الدرة (( إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ، إِنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ )) الامام الشافعي
الاثنين، 21 أغسطس 2023
فيديو اليوم ( فيديو افتتاحي )
السبت، 19 أغسطس 2023
الإذاعة البريطانية في ذكرى فض رابعة: لماذا لم يقدَّم أي من رجال الشرطة أو الجيش للمحاسبة؟
الإذاعة البريطانية في ذكرى فض رابعة: لماذا لم يقدَّم أي من رجال الشرطة أو الجيش للمحاسبة؟
قبل عشر سنوات شهدت مصر يوما لم تعرف مثله في تاريخها القريب. سقط مئات القتلى المدنيين في ساعات قليلة وباتت القاهرة أقرب لساحة الحرب، لا يسمع فيها سوى صوت طلقات الرصاص وصافرات سيارات الأمن.
ففي الرابع عشر من أغسطس/آب عام 2013، فضت قوات الأمن المصرية بالقوة اعتصاما لأنصار الرئيس السابق محمد مرسي الذي عزله الجيش، إثر مظاهرات شعبية واسعة في يوليو/تموز من العام نفسه.
«كانت الجثث في كل مكان. اختنقنا من الغاز المسيل للدموع. رأيت العديد من الأطفال قتلى في الميدان»، هكذا حدثنا عمرو حشاد الذي شارك في الاعتصام الذي استمر لنحو خمسين يوما بميدان رابعة العدوية شرقي القاهرة. كان في العشرين من عمره حينذاك. لم يخطر بباله قط أن تواجه قوات الأمن خلافا سياسيا بالذخيرة الحية، على حد وصفه.
يقول عمرو “أتمنى لو لم أكن حيا اليوم حتى لا أعيش معذبا وملاحقا بذكريات يوم الفض. فقد قتلت الإنسانية في مصر في ذلك اليوم”.
تشير التقديرات الرسمية إلى مقتل أكثر من 600 من المعتصمين في رابعة العدوية مقابل مقتل ثمانية من رجال الأمن. لكن تقديرات جماعة الإخوان المسلمين التي نظّمت الاعتصام تحدّثت عما يزيد على ألف قتيل بين صفوف المعتصمين. وقدّرت منظمة هيومان رايتس ووتش أعداد الضحايا من المدنيين بين 800 إلى 1000 شخص.
واتهمت المنظمة الحقوقية السلطات المصرية بتنفيذ واحدة من أكبر وقائع قتل المتظاهرين في يوم واحد في تاريخ العالم الحديث…
ونقول: لم تجب المراسلة عن السؤال الذي بدأت به تقريرها وهو:
لماذا لم يقدَّم أي من رجال الشرطة أو الجيش للمحاسبة؟
بل في الحقيقة لم تتعرض للموضوع برمته في استعراضها (موضوع استحقاق المحاسبة للجيش والشرطة وأي من المسئولين كذلك)
بل ذهبت تسرد شيئا من معاناة من رأى أو من تضرر وبعض نقول عن منظمات حقوقية ولم تذكر المسؤولية أو الجهات المسئولة أو محاولات الإدانة وآلياتها بحيث تستوفي استعراض الموضوع والإجابة عن تساؤل التقرير
وهو عيب مهني استغربت وروده من مراسلة في مؤسسة إعلامية عريقة
أي عدم تناسق العنوان مع المضمون حيث غابت إجابة السؤال في أي مرحلة من مراحل سرد الرسالة الإعلامية للقصة المسرودة
رغم أنها استعرضت بعض أحداث اليوم المؤلمة من خلال شاهد عيان ذكر بعض الأحداث ومن أخطرها أن إطلاقا للنار حدث على طوابير بها من تحرك بالفعل خارج الاعتصام وكثير منهم نساء وأطفال والجميع يرفعون أياديهم استسلاما
واستعرضت -كما اقتطعت أعلاه- وجهات نظر متنوعة لمنظمات حقوقية (قللت عدد القتلى الذين ذكرتهم هيومن رايتس ووتش كما نقلت عنها أنا بعد اسطر) ولإحدى أمهات الضباط الذين قضوا بعد أيام من الفض وأحدهم مات بعد غيبوبة طالت 3 سنوات
وفي كل هذا السرد لم تجب عن سؤالها الذي عنونت به التقرير
لكن دعنا لا ننشغل بهذه النقطة والقصور الفني ولنحاول نحن أن نجيب :
هناك في الحقيقة مسؤوليات مختلفة عن المجزرة تمهيدا لها قبل حدوثها ثم تشجيعا أثناء التنفيذ وغض الطرف عنها ثم تبريرا وتدليسا بعد حدوثها وكان كل هذا عالميا وليس محليا فقط.
ونحن هنا نفند ما أجملناه ونقول
أولا: هل المسؤولية تتعلق برجال الجيش والشرطة وحدهم؟
أم أنهم كانوا الجهة التي نفذت أوامر من جهات أعلى فرمي المسؤولية عليهم نوع من التصغير للصورة وقصرها على جهة واحدة.
دعنا نبدأ بوصف جهة محايدة وهي منظمة حقوقية عالمية (هيومن رايتس ووتش ) : ويشير تحقيقها الذي استمر لمدة عام كامل في سلوك قوات الأمن عند استجابتها لهذه المظاهرات، إلى قيام قوات الجيش والشرطة، على نحو عمدي وممنهج، باستخدام القوة المميتة والمفرطة في عمليات حفظ الأمن، مما أدى إلى مقتل متظاهرين على نطاق لم يسبق له مثيل في مصر.
ويشتمل ما فحصناه من أدلة على تحقيقات في مواقع الأحداث بكل موقع من مواقع التظاهر، أثناء وقوع الاعتداءات على المتظاهرين أو بعدها مباشرة، وعلى مقابلات مع أكثر من 200 من الشهود وبينهم متظاهرون وأطباء وعاملون آخرون بالحقل الطبي وصحفيون ومحامون وسكان لمناطق الأحداث، وعلى مراجعة للأدلة المادية ولساعات من مقاطع الفيديو وتصريحات مسؤولين عموم. وعلى هذا الأساس تخلص هيومن رايتس ووتش إلى أن عمليات القتل لم تشكل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان فحسب، بل إنها ترقى على الأرجح إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية، بالنظر إلى اتساع نطاقها وطبيعتها الممنهجة، وكذلك إلى الأدلة التي توحي بأن عمليات القتل كانت جزءاً من سياسة تقضي بالاعتداء على الأشخاص العزل على أسس سياسية.)
إذن كانت هناك جريمة بشعة ضد الإنسانية وضد عزل أبرياء فمن المسئول عن هذا ؟
*كانت هناك حكومة وهناك نيابة أمرت وهناك إعلام ادعى ومهد وهناك جهات استخباراتية جهزت الرأي العام بصناعة إشاعات حتى غير المنطقي منها كالكرة الأرضية التي تحت المنصة يدفن بها المخالفين للمعتصمين وجهاد النكاح والاعتصام المسلح الخ.
*وهناك ساسة طامحين لخلو الجو لهم تواطأوا واستغلوا صلاتهم الخارجية للتبرير لما حدث من انقلاب ولما سيحدث من تدمير ومجازر
*وخاصة وقد سبق تمهيد لهذا بمجزرتين: الحرس الجمهوري والمنصة
وهو خيط وعلامة خطر كان يجب الاهتمام بدلالاته لكن تم التعامل معه باستخفاف من دعم و مناصرة الشرعية وهذا في الحقيقة اتهام ينالهم وان لم يتعمدوه بين انخداع بالوعود المخذلة للغربيين وعدم توقع كل هذا الصفق في العداء من المناوئين
( ورغم اننا لا نلوم الضحية ونفرق بين المجرمين والضحايا لكننا نسرد هنا كل من أهمل أو تورط فكانت النتيجة وقوع المذبحة بهذه البشاعة )
*كان هناك دور لسياسيين خارج الحكومات يشتاقون لتقع السلطة في أيديهم من اليساريين والليبراليين ولحركة هي صنيعة مشبوهة (تمرد) حركت أحداث وضخمتها واعتدت على مسالمين من خلال ما اصطلح عليه المواطنين الشرفاء
وهي التي أمهلت الرئيس مرسي وقتها عدة أيام للتنحي قبل أن تطلق ضده حركات عصيان وهي نفسها التي اتهمت – كغيرها – اعتصام رابعة بأن اعتصام مسلح كله من يجلس هناك يحمل بنادق وأسلحة.
*وفوق هؤلاء جميعا كان الانقلاب ورجاله الذين كان يقودهم رأس النظام الحاضر المتواري في هذا الوقت والذي آثر أن يكون الفض قاسيا للغاية لضمان إيلام المجزرة ووصول إرعابها وحقائقها البشعة مترجمة بشكل دامغ لمن رآها أو عايشها أو سمع عنها
خذ مثالا رئيس الحكومة حازم الببلاوي في هذا الوقت حين صرح في أكثر من موضع بموافقته على ما تم من إجراءات قاسية ففيما نقله موقع البي بي سي عنه بتاريخ 20 أغسطس 2013 م بعد المجزرة بأيام ورد به التالي :
أبدى رئيس الوزراء المصري حازم الببلاوي تأييده لإجراءات قوات الأمن في التعامل مع المعتصمين المؤيدين للرئيس المعزول محمد مرسي، وذلك خلال مقابلة أجراها مع شبكة ABC الأمريكية.
وقال الببلاوي «استاء الجميع من خسارة الأرواح، إلا أن الحكومة لم يكن لديها أي خيار عندما تم تحدي صلاحياتها في الشوراع»)
فتحدي الصلاحية للحكومة بعد كل ما تم من إجراءات انقلابية يجعل قتل أبرياء مباحا من وجهة نظره !
*وزير خارجية الانقلاب روج لخبر وجود أسلحة ثقيلة في اعتصام رابعة والنهضة وهو إشاعات رددها إعلامه لكنه في هذه المرة نسبه لمنظمة العفو الدولية، وقد نشرت المنظمة بيانا نفت فيه هذه المزاعم، مما اضطر الوزير إلى تقديم اعتذار.
* ثم بعد كل ذلك: هناك قيادات تلقت الأوامر ثم نفذت…وهي التي عناها التقرير بعنوانه المذكور
*وهناك جهات دولية تواطأت وتغاضت وبررت بل دعمت وتورطت في غض الطرف عن العملية ودافعت عن كل ما حدث
وكانت زيارات كاترين آشتون( منسقة الاتحاد الأوروبي ) للرئيس مرسي في معتقله نوعا من التخدير وبث أمل كاذب في الوقت الذي قيل فيه أنها كانت تهدده وتعرض عليه الخروج الآمن فقط وهو ما رفضه الرجل تمسكا بحقه
فيما بعد وباستثناء إدانة فرنسا لـ”أعمال العنف الدامية”، ومطالبتها الحكومة المصرية بـ”وضع حد للقمع”، وتعليق الدانمارك مشروعين تنفذهما في مصر، اكتفت معظم الحكومات الأوروبية بالتعليق على هذه المجزرة عبر بيانات مثل التعبير عن القلق والدعوة لضبط النفس والدعوة للحوار وهو ما يعني تغاضيا عن كل ذلك وكلنا نعرف أنهم لو أرادوا التصعيد لفعلوا ولأثروا في مجرى الأحداث بشكل كبير.
– وتعال نتأمل في كلمة ألقاها توني بلير رئيس وزراء إنجلترا الأسبق عن ما حدث في 30 يونيو وما تلاها من الانقلاب مبررا تشجيعه على ذلك خوفا من الإيدلوجيا الخطرة فقال في كلمة ألقاها بتاريخ 24/4/2014 م في مقر بلومبرج بلندن :
“ما حدث في مصر في 30 يونيو 2013 لم يكن مجرد مظاهرات عادية، بل هو إنقاذ ضروري للأمة، وعلينا أن ندعم الحكومة الجديدة ونساعدها”.
وشدد على أن الرئيس المصري الجديد “سيواجه تحديات جسيمة، ولكن من مصلحتنا الجوهرية أن ينجح، وعلينا أن نحشد المجتمع الدولي لإعطاء مصر ورئيسها أكثر مساعدة ممكنة، كي نعطي البلاد فرصة ألا تعود إلى الماضي، بل أن تعبر إلى مستقبل أفضل”، على حد قوله.
وتلت مظاهرات 30 يونيو أحداث عنف كثيرة ونتج عنها قتلى وجرحى ومن ضمن هذا ما أعلنته وزارة الصحة والسكان المصرية ( 1/7/13) عن مقتل 16 وإصابة 781 آخرين في الأحداث في أنحاء مصر
بينما أقل تقدير ذكره شهود عيان خارج المنظومات الرسمية عن مذابح رابعة والنهضة فيتراوح بين 3 آلاف وهناك من قال 20 ألف وليس هذا بعيدا كما تدل الآثار والأعداد التي كانت هناك وقت المذبحة
بينما صرح لي شفهيا أحد ضباط الأمن أنه حوالي 10 آلاف
وهذه أرقام كبيرة جدا وتشير إلى عمق الشرخ المجتمعي المصاحب لمثل تلك الجريمة هذا كله بخلاف مجازر تلت ذلك في مناطق أخرى لا تقل عن عشرة مجازر كبرى منها على سبيل المثال في سموحة الإسكندرية
*واستخدمت لهذا شخصيات وأسماء كثيرة كالدكتور محمد البرادعي وغيره من أجل تثبيت الانقلاب والدعاية له حتى آل الأمر إلى أحدث رابعة كنتيجة لهذا التدليس المشترك
فالمسؤولية عن هذه المجزرة تطول الجميع، وكان الواجب أن ينطلق التقرير من هذه النقطة لتصل الى سؤالها لارتباط الإجابة عن تساؤلها بالإجابة عن هذه المسؤولية التي طالت الجميع.
ثانيا: يجب استعراض ما تم من التعمية والتدليس والكذب والادعاء من جهات شتى وهو ما تم قبل وبعد المجزرة حتى ان قطاعا كبيرا من الشعب لم يشعر بما حدث ورحب به إلى حد ما بعد ادعاءات كثيرة تم تصوير أن الدولة المصرية كلها تضررت وستتضرر بوجود هذا الاعتصام وكأنه تحد وجودي بينما حقيقة الأمر أن كان هينا وفضه هين بقطع إمدادات الطعام والمياه عن المعتصمين وعدم إدخال أية مواد أو عدم السماح للأشخاص بالدخول إليهم مع قبول خروجهم باتجاه المغادرة فتنفض الاعتصامات دون قطرة دم واحدة من أي من الأطراف
*خذ مثالا ما تم ذكره في الإعلام عن رابعة قبل وبعد الفض :
أسامة الرشيدي في العربي الجديد 22-8-2015 م يرصد تفاعل الإعلام حول رابعة في أثناء الاعتصام وذكر ما مختصره :
– تحدث الإعلام عن: رغبة المعتصمين في مغادرة ميدان رابعة العدوية، لكن قيادة الاعتصام تمنعهم من الخروج.
– قيام المعتصمين بإحضار أطفال الملاجئ ودور الأيتام لمقر الاعتصام.
-انتشار الأمراض المعدية بين المعتصمين، وذلك لتخويف المتعاطفين والمتضامنين مع المعتصمين من الذهاب إليهم. وتحدث إبراهيم عيسى عن «الجرب» الذي انتشر بين المعتصمين.
– «محمد الغيطي» على قناة «التحرير» يدّعي وجود علاقات جنسية بين المعتصمين وعدد من السيدات السوريات تحت مسمى «نكاح الجهاد» غير الموجود أصلا في الدين الإسلامي.
– في السادس من أغسطس عام 2013، خرجت الصفحة الأولى من جريدة «الأخبار» المصرية، حاملة عنوانا رئيسيا يؤكد أن المعتصمين في ميداني «رابعة» و«النهضة» يمتلكون أسلحة كيميائية، ودخلت جريدة «الوطن» إلى الخط لتؤكد أن جماعة الإخوان قامت بنقل أسلحة كيماوية وصواريخ من سورية فجراً إلى ميادين الاعتصام.
– في السادس من أغسطس عام 2013، خرجت الصفحة الأولى من جريدة «الأخبار» المصرية، حاملة عنوانا رئيسيا يؤكد أن المعتصمين في ميداني «رابعة» و«النهضة» يمتلكون أسلحة كيميائية، ودخلت جريدة “الوطن” إلى الخط لتؤكد أن جماعة الإخوان قامت بنقل أسلحة كيماوية وصواريخ من سورية فجراً إلى ميادين الاعتصام.المصري اليوم نشرت ما يفيد بأن السلفية الجهادية وتنظيم القاعدة والجهاد تمركزون في اعتصام النهضة
– جريدة الأهرام تنشر «تحقيقا صحفيا» في عددها الصادر بتاريخ 6 سبتمبر/ أيلول 2013، تؤكد فيه أن الرمز ماسوني، وأن عبدة الشيطان يستخدمون الرمز في طقوسهم، وأن أعضاء الكنيست الإسرائيلي قاموا برفع أيديهم برمز رابعة.
وزعمت جريدة «الأخبار» أن إسرائيل قامت بإطلاق اسم «رابعة العدوية» على أحد الشوارع بمدينة القدس تضامنا مع الإخوان. (الصفحة الأولى من جريدة «الأخبار» بتاريخ 28 أكتوبر/ تشرين الأول 2013) رغم أن الشارع موجود بنفس الاسم منذ الثمانينيات.
– قيام قيادات الاعتصام بتعذيب عدد من الأشخاص وقتلهم ودفنهم أسفل المنصة، وأكد أحمد موسى المذيع بقناة التحرير وقتها أن المنصة تحتوي أسفلها على “كرة أرضية” لدفن الجثث.
ثالثا: وتم استعراض الأمر بأنه في إطار القانون مع شيطنة المخالفين ورميهم بالكذب أو المبالغة ونقل بعض الأحداث بأنه أثناء الفض كانت الدوائر المغلقة تحفز الجنود وتخوفهم بأنه قتلوا منكم ومن زملائكم كذا وكذا فيصابون بالهلع ويفقدون رباطة جأشهم وهذا كما يقال من أعمال الاستخبارات والشؤون المعنوية .
ولك أن تتخيل كيف يشيطن إعلاميو النظام كافة الاعتراضات أو الاعتصامات التي تلت رابعة ويكفينا هنا مقولة الإعلامي الفاجر أحمد موسى عن فض اعتصامات في منطقة المطرية “أنا عايز دم، عايز جثث”..”متبصش على المجتمع الدولي، يتحرق المجتمع الدولي”.
وأضاف “انزل دك المطرية، أنا عايز بكرة المطرية مفيش كلب إخواني فيها”.. “القانون بالرصاص، الضرب في سويداء القلب”.. “عايز ألاقي بكرة فيه دم، دلوقتي فيه دم، دم بالعشرات، دم بالمئات، مش عايز حد يقبض على حد، أنا عايز جثث، جثث”.
رابعا: التطمينات التي أعطيت للضباط والجنود – والتي ظهرت في التسريبات المشهورة -بعدم محاسبة أي من المتورطين حتى لو كانت أعمالا بشعة كتصفية الأعين وما في حكمها؛ وذكر هذا في اجتماعات مع قيادات أمنية وعسكرية
منحتهم غطاء لتلك الممارسات وهو ما ظهر جليا في أحداث أخرى تالية شهيرة كتبرئة من سمي بقناص العيون أو المتسبب في قتل (حاجة وتلاتين واحد) في سيارة الترحيلات وغيرهم.
خامسا: لاحقاً، جرت محاكمة متظاهرين استناداً إلى إجراءات قانونية معيبة وغياب تام لمعايير العدالة، ما أسفر عن إصدار محاكم عسكرية أو استثنائية قرارات جماعية بالإعدام والسجن فترات طويلة، وكان بعضها غير قابل للطعن أو النقض.
وواصلت الحكومة انتهاك الدستور والقوانين الخاصة بالحبس الاحتياطي واللوائح الداخلية للسجون، ما أبقى آلاف المعتقلين رهن الحبس الاحتياطي أكثر من المدة القانونية (عامين)، كما أعادت وزارة الداخلية (تدوير) أشخاص أخلي سبيلهم في قضايا جديدة كي تواصل احتجازهم في سجون يُحرمون فيها من الزيارات والاحتياجات الأساسية من دواء وطعام وأدوات نظافة وكتب.
—
فبهذا كله يمكن الإجابة عن سؤال التقرير المذكور لماذا لم يقدَّم أي من رجال الشرطة أو الجيش للمحاسبة؟
وخلاصة الإجابة لأن الجميع تواطأوا وكذبوا وبلوا وشجعوا وهاونوا فكانت المأساة..!
__
كلمة أخيرة:
لا تسقط أي جريمة بالتقادم لا بالنسيان ولا بالتلبيس على الناس
لنتسقط الجرائم الكبرى دون عقاب حتى التوبة التي لم ترد الحقوق فيها كاملة لأصحابها لن تحول بين أصحابها وبين العقوبات لن تسقط
لا عند الله ولا عند الناس ستبقى آثارها نكالا في الدنيا والآخرة ..
حتى إن نسيت فإنه: (وما كان ربك نسيا) (أحصاه الله ونسوه).
(ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا).
(ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره).
ولزوال الدنيا وما فيها عند الله أهون من قتل مسلم بغير حق.
الثلاثاء، 15 أغسطس 2023
إلى مصر
إلى مصر
أحمد بن راشد بن سعيّد
بعد 10 سنوات من إعادة التموضع: ألم يأن للقلوب أن تقر؟
بعد 10 سنوات من إعادة التموضع: ألم يأن للقلوب أن تقر؟
هبة زكريا
10 سنوات لن تجعل من القاتل ضحية ولا من الضحية قاتلًا، فالقاتل معروف، وبمرور الوقت تزداد جرائمه وتتسع لتشمل الوطن كله، بأرضه وسمائه وشعبه، حاضره ومستقبله، والضحايا من شهداء ومعتقلين وذويهم يلعنونه كل يوم وكل ساعة وفي كل صلاة.
دماء الشهداء في جوف الأرض، وأنين المعتقلين الخافت في أقبية السجون خلف الف سور وعلى بُعد مئات الكيلومترات في قلب الصحاري، سيبقى صداه يدوي في ضمائرنا ويخترق حجب السماء، ليصل إلى السميع العليم سبحانه.. ولكن.
بعيدًا عن تلك المواقع المحسومة للقاتل والضحية، نبقى نحن جزءًا من الحكاية الممتدة منذ 10 سنوات، نحن أبطالها وأعمارنا هي نسيج روايتها وتجاربنا هي خيوط حبكتها، نحن الشعب والصف والشباب والرجال والشيوخ والنساء والأطفال والقوى السياسية والأحزاب، والجماعات والفاعلين والمؤثرين والمفعول بهم والتابعين.
نحن المجتمع لا النظام، الإنسان لا التنظيم، أين كنا وأين أصبحنا وإلى أين نسير؟ هذا هو السؤال الذي لا بدَّ أن نواجه أنفسنا به بعد 10 سنوات من أبشع مجزرة شهدها تاريخ مصر الحديث، وكنت شخصيًّا شاهدة عيان عليها.
مواقع محسومة رغم تغيرها
هي مواقع القوى الدولية والإقليمية، سواء منهم من أيّد انقلاب 3 يوليو/ تموز 2013 أو عارضه، من غضَّ الطرف عن المجزرة أو من بكاها ورثى ضحاياها على الشاشات، من عانق القاتل أمام الكاميرات ومن أبى أن يصافح يده الملطخة بالدماء.
فبعد 10 سنوات أغلق الجميع ملف الربيع العربي، الذي كانت مجزرة رابعة في 14 أغسطس/ آب 2013 جزءًا من تداعيات الانقلابات المضادة على نتائجه.
الجميع نفضَ يديه من إرث الثورات وأحلام الحرية، سواء منهم من سعى لوأده منذ البداية ومن دعمه ودعم الضحايا المطاردين واستضافهم بعد المجزرة، الجميع يعيد ترتيب أوراقه من وقت لآخر بطرق مختلفة، لكن المعيار واحد: المصلحة، تلك التي قد تكون مصلحة نظام حكم أميري أو ملكي أو رئاسي، أو مصلحة دولة وحكومة.
وفي كل الحالات، المبررات الأخلاقية موجودة لإراحة الضمائر، علينا أن نعي جميعًا هذا ونحن نتعامل مع الدول والحكومات، مهما كانت دوافعهم الأخلاقية لدعم قضية الحرية والاستقرار والعدالة وتداول السلطة ومعاقبة القتلة في مصر، ستبقى مصالحهم الشخصية أو المرتبطة بدولهم وشعوبهم هي الحاكمة لقراراتهم.
مواقع مهزوزة رغم افتراض العكس
وهي مواقع القوى والأحزاب المصرية المؤيدة لثورة يناير، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين التي دفعت الثمن الأكبر خلال الـ 10 سنوات الماضية من أبنائها وقادتها، بين القتل والسجن والتشريد، الجماعة التي تصدّت لحمل مسؤولية إدارة بلد بحجم مصر، في ظل دولة عميقة داخليًّا، ودولة احتلال على حدودها مدعومة أمميًّا، ومجتمع حديث عهد بالحرية بعد قرون من الاستبداد وموارد منهوبة واقتصاد منهار.
فقدّمَت أول رئيس مدني منتخَب ليتولى حكم مصر، وتصدرت بكل وعي وبكامل إرادتها لإدارة المعركة مع إرث الماضي وقواه الخشنة والناعمة داخليًّا وخارجيًّا، فأين جماعة الإخوان الآن منذ المجزرة التي قُتل فيها أبناؤها وقادتها وأنصارها برصاص قوات الانقلاب ودباباته وطائراته؟
رغم التوقعات والتحذيرات من المجزرة المحتملة، بل سبقها مجازر تمهيدية خلال الاعتصام، مثل مجزرة الحرس الجمهوري التي أطلقت فيها قوات الانقلاب الرصاص على المصلين وهم سجود خلال صلاة الفجر، ومجزرة النصب التذكاري التي تلت مسرحية "التفويض" بسويعات، في رسائل واضحة أن الانقلابيين لن يراعوا في مصري معارض إلًّا ولا ذمة.
رغم كل ذلك، استمر الاعتصام على وتيرته دون أي مساحات للمناورة وتجنُّب المجزرة، وإطالة أمد المعركة السياسية بعد أن ثبت أن صراع القوى في صالح الانقلاب الذي يسيطر على الجيش والشرطة وأسلحتهما.
وماذا بعد المجزرة؟ استشهد من استشهد على مبادئه، واُعتقل من اُعتقل كذلك، وقُمع الشعب كله، ثم كان الخروج الكبير إلى المهجر، فكان الأمل في الخارج لدعم الداخل وإعادة ترتيب الصفوف، واستثمار الدعم المقدَّم من بعض الدول المعارضة للانقلاب، والتعاطف مع ضحايا المجزرة في بعض الشعوب والمنظمات الحقوقية، ليستمر الأمل في دحر الانقلاب واستعادة حلم الحرية والاصطفاف مجددًا مع شركاء الثورة والحلم.
لكن لا الشركاء صدقوا ضمائرهم وأنكروا الجريمة والمجزرة (إلا قليلًا منهم)، ولا الإخوان قادوا المعركة ضد الانقلاب، بل أشعلوا معارك داخلية حول إدارة التنظيم وإعادة هيكلته وتموضعه ومنهجية تعامله مع أعضائه في الداخل والخارج.
ولن أكون متجنية إن قلت إن بعض أعضاء الجماعة من القيادات الوسطى، التي وجدت فراغًا في مستوى القيادة العليا بسبب اعتقال غالبية رموزها، قد قفزوا على المرحلة وأصبح ينطبق عليهم مصطلح "أثرياء الحرب".
نقلوا المعركة من مواجهة الانقلاب أو الاختلاف على إدارة التنظيم في الخارج إلى معركة مكاسب ومصالح شخصية، فوجدت الدول والأنظمة الداعمة للربيع العربي نفسها أمام قيادة مهلهلة ومتشرذمة لا ترتقي لمستوى الحلفاء، بل مجموعة منظمة من اللاجئين تجمعهم -من المفترض- خلفية فكرية واحدة.
فتوالت الانشقاقات، وأصبحت الجماعة التي كان منوطًا بها إنقاذ إرث الثورة وإطلاق سراح المعتقلين ومحاسبة القتلة على دماء الشهداء، بحاجة إلى من ينقذها من صراعاتها الداخلية.
أما باقي الأحزاب والقوى السياسية المعارضة فقد بقيت كالريشة في مهبّ الريح، تقترب من الإخوان أو النظام أو المنظمات الدولية والقوى الإقليمية، أو تبتعد بحسب الظروف ومتطلبات البقاء قانونيًّا وماليًّا.
وغالبية رموزها، شبابًا وشيوخًا، أصبحت هويتهم وعملهم وإنجازهم الذي يعيشون عليه في الخارج، ويستضافون بسببه في المؤتمرات والقنوات في المناسبات الخاصة؛ اشتراكهم في ثورة يناير أو مشاركتهم في حكومة الرئيس الراحل محمد مرسي، أو تجربتهم مع الانقلاب سواء مع أو ضد.
ومن ثم، بينما نعيد تموضعنا، علينا أنا نعيد محاسبة من تصدّوا ولا يزالون منذ 10 سنوات بل منذ ثورة 25 يناير، لإدارة معركة الحرية التي حلمنا بها وقدمنا لها، فالكيانات ليست كالأفراد، الفرد يقدم تضحيات والكيان يستثمر التضحيات لتحقيق إنجازات، فماذا أنجزوا على مدار 10 سنوات؟
الضحايا
ملح الأرض، الحالمون العاشقون الراحلون مع الحلم حيثما ارتحل، حتى وإن كان للقبر أو القيد أو المنفى هم معه، الذين آمنوا وصدَّقوا وصدَقوا ما عاهدوا عليه، لأجلكم أكتب، لأجل كل الوجع والصدمة والتيه الذي يعترينا جميعًا أكتب.
ما ذكرته أعلاه، هو مجرد محاولة لإدراك الواقع على حقيقته، لا النقمة عليه أو تشويهه أو تفريغ شحنات من الغضب، الوعي هو أول طريق النجاة، الوعي بقوتنا وضعفنا، بأخطائنا وإنجازاتنا، بآلامنا وأحلامنا، بخيباتنا ومحاولاتنا، لأهالي الشهداء، وللمعتقلين وذويهم، وللمطاردين في المنافي، وللغرباء داخل الوطن، بل للغرباء داخل نفوسهم.. أكتب اليوم: أما آن للقلوب أن تقرّ؟
للشهداء: ولي فيهم أصدقاء وأحباب أعرفهم عن قرب، لم يقضوا لأن قيادة جماعة أو اعتصام أغوتهم وغررت بهم وخدعتهم بالجنة الموعودة على الأرض أو في السماء، بل قدموا الروح في سبيل ما آمنوا به، بكامل وعيهم وإرادتهم الحرة المستقلة، ويقيني أنه لو عاد الزمان لعادوا واصطفوا أمام الرصاص دون خوف في سبيل الحق، حقنا جميعًا في الحرية والكرامة الإنسانية، في الإيمان وتحقيق هذا الإيمان.
لم يمت أي منهم مبكرًا عن أجله المكتوب، لكنهم فازوا بالشهادة، عاشوا أعزاء وقضوا شهداء، فلا فزع ولا ندم، إنما ألم الفراق وقرَ في قلوب ذويهم ومحبيهم، تعاظم وتأصّل وتجذّر في ملامحهم، وسكن ركنًا في قلوبهم وترفّع عن أن يهدَر في دموعهم، فمضوا يحملونه ويكملون الطريق بانتظار لقاء موعود.
أهالي الشهداء رغم الألم اطمأنوا على ذويهم ويكملون حياتهم برفقة الألم، لكنهم يكملونها، ولقد رأيت منهم نماذج رائعة رغم المعاناة، الأبناء أكملوا دراستهم في كبرى الجامعات، وتزوجوا وأنجبوا وجعلوا من أنفسهم امتدادًا لأحبابهم الراحلين وخلفًا لهم في مشوارهم.
للمعتقلين وأهاليهم: إنهم الشهداء الأحياء، الأكثر ألمًا ومعاناة على مدار 10 سنوات، المعتقلون في قبور للأحياء دُفنت أعمارهم ومشاعرهم قبل أجسادهم، يتم قتلهم ببطء وسط الكراهية والتعذيب والتجويع والإهمال الطبي، والتغييب عن عالم الإحياء والتعذيب النفسي والعقلي، بل التضييق على ذويهم في الخارج ماديًّا ومعنويًّا، وإهانتهم وقمعهم أثناء الزيارة.
كل هذا في كفة واستهداف تدمير أسرهم في كفة أخرى، غياب الأب لسنوات، لا هو موجود فيقوم بدوره ولا غير موجود فتحسم الأسرة أمرها وتنطلق في الحياة، حتى إذا أتيحت له الفرصة وخرج لم يجد العالم الذي تركه، فلا يعود هو كما كان ولا هم كما كانوا، وقليل من ينجو من تلك المنهجية المدمرة.
أما أهاليهم فهم المعلقون بين السماء والأرض، لا عانقوا أحبابهم ولا غادروهم، لا يتقدمون بصحبتهم ولا ينطلقون من دونهم، تذوب الأمّ كمدًا على ولدها الشاب المعتقل منذ 10 سنوات، وقد تزوج إخوته الأصغر منه وأكملوا دراستهم وتوظفوا فما فرحت بهم.
فإذا ما وضعت جنبها على الفراش كرهت فراشها، لأن ولدها السجين لا يحظى بمثله، وإذا ما أعدّت طعامًا دخل جوفها كالسمّ لأن ولدها جائع في زنزانته، يموت المعتقل وأهله كل يوم ببطء وتتوقف حياتهم.
أما المعتقلات من النساء فلك أن تطلق لخيالك العنان عن حالهن، المؤلم في كل هذا أن الجميع كذلك وعلى مدار 10 سنوات، من أحزاب ومنظمات وحكومات ودول، لم يفلح في تحريك هذا الملف قيد أنملة، فقط حالات فردية تعدّ على أصابع اليد الواحدة لمعتقلين من التيار المدني، رحّبت بهم دول غربية ودعمتهم منظمات حقوقية دولية.
والوحيدة التي قد تحسب على الإسلاميين السيدة علا نجلة الشيخ القرضاوي، وذلك نظرًا إلى حملها الجنسية القطرية، ورغم ذلك بقيت سنوات في السجن يمارَس عليها أسوأ أساليب التدمير النفسي والبدني، ولا يزال زوجها معتقلًا حتى الآن.
هذا ليس عيبًا على المعتقلين من أبناء التيار المدني ولا تقليلًا من معاناتهم، بل عيبًا على المجتمع الدولي الذي يكيل بمكيالَين، وعيبًا على التنظيمات الإسلامية التي لا تجيد إدارة العلاقات وأوراق الضغط لصالح معتقليها، فلم يبقَ لهم سوى الله وذويهم الذين يحملون همّهم إلى اليوم.
الناجون
جميعنا ناجون، وليس فقط المطاردون الذين نجوا من الموت برصاص الانقلاب أو الاعتقال في سجونه، أو العيش في ظل استبداده.
من قضى فقد نجا حيث المستقر الأخير، ومن بقي فقد نجا من الموت ولا يزال لديه فرصة للتغيير، نعم، أعلم أن الكلمة ثقيلة وأصبحت مبتذلة "التغيير"، لكنها الحقيقة شئنا أم أبينا، والتغيير يحدث سواء أردنا ذلك أو لم نرده.
فمن قرر الاستسلام واللامبالاة بعد الوجع والخذلان الذي لاقاه فقد قرر أن يتغير، ومن قرر أن يستمر في المحاولة فقد قرر أن يغير، ومن بقيَ معتقلًا يقاوم الموت والجنون ويقتات الصبر بانتظار فرج قريب أو بعيد، فهو بالفعل يغير من واقعه المميت.
ومن خلفه في أهله وولده واستكمل طريقه صابرًا محتسبًا داعمًا رغم قسوة الحياة وثقل الأعباء، فهو يغيّر الواقع الذي يسعى الانقلاب لفرضه عليه، ومن قرر أن يتمرد على كل ما سبق من حياته فيلجأ للإلحاد أو الشذوذ أو الجنون أو حتى تأييد النظام فقد تغير كذلك، التغيير سنّة كونية نمضي فيها لا إراديًّا.
ولكي تقرّ القلوب بعد 10 سنوات من التيه، علينا أن نعي واقعنا أولًا، ثم ندرك أن بقاءنا مرتبط ببقاء الحلم الذي بدأنا الطريق من أجله قبل 10 سنوات، بل 12 عامًا منذ ثورة 25 يناير، حتى أولئك الذين فوّضوا الانقلاب وأيّدوه في بدايته من أهلنا وأصدقائنا، من شعبنا وأحبابنا، لن تقرّ قلوبهم حتى يتخففوا من حمل الذنب في نفوسهم.
ذلك الغبار على الوجوه وضيق ذات اليد وغلاء الأسعار وانتشار الجريمة، بما في ذلك الجريمة الاجتماعية داخل العائلة الواحدة والقمع والانحدار الذي يعيشه المجتمع المصري، لن ينقضي بالعودة للوراء واسترجاع عصر استبداد أقل وطأة كعصر مبارك وأبنائه، لن ينقضي حتى نقرّ بذنبنا بحقّ هؤلاء الأبرياء الذين قُتلوا في مجزرة رابعة والنهضة وما سبقها وما تلاها، حتى نعتذر لأقاربنا وأصدقائنا الذين اتهمناهم زورًا وبهتانًا بالعمالة وجهاد النكاح، وفوضنا القاتل ليقتلهم.
لن ينقضي حتى تعود لحمة المجتمع وندعم أهالي المعتقلين والشهداء ونخفف عنهم ما استطعنا، لن ينقضي إلا بالتوبة إلى الله وتأييد الحق وإنكار الظلم ولو بقلبك.
أما نحن، الذين خرجنا مطاردين، فعلينا أن نجد الطريق لاستكمال الحلم مع إدراك الواقع، لا أن نكون مجرد تابعين أو غارقين في بكائيات دور الضحية، كل صباح يشرق علينا هو فرصة جديدة للحياة، الحياة لنا ولوطننا وحلمنا، ولمن يحتاج دعمنا من المعتقلين المكبّلين عن السعي.
خلال 10 سنوات رأيتُ كيف اتجه عدد كبير من أبناء ثورة يناير، من كافة التيارات، لدراسة العلوم الإنسانية والاجتماعية في كبرى الجامعات الدولية، لمحاولة فهم ما مررنا به لعلنا نصحّح في المستقبل أخطاءنا.
ورأيت من اتجه لمشاريع اقتصادية لعله يوفر فرص عمل لآخرين، ورأيت من كان ركنًا يلتفّ الناس حوله على المستوى الاجتماعي، فيدعم هذا ويسند ذاك، ويوثق روابط المجتمع في الغربة فيكون وأهله للمطاردين أهلًا دون الأهل ووطنًا دون الوطن، وهناك الكثير ممّا يمكن فعله لتقرّ القلوب ونبقى أحياء.. حتى نعود.
الاثنين، 14 أغسطس 2023
الذكري العاشرة لمذبحة رابعة من باريس 2023
الذكري العاشرة لمذبحة رابعة من باريس 2023
فرح في ذاكرة الدم لن ننسى أبدا
تقرير إعداد رئيس التحرير
دكتور محمد السيد رمضان
نائب رئيس المنظمة
“ساقه مكسورة.. لا أستطيع تركه هنا،” قالت الطبيبة بالمستشفى الميداني في ميدان رابعة العدوية في ١٤ أغسطس/آب ٢٠١٣. “لا تقلقي.. سأكسر قلبه أيضا” أجابها ضابط القوات الخاصة قبل أن يطلق رصاصة في قلب المصاب. كانت تلك الوحشية جزء صغيرا مما حدث يوم فض الاعتصام، وهو ما وصفته منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية بـ”أسوأ عملية قتل جماعي في تاريخ مصر الحديث” و “جريمة محتملة ضد الإنسانية.”
بعد عدة اجتماعات لمجلس “الأمن القومي” في يوليو/تموز، وأغسطس/آب 2013، قررت مجموعة من قيادات العسكر والمخابرات والشرطة وبعض حلفائهم من السياسيين المدنيين المعينين من قِبَلهم بعد انقلاب ٣ يوليو/تموز ٢٠١٣ اقتحام الاعتصامات المناهضة للانقلاب في ميداني رابعة العدوية بالقاهرة والنهضة بالجيزة. نتجت عن فض الاعتصامات أكبر مجزرة في تاريخ مصر المعاصر.
العدد الكلي للقتلى غير محسوم حتى اليوم؛ ويرجع ذلك بالأساس للعقبات التي فرضها النظام الحاكم على جمع البيانات، وخاصة بيانات المجازر. فقد ادعت وزارة الصحة في مصر أن عدد القتلى كان 670 والجرحى 4400، بينما أكدت بيانات المستشفى الميداني في رابعة أن عدد القتلى فاق الألفين. أما منظمة “هيومن رايتس ووتش” فقد ذكرت أن عدد القتلى يتجاوز الألف معتصم، أي أن القوات النظامية كانت تقتل حوالي مائة مواطن مصري في الساعة الواحدة.
وقد استطاع المركز المصري للحقوق الاجتماعية والاقتصادية توثيق 932 جثة بالكامل، و294 جثة موثقة جزئيا، و 29 جثة مجهولة الهوية، وخمس جثث مفقودة. وتشمل هذه الأرقام 30 من الفتيات والفتيان في سن المراهقة، و17 امرأة.
تكتمل معالم ما نستطيع أن نطلق عليه دون تحفظ عصر الانحطاط للسياسة المصرية في عهد عبد الفتاح السيسي مع ما تشهده مصر السيسي من رعب وقتل ودمار.
ويأتي الأمر منسجما مع حالة التردي السياسي والاقتصادي والأمني التي آلت إليها أوضاع مصر”أم الدنيا”، كل ما فيها يفقد بريقه من الأدب والاجتماع والاقتصاد والأمن والسياسة إلى الفن والإعلام، لا طعم ولا لون حتى في ردود الأفعال التي لم تسجل ما يمكن أن نرصده كرد فعل على الانحدار المدوي لوضع مصر في مواجهة حكم فاسد وفاش يرسم معالم مستقبل بلد بخربشات معاقة على الصعيد الداخلي والخارجي.
وعندما نقول إن هذا يتماشى مع عصر التدهور والتخلف الذي تشهده سياسة دولة وانكفاؤها باتجاه التشبث بالقمع والإقصاء والقتل، فإن التحديات القادمة التي يواجهها السيسي على صعيد الداخل والخارج ستكون بالغة الحدة، يزداد معها تفاقم المشكلات باستحالة المواءمة بين حل الأزمات وافتعالها، من خلال التركيز على عوامل الكارثة المحدقة بمصر بعنوان واحد “الإرهاب” دون الانقلاب والإقصاء والثورة المضادة، عبر التلويح براية مشوهة وممزقة لإنقاذ مصر وخلط حابل المجتمع بنابل إرهاب الاستبداد.
سياسة المجازر
رابعة وأخواتها مثل مجازر الحرس الجمهوري في 8 يوليو/تموز 2013 (51 قتيلا)، والمنصة في 27 يوليو/تموز 2013 (95 قتيلا)، وميدان النهضة في 14 أغسطس/آب 2013 (87 قتيلا)، ستكون لها آثار كبيرة على حاضر مصر ومستقبلها.
فالمذابح بهذا المستوى من سفك الدماء عادة ما تكون لها عواقب اجتماعية وسياسية وقانونية محلية ودولية. فمثلا مأساة “الأحد الدامي” في إيرلندا الشمالية عام ١٩٧٢ (١٤ قتيلا من المتظاهرين على يد القوات الخاصة البريطانية) ولَّدَت ربع قرن من المواجهات العسكرية والسياسية بين الحكومات البريطانية والجيش الجمهوري الإيرلندي ومجموعات جمهورية مسلحة أخرى.
ورغم أن تقرير سافيل الشهير قد أنصف أهالي الضحايا، واعتذر على أثره -عام ٢٠١٠- رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون عما ارتكبه المظليون البريطانيون، فإن التوابع الاجتماعية للمأساة لم تنته حتى اليوم.
كذلك الحال في “مذبحة فاطمة” أسوأ مجازر “الحرب القذرة” في الأرجنتين (١٩٧٦-١٩٨٣)؛ فقد أسفرت عن مقتل ثلاثين معارضا لحكم العسكر على يد الأجهزة الأمنية للمجلس العسكري الحاكم عام 1976. وقد نتج عنها اشتعال المواجهات المسلحة وغير المسلحة على حد سواء لأكثر من عقد من الزمان، وأدى ذلك كله وعوامل أخرى لما سُمي “بمحاكمات الطغمة العسكرية” ابتداء من عام 1985.
وقد حوكم قادة الانقلاب العسكري، ومن بينهم اثنان من الرؤساء العسكريين السابقين: الجنرال جورجي فيديلا (توفي في السجن في عام 2013)، والجنرال ليوبولد جالتييرى (توفي في 2003).
أشقائنا من الجزائر يحيون ذكري رابعة من باريس 2023
الشيخ/ فخر الدين يحيي الذكري العاشرة لمذبحة رابعة من باريس 2023
المناضل ابراهيم يحياوي ورسالة الي المصريين
مداخلة الحاج ابراهيم القاضي في ذكري المذبحة
المناضل سالم القطامي ومداخلة نارية في ذكري المذبحة
سياسة المجازر
رابعة وأخواتها مثل مجازر الحرس الجمهوري في 8 يوليو/تموز 2013 (51 قتيلا)، والمنصة في 27 يوليو/تموز 2013 (95 قتيلا)، وميدان النهضة في 14 أغسطس/آب 2013 (87 قتيلا)، ستكون لها آثار كبيرة على حاضر مصر ومستقبلها.
المطبلون والرقصات وإعلام السلطة والفاعلون
وفي مصر كانت للمجازر أسبابها وآثارها أيضا؛ فقد كان انقلاب يوليو/تموز ٢٠١٣ ومجازر يوليو/تموز، وأغسطس/آب نتيجة مباشرة لاختلال موازين القوى بين الأطراف المتصارعة وفيما بينها أيضا. ففي داخل الائتلاف الداعم للانقلاب كان الفصيل المهيمن هو صقور العسكر، يليه في السطوة صقور الأمن. وفي أسفل تسلسل القوة كانت هناك بعض الأحزاب والساسة المدنيين من مختلف الخلفيات الأيديولوجية (إسلامية وعلمانية).
صقور العسكر والأمن أرادوا الإبادة أو الاستسلام غير المشروط من الائتلاف المؤيد للرئيس المنتخب والمناهض للانقلاب، في حين أن عددا قليلا من السياسيين المدنيين أرادوا قمعا محدودا لمناهضي الانقلاب. “لا تخلط بين المُطَبلين واللاعبين.. صانعو القرار سيكونون دوما من الأخيرين. المطبلون والراقصات هم فقط ضوضاء في الخلفية.” قال لي عسكري سابق بعد المجزرة مباشرة. وكما ذكر كان لـ”اللاعبين” ما أرادوا، أما المطبلون فهم اليوم بين السجن والمنفى والتهميش (رغم استمرار بعضم في التطبيل بعد ثلاثة سنوات من المجزرة).
ولكن لماذا أصر صقور العسكر والأمن على هذا القرار رغم التوابع المحتملة ورغم معرفتهم بمصير بعض مرتكبي المجازر كمعمر لقذافي وبشار الأسد وصدام حسين؟ كان هناك اعتقاد قوي بين “الصقور” بأن المشير طنطاوي (رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم بين ٢٠١١ و٢٠١٢) كان متساهلا في التعامل مع المحتجين والمعارضة، وكذلك كان حسني مبارك.
ولذلك كان الدرس المستفاد من إسقاط مبارك وإقالة طنطاوي هو أن الحل في الاستئصال لا في التسوية والمصالحة. وكانت حسابات هذا الفصيل تقول بأن استخدام تكتيكات الأسد والقذافي في أعقاب انقلاب ٢٠١٣ ستكون فعالة وستمر دون محاسبة أو عواقب، وخاصة أن احتمالات التدخل الغربي كما كان الحال في ليبيا ٢٠١١ أو المقاومة الشعبية المسلحة المدعومة بقطاعات الجيش الوطني كما هو الحال في سوريا ٢٠١١ هي احتمالات ضئيلة للغاية. وحتى إذا تحقق شيء من السيناريو الأخير، فالقوات النظامية ستتفوق في استخدام العنف وبالتالي ستنتصر في أي نزاع مسلح محلي. كما سيكون لديها الشرعية للقيام بذلك، نظرا للبعد العسكري في الصراع وكذلك التطورات الإقليمية والدولية.
المذبحة والربيع العربى
كانت مجزرة رابعة نقطة فارقة في طريق حل الأزمة عبر التهدئة والتسوية والمصالحة، وبالتالي جمدت احتمالات نجاح التحول الديمقراطي في مصر بشكل مؤقت. فقد فشلت النخب المصرية في حل الأزمة دون إراقة دماء وفشلت أيضا في تقنين الصراع السياسي وضبطه بصناديق الاقتراع، والمواد الدستورية، والمفاوضات، والتنازلات المتبادلة، وإبعاده عن العنف السياسي واستخدام السلاح.
فهمي هويدي
كاتب وصحفي مصري

