‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات الشيخ أ.د. ناصر بن سليمان العمر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات الشيخ أ.د. ناصر بن سليمان العمر. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 18 سبتمبر 2023

إلى متى عدم الحكمة؟!

 إلى متى عدم الحكمة؟!


إن التأمل فيما تم الاتفاق عليه في صلح الحديبية، يبين لنا مقدار حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدم استجابته للاستفزاز، أو الوقوف عند أمر فيه سعة مع أنه يحقق، للمسلمين مكاسب باهرة، وهذا من باب النظر في المصلحتين والسعي لتحصيل أعلاهما، ولذلك جاءت النتيجة بتسمية الله لهذا الصلح فتحا…

الحكمة كما عرفها بعض العلماء

هناك عدة تعريفات للحكمة:

1- قيل: هي وضع الشيء في موضعه1.

2- وقال ابن القيم: وأحسن ما قيل في الحكمة قول مجاهد ومالك، إنها: معرفة الحق والعمل به، والإصابة في القول والعمل، وهذا لا يكون إلا بفهم القرآن، والفقه في شرائع الإسلام، وحقائق الإيمان2.

3- وقال رشيد رضا: الحكمة: العلم الصحيح، الذي يبعث الإرادة إلى العمل النافع الذي هو الخير3.

4- قال الرازي: حكم الحكمة والعقل، هو الحكم الصادق المبرأ من الزيغ والخلل، وحكم الحسن والشهوة والنفس توقع الإنسان في البلاء والمحنة4.

أمثلة من الحكمة في القرآن الكريم

مظاهر الحكمة في قصة أصحاب الكهف

وتظهر الحكمة في قصتهم بما يلي:

1- أن هدايتهم إلى دين الله، وعدم تقليد قومهم على ما هم عليه هو عين الحكمة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

2- اعتزالهم لقومهم، بعد أن أدركوا أنه لا ينفع معهم نصح ولا دعوة، وهذه هي العزلة المشروعة، وبخاصة عند وقوع الفتن أو الخشية منها، وهذا مصداق الحديث الصحيح: «يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنم يتبع بها شغف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن» .

3- صمودهم على الحق عند مواجهتهم للباطل.

4- العزلة الثانية، وهي عزلة سرية، لأن العزلة الأولى كانت عزلة دون تخف، حيث علم بهم قومهم، وعلموا ما هم عليه.

أما هذه العزلة، فكانت عزلة سرية، لا يعلم مكانهم، لما قد يترتب على ذلك من مفاسد. {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا} (الكهف: 20) .

وكأنهم يشيرون إلى العزلة الأولى، ثم الفرصة التي أعطيت لهم، حيث علموا أن الفرصة لن تتكرر.

5- حكمتهم في قضاء حوائجهم، {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} [الكهف:19] .

إن هذه القصة، قصة عجيبة، فيها الحكمة، والعبرة، وبيان منهج الدعوة، وحسن استخدام الوسائل، وتقدير المصالح والمفاسد، ومعرفة ما آلت إليه الأمور، إلى غير ذلك من الدروس والعبر.

مواطن الحكمة في قصة سليمان وملكة سبأ

إن إبراز مواطن الحكمة في هذه القصة تبرز من خلال ما يلي:

1- العدل.

2- التثبت.

3- بُعدُ الرؤية، وسعة الأفق.

4- إتقان قاعدة المصالح والمفاسد.

5- القوة بدون عنف، واللين بدون ضعف.

6- أداء المسئولية على وجهها.

7- الشورى.

8- نسبة الفضل لأهله.

9- التنبه والحذر من الاستدراج.

10- القوة في اتخاذ القرار في الوقت المناسب.

أهم الدروس التي يخرج بها الداعية من قصة لقمان

(أ) حسن الأسلوب، واختيار أفضل الكلمات للوصول إلى قلوب المدعوين.

(ب) التركيز على الأصول من التوحيد وغيره، مع عدم الإخلال بالفروع.

(جـ) الإيجاز مع التركيز والشمول.

(د) أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ليس بالأمر الهين واليسير، ولذا يخشى على صاحبه من المزالق، ويستطيع الداعية أن يتخلص من ذلك بالصبر، والتواضع، والتزام منهج الوسطية في أموره كلها.

أمثلة من الحكمة في السنة النبوية

تجري الحكمة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم كالماء الزلال، وأفعاله صلى الله عليه وسلم كلها عين الحكمة، فهو المعصوم من الزلل والخطأ.

وسأختار بعض الأمثلة، لبيان الحكمة في السنة، مكتفيا من القلادة بما أحاط بالعنق:

1- فنجد حكمته صلى الله عليه وسلم في حسن تعامله مع أصحابه ومراعاته لأحوالهم، وهذا أكثر من أن يحصى، وأشهر من أن يؤتى له بمثال.

2- إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم للسائلين، حيث قد يبدو الخلاف والتعارض -أحيانا- بينها، بينما هي من اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، وذلك لحكمة عظيمة، وهي مراعاة حال السائلين، ولنأخذ هذا المثال:

(أ) ” سأل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا: «يا رسول الله! أي العمل أفضل؟ قال: “الصلاة على ميقاتها”، قلت: ثم أي؟ قال: “بر الوالدين”، قلت: ثم أي؟ قال: “الجهاد في سبيل الله”، فسكت عن رسول الله، ولو استزدته لزادني»5.

(ب) وعن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: «يا رسول الله! نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: لكن أفضل الجهاد حج مبرور»6.

(جـ) وعن عبد الله بن بسر رضي الله عنه ” أن رجلا قال: «يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: “لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله»7 .

فقه النبي صلى الله عليه وسلم في معاملة النفوس

إلى غير ذلك من الأحاديث التي سأل أصحابها عن أفضل العمل، فاختلفت إجابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مراعاة لحال السائلين، وإدراكا منه صلى الله عليه وسلم أن ما يستطيعه هذا قد لا يستطيعه ذاك، إلى غير ذلك من الأسباب التي يراعى فيها حال الفرد وحاجة الأمة وقواعد الشرع.

ولو أن الدعاة استطاعوا أن يكلفوا كل إنسان بما يحسنه8 ويبتعد عما لا يستطيع، لحققت الأمة اكتفاء ذاتيا في أغلب مجالاتها.

ولكن واقع أغلب الناس، كما قال الشاعر:

ومكلف الأشياء ضدّ طباعها … متطلب في الماء جذوة نار

حكمته صلى الله عليه وسلم في التربية، ورفقه في إصلاح الأخطاء

3- وانظر إلى هذا الأسلوب الحكيم من لدنه صلى الله عليه وسلم لمعالجة قضية مهمة تحتاج إلى الحكمة، وبعد النظر.

عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: «إن فتى شابا أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ” يا رسول الله ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه، فقال: ادنه، فدنا منه قريبا، قال: فجلس، قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله!! -جعلني الله فداك- قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله!! يا رسول الله -جعلني الله فداك- قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله!! -جعلني الله فداك- قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا والله!! -جعلني الله فداك- قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله!! -جعلني الله فداك-، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم. قال: فوضع يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه، وحصن فرجه. فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء»9.

أرأيتم مثل هذا الأسلوب، كيف جاء هذا الشاب وقد هاجت شهوته، ورغب في الحرام، وعاد عفيفا محصنا بعيدا عن الشهوة والشبهة.

صلح الحديبية وعدم استجابته صلى الله عليه وسلم للاستفزاز

4- ولعل من أهم الأمثلة في هذا المجال، قصة الحديبية، وما وقع فيها من أحداث كانت تقتضي الحكمة في أسمى معانيها، وإلا لحدثت أمور لا تحمد عقباها.

ويصعب التفصيل في ذلك، حيث لا يتسع المجال له ولكن سأقتصر على قضية واحدة لتكون لنا عبرة ونبراسا، وتلك القضية هي كتابة الصلح، ولنقرأ كما في صحيح البخاري، وفيه:

«فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب فقال النبي صلى الله عليه وسلم اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب: باسمك اللهم، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: اكتب: باسمك اللهم. ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: والله إني لرسول الله، وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله … » الحديث10“.

إن التأمل في هذه الحادثة العظيمة، يبين لنا مقدار حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدم استجابته للاستفزاز، أو الوقوف عند أمر فيه سعة مع أنه يحقق، للمسلمين مكاسب باهرة، وهذا من باب النظر في المصلحتين والسعي لتحصيل أعلاهما، ولذلك جاءت النتيجة بتسمية الله لهذا الصلح فتحا، {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح: 1] .

وقادة الدعوة بحاجة إلى وعي هذه الدروس، وعدم الاستجابة لضغط القاعدة إذا كان خلاف الحق، أو أن هناك ما هو أولى مما يريده هؤلاء. {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة:269] .

الحكمة لا تقتضي التنازل دائما

ولئلا يتوهم متوهم أن الحكمة تقتضي التنازل دائما إذا كان الأمر في مصلحة الإسلام والمسلمين، كما هو واقع بعض العاملين للإسلام، والمتحمسين للدعوة، ممن ينقصهم العلم الشرعي، وهذا خلل في المنهج، وخطأ في التصرف، وبخاصة أن هؤلاء يحتجون دائما بقصة الحديبية، عند كل تنازل يقدمونه.

من أجل هذا أبين أن هناك قضايا لا تقبل التنازل أبدا، وهذه هي الحكمة، وهذا كثير جدا في كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفعل الخلفاء الراشدين، ومن ذلك سبب نزول سورة (الكافرون) {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} [الكافرون: 1، 2] .

وكذلك قصة قريش مع رسول الله، عندما طلبوا أن يخصص لهم مجلسا دون الضعفة من المسلمين، فنزل قوله -تعالى-: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام:52] . وقوله: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28].

وكذلك عندما جاء وفد ثقيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الإسلام، اشترطوا أن يدع لهم اللات ثلاث سنين -لا يهدمها- فأبى رسول الله -صلى اله عليه وسلم- ذلك، حتى إنهم تنازلوا شيئا فشيئا إلى أن طلبوا إمهال هدمها شهرا واحدا، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولكنهم عندما طلبوا ألا يكسروا أوثانهم بأيديهم، وافقهم على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم للفرق بين الطلبين، وهنا يتميز الحكيم عن غيره، وهو الذي يتنازل عن الكل أو يرفض الكل مع الفرق بينهما11.

أما أبو بكر وقصته في حرب الردة، وعدم تنازله عن شعيرة من شعائر الإسلام، وقوله كلمته الخالدة: ” والله لو منعوني عناقا -أو عقالا- كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليها”.

وحيث يبين أنه سيسوي بين من ترك الصلاة، ومنع الزكاة، ولن يقبل التفريق بينهما، والقصة مفصلة في كتب الحديث والسيرة .

وهذه هي الحكمة هذا ما شهد به عمر -الفاروق- حيث كان مخالفا لأبي بكر في أول الأمر، ثم عرف أنه الحق لما شرح الله صدر أبي بكر وثبت عليه.

كيف واجه رسول الله حركة النفاق

5- أما أعظم أمر رأيت الحكمة متمثلة فيه من خلال منهج القرآن الكريم، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم فهو معالجة قضية المنافقين، وهو العلاج الذي استمر منذ هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وحتى غزوة تبوك، بل إلى وفاته صلى الله عليه وسلم.

وكما شغل حيزا كبيرا من وقته صلى الله عليه وسلم في المدينة، فقد نزلت فيها آيات كثيرة جدا في كتاب الله، حتى نزلت سورة كاملة في هذا الموضوع.

وقد اتسم علاج هذه المشكلة بعدة سمات، من أبرزها:

1- طول المدة، وهي ما بين هجرته إلى قبيل وفاته صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على الصبر العظيم، الذي تحلى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعالج هذه المشكلة العويصة بتؤدة وروية.

2- الآيات الكثيرة التي نزلت في القضية، حيث لا يقاربها قضية أخرى إلا قضية الشرك والمشركين، وقضية أهل الكتاب. والله -سبحانه- قادر على حسمها في آية واحدة، ولكن القرآن جاء ليرسم منهجا للبشر فيه صفة الشمول والديمومة، لأنه دين عالمي.

3- الحرص على وحدة الصف، مع عدم السكوت عن الباطل، وإقراره، وهذه مسألة يغفل عنها كثير من الدعاة، وقد تحقق الأمران، فبقي الصف المسلم موحدا، وتم القضاء على فتنة المنافقين بأساليب عدة.

4- أخذ الناس بظواهرهم، وترك سرائرهم إلى الله، وهو منهج فريد تميز به الإسلام عن سائر النظم والأديان، ومع أن المنافقين أشد كفرا من المشركين فلم يؤاخذوا إلا بما ظهر منهم، مع علم الرسول صلى الله عليه وسلم بما هم عليه من النفاق والكفر.

ولكن القضية قضية منهج، وليست قضية أفراد يتم القضاء عليهم، ثم ينتهي الأمر، لأن المسألة أعمق من ذلك وأبعد، فجاء العلاج متوازيا مع حجم المشكلة وأبعادها وآثارها.

5- المحافظة على هيبة المجتمع المسلم في نظر الأعداء والخصوم، «لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه»12 وبخاصة مع كثرة الأعداء، واستغلالهم لكل فرصة تسنح لهم داخل الصف.

6- تركيز القرآن على الصفات وعدم ذكر الأفراد، حيث لم يرد في القرآن اسم منافق واحد.

وهذا المنهج حقق آثارا إيجابية ضخمة، وكان كفيلا بالقضاء على هذه الحركة مع تجاوز السلبيات المتوقعة، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم في نهاية المطاف ردا على عمر -الفاروق- الذي طالما طالب بقتل المنافقين حمية لدين الله: «أين عمر؟ لو قتلنا هؤلاء يوم طلب عمر لأرعدت لهم أنوف تريد اليوم قتلهم»13 . وهذا المنهج هو الذي أدى إلى قتلهم معنويا، دون الحاجة إلى قتل أي فرد منهم حسيا.

وهذه -والله- هي الحكمة في أسمى معانيها.

إننا اليوم بأمس الحاجة إلى دراسة منهج مواجهة حركة النفاق في الصدر الأول، ومن ذلك دراسة الآيات التي نزلت في هذه القضية، وبخاصة في سور (البقرة -التوبة -الأحزاب -المنافقون) .

وبهذا نستطيع أن نحقق ما يلي:

1- معرفة الوسائل الموصلة إلى الكشف عن هوية المنافقين في مجتمعنا، ومدى تأثيرهم في المجتمع.

2- رسم منهج شرعي لمواجهة هذه الحركة، وأسلوب التعامل معها.

3- شل فاعليتها، ثم القضاء عليها دون إحداث فتن داخل الصف المسلم.

ولن يتحقق هذا الأمر إلا بالالتزام بالحكمة التي رأينا بعض مظاهرها، وسماتها في منهج القرآن، والسنة، عند معالجة هذه القضية الكبرى.

الهوامش

(1) معجم لغة الفقهاء ص 184، والحكمة في الدعوة إلى الله ص 29.

(2) التفسير القيم ص 226.

(3) المنار 3 / 77.

(4) تفسير الرازي 7 / 67.

(5) رواه البخاري (2782) .

(6) رواه البخاري (2784) .

(7) أحمد (4 / 194) ، صحيح الترمذي للألباني (3 / 139) وانظر: الحكمة في الدعوة إلى الله ص 47.

(8) عدا الواجبات وفروض العين.

