذه الظواهر مراجعة الخطاب وإعادة صياغته؟ أم يستلزم تغيير الأدوات والآليات بما يناسب الظرف ويلبي الطموح؟ أم يحتاج إلى إعادة هيكلة للمشروع الإسلامي والثوري؟ أم يتطلب قيادة رمزية جديدة؟ أم غير ذلك مما لا بد منه؟ 

وهذا كله مما يجب على كبار الأمة وأهل الحل والعقد فيها، من العلماء المخلصين والدعاة النابهين والسياسيين الراشدين.

ويبقى أنّ سنة الله تعالى تقضي بتأجيل النصر ريثما يتأهل أهل الحق لتلقي هذا النصر وتوظيفه، فهل نحن على هذه الحالة التي نال بها الأوائل نصر الله: 

(يا أَيُّهَا ‌الَّذِينَ ‌آمَنُوا ‌مَنْ ‌يَرْتَدَّ ‌مِنْكُمْ ‌عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ      أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ      يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ)؟ وهل نحن مستعدون ومؤهلون - إن أعطانا الله التمكين - أن نكون على هذه الحالة: (الَّذِينَ إِنْ ‌مَكَّنَّاهُمْ ‌فِي ‌الْأَرْضِ ‌أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ)؟ والتساؤل هنا للكبار، لأنّ العهدة تقع عليهم أولاً.

    وإذْ أتقدم بهذا أَعُدُّ نفسي أول الملومين وآخر المحمودين، ولست بمتطاول بالنصح على المسلمين، ولكنها الاستجابة الضرورية لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة)، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق