‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات سيلين ساري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات سيلين ساري. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 12 أبريل 2026

حين تجلس النوايا على طاولة المفاوضات

 حين تجلس النوايا على طاولة المفاوضات

سيلين ساري

"     ربما لن يخرج العالم من هذه الطاولة باتفاقٍ تاريخي، وربما لن تندلع  حربٌ في اليوم التالي، لكن المؤكد أن ما بعد إسلام آباد لن يكون كما قبلها"


 في مدينةٍ لا تعرف الهدوء إلا كهدنةٍ مؤقتة، تُنصب الطاولة؛ ليست طاولة عادية من الخشب، بل منصةٌ من الفولاذ البارد تتقاطع فوقها خرائط النار، وأنفاس الأسواق، وأعصاب الجيوش. هناك، في قلب إسلام آباد، لا يجلس رجالٌ فقط.. بل تجلس خلفهم دولٌ بكامل قلقها، وتاريخٌ بكامل شكوكه، ونوايا بكامل ريبتها.


يدخل الوفد الأمريكي، وعلى رأسه جي دي فانس، محاطا برجالٍ لا يشبهون الدبلوماسيين بقدر ما يشبهون صناع المعادلات؛ إلى جواره جاريد كوشنر، الاسم الذي لا يُقرأ في طهران إلا بوصفه توقيعا على انحيازٍ صريح للصهيونية، ومعه ستيف ويتكوف، رجل الظل الذي يتحرك في المساحات الرمادية، بينما يقف في الخلف جنرالٌ يعرف جيدا خرائط البحر أكثر مما يعرف لغة المصافحات: براد كوبر.

وفي الجهة المقابلة، لا تأتي إيران بوفدٍ تفاوضي.. بل بمنظومة دولة؛ محمد باقر قاليباف، السياسي الذي يحمل في صوته صدى المؤسسة، ومعه عباس عراقجي، الذي يتقن هندسة الكلمات كما تُهندس الصواريخ، 
هل هذه مفاوضات حقا؟ أم أنها مسرحٌ تُعرض عليه نوايا لا تُقال؟ الحقيقة أن الطاولة نفسها تُجيب: حين يجلس السياسي بجوار الجنرال، وحين يدخل رجل الصفقات إلى غرفة الدبلوماسية، فاعلم أن ما يُناقش ليس اتفاقا.. بل مستقبل صراع
ويجلس إلى جواره مجيد تخت روانشي، حامل الملفات الثقيلة، بينما يراقب من العمق رجال الأمن والاقتصاد، حيث لا تُفصل السياسة عن العقوبات، ولا تُفصل الابتسامة عن الحساب.

أما الوسيط، فليس مجرد ناقل رسائل؛ باكستان تحضر بثقلها الكامل: شهباز شريف، وعاصم منير، في مشهدٍ يقول إن الوساطة هنا ليست مجاملة.. بل محاولة لإبقاء الحريق خارج حدودها.

لكن، هل هذه مفاوضات حقا؟ أم أنها مسرحٌ تُعرض عليه نوايا لا تُقال؟ الحقيقة أن الطاولة نفسها تُجيب: حين يجلس السياسي بجوار الجنرال، وحين يدخل رجل الصفقات إلى غرفة الدبلوماسية، فاعلم أن ما يُناقش ليس اتفاقا.. بل مستقبل صراع.

السيناريو الأول، وهو الأكثر إغراء للعقل، أن تنجح هذه المفاوضات، لكن نجاحا يشبه الإسعافات الأولية؛ اتفاقٌ مؤقت، تهدئةٌ محسوبة، ربما تخفيف للعقوبات مقابل خطوات إيرانية محدودة. هنا، لا أحد ينتصر، لكن الجميع يربح الوقت. النفط يهدأ، الأسواق تتنفس، والعالم يلتقط أنفاسه من حافة انفجار. لكن هذا النجاح إن حدث لن يكون سلاما، بل تأجيلا أنيقا للحرب.

السيناريو الثاني، وهو الأكثر واقعية، أن تفشل المفاوضات دون إعلان الفشل؛ تصريحات دبلوماسية، كلمات مرنة، وصور مصافحة.. بينما الحقيقة أن كل طرف خرج أكثر يقينا بعدم جدوى الآخر. هنا، تتحول إسلام آباد من منصة تفاوض إلى مجرد محطة في طريق التصعيد. وجود جاريد كوشنر تحديدا، ليس تفصيلا عابرا، بالنسبة لإيران، هو رسالة تقول إن واشنطن لم تغيّر جلدها، بل فقط غيّرت لهجتها. ووجود ستيف ويتكوف يعمّق هذا الشعور، كأن الطاولة بُنيت أصلا على أرضٍ زلقة.

أما السيناريو الثالث، فهو الأخطر.. والأكثر إثارة للقلق؛ أن تكون هذه المفاوضات مجرد "ستار حريري" لخشبة مسرحٍ آخر؛ في هذا السيناريو، لا يكون الهدف اتفاقا، بل تهدئة مؤقتة لضبط أسعار النفط، وإعادة تموضع عسكري أمريكي، 
"اختبار توازن"؛ واشنطن تريد أن تعرف إلى أي مدى يمكن الضغط دون انفجار، وطهران تريد أن تختبر إلى أي حد يمكن الصمود دون تنازل
واختبار ردود الفعل الإيرانية، وربما رسم بنك أهداف أكثر دقة. هنا، تتحول الكلمات إلى أدوات استطلاع، وتصبح الابتسامات وسائل قياس، ويغدو الصمت أحيانا أخطر من التهديد.

لكن، هل يمكن أن يصل الأمر إلى استدراجٍ مباشر لضربات نوعية أو اغتيالات تطال شخصيات حساسة مثل مجتبى خامنئي؟ هذا الاحتمال، رغم جاذبيته في التحليل، يظل الأقل واقعية؛ ليس لأن الصراع لا يحتمل ذلك، بل لأن كلفته تتجاوز الحسابات التقليدية. اغتيال بهذا الحجم لن يكون ضربة.. بل إعلان حرب مفتوحة، وإيران ليست ساحة رخوة تُستدرج بهذه السهولة.

في النهاية، ما يحدث في إسلام آباد ليس مفاوضات بالمعنى الكلاسيكي.. بل "اختبار توازن"؛ واشنطن تريد أن تعرف إلى أي مدى يمكن الضغط دون انفجار، وطهران تريد أن تختبر إلى أي حد يمكن الصمود دون تنازل، وبين السؤالين تجلس باكستان تحاول أن تمنع الإجابة من التحول إلى صاروخ.

ربما لن يخرج العالم من هذه الطاولة باتفاقٍ تاريخي، وربما لن تندلع حربٌ في اليوم التالي، لكن المؤكد أن ما بعد إسلام آباد.. لن يكون كما قبلها؛ لأن أخطر ما في هذه اللحظة ليس ما يُقال على الطاولة، بل ما يُفكَّر فيه خارجها.

                                                     


الجمعة، 20 فبراير 2026

لسنا ضحايا.. نحن شركاء في الهزيمة

لسنا ضحايا.. نحن شركاء في الهزيمة



سيلين ساري

"العرب ليسوا ضعفاء؛ نملك النفط، والجغرافيا، والكتلة البشرية، والمال.. لكننا بلا إرادة"- الجامعة العربية


من "تريليونات موسكو" إلى "سبات الوعي": لماذا نتقن دور المتفرّج؟

بينما كان العالم يضج بالخبر الذي أعلنه زيلنسكي عن "الصفقة الروسية" الكبرى بقيمة 12 تريليون دولار لكسر الجليد مع واشنطن والعودة للنظام العالمي، وفك الترابط الاقتصادي مع الصين.. كنا نحن العرب كالعادة ننقسم بين مبهورٍ ومشكك، وكأننا نشاهد عرضا سينمائيا لا نملك من أمره إلا التصفيق أو البكاء.

الحقيقة الصادمة أن الخبر، دقيقا كان أم مناورة، لم يكشف عن صفقة سياسية، بل كشف عن "عاهة" في وعينا الجمعي. انشغلنا بالسؤال العاطفي السهل: "من معنا ومن ضدنا؟"، وهربنا من السؤال العقلاني الصعب: "لماذا تُدار الأمور فوق رؤوسنا؟".

لماذا نصمت؟ ليس لأننا جبناء، بل لأننا: مُنهكون في رغيف الخبز، مُرعَبون من قبضة الأمن، ومُفكَّكون بصراعات وهمية. نقاتل بعضنا، ونترك من ينهبنا

لسنا متأخرين لأن العالم يتآمر علينا، بل لأننا لم نتعلم بعد لغة المصالح. القضية ليست في رقم أو خبر.. القضية فينا.

أهلا بكم في الحقيقة المُرّة

يحلو لنا دائما أن نعيش دور الضحية؛ فالمجرم "أمريكا"، والمتآمر "الغرب"، والانتهازي "الصين"، والمخادع "روسيا". وكل هذا صحيح، لكنه نصف الحقيقة فقط، أما النصف الآخر الأكثر قسوة: أننا شركاء في هذه الهزيمة.

النظام العالمي لا يعترف بالخير والشر، بل بالوزن والقوة.. واشنطن لا تدعم المستبد حبا فيه، بل لأنه "مفيد".. بكين لا تستثمر فينا كرما، بل لأنها "تربح".. موسكو لا تتدخل لنصرتنا، بل لأنها "تتوسع". هذا ليس شرا؛ هذا هو تعريف السياسة. العيب فينا.. حين نرضى بأن نكون "الفريسة" التي تبرر للذئب شهيته.

دائرة الخضوع: هندسة الصمت

نحن عالقون في دائرة مغلقة تأكل مستقبلنا: شعب خائف ← حاكم مستبد ← قوة عالمية تحميه ← شعب أكثر خوفا.

الحاكم لا يحكم لأنه بطل، بل لأن الشعب صامت، والقوة الكبرى لا تدعمه لعبقريته، بل لأنه مطيع. كل طرف في هذه اللعبة يتقن دوره، إلا نحن.. نسينا أننا أصحاب الأرض.

وهم الضعف: العملاق المشلول

العرب ليسوا ضعفاء؛ نملك النفط، والجغرافيا، والكتلة البشرية، والمال.. لكننا بلا إرادة. نحن كعملاق قوي الجسد، لكنه مكسور الروح.

لماذا نصمت؟ ليس لأننا جبناء، بل لأننا: مُنهكون في رغيف الخبز، مُرعَبون من قبضة الأمن، ومُفكَّكون بصراعات وهمية. نقاتل بعضنا، ونترك من ينهبنا.

ساحة.. لا لاعبين

روسيا والصين وأمريكا يروننا كما نحن: مجرد ساحة. بالنسبة لهم، نحن "قواعد عسكرية"، "محطات وقود"، و"أسواق استهلاكية". ولا أحد في هذا العالم يحترم "الساحة"؛ الاحترام لا يُمنح إلا للاعب.

يجب ان نختار إما أن نصبح شعوبا ناضجة تُجبر العالم على احترامها، أو نظل قبائل متناحرة خائفة تُدار حياتها بـ"الريموت كنترول"

فشل غضبنا السابق لأننا صرخنا بلا وعي، أسقطنا "الوجوه" وأبقينا على "المنظومة". الثورة الحقيقية لا تبدأ في الميادين، بل تبدأ هنا: في العقل. تبدأ حين ترفض الكذب، وتتحرر من الخوف، وتدرك أن السياسة ليست "نشرة أخبار" تنتظر فيها معجزة، بل هي انتزاع مصالح.

متى يخاف العالم منا؟

حين نصبح: واعين، منظمين، موحدين، وصابرين. التاريخ لا يكذب: القوى الكبرى تخاف من الشعوب الواعية أكثر من الجيوش.

في النهاية، يجب أن نواجه أنفسنا بحقيقة أننا لسنا مستعمرين، ولسنا أحرارا، نحن في "المنطقة الرمادية" الباردة، حيث نملك الفرصة.. ولكننا نهدرها كل يوم ونحن في كامل وعينا. لذا، يجب ان نختار إما أن نصبح شعوبا ناضجة تُجبر العالم على احترامها، أو نظل قبائل متناحرة خائفة تُدار حياتها بـ"الريموت كنترول".

المشكلة ليست في واشنطن ولا موسكو، المشكلة في مواطن يعرف الحقيقة.. ويصمت. حين يتكلم هذا المواطن بوعي، ستتوقف "صفقات التريليونات" عن تهميشنا، وسيتغير كل شيء. فأول خطوة في طريق الحرية.. أن نتوقف عن انتظار المنقذ، ونبدأ في إنقاذ أنفسنا لأننا نحن المنقذ الوحيد لأنفسنا".



الأربعاء، 4 فبراير 2026

كيف بدأ الساموراي بسحب الأكسجين من اقتصاد العالم؟

 كيف بدأ الساموراي بسحب الأكسجين من اقتصاد العالم؟

سيلين ساري

"اليابان بكل هدوء تزلزل الاقتصاد العالمي"


العالم لا ينهار بالانفجارات فقط.. أحيانا يختنق بهدوء. وهذا ما يحدث اليوم في الاقتصاد العالمي، حيث بدأت الأزمات من مكان غير متوقع، وكانت طوكيو مركز الزلزال المالي.. وليس واشنطن.

ولكي نفهم الأمر بشكل أوضح، لا بد أن نعرف قليلا عن اليابانيين، وما أفضل من قصص التراث لتعرفنا على طبيعة الشعوب

في التراث الياباني قصة شهيرة تُعرف بـ "الـ47 رونين". سبعة وأربعون ساموراي فقدوا سيدهم بعد أن أُهين وقُتل ظلما، فمُنعوا بالقانون من الانتقام، وراقبتهم الدولة، وظنّ الناس أنهم استسلموا.  لكنهم لم يفعلوا؛ صمتوا، وتظاهروا  بالضعف، وانشغلوا بالحياة البسيطة لمدة أربعين عاما تقريبا وهم ينتظرون اللحظة المناسبة، حتى جاءت ليلة هادئة، بلا ضجيج، نفّذوا فيها انتقامهم بدقة ثم سلّموا أنفسهم. كان انتقاما بلا فوضى، وقوة بلا استعراض. هكذا يفكّر اليابانيون، وهكذا ربما يتحرك الاقتصاد الياباني اليوم.

اليابان بعد الهزيمة.. دولة تحت الوصاية

تحولت اليابان إلى ماكينة تمويل ضخمة تمد العالم بالمال الرخيص بلا ضجيج، ولا شروط. حتى أنه وبحسب تقديرات المؤسسات المالية العالمية، وصل حجم عمليات "الكاري تريد" المعتمدة على الين الياباني في بعض السنوات إلى ما يزيد على تريليوني دولار


عام 1945 لم تكن اليابان دولة بالمعنى الحقيقي، بل كانت بلدا محترقا بعد قنبلتين نوويتين سقطتا، وشعبا مكسورا، وإمبراطورية مذلولة تحت احتلال أمريكي مباشر.

منذ تلك اللحظة أصبحت اليابان مرغمة "حليفا" لأمريكا، لكنها في الحقيقة كانت تابعا.  قالت لها واشنطن: "ازدهري لكن لا تستقلي، اغتني لكن لا تتمردي، أنتِ مصنعنا وبنكنا في آسيا". وافقت اليابان، وسكتت.. لكن الساموراي بطبيعته لا ينسى.

كيف أصبحت اليابان "بنك العالم"؟

منذ التسعينيات دخلت اليابان في ركود طويل، فخفضت الفائدة إلى الصفر تقريبا، حتى أصبح الاقتراض منها شبه مجاني. عندها بدأ المستثمر الأمريكي يقترض من طوكيو ليستثمر في نيويورك، والمضارب يقترض من طوكيو ليلعب في البورصات العالمية.

تحولت اليابان إلى ماكينة تمويل ضخمة تمد العالم بالمال الرخيص بلا ضجيج، ولا شروط. حتى أنه وبحسب تقديرات المؤسسات المالية العالمية، وصل حجم عمليات "الكاري تريد" المعتمدة على الين الياباني في بعض السنوات إلى ما يزيد على تريليوني دولار، حيث كانت أموال تُقترض بفائدة شبه صفرية من اليابان، ثم تُضخ في أسواق الأسهم والعقارات والعملات حول العالم، ما جعل استقرار كثير من الأسواق مرتبطا مباشرة باستمرار تدفق هذا المال الرخيص.

حين صار المال أكسجين واليابان هي الرئة..

مع الوقت، وبالتدريج ودون أن يشعر أحد، لم يعد هذا المال مجرد أداة، بل صار "أكسجين" ماليا أدمنت عليه الأسواق العالمية، وبُنيت عليه البورصات، واستند إليه الدولار نفسه.  وهنا تظهر الحقيقة الكبرى: اليابان كانت تمد العالم بالأكسجين المالي لثلاثة عقود، ولكن الآن قررت أن الوقت قد حان للفطام من هذا الأكسجين.

الفطام الإجباري.. هل هو صفعة أم محاولة نجاة؟

في الظاهر، قد تبدو قرارات طوكيو الأخيرة برفع الفائدة كأنها صفعة يابانية مؤدبة على وجه النظام المالي العالمي، لكن في العمق، كانت اليابان تمارس حقها في البقاء. فبعد عقود من الركود، طرق التضخم أبواب اليابانيين بشراسة، وأصبح الين الضعيف يحرق جيوب المواطنين.

لم يكن أمام اليابان خيار؛ لقد قررت ممارسة "فطام إجباري" للعالم عن أموالها الرخيصة. لم يكن قرارا عدائيا بقدر ما كان اعترافا بأن أجهزة التنفس الاصطناعي التي قدمتها اليابان للعالم لم تعد مستدامة.

عندما يختنق النظام المالي يتألم الكبار، لكن الصغار ينهارون. الدول النامية التي تعيش على الديون بالدولار والمال الساخن، وعملات ضعيفة، تكون أول من يسقط


اليابان لا تسحب الأكسجين لتخنق الآخرين، بل لتعيد ملء رئتيها هي، حتى لو كان ذلك يعني أن يواجه "المدمنون" على قروضها لحظات من الاختناق المالي الحاد.

هل هذا انتقام مؤجل؟! هل تنتقم اليابان بعد عقود لهيروشيما ولهزيمتها؟ الإجابة الصادقة: لا، فالأمر لا يتعلق بالعاطفة، بل بالوعي.

لقد فهمت اليابان أن العالم يتحول من نظام أمريكي أحادي إلى نظام متعدد الأقطاب، ظهرت به الصين وروسيا والهند، وكل طرف يحصن نفسه، وعلمت أن الاستمرار في الخطة الاقتصادية القديمة صار خطرا على وجودها، فقالت اليابان بهدوء: "فلنحمِ أنفسنا"، حتى لو اهتزّ العالم.. فليكن.

لكن لماذا سيدفع الضعفاء الثمن؟ عندما يختنق النظام المالي يتألم الكبار، لكن الصغار ينهارون. الدول النامية التي تعيش على الديون بالدولار والمال الساخن، وعملات ضعيفة، تكون أول من يسقط.

مصر، تركيا، ودول أفريقيا، كلها تجد نفسها اليوم تدفع ثمن لعبة لم تكن طرفا في صنعها، لكنها طرف أصيل في تحمل نتائجها.

في النهاية، اليابان بكل هدوء تزلزل الاقتصاد العالمي دون أن تطلق رصاصة، أو تُسقط قنبلة. كل ما فعلته أنها غيّرت اتجاه الريح، وسحبت الأكسجين من رئة العالم، وتركته يتعلم التنفس وحده. هكذا فعل الساموراي دون أي استعراض أو صخب.

لا يمكن أن يقول أحد إن اليابان تنتقم، بل هي ببساطة تنسحب في اللحظة التي ينهار فيها "النظام القديم" من الداخل، وتترك التاريخ يشرح الباقي.

الاثنين، 26 يناير 2026

صدى الأقدام في دهاليز الفناء

 صدى الأقدام في دهاليز الفناء

سيلين ساري

"نعيش فصلا تراجيديا يتجاوز وصف الأزمة ليدخل في طور الاستباحة الكاملة"


منذ أن خطّ الإنسان أولى علامات الحضارة على طين الرافدين وضفاف النيل، كانت الضريبة هي "النبض" الذي يغذي جسد الدولة. لكن التاريخ، في لحظاته الأكثر قتامة، يخبرنا عن خيط رفيع يفصل بين "الخراج" الذي يبني المدن، وبين "المكوس" التي تحفر القبور.

في روسيا القيصرية، كان بطرس الأكبر يحصي أنفاس الفلاحين فيما عُرف بـ"ضريبة الروح"، حيث لم يكن الموت كافيا للإعفاء من الجباية، وظل الأموات "أرواحا" تدفع عنها العائلات المنكوبة ثمن وجودها الزائل.

وفي عصور الظلام الأوروبية، كانت "ضريبة الحياة" تُفرض على مجرد التواجد تحت سماء الملك، وكأن الهواء حقٌّ مستأجر لا هبة سماوية.

ومن عصور ظلام أوروبا إلى نبوءة ابن خلدون، حيث الاقتصاد ليس أرقاما تُجمع في ميزانيات صماء، بل هو "نفسٌ بشري" وقلقٌ وجودي قبل كل شيء. هنا فكك ابن خلدون بعبقرية شيفرة انهيار الإمبراطوريات ببراعة جراح، حيث صاغ قانونا كونيا صارما: "إن الظلم مؤذن بخراب العمران".

ما يمارسه نظام السيسي ليس سياسة مالية أو تقشفا أو إصلاحا كما يزعمون، بل هو "اجتياح" لجيوب المواطنين، محولا الدولة من راعٍ للحقوق إلى "خصم" شرس ينافس المواطن في رزقه اليومي. لقد تحولت الضريبة من أداة للبناء إلى سلاح للسحق


يرى ابن خلدون أن الدولة في ريعانها تكون رفيقة بالرعية، تكتفي بضرائب قليلة فتبسط الآمال، ويزدهر العمل. أما حين تنغمس السلطة في ترفٍ لا ينتهي، وتتضخم حواشيها، وتبدأ في تشييد القصور التي لا تسكنها إلا الرياح، فإنها تلجأ إلى "المكوس".

والمكوس في الفلسفة الخلدونية ليست اقتطاعا من ربح، بل هي نهشٌ من العظم، واعتداءٌ سافر على "الآمال". عندما يشعر المواطن أن كل لقمة يرفعها إلى فمه يشاركه فيها جابي السلطان "قهرا"، فتحل على البلاد لعنة "انقباض الأيدي" كما أسماها؛ فيتوقف التاجر عن المغامرة، ويهجر الفلاح أرضه، ويفقد الصانع شغفه. فإذا ما انقبضت الأيدي، فسد العمران، وتداعت الدولة كبيت من ورق، حتى لو كانت تملك جيوشا جرارة، لأن القوة الحقيقية للدولة تكمن في "روح" شعبها، والضريبة الظالمة هي الرصاصة الأولى التي تُطلق على تلك الروح.

ومن التجول بخطى مترقبة في دهاليز التاريخ الى الهرولة مرتعبة الخطى في طرق الواقع المصري، حيث استباحة الحياة نفسها أصبحت طقسا يوميا تمارسه الحكومة ضد الشعب.

اليوم، ونحن في مطلع القرن الحادي والعشرين، نرى تلك الأشباح العابرة للقرون السحيقة تُبعث من مرقدها لتشاهد تجسيدا لحياتها السابقة، لكن هذه المرة ليست أوروبا بل فوق تراب مصر، حيث شعب يعيش نفس المأساة مطارد من بدلات رسمية وقوانين "سيادية" لا ترحم.

في مصر اليوم، نعيش فصلا تراجيديا يتجاوز وصف "الأزمة" ليدخل في طور "الاستباحة الكاملة". إن ما يمارسه نظام السيسي ليس سياسة مالية أو تقشفا أو إصلاحا كما يزعمون، بل هو "اجتياح" لجيوب المواطنين، محولا الدولة من راعٍ للحقوق إلى "خصم" شرس ينافس المواطن في رزقه اليومي. لقد تحولت الضريبة من أداة للبناء إلى سلاح للسحق.

المكوس المبتكرة (ضريبة الوجود)

لم تعد الضريبة تُفرض على الدخل المتحقق، بل أصبحت "إتاوة" على مجرد الحركة والسكون. رسوم الطرق التي دُفع ثمنها من دماء الضرائب الأصلية، دمغات الأوراق الرسمية التي تُنتزع من الفقير قبل الغني، وضرائب العقارات التي سُكنت بدم القلب وشقاء السنين؛ كل ذلك يشكل منظومة "جباية عمياء" لا تعترف بحدود الفقر.

ضريبة الحنين ومطاردة الأرواح المهاجرة..

لم يقتصر الأمر لدى النظام على مطاردة المقيمين، بل امتد إلى المغتربين فبدأ بفرض "ضريبة الحنين". ولعل من أبشع تجليات هذه المنظومة هي مطاردة المصريين المهاجرين في أرزاقهم؛ المغترب الذي فرّ بعمره وأحلامه وكرامته كي يبني مستقبلا، يجد الدولة تلاحقه بـ"مكوس الهواتف" وجمارك "الهدايا".

كيف يعقل أن يُطالب إنسان بدفع ثمن هاتفه مرتين؟ مرة للشركة المصنعة، ومرة لـ "سلطة" لم توفر له عملا ولا كرامة في وطنه؟ إنها رسالة مفادها: "حتى وأنت بعيد، يد الجباية ستطال روحك". هذه ليست جمارك، بل هي "عقاب" على النجاح خارج المنظومة، وكسرٌ متعمد لأواصر الانتماء.

يقف المصريون عاجزين عن فهم ما يحدث لهم؛ فقديما كان الأباطرة يبررون ضرائبهم بحماية الثغور، أما اليوم فأباطرة العسكر يفرضون المكوس لتمويل "ثقوب سوداء" وتوابيت خرسانية تُبنى في الصحراء بمدادٍ من عرق المسحوقين ودموع الجياع.

يُهدم بيت الفقير بدعوى "التطوير"، لتُبنى القصور الرئاسية والجسور الفارهة التي لا تعني الجائع في شيء. إنها ضريبة الروح في أبشع صورها؛ أن تدفع ثمن السلاسل التي تقيدك، وتبني بجهدك الجدران التي تعزلك عن السلطة.

لقد تجاوز النظام منطق "الضريبة مقابل الخدمة" إلى منطق "الضريبة مقابل السماح لك بالبقاء على قيد الحياة".

حتمية الانفجار

عندما تتحول الدولة في نظر الشعب من "ملاذ" آمن إلى "وحش" يتربص بكل قرش في جيب الفقير والمغترب، فإن العقد الاجتماعي لا ينفسخ فحسب، بل يتفجر


التاريخ لا يرحم، وقوانين الاجتماع البشري لا تُحابي أحدا. كل الإمبراطوريات التي سقطت، من روما التي أكلها جشع الجباة، إلى العباسيين الذين خنقهم الفساد المالي والبذخ، بدأت نهايتها من لحظة "جنون الجباية". عندما تتحول الدولة في نظر الشعب من "ملاذ" آمن إلى "وحش" يتربص بكل قرش في جيب الفقير والمغترب، فإن العقد الاجتماعي لا ينفسخ فحسب، بل يتفجر.

في مصر، المشكلة ليست في "نقص الموارد"، بل في "فائض الظلم". إن "انقباض الأيدي" الذي حذر منه ابن خلدون بدأ يتحول إلى "انقباض في القلوب"، وحين تنقبض القلوب عن حب الأوطان، فلا حصانة لعرش ولا بقاء لكيان. الروح التي تُحاصر بضريبة الحياة، وتُطالب بجمارك على تواصلها مع ذويها، ستصل في النهاية إلى قناعة بأن الأرض التي تضيق بأهلها لم تعد وطنا، بل سلاحا يهدد بقطع أعناقهم.

فهل يدرك الجباة أنهم بجمعهم لهذه المكوس لا يملأون الخزائن، بل يجمعون حطبا لنارٍ لن تفرق بين القصر والكوخ؟ لقد علمنا التاريخ أن الجباة يرحلون، والقصور تخوي على عروشها، لكن الشعوب التي انقبضت أيديها يوما هي التي تعيد كتابة السطر الأخير.

إن الروح التي تُفرض عليها ضريبة لكي تتنفس، ستحطم في النهاية القيد، لتسترد حقها في الحياة دون مكوس الفناء، "لأنه حين تتحول الضريبة إلى شرط للحياة، تصبح الثورة مسألة وقت لا رأي".


الأحد، 11 يناير 2026

حين لمس العميان المارد

حين لمس العميان المارد

سيلين ساري


 يُحكى أنه في أحد الأيام، وفي مكانٍ غير المكان، اجتمع في ساحةٍ واسعةٍ عددٌ من العميان. وفي منتصف الساحة وقف فيلٌ ضخم ساكنا كأنه جبلٌ يتنفس. لم يكن شرسا، ولا هائجا، كان فقط.. موجودا. اقترب منه العميان، لا يعرف أحدهم شكل الفيل، ولا حجمه، ولا حقيقته. مدّ الأول يده، فأمسك الخرطوم، جسما طويلا لينا يتحرك بين أصابعه، فقال بثقة لا تعرف الشك: "هذه حيّة، لا شك عندي". اقترب الثاني ولمس أذنا عريضة تتحرك مع الهواء، فقال بازدراء: "بل هي مروحة كبيرة، وكيف لحيّة أن تكون هكذا؟". أما الثالث، فاحتضن ساقا غليظة، ثابتة كالصخر، فضرب الأرض بعصاه وقال: "كفاكما وهْما، إنه عمودٌ لا يتحرك". وجاء الرابع، وأمسك بالذيل، فشعر به حبلا خشنا يتدلّى، فقال: "كلكم مخطئون، إنه حبل، والحق أوضح من أن يُجادَل".


واختلفوا، وارتفعت الأصوات، وتشابكت الأيدي، وكلٌّ أقسم أن ما لمسه هو الحقيقة الكاملة. لم يكن أحدهم كاذبا.. لكن جميعهم تجاهلوا أنهم عميان. أما الفيل، فبقي واقفا، صامتا، أمام جهلهم وتعنت آرائهم، مندهشا من خصامهم. ولو أن أحدهم سأل بدل أن يُقسم، ولو أن أحدهم تراجع خطوة إلى الخلف معترفا بحقيقة أنهم لا يبصرون، لعلموا أن ما بين أيديهم ليس أشياء متفرقة، بل جسدا واحدا.

لكنهم ظلّوا عميانا، يقتتلون حول الأجزاء، بينما الحقيقة الكاملة تقف أمامهم.. ولا يلمسها أحد. تلك لم تكن حكاية عن فيل. كانت نبوءة عن أمة لا ترى نفسها كاملة.

الخوف الحقيقي ليس من عربٍ غاضبين، فالغضب يُدار ويُحتوى، الخوف من عربٍ واعين؛ لأن الأمة التي ترى نفسها كاملة لا تحتاج أن تصرخ، ولا أن تبرر وجودها، ولا أن تستجدي اعترافا. هي فقط.. تنهض، وعندها لن يعود السؤال: لماذا يخاف الغرب؟ بل: كيف أقنعنا أنفسنا طويلا أننا لم نكن هذا المارد أصلا؟

إنه الوطن العربي؛ ذاك الفيل.. أو بالأحرى "المارد"، وما نحن اليوم إلا عميان التاريخ، نتحسس أجزاء من جسد قوتنا، ونتقاتل حول تعريفها، بينما المارد الذي نمثله واقفٌ أمامنا.. كاملا، ضخما، مخيفا لمن يراه، وغائبا عمّن ينتمي إليه.

الغرب لم يكن أذكى منا، كان فقط أكثر وعيا بنا؛ حين نظر إلى هذه الجغرافيا لم يرَ صحارى متفرقة، ولا دولا ناشئة، ولا نزاعات حدود، رأى كتلة بشرية تتجاوز نصف مليار إنسان، ورأى أرضا تشكل قارة مصغَّرة بذاتها، تمتد على ما يقارب من عُشر يابسة العالم، أو تتجاوز مساحتها مساحةَ أوروبا بأكملها. ورأى ثروات لو اجتمعت لغيّرت موازين القوة والاقتصاد العالمي، ورأى موقعا يتوسط العالم، يتحكم في ممراته وبحاره وطاقته. ورأى تاريخا متصلا، وعِرقا متقاربا، وأكثر من نصف مليار يتحدثون لغة واحدة، ويدين أغلبهم بدين واحد. رأى.. فارتعب.

لذلك لم يحارب الوطن العربي ككل، بل قسّمه ذهنيا قبل أن يقسّمه سياسيا. زرعُ إسرائيل في منتصف الجسد العربي لم يكن فعل عداء فقط، بل عملية تشويش تاريخية: فصل المشرق عن المغرب، قطع التواصل الجغرافي، خلق جرحا دائم النزف، وأجبر المارد أن ينشغل بالألم.. لا بإدراك ذاته. ثم بدأ المشروع الأخطر: تحويل الأمة إلى عميانٍ متخاصمين؛ عربي يرى القوة في النفط فقط، وآخر يحصرها في الدين دون وعي سياسي، وثالث يتغنى بالتاريخ وكأنه تعويذة لا مشروع، ورابع يؤمن بالعدد لكنه يخشاه، وخامس يتوهم أن الجغرافيا لعنة لا نعمة.

وكلهم، دون أن يدروا، يلمسون الفيل.. ويخطئون تعريفه. الحقيقة التي يخشاها الغرب، ويعمل ليل نهار لمنع تحققها، ليست وحدة سياسية رومانسية، ولا شعاراتٍ قومية قديمة، بل لحظة وعي واحدة.. لحظة أن يدرك العميان أنهم لا يلمسون أجزاء متنافرة، بل جسدا واحدا، حينها فقط سيتحوّل العدد إلى قوة، واللغة إلى أداة توحيد، والدين إلى بوصلة أخلاقية لا وقود صراع، والثروة إلى مشروع، والجغرافيا إلى سلاح استراتيجي.

الخوف الحقيقي ليس من عربٍ غاضبين، فالغضب يُدار ويُحتوى، الخوف من عربٍ واعين؛ لأن الأمة التي ترى نفسها كاملة لا تحتاج أن تصرخ، ولا أن تبرر وجودها، ولا أن تستجدي اعترافا. هي فقط.. تنهض، وعندها لن يعود السؤال: لماذا يخاف الغرب؟ بل: كيف أقنعنا أنفسنا طويلا أننا لم نكن هذا المارد أصلا؟

الخميس، 25 ديسمبر 2025

حين يكون المتهم بالإرهاب هو من يكتب تعريفه!

 حين يكون المتهم بالإرهاب هو من يكتب تعريفه!


سيلين ساري


حين يتحدث سياسي غربي عن "الإرهاب"، يجب أن نتحسّس عقولنا ونتفقد أبناءنا، ونُحصي أسماء مدننا على الخريطة.. لأن التجربة علمتنا أن القنابل تُلقى ودماؤنا تسيل دائما بعد الخطب الأخلاقية. وحين يُضاف إلى كلمة الإرهاب وصفٌ ديني وتُربط الجريمة بالإسلام وحده، فاعلم أن القاتل لا يبحث عن عدالة، بل عن تبرير مسبق للجريمة التي سيرتكبها وأن الضحية قد جرى اختيارها سلفا.

تصريح دونالد ترامب عن "الإرهاب الإسلامي المتطرف يجب ان تتحد الدول لمواجهته" لم تكن زلة لسان، بل كان امتدادا لسردية قديمة، سردية تحتاجها الإمبراطوريات لكي تواصل القتل دون أن تنظر في المرآة، ودون أن ترى وجوه الأطفال الذين سقطوا باسم "العالم الحر". فالقاتل، قبل أن يضغط على الزناد، يحتاج أولا أن يجرّد الضحية من إنسانيتها، وأن يجعل من دينها جريمة تستحق العقاب.

الأندلس: بداية الارهاب والذبح على الهوية

تصريح دونالد ترامب عن "الإرهاب الإسلامي المتطرف يجب ان تتحد الدول لمواجهته" لم تكن زلة لسان، بل كان امتدادا لسردية قديمة، سردية تحتاجها الإمبراطوريات لكي تواصل القتل دون أن تنظر في المرآة، ودون أن ترى وجوه الأطفال الذين سقطوا باسم "العالم الحر"


في الأندلس قبل أن تُخترع كلمة الإرهاب كان المسلم يُقتل لأنه وجوده زائد، فالإسلام وقتها كان ذنبا يولد مع الطفل. لم يُقتل الناس هناك لأنهم حملوا سلاحا بل لأنهم حملوا أسماء عربية مسلمة. كان الطفل يُنتزع من حضن أمه، ليسأله الجلاد: هل تصلّي سرا؟ هل تتوضأ؟ هل تحفظ العربية؟

كانت الهوية وحدها كافية للموت. حُرقت الكتب لأن فيها قرآنا، وحُرقت الأجساد لأن فيها إسلاما، وحرقت اللغة والذاكرة، وأُجبر الناس على التخلّي عن اسلامهم.. أو الموت. في محاكم التفتيش، كان الشك جريمة، والهوية تهمة، والنار حلا إداريا. لم يُسمَّ هذا إرهابا حتى يومنا هذا؛ لأن السكين حملت صليبا، ولأن المنتصر لا يُدان.

الحملات الصليبية.. الدم باسم الرب

دخل الصليبيون القدس، وغاصت الخيول في دم الأبرياء، حتى قيل إن الدم بلغ رُكَب الخيل. لم يُسأل أحد عن الأطفال، ولا عن النساء، ولا عن المدنيين. كان القتل طقسا، وكان الرب شاهدا صامتا، وكان المسلم تفصيلا لا يُحسب.

الاحتلال الأوروبي.. الإرهاب بحرفية

في الجزائر.. مارس الاحتلال الفرنسي التعذيب، وأعدم المدنيين، ومسح قرى كاملة، ثم قال إنه جاء "لتمدين البرابرة".

وفي آسيا وأفريقيا، كان الاحتلال يقتل، ويُسكت الشعب، ليعلّم معنى النظام والخضوع. كان الإرهاب هنا مؤسسيا ومدروسا بلغة فرنسية أنيقة.

البوسنة: حين يكون الدين ذريعة للقتل

في البوسنة والهرسك.. في قلب أوروبا المعاصرة، رأى العالم كيف يُقتل المسلم لأنه مسلم، وكيف تُحاصر المدن، وتُغتصب النساء ويُقتلع السكان من منازلهم، وتُشنق الذاكرة كلها تحت شعار "السلام الأوروبي"، وتُسمّى المذبحة نزاعا طائفيا. هنا، ظهر العداء الغربي للإسلام بوضوح؛ المسلم أصبح رمزا للتهديد، حتى لو كان طفلا، امرأة، أو مسنا.

القرن العشرون: القتل كعلم ودولة

في فيتنام.. ذابت أجساد الأطفال تحت النابالم.

في كمبوديا.. مهد القصف الغربي لانفجار إبادة داخلية.

هيروشيما وناجازاكي.. في هيروشيما لم يكن هناك مقاتلون، كان هناك أطفال يذهبون إلى المدرسة. وفي ناجازاكي لم يكن هناك إرهابيون، كان هناك بشر تبخروا في ثانية. أكثر من مئتي ألف إنسان احترقوا دفعة واحدة. لو كان الفاعل مسلما لصارت الجريمة أسطورة سوداء، لكن الفاعل دولة عظمى، فصار الموت "ضرورة تاريخية".

العراق: الكذبة التي دفنت أمة

في العراق لم تكن هناك أسلحة دمار شامل، لكن كان هناك دمار شامل للبشر. مليون قتيل، مدن تدمرت، أطفال وُلدوا بلا أطراف، أمهات ينتظرن أبناء لن يعودوا، نساء ورجال تم اغتصابهم. الضحايا ماتوا وأصوات أطفالهم لم تُسمع، ولغتهم وذاكرتهم بقيت مطرودة.

الإرهاب هنا لم يكن سيارة مفخخة، بل جيش كامل دخل باسم القانون، وخرج تاركا بلدا مكسورا، ولم يسمّ ذلك أيضا إرهابا، بل مجرد خطأ استوجب اعتذارا باهتا.

فلسطين: الجريمة المباشرة التي لا تُسمّى

في غزة.. يُقتل الأطفال أمام الكاميرا، وتُمسح العائلات من السجلات، ويُحاصر شعب كامل، ثم يُسأل الضحايا: "لماذا لا تدينون الإرهاب؟".

وفي الضفة، يحرق المستوطنون القرى، ويقتلون على الهوية، وتحميهم الدولة والسلاح والقانون.
أما لو كان الفاعل مسلما، لضجّ العالم، لكن الفاعل حليف، فالقتل يصبح حقا في الدفاع عن النفس وعلى الضحية أن تثبت إنسانيتها أولا.. وعلى العدالة أن تبكي بصمت في الزاوية.

حين يكون المسلم ضحية يتغير القاموس..

في الصين.. تُمحى هوية الإيغور في معسكرات اعتقال ثقافي.

في ميانمار.. أُبيد الروهينغا، واغتُصبت النساء، وطُرد الشعب من قراهم.

في الهند.. يُقتل المسلم على الهوية، وتغتصب النساء وتنتزع الممتلكات وتهدم المساجد..