(9) مسند الإمام أحمد 5 / 256، وقد صححه الألباني.

(10) صحيح البخاري 3 / 100.

(11) انظر: سيرة ابن هشام 4 / 197 وتخريج العلماء للأثر في كتاب الحكمة في الدعوة إلى الله ص 74 وقد ضعفه الألباني في فقه السيرة وحسنه غيره.

(12) رواه البخاري 4 / 160.

(13) انظر: تفسير الطبري 28 / 76، وسيرة ابن هشام 3 / 327.

المصدر

كتاب: “الحكمة” ناصر بن سليمان العمر، ص19-35 بتصرف يسير.

اقرأ أيضا

الحكمة هي السنة

تصويبات في فهم بعض الآيات: (ادع إلى سبيل ربك)

من آثار الإيمان باسمه سبحانه (الحكيم)

الأربعاء، 9 سبتمبر 2020

بأيّ قبط أوصانا نبينا خيراً؟!



بأيّ قبط أوصانا نبينا خيراً؟!

8 محرم 1431
أخرج الإمام مسلم في صحيحه، في كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم: باب وصية النبي صلى الله عليه وسلم بأهل مصر،حديث زهير بن حرب ، وعبيد الله بن سعيد ، قالا : حدثنا وهب بن جرير ، حدثنا أبي ، سمعت حرملة المصري ، يحدث عن عبد الرحمن بن شماسة ، عن أبي بصرة ، عن أبي ذر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنكم ستفتحون مصر وهي أرض يسمى فيها القيراط ، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها ، فإن لهم ذمة ورحما " أو قال " ذمة وصهرا ، فإذا رأيت رجلين يختصمان فيها في موضع لبنة ، فاخرج منها " قال فرأيت عبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة ، وأخاه ربيعة يختصمان في موضع لبنة فخرجت منها *- الحديث رقم:‏4721.

وإذا كان العدل والرحمة سجية للفاتحين المسلمين لعامة، التزاماً بمبادئ دينهم وتطبيق أحكامه،بشهادة المنصفين من المؤرخين غير المسلمين،فإنهم عُنوا بأهل مصر من القبط عندما فتحوها عناية خاصة، امتثالاً لوصية النبي صلى الله عليه وسلم.
لقد كان القبط قبيل الفتح الإسلامي يعانون الأهوال على أيدي الرومان شركائهم في النصرانية ومخالفيهم في المذهب حتى إن بطريركهم بنيامين كان متخفياً طيلة عشر سنوات فراراً من بطش الروم،لكن القبط عرفوا في ظل الإسلام الأمن والطمأنينة في أمور دينهم ودنياهم.
تلك حقائق التاريخ الناصعة، التي بات غلاة القبط اليوم يتنكرون لها،ويعملون على تشويهها وتزييف صورة مفتراة تناقض المقطوع به تاريخياً، حتى بأقلام كُتّابهم الأقدمين.
بل إن بعضهم لا يجد اليوم غضاضة في التعاون مع اليهود الحاقدين، بالرغم من أن اليهود بحسب معتقد القبط الفاسد،قد صلبوا نبي الله عيسى بن مريم-الذي يؤلهه هؤلاء الضالون!!-، فكنيستهم لم تكرر فعلة فاتيكان الكاثوليك الذي برّأ اليهود من جريمة الصلب المزعومة.
وها هي مقابح الغرب الصليبي تتبدى في سويسرا في أحدث صورها بمنع المآذن، فيعترض على استفتائها المشين كل منظمات حقوق الإنسان الغربية،ويحتج على القرار الجائر قسس ورهبان، بل إن الفاتيكان المشتهر بعدائه للإسلام،والذي ازداد شراسة في عهد البابا الحالي،احتج على الموقف السويسري.

وبدلاً من أن يكون أقباط مصر في مقدمة القوى المنكرة للتصرف السويسري السيئ، تجاهلت كنيستهم الأمر وكأنها لا تدري بما حصل،مع أنه خبر الموسم كما يقال في الإعلام.
وشرٌّ من صمت الكنيسة الدال على الرضى، أن ينبري أقباط من أصحاب الأقلام للدفاع عن الجريمة السويسرية،التي كانت حكومة بيرن نفسها أول من انتقدها وتنصل منها وإن كانت كما تدعي لا تستطيع التصدي لها بحكم ما يسمى الديموقراطية المباشرة عندهم!!!فوسائل الإعلام التي يمتلكها القبطي نجيب ساويرس،تقول في تبرير القرار الظالم ما لم يقله أقرب الناس إلى أهله.وأما التذرع بان الحرب على المآذن نتيجة استفتاء شعبي حر،فما أيسر الرد عليه،بأن تعمد الحكومة المصرية إلى تنظيم استفتاء شعبي في مصر على بناء الكنائس!!وعندئذ يدرك هؤلاء المتطاولون حجم جريمتهم ومدى وقاحتهم!!

إن شهود الزور أولئك يكذبون على مصر وعلى العالم عندما يرفعون عقيرتهم بالشكوى من تنظيم بناء الكنائس في مصر،ثم يبررون قرار سويسرا العجيب،الذي ضاق بأربع مآذن في كل أرجاء الدولة،وفيها زهاء400ألف مسلم!!فماذا لو طبقنا على الجاحدين القبط المبدأ السويسري:كنيسة لكل 400ألف قبطي!!ألا يكون ذلك جزاء وِفاقاً؟!
إن هؤلاء أَمِنوا العقوبة فأساؤوا الأدب،وأصبح واجباً وضع حد لغرورهم وبذاءتهم،إن لم يكن غضباً لدين الله أن يمسها الكفرة الفجرة بأباطيلهم،فحرصاً على وأد فتنة طائفية لا تبقي ولا تذر،فهم ينفخون في كيرها ولا يتخيلون أنها قد تحرقهم جميعاً.وكم هؤلاء واهمون إذا كان تماديهم في غيّهم يعتمد على الدعم الغربي الصليبي/اليهودي،فالتجارب الكثيرة أثبتت مسارعة الغرب إلى ترك عملائه لمصيرهم إذا انتهى من استعمالهم أو بات ثمن حمايتهم فادحاً.
وعلى عقلائهم أن يتنبهوا قبل فوات الأوان إلى أن القبط الجاحدين ليسوا هم أهل مصر الذين أوصانا بهم خيراً،المصطفى عليه الصلاة والسلام.

إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ









الخميس، 11 يونيو 2015

إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ

إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ


الشيخ أ.د. ناصر بن سليمان العمر
حين يكون الحديث عن خليل الرحمن ومن خلال القرآن، فإنه حديث يأخذ بالألباب، ومجلسٌ كهذا لا يُراد منه الإحاطة بحديث القرآن عنه، ولكن هي إشارة إلى آية واحدة فقط، جاءت ضمن تزكية الله له بقوله: {إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الصافات:84]، وهنا ينبغي لقارئ القرآن أن يطرح السؤال التالي: 
ما القلب السليم؟ الذي أثنى الله به على خليله إبراهيم؟

وأقرب ما قيل في ذلك ما ذكره ابن القيم رحمه الله حين قال: «هو الذي قد سَلِم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره، فسلِم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله، فسلم في محبة الله مع تحكيمه لرسوله، في خوفه ورجائه، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والذل له، وإيثار مرضاته في كل حال، والتباعد من سخطه بكل طريق»(1).

وإبراهيم عليه السلام الذي جعله الله إمامًا كان نقيّ السريرة، سليم القلب، شهد الله له بذلك: {إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الصافات:84]، ولا شكّ أن إبراهيم عليه السلام الذي رأينا بعض صفاته وأفعاله وبلاءه، لا شكّ أنه يحمل قلبًا سليمًا خَيِّرًا.

لم ينقل عنه أنه دعا على أحد من أعدائه، برغم الأذى الذي ناله، بل المنقول دعاؤه لهم: {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [إبراهيم:36]، أما دعاؤه للمؤمنين فما أكثره في القرآن والسنة، ودعاؤه لأهل مكة بالبركة مشهور معروف، حتى إننا نرى أثره اليوم.

ومما يظهر سلامة قلبه عليه السلام دعاؤه لأبيه حتى تبيّن له أنّه عدوٌّ لله، فلمّا تبيّن أنّه عدوٌّ لله تبرّأ منه.

ومن تأمل سيرته وجد سلامة قلبه عليه السلام في حواراته ومناقشاته وبُعْده عن حَظِّ النَّفس، فقد كان يدرك عليه السلام ما لسلامة القلب من الأثر، بل كان ذلك همه؛ ولهذا لمّا دعا قال: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء:78 – 98]، وكلنا نحتاج إلى ذلك يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلّا من أتى الله بقلبٍ سليم، فيا معاشر الدعاة والمربّين! ربوا الأجيال على طهارة القلوب وسلامتها من أدوائها، من الغل والحسد والبغي حتى على الخصوم! 
وأقول: بعض المنتسبين إلى الدعوة والعلم -هداهم الله- يربون أجيالًا على الحقد والبغض، يلوثون قلوب الناشئة ببغض علمائهم ودعاة الإسلام الذين بين أظهرهم، فليتهم يسيرون مع إخوانهم من المسلمين بسيرة إبراهيم مع أعدائه!
 لم يُؤْثَر عنه عليه السلام أنه دعا على أحدٍ من قومه، بل تجد منه الدُّعاء بالهداية، والرغبة في استقامتهم، تجد عِفّة اللسان، تجد الحكمة.

فأنظرإلى قلبك أخا الإسلام! فأنت وحدك دون الناس من يبصره! قد ينظر الناس إلى هيئتِك، إلى عملك، إلى تصرّفاتك، إلى سلوكك، لكنهم لا يرون ما انطوى عليه قلبك، فانظر أنت إلى قلبك وفتشه، هل فيه غِش؟ هل فيه حِقد؟ هل فيه مرض؟ قبل أن يجيء العرض على ربك الذي لا تخفى عليه خافية {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} [الطارق:9] هناك {وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ} [العاديات:10].

واعلم أنَّ سلامة القلب غُنم لك في العاجل والآجل، ولقد رأيتُ عددًا من النَّاس ممن عرفوا بمسامحة الناس وسلامة الصدر، رأيتهم يعيشون في راحة بالٍ وسعادةٍ وهناء.

والمقصود فتش قلبك، وانظر حالك، وحذارِ حذارِ من أن تنطوي نفسك على الحِقد والغِل والحسد وأمراض القلب وأدوائها، فإنها قد تقضي على صاحبها في الدنيا، فما بالك في الآخرة؟ ولن ينجو في الآخرة إلّا من أتى الله بقلبٍ سليم، أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم.


(1) إغاثة اللهفان: ص7.

الثلاثاء، 17 مارس 2015

د.العمر يطالب بدعم أهل السنة فى إيران لصد الخطر المجوسي

د.العمر يطالب بدعم أهل السنة فى إيران لصد الخطر المجوسي



مفكرة الإسلام : قال الدكتور "ناصر العمر"، عضو الهيئة العليا لرابطة علماء المسلمين: إن مسؤلية صد الخطر المجوسي تقع على عاتق القادة والشعوب، مطالبًا بالتواصل مع أهل السنة فى إيران ودعمهم بكل الوسائل المشروعة.
وكتب الدكتور العمر في تغريدة نشرها عبر حسابه بموقع تويتر: "مسئولية صد الخطر المجوسي مسئولية القادة والشعوب، ومن ذلك التواصل مع أهل السنة في إيران ودعمهم بكل الوسائل المشروعة "قل كل يعمل على شاكلته"".
وأشار إلى أن تصريح وزير الخارجية الأمريكية جون كيري بأن واشنطن ستضطر للتفاوض مع "بشار الأسد"، بأنه "أولى نتائج الاتفاق الذي تم مؤخرا بأن تكون إيران شرطي أمريكا في المنطقة، فهل نعي مايحاك لنا قبل الندم ؟".
ولفت إلى أنه في وقت نحتاج فيه لتقوية الصف وإصلاح القلوب والاستعداد لمواجهة التحديات المحيطة بنا تبرز شرذمة واقعة في الشهوات متساهلة بالدين متحدية للمجتمع، مضيفًا: "يا من يطلق لسانه ويجرد قلمه لحرب الفضيلة والطعن في الدين، تذكر وقوفك أمام ربك، هناك لن ينفعك تبريرك لجرمك بوقوع أخطاء لبعض الدعاة والمحتسبين".

الجمعة، 19 ديسمبر 2014

خطر الإعلام على الثوابت الإسلامية



خطر الإعلام على الثوابت الإسلامية



تقرير إخباري ـ المسلم

" إذا كان الذهب القوة الأولى في العالم فان الإعلام القوة الثانية في العالم " هذا ما قاله "صموئيل الصهيوني" عند افتتاحه للمؤتمر الصهيوني الأول في بريطانيا عام 1917م , وهي مقولة تظهر اهتمام أعداء الإسلام بالإعلام مبكرا كوسيلة حديثة في حربهم على الإسلام والمسلمين .
والحقيقة أن تنبه الصهاينة وغيرهم من أعداء الدين لخطر الإعلام وأثره على الشعوب , جعلهم يتحكمون به و يستخدمونه بالطريقة التي تمكنهم من الوصول إلى أطماعهم , بينما غفل المسلمون عن خطر وأثر هذه الوسيلة التي أضحت العامل الأبرز في توجيه فكر الناس , ومن ثم التأثير على عقيدتهم و سلوكهم وأخلاقهم ومعاملاتهم .
نعم ..إن الحقيقة المرة تشير إلى سيطرة الغرب وأتباعه من الليبراليين والمتغربين العرب على معظم – إن لم نقل جميع - وسائل الإعلام العربية , وتوجيهها بما يخدم أجندة الغرب , وتشير أيضا إلى ضعف الإعلام الإسلامي كما وكيفا , سواء المرئي منها أو المسموع والمقروء , مقارنة مع الإعلام الغربي.
وإذا كان للإعلام في الماضي دور كبير في نشر العلمانية والترويج لها ولأفكارها وسلوكياتها في العالم العربي , وما نجم عن ذلك من علمنة حياة المسلمين سياسيا واقتصاديا واجتماعيا إلى حد كبير , فإن دور هذا الإعلام يزداد تأثيرا سلبيا في الآونة الأخيرة , من خلال الحملة الشرسة على الثوابت الإسلامية , والتي لم تقتصر على الفرائض والواجبات في مجال التشريع الإسلامي وفي مقدمتها "الحجاب" فحسب , بل وصلت إلى حدود التشكيك بالعقيدة الإسلامية والإيمان بالله تعالى , حيث اشتدت موجة استضافة من يروج للإلحاد في وسائل الإعلام مؤخرا , في عصر تثبت جميع حقائقه العلمية على وجود الله تعالى , ناهيك عن فوضى الفتوى التي تحاول وسائل الإعلام نشرها , من خلال إطلاق مصطلح المتنور والشجاع على كل من يتجرأ على الفتوى المخالفة للسنة وسيرة السلف الصالح , وإجماع العلماء الثقات في العصر الحاضر.
وانطلاقا من استشعار هذا الخطر الإعلامي على الأمة الإسلامية , واصل فضيلة الشيخ أ.د.ناصر بن سليمان العمر حديثه حول موضوع "الإعلام المختطف وحرب المصطلحات" محذراً من حرب وسائل الإعلام على أحكام الدين "كالحجاب" , من خلال نشر الفتاوى الباطلة واستضافة أصحابها وإبرازهم وتلميعهم, مؤكداً على ضرورة التيقظ من تحريف الإعلام للمصطلحات وتوجيهه المتلقي للمعاني التي تصب في خدمة أعداء الأمة.
وخلال درسه الأسبوعي بمسجد خالد بن الوليد بالرياض, قال المشرف العام على مؤسسة ديوان المسلم : "إن من الأدلة على انحراف كثير من وسائل الإعلام ما يثار هذه الأيام عن قضية الحجاب, والفتاوى الباطلة حوله وإخراج أناس لم يُعرفوا بالعلم وإظهارهم كمفتين يحلون ويحرمون, ويتولاهم الإعلام ويصفهم بالشجاعة, مؤكدا أن هذا هو دأب الإعلام في وصف من يخرج على الدين بأنه جريء وشجاع. مضيفاً أن هذه الألقاب تغري ضعاف النفوس وتجذبهم نحو الشهرة."
وحذّر فضيلته من أثر الإعلام على المجتمعات من خلال الترويج لما يريدونه عن طريق الاستمرار في تناول موضوع ما وعرضه والتركيز عليه حتى يتقبله الناس, مؤكدا أن الإعلام قد أصبح السلطة الأولى تأثيرا وليس الرابعة .
كما حذر الشيخ العمر من تأثير المصطلحات التي يستخدمها الإعلام لتمرير أجندة الغرب وأهدافه , كاستخدام مصطلح "الشرق الأوسط" الدخيل كبديل عن مصطلح "الأمة الإسلامية" , ناهيك عن تحريف الإعلام لكثير من المصطلحات لتخفيف النفور من بعض المحرمات والكبائر في الإسلام : كتسميتهم لجرائم العبث بالأعراض التحرش, و لجريمة اللواط بالمثلية الجنسية , وعقوق الأبناء لآبائهم بـ"صراع الأجيال" , والربا بفوائد بنكية , والخمر بالمشروبات الروحية ..الخ .
إن الحقيقة أن اشتداد شراسة الهجمة الإعلامية على ثوابت الإسلام وأحكامه , وفي مقدمتها الهجمة الشرسة على الحجاب الإسلامي - سواء في بلاد الغرب أو البلاد الإسلامية - تستوجب بلا شك توجيها مكثفا من قبل علماء الأمة الثقات , في المحاضرات والدروس الأسبوعية , بل وفي المدارس والجامعات والمعاهد , وإرشادا ممنهجا للطريقة الصحيحة في التعامل مع هذه الوسيلة الخطيرة التي اخترقت البيوت والنفوس .

الثلاثاء، 16 ديسمبر 2014

نفط ليبيا ومرتزقة الصهيونية


نفط ليبيا ومرتزقة الصهيونية

موقع المسلم
يبدو أن القائد الأمريكي الجنسية خليفة حفتر، الذي يقود قوات مرتزقة في الشرق الليبي كان مدركاً للخطر الذي يتوقع حصوله إذا ما أخفقت مساعيه في غزو بنغازي تحت القصف الجوي الذي استهدف من خلاله ممارسة سياسة الأرض المحروقة لإرغام سكان منطقة الصابري ببنغازي ومسلحيها على الاستسلام، بما يتيح ثغرة يمكن لقواته النفاذ منها إلى قلب المدينة الثانية في ليبيا؛ فالخطر الذي كان يتحسب له أن طريقة "الصدمة والرعب" التي تعلمها من تكتيك بلده الثاني (الولايات المتحدة)، إذا ما أخفقت فستفتح شهية قوات الجيش الليبي الشرعي الموالية لحكومة عمر الحاسي التي شكلها المؤتمر الوطني، المجلس الدستوري الوحيد في البلاد للاتفات إلى تحويل الصمود إلى هجوم يهدد وجود مرتزقته؛ فأطلق تصريحه/الفضيحة الأخير، مستنجداً بالعدو الأول للمسلمين والعرب، الكيان الصهيوني، حين رد عن سؤال لصحيفة "كوريرا ديلا سيرا" الإيطالية الأسبوع الماضي يتعلق باستعداده لتلقي الدعم من "إسرائيل"، القول: "ولمَ لا؟ فعدوّ عدوي هو صديقي" في إشارة إلى مواطني بلاده الليبيين، وقوات جيش ليبيا وحكومتها الشرعية!

الاستنجاد بالكيان الصهيوني لم يكن مستغرباً من الرجل، فما قاله هو مجرد نقل ما هو سري إلى نطاق العلن؛ فالليبيون يعرفون جيداً من المستفيد الأول من سيطرة المرتزقة في بعض مناطق الشرق على حقول النفط وموانئها، ويعرفون دور جضران في تهريب النفط الليبي، وعلاقته الوثيقة بالكيان الصهيوني، وهي الحقول والموانئ اللتان لم يخب حذر حفتر ولا من يعمل لحسابهم من فقدانها، إذ سرعان ما انطلقت عملية "الشروق" التي أعلنتها غرفة عمليات ثوار ليبيا في المنطقة الواقعة بين منطقتي بن جواد شمال ليبيا، والسدرة غرب الهلال النفطي، شرقي بنغازي، وفيهما ميناءا السدرة ورأس لانوف اللذان يتم تصدير معظم نفط ليبيا منهما (تصدر ليبيا نحو 800 ألف برميل، يصدر السدرة نصف مليون، ورأس لانوف نحو 200 ألف برميل).

مع هذا؛ فإن توقيت عملية تحرير المناطق النفطية التي انطلقت أول الأسبوع الحالي كان موفقاً مع انخفاض أسعار النفط العالمية، المصاعب الجمة التي تكتنف تدخلاً غربياً مباشراً في الشأن الليبي لجوار حفتر، وإن بدا أن الولايات المتحدة وأوروبا تلوحان ـ عبر إحالة الجنائية الدولية المسيسة لملف ليبيا لمجلس الأمن ـ باحتمال التدخل بذريعة قانونية هذه المرة، تتعلق بمحاكمة سيف الإسلام القذافي أمام الجنائية الدولية!

عملية الشروق تعكس من جانب آخر قلقاً متنامياً من حكومة الحاسي والجيش الليبي الموالي لها من أن بقاء الأوضاع على ما هي عليه من ازدواجية السلطة والمجالس التقنينية كفيل بأن يهيء مجالاً أرحب للتدخل الأجنبي بشكل أكثر سفوراً مما هو عليه الآن، لذا وجد قادة الجيش والكتائب الموالية له أنفسهم مضطرين إلى خوض معركة تحرير، تبدأ بحسم السيطرة على منابع وموانئ النفط، وإلا لم يعد الوقت في صالحهم، لاسيما مع احتياج الحكومة الليبية لميزانية تحقق رفاه بمناطق نفوذ الحكومة من جهة، ومن جهة أخرى، يحرم قوات حفتر من تجنيد مرتزقة جدد مستفيدة من توفر عائدات النفط الضخمة؛ فكان أن دخلت ليبيا الآن ساعة الحسم..

الثلاثاء، 2 ديسمبر 2014

فقاعة فيرغسون أم رمادها؟!


فقاعة فيرغسون أم رمادها؟!


لم تكد تشتعل اضطرابات مدينة فيرغسون بولاية ميزوري الأمريكية على خلفية قرار أصدرته مؤخرا هيئة المحلفين العليا الأمريكية بعدم إصدار لائحة اتهام بحق شرطي أطلق النار على المراهق الأسود مايكل براون (18 عاما) وأرداه قتيلا.. حتى هدأت!

فالاندفاع الذي بدت عليه الاضطرابات وامتداداتها إلى أكثر من 180 نقطة في الولايات المتحدة، لاسيما في الشرق الأمريكي، ثم انعكاس ذلك في بعض مناطق السود في أوروبا، خاصة في بريطانيا وألمانيا، قد أوحت جميعها بأن رقعة الاضطرابات ستتسع جغرافياً وتطول زمنياً، غير أن الأحداث لم تصدق هذا الإيحاء؛ فسرعان ما تراجعت حدة التوتر، وعاد الهدوء إلى المدينة، ونقاط التوتر الأخرى في الولايات المجاورة.

وتفسيرات هذا التراجع متنوعة؛ فقد يوحي التراجع بأن الحادثة قد تم لملمتها من خلال السلطات الأمريكية عبر فتح تحقيق من وزارة العدل الأمريكية، فلقد ذكر وزير العدل اريك هولدر بأن
"ثمة تحقيقين جاريان ووعد بنتائج سريعة من أجل إعادة الثقة بين الشرطةوالمواطنين السود."، وهو ما بدا أنهما قد أسفرا في وقت لاحق إلى "الإيحاء" إلى الشرطي الأمريكي دارين ويلسون، الذي قتل دون داعٍ مواطناً أمريكياً أسودَ اتهمه بالسطو على محل تجاري قبل ثلاثة أشهر، بأن يستقيل من منصبه، وهو ما فعله لاحقاً، ملمحاً إلى توصية من الشرطة له بذلك.

أيضاً، بالتفاهم الذي أبداه الرئيس الأمريكي ذو الجذور الإفريقية أوباما، الذي اعترف بأن :"الاحباطات التي شاهدناها لا تتعلق فقط بحادث بعينه. انها لها جذور عميقة في مجتمعات كثيرة من الملونين الذين لديهم احساس بأن قوانيننا لا يجري دائما إنفاذها بطريقة موحدة او منصفة."
كذلك، بالتدخل الحازم، والذي تجنب إراقة مزيد من الدماء في نفس الوقت من جانب السلطات الأمنية الأمريكية التي استعانت إلى جانب الشرطة بقوات من الحرس الوطني والمباحث الفيدرالية، حيث مكنها أسلوبها الاحترافي من تجنب القتل ودفع الأمور إلى مزيد من التعقد برغم نجاحها في اعتقال أكثر من أربعمائة من المتظاهرين الذين اتهمتهم بإثارة الشغب وارتكاب أعمال عنف ونهب وتخريب، إذ اقتصر استخدامها لأدوات غير قاتلة في معالجة تلك الأزمة مثل إطلاق الغاز المسيل للدموع والهراوات وقنابل التعمية، برغم مواجهتها لاحتجاجات استخدم فيها الطرف الآخر السلاح الناري وإن كان على نطاق محدود.

وقد يفسر هذا التراجع بظرفية الجريمة، وعدم قدرة الأمريكيين السود على إطالة نفسهم، وأمد احتجاجاتهم، لأسباب عديدة، منها حلول "عيد الشكر" الذي يحظى باهتمام كبير لدى الأمريكيين، وكذلك سقوط الثلوج على العاصمة الأمريكية وبعض مدن الاحتجاجات بما لم يمكن الغاضبين من مواصلة غضبهم أو منحه زخماً شعبياً أكبر.

كذلك قد نقرأ خمول المحتجين في سياق مادية المجتمع الأمريكي الآخذة في التسيد حتى على بعض قيم الحرية وحقوق الإنسان، وانهماك المواطنين الأمريكيين، سوداً وبيضاً في تلبية متطلبات الحياة المعيشية والرفاه أكثر من حرصهم على إثارة قضايا، قد يرى بعضهم أنها هامشية في ضوء حصول السود على كثير من حقوقهم.

لكن مع ما تقدم، أليس الغضب الذي اندلع واشتعل كنار في هشيم مؤشراً على تناقضات هذا المجتمع الذي نشأ على استغلال الملونين، لاسيما السود، الذين جلبوا كعبيد منذ القرن السابع عشر، لخدمة "السيد الأبيض"، ثم لم يحصلوا بعد أربعة قرون على كامل حقوقهم من دولة تحاسب العالم على ملفاته الحقوقية؟!

أوليس ما جرى قد كان من المؤكد أنه لم يكن ليحدث لولا أن الضحية كان أسودَ بما يعني أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن السود بغالبيتهم بعد كل هذه القرون ما زالوا يشعرون بالمرارة إلى حد لم يكن البعض ليتصوره، ولا ليتصور ما فجره الغضب من شعارات وهتافات تؤشر إلى حجم الألم النفسي لدى السود في "بلاد الحرية" المدعاة؟!

إنه حتى في فيرجسون التي تفجر فيها الغضب تعيش غالبية سوداء لكن البيض يهيمنون على إدارتها! فلماذا؟! ولماذا إذن "تعظ" أمريكا العالم في شأن حقوق الأقليات الدينية والعرقية، وهي لا تبالي بها في عقر دارها؟!
ولقد تكون أحداث السود الأخيرة ظرفية فعلاً بالنظر إلى محدودية التمييز الذي تم رصده من خلال الكاميرا، وتذرع الشرطي بأنه كان سيفعل مثل ما فعل لو واجه أبيض، لتصوره أنه يواجه مسلحاً، وهو ما قد يكون صحيحاً، ربما، لكن، أوليس رد الفعل الممتد دالٌ، رغم انحساره السريع، على أن المسألة تتخطى كونها فقاعة طارئة، إلى كشفها عن رماد ينتظر أحداثاً أكبر ليضطرم، ويفجر براكين الغضب الإثنية والدينية والطبقية في هذا البلد القائم على مصالح مشتركة بين مواطنيه؟!


الثلاثاء، 25 نوفمبر 2014

ماذا يعني أن تكون فلسطين.. يهودية؟!

ماذا يعني أن تكون فلسطين.. يهودية؟!

موقع المسلم 
لم يكن مشروع قانون "يهودية إسرائيل" مفاجأة للفلسطينيين ومن يدرس العقلية اليهودية الحاكمة للكيان الصهيوني والتي تتدثر برداء "مدني"؛ فالرغبة في تهويد كل مناطق فلسطين بما فيها تلك المحتلة منذ العام 1967 لا تعد سراً، ويعرفها القاصي والداني، إلا أن المشروع الذي أقرته الحكومة الصهيونية أواسط هذا الأسبوع بأغلبية 14 وزيراً لا يجعل التعامل الواقعي للفلسطينيين في أرضهم المحتلة منذ العام 1948 كـ"مواطنين من الدرجة الثانية" لو جاز التعبير، وإنما سيشرعن ليس هذه المعاملة الانتقائية فحسب، وإنما سيمهد الطريق نحو طرد الفلسطينيين من أراضيهم أو إقصائهم تماماً من "الحياة السياسية" داخل الخط الأخضر.

يقضي مشروع القانون الذي تأجل التصويت عليه في الكنيست الصهيوني ريثما يتم التوافق عليه أكثر بين الكتل السياسية المشكلة للائتلاف الحكومي بأن تعريف الكيان الصهيوني الغاصب كدولة اليهود القومية، تفضل الشريعة اليهودية على الديموقراطية في حال بروز تعارض بين القانون المدني والشريعة اليهودية، بما يعني نسف فكرة "مدنية الدولة" التي طالما استخدمها الكيان الصهيوني للدلالة على أنه "الواحة الديمقراطية" في المنطقة، كما ينهي تماماً فكرة علمانية هذا الكيان، ويمنحه صفة الدولة الدينية، التي ظل العالم يحرمها على المسلمين، ويعتبرها دلالة على التمييز الديني والإقصاء القومي، كما وتلغي الصبغة الرسمية عن اللغة العربية، بعد أن اعتبرها مشروع القانون مجرد لغة أجنبية، لا يلتزم الكيان حيالها بكتابة قوانينه ولا غيرها باعتبارها لغة رسمية منذ الاحتلال البريطاني بالإضافة للعبرية.

خلاصة مضمون القانون الجديد، إن أقره الكنيست الصهيوني، أن الفلسطيني الذي يعاني من الاحتلال منذ العام 48 قد فرض عليه منذ الاحتلال وإعلان قيام الكيان الصهيوني، الجنسية "الإسرائيلية"، ووعد بأن يتمتع بحقوق "المواطنة"، التي كانت على الدوام منقوصة جداً، ثم هو الآن، لما خشيت "إسرائيل" من القنبلة الديموجرافية للفلسطينيين، حيث معدلات المواليد لديهم أكثر بكثير من اليهود، قد سنت له القوانين الجديدة لكي تستبعده شيئاً فشيئاً من "الدولة الثيوقراطية" الجديدة لكي لا يتمتع لا بحقوق سياسية ولا اجتماعية ولا حتى دينية، بما يمهد له الطريق إما للهجرة عن فلسطين طوعاً أو يجبر على ذلك ضمن مشروع "ترانسفير" جديد، تتكامل معه جرائم الكيان الصهيوني في تهجير أهل البلاد الأصليين من ديارهم، والاستيلاء على أرضهم ومساكنهم وأموالهم.

خلاصته أيضاً، أن الأقصى في وضع أكثر خطورة، فالقانون الجديد لو أقر، هو أحد عناصر الخطة الصهيونية لهدمه عبر التوكيد على "فرادة دين واحد في إسرائيل"، مثلما سيقال، حيث التمهيد حاصل لتجريد المقدسات الإسلامية من قيمتها، وخصوصيتها لدى كيان كثيراً ما زعم أنه حاضن لديانات ثلاثة.

والعجيب فيما تقدم، أن جل المعارضات لهذا القانون ليست من الدول العربية، سواء تلك التي تحالف أو تصادق الكيان الصهيوني، أو تلك التي تقيم علاقات سرية معه، أو تلك التي تدعي أنها لا تحتفظ بعلاقات معه، وإنما من داخل الحكومة الصهيونية ذاتها، ومن الائتلاف الحاكم نفسه، ليس لأنه "طيب القلب" كما قد يظن السذج، وإنما لأن بعض الأطراف بات يدرك أن الخناق يضيق، بفعل الانتفاضة على عنق الكيان الصهيوني شيئاً فشيئاً، وإن بدا ذلك لأول وهلة خيالاً.

الخميس، 13 نوفمبر 2014

بأكناف بيت المقدس.. يبعثون الأمل

بأكناف بيت المقدس.. يبعثون الأمل 


هناك في أقصى الأرض، بعد أن دب اليأس في نفوس كثيرين، يثبتون كل مرة أنهم جديرون بأن يكونوا حفاظاً للمسجد الأقصى قيمين على حمايته ولو كانوا عزلاً.

هذا الأسبوع بطوله، المرأة المسلمة في القدس ممنوعة من الذهاب للأقصى؛ فيما اليهود الأغراب مسموح لهم بتدنيسه، أمر مشين بكل تأكيد، لكن من خلفه معنى عميق؛ فحتى المرأة الضعيفة راغمت أنف الجنود والضباط المدججون بالسلاح وصيرتهم فئراناً مذعورة أمام صرخات النساء!

كتبنا في هذا المكان قبل فترة متسائلين "هل صارت الدعوة لإنقاذ الأقصى نشازاً؟!" لما لمسناه من تواطؤ من أنظمة عربية وإسلامية عديدة لم تعد حتى تفكر باستنكار الاعتداءات المتصاعدة على الأقصى؛ فما فاجأنا أنه قد بدا أن لسان القوم هو "أريحونا منه وخلصونا، واكفونا هذا الصداع الذي تمثله لنا بعض التظاهرات والاعتراضات.. اهدموه وانتهوا مبكراً فالشعوب قد ماتت، والفرصة سانحة الآن".
هذا ما يستشف تقريباً حينما تجد كل الآلة الإعلامية الضخمة للعرب وغير العرب من المسلمين تتجاهل عن عمد هذه المصيبة التي تحل بالمسلمين كل يوم في الأقصى، وكل الساسة على تنوعات اهتماماتهم تتغاضى عن هذه الجريمة .

ما تخوف منه المحبون للمسجد الأقصى أنهم نظروا إلى اقتحامات متكررة حدثت خلال الشهر الماضي على أنها تختلف عن سابقاتها بأمرين:

- كثافتها ووقاحتها الشديدة، حد رقص نسوة صهيونيات على أدراجه وعتباته، والتقاط صور تذكارية للتشفي والتدنيس المتكرر من الجنود و"المستوطنين" و"السياح"، والتعامل العنيف حد إطلاق الرصاص داخل المسجد نفسه وليس في باحته، للمرة الأولى.

- أن لجان القدس وعواصم العرب جميعها تقريباً إما تجاهلت أو اتخذت مواقف شديدة الخجل تجاه ما يحصل، بما يشجع الكيان الصهيوني على المضي قدماً في مخطط هدمه.

والمخطط هذا، لم يعد كثيرون يرونه بعيداً، بل بدا أنه دخل الشوط الأخير من تنفيذه، حيث صارت معظم الشعوب إما مخدرة إعلامياً ذاهلة عما يحصل لمسرى النبي صلى الله عليه وسلم، وإما مقهورة تحت نير أنظمة شمولية استبدادية تفوق في إجرامها أعتى النظم الاحتلالية السابقة في القرون الماضية، وإما مشغولة بهموم تلف أركان دولها كليبيا وسوريا واليمن..


رأى الصهاينة أنها اللحظة السانحة، وأن عليهم المضي قدماً وبتسارع في مخططهم الإجرامي، ولكن كان الله لهم بالمرصاد؛ إذ انبعث المقدسيون والفلسطينيون في الضفة منتفضين يقاومون هذا التدنيس والعدوان بكل ما أوتوا من قوة؛ وبرغم تجردهم من السلاح إلا أنهم ضربوا أروع الأمثلة في قدرتهم على شل "الأمن الصهيوني الداخلي" ببثهم الرعب في قلوب قطعان الصهاينة المجرمين، ونشبوا فيهم أظفارهم، بما بين دهس وسكاكين وحجارة ومولوتوف وقطع طرق وإشعال إطارات..الخ
 بما أخل بقانون جاذبية الصهاينة نحو الإفساد والعدوان فأدركوا أن المعادلة لم تختل بعد، ولن تختل؛ بأولئك الظاهرين المباركين بأرض الشام وبأكناف بيت المقدس، منصورين، مؤيدين بنصر الله ومعيته، غير مضارين بكل متخاذل أثيم.

الخميس، 30 أكتوبر 2014

الأقصى مغلق حتى إشعار آخر بالكرامة

الأقصى مغلق حتى إشعار آخر بالكرامة

موقع المسلم | 6/1/1436 هـ

ليس سراً أنها ليست كسابقاتها من الاقتحامات والتدنيسات التي استهدفت مسرى نبينا صلى الله عليه وسلم؛ فالمتتبع للسلسلة الأخيرة منها قد لا يستطيع هذه المرة أن ينعتها بأنها "بالون اختبار" لما يمكن أن يكون عليه الحال، حال أمتنا، وردات فعلها إن أقدم الصهاينة على هدم المسجد الأقصى.

لا، ليست بالون اختبار لكنها خطوة متقدمة في مساعي كسر أنف المسلمين جميعاً وتنكيس رؤوسهم بهدم الأقصى المبارك، إذ الملاحظ هذه المرة أن ما يحصل يختلف في أمرين:

الأول: أنه ممتد ومتصل لا تكاد جذوته تخبو؛ فالاعتداءات على المسجد الأقصى متوالية بشكل غير مسبوق.

الثاني: أن رد الفعل عليها دون المستوى بكثير، والتعويل هنا لدى المسلمين في العالم هو ما كاد يتلخص في ثبات أهل القدس وحدهم.

عمد اليهود إلى تحويل قضية الأقصى المبارك في السابق من قضية إسلامية إلى شأن عربي ثم إلى مشكلة فلسطينية/صهيونية ثم بعد تحييد الضفة بالقمع الذي تنفذه سلطة أوسلو صارت القضية محدودة بحدود القدس.

فما كان الكيان الصهيوني يخشاه في الضفة الغربية تعهد رئيس سلطة الاحتلال الأوسلوي، محمود عباس أن يحتوي غضبه، فلا يتكرر ما حصل في العام 2000 عندما دنس شارون الأقصى فاندلعت الانتفاضة الثانية، انتفاضة الأقصى، والتي شارك في إشعالها رئيس السلطة الفلسطينية الراحل ياسر عرفات ـ برغم كل سيئاته ـ فعاقبته "إسرائيل" بالقتل..
وبعد أن خلفه الديكتاتور عباس صار من المتعذر القيام بواجب نصرة الأقصى في الضفة على الوجه الأكمل، وغلت يد غزة المحاصرة عن فعل شيء فاطمأن العدو وجال وغدا يخطر على أرضنا المباركة، وأغلق المسجد الأقصى في وجه المصلين لأول مرة منذ جريمة 67 حين سلمت جيوش عربية الأقصى للكيان الصهيوني، وانتشرت مخابرات وشرطة الاحتلال في أرجائه.

الصورة قاتمة، غير أن شعاعاً ضعيفاً يبشر بأن الأمة لم تعدم مرابطيها ومجاهديها.. يقول: "إن شاء الله سأكون شوكة في حلق المشروع الصهيوني لتهويد القدس".. 
هذا معتز حجازي الذي اغتالته قوى العدوان الصهيونية وتركته ينزف حتى الموت مانعة أحداً من إسعافه بعد أن اتهمته بأن من خطط ونفذ عملية إطلاق الرصاص على المجرم الحاخام أيهودا غليك الذي كان ينتمي لجماعة أمناء الهيكل التي تدعو لهدم الأقصى، ويتزعم دعوات لم تنته حتى قبل دقائق من إصابته برصاص عزيز.

البطل "الشهيد"، معتز حجازي قال كلماته هذه بعد أن قضى في سجون الاحتلال أكثر من 11 عاماً لم تنل من عزيمته وقيمة الأقصى عنده فأطاش بحسابات الصهاينة وجعل دوائرهم تعيد النظر مرة أخرى فيما هي مقدمة عليه.

حجازي ليس وحده، مئات المرابطين الشجعان أحالوا ليل ونهار قوات العدوان الصهيونية جحيماً في القدس حتى قال إعلامهم "نتنياهو يفقد السيطرة على القدس"، وصيروها ثكنة عسكرية تعبر عن قوة بأس المرابطين على قلة حيلتهم وضعف بنيتهم ومقاومتهم الجسدية.
عشرات الجيوش لدول مسلمة... لجان للقدس متعددة.. مؤتمرات.. هراء.. رصاصات حجازي لقفت جميع ما يأفكون.


ليس هذا كافياً قطعاً؛ فما لم تتحرك الضفة وتفك قيد الصهاينة العرب عنها فلا مجال واسعاً للصمود.. ما لم تزأر الشعوب فلن يتغير المخطط كثيراً، وإنما ستتعدل بعض عناصر وأدواته.

السبت، 18 أكتوبر 2014

هل صارت الدعوة لإنقاذ الأقصى.. نشازاً؟

هل صارت الدعوة لإنقاذ الأقصى.. نشازاً؟


باستثناء كلمة متلفزة لقيادي مقاوم فلسطيني للدعوة إلى "جمعة الغضب" من أجل الأقصى..
باستثناء دعوة مماثلة من هيئة علمية؛ فإن الهبة لإنقاذ الأقصى حصرت في جهد رائع يتشاطر فيه الرجال والنساء دفاعاً عن أولى القبلتين، ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم، والبقعة الشريفة التي أم فيها رسولنا الخاتم أنبياء الله في مشهد لم يتكرر في التاريخ.

بعض المظاهرات هنا وهناك، أما ما عداها؛ فإن المواقف الرسمية التي كانت في الماضي محل استهجان شعبي، كونها تظل مقتصرة على الشجب والاستنكار، عدمناها هذه المرة، وكأن لسان حال معظم حكام العالم الإسلامي مناشدة للكيان الصهيوني أن "انتهِ بسرعة من اقتحام قطعانك للمسجد الأقصى المبارك، وأنجز عملية هدمه، فالفرصة السانحة الآن، ولعلنا قد لا نتمكن من معاونتك في هدمه مستقبلاً"!

صورة مجموعات النسوة يدافعن عن أمتنا وعن أقصانا، مبعث فخر لهن، وخزي لأصحاب الشوارب الكثيفة والكروش الممتلئة والنياشين الممتدة الذين لا يقدمون للأمة الإسلامية إلا الهزائم والانكسارات المتوالية.

ربما يستصعب البعض أن يلتفت إلى الأقصى في وقت تقوض فيه المنطقة بمخططات التقسيم والتفكيك والتمزيق وفقدان الهوية الجامعة، لكن ما يستصعبه البعض تعتبره "إسرائيل" أكبر حافز لها لإنجاز ما تسعى إليه من بناء الهيكل وهدم الأقصى؛ فأعداء أمتنا لا يتوقفون أبداً عن تحقيق أقصى أحلامهم إلا حينما يلمسون من رجال أمتنا ونسائها ممانعة واصطفافاً يحول بينهم وبين ما يصبون إليه، وحالئذ تصير المرحلة التالية من المعركة مؤجلة وليست ملغاة.. وتلك مسلمة لا يفطن إليها كثيرون.

أما التثاقل عن مجرد الاهتمام حتى بقراءة آخر تطورات ما يحصل في الأقصى بدعوى أن في مآسي المسلمين في اليمن وسوريا والعراق وليبيا ومصر وميانمار وتركستان وغيرها ما يشغل، هو نوع من قلة الوعي، وهشاشة العقل والفكر؛ فجميع الخيوط تتجمع هناك..
في القدس، حيث المعركة تدار من قبل صهاينة يحركون الأحداث في مسارات متوازية وصولاً لتحقيق أمن الكيان الصهيوني وضمان تفوقه لمئات السنين، وتأمين أوروبا، وحماية مصالح الولايات المتحدة وغيرها من دول الغرب.

إنهم هناك يسترقون السمع من بلداننا.. يسمعون أصوات أغانٍ وصخب الجنون وهمهمات علمانية وصيحات تغريبية فيطامنون، ولا يزعجهم إلا هذا "الصوت أو اللحن النشاز" على آذانهم.. صوت هدير الغاضبين نصرة للأقصى؛ فإن خبا أسرعوا في الانتقال من نقطة في مخطط هدم الأقصى المبارك إلى نقطة أخرى متقدمة.. وكذلك هم يفعلون اليوم.

لما خفت الصوت الغاضب، وصار الهدير حشرجة محتضرين ضعيفة أو تكاد، تراهم اليوم يتشجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولولا أن في الأمة بقية تتشبث بالحق وتعض عليه بنواجذها لكانت هذه الجمعة، جمعة الهيكل لا الأقصى، لا قدر الله..

إن المطلوب من الجميع أن يشارك في أي جهد في هذا الاتجاه، ولو كانت المصائب عظيمة في محيطنا، فلا يستقلن أحد دعاءً أو وسماً أو حملة أو نحوها؛ فمن المتعين علينا ألا نسمع "إسرائيل" صوت اليأس والإحباط، وإنما صرخات الغضب والمقاومة.. وأن يشعر كل مرابط بطل في هذا الثغر الإسلامي البارز أن مسلماً يقف خلف ظهره يقويه ويدعمه ويعينه على ثقلة التبعة وجسامة المسؤولية ووعورة الطريق..