حين يتحدث ترامب عن "قوى الشر"، هو لا يرى هيروشيما، ولا بغداد، ولا غزة، ولا البوسنة، ولا الأطفال الذين لم يسمع أحد صراخهم؛ يرى فقط ما يخدم أسطورته ويحمي تاريخه من الحساب


ولا تُسمّى تلك الجرائم إرهابا بل "احتقانا اجتماعيا". القاعدة التي يتم التوصيف على أساسها هي.. حين يكون المسلم ضحية يُخفّف الوصف، وحين يكون متهما تُعمم الجريمة. العالم الغربي منذ قرون يربط بين الإسلام والخطر، ويحوّل الدين إلى سبب كافٍ للكره والإبادة.

هنا تظهر اسئلة تحتاج لإجابة:

- من الإرهابي؟ الإرهاب ليس لحية، ولا لغة، ولا صلاة؛ الإرهاب هو أن تقتل بلا حساب، وأن تملك القوة لتسمية القتل ضرورة، وأن تملك الإعلام ليُصدّقك العالم. فمن يملك الطائرات والقنابل النووية، والفيتو والمنصات الإعلامية، يملك أيضا اللغة ليقرر من هو شرير ومن بريء.

- لماذا يكره الغرب الإسلام؟ لأن الإسلام يرفض أن يكون تابعا، لأنه يملك ذاكرة، ولأنه لا ينصهر بالكامل في مشروع الهيمنة. لهذا كلما قُتل مسلم قيل: سياق معقد، وكلما أخطأ مسلم قيل: هذا هو الإرهاب.

صرخة ضمير..

حين يتحدث ترامب عن "قوى الشر"، هو لا يرى هيروشيما، ولا بغداد، ولا غزة، ولا البوسنة، ولا الأطفال الذين لم يسمع أحد صراخهم؛ يرى فقط ما يخدم أسطورته ويحمي تاريخه من الحساب.

لكن الحقيقة مهما أخفيت واضحة وقاسية.. الشر ليس إسلاميا، الشر هو أن تقتل، ثم تُنصب نفسك قاضيا تحاكم الضحية، وجلادا ينفذ فيها العقوبة، ثم تستمر في تكرار الجريمة بلا محاسبة.

حين يُعرَّف الإرهاب بصدق، سيُكتب اسمه الحقيقي يجب ان يكون هكذا.. إرهاب الغرب لا الشرق، إرهاب الدول.. قبل الجماعات.

الخميس، 18 ديسمبر 2025

القاهرة ليست زحمة.. بل مطلوبة للبيع


حين يقول محافظ القاهرة للمواطنين: "العاصمة بقت زحمة، اخرجوا للمدن الجديدة"، ثم يُلحقها بعبارة عن الإحالة للنيابة والإزالة، فهو لا يتحدث عن المرور ولا عن التنظيم، بل يقرأ نصا مكتوبا سلفا في عقل السلطة: القاهرة يجب أن تُفرَّغ.

هذا ليس خطاب خدمة عامة، بل خطاب "إزاحة ناعمة للسكان" لصالح مستثمرين أجانب، وإفراغ مدينة عريقة لصالح رأس المال، وإعادة تعريف البشر باعتبارهم عائقا لا أصحاب حق.

في خطاب محافظ القاهرة، لم تُقدَّم المشكلة على أنها فشل بسبب المركزية أو سوء التخطيط أو نقص خدمات في باقي محافظات الدولة أدى للهجرة إلى العاصمة، بل تنصل تام من الحكومة والنظام من ذلك الفشل، وجُعل كل الخطأ والفشل على المواطن وتحويله إلى عبء يجب التخلص منه.

هذا ليس خطاب خدمة عامة، بل خطاب "إزاحة ناعمة للسكان" لصالح مستثمرين أجانب، وإفراغ مدينة عريقة لصالح رأس المال، وإعادة تعريف البشر باعتبارهم عائقا لا أصحاب حق

المدن الجديدة لا تُطرح كخيار حر يُغري بالانتقال، بل كمسار إجباري يُدفع إليه المواطن دفعا. لا حديث عن أسعار سكن يمكن احتمالها، ولا عن مواصلات، ولا عن عمل، ولا عن مدارس أو مستشفيات. الانتقال هنا ليس عرضا، بل توجيها فوقيا، أقرب إلى قرار إداري منه إلى سياسة إسكان، والقانون يتحول من حماية إلى تهديد. هذا الإطار يمهد لإزاحة سكان العاصمة لصالح الاستثمار وإعادة هيكلة المدينة.

فالقاهرة الخديوية، والقاهرة الإسلامية خاصة، لم تعودا في نظر السلطة مدينتين حيّتين، بل "أراضي فرص". شوارع لها قيمة تاريخية؟ لا.. عمارات مأهولة بذاكرة الناس؟ لا. إنها في الخطاب الرسمي "أصول غير مستغلة"، تحتاج فقط إلى إزالة العائق الأخير: "السكان".

وما تجهله العقلية الإدارية التي تتعامل مع المدينة كمشروع هندسي أو ملف عقاري، هو أن القيمة الحقيقية لتلك الأحياء ليست في الحجر والجص والواجهات المزخرفة وحدها، بل في الروح التي يحقنها المصريون بتفاصيل حياتهم داخل تلك العمارة. إنها روح تصنعها حكايات الأجيال على عتبات البيوت، وضجَّة الحياة في الدروب، وتداخل الأصوات والأعياد والروائح اليومية. هذه الروح هي التي تحوِّل الحجر إلى ذاكرة حية، والشارع إلى وطن. فإذا فُصِل الجسد عن روحه -بإخراج هذه الحياة وإسكانها قسرا في مكان آخر - تتحول العمارة إلى دُمى محنطة في متحف مفتوح، جميلة للعين لكنها ميتة للقلب، بلا "قرمة" أو نكهة أو دفء. وبهذا، لا تخسر القاهرة سكانا فحسب، بل تخسر تاريخها الحي ذاته، محوِّلة حضارتها المستمرة إلى أطلال صامتة تُباع لأعلى مُزايد.

ومن هنا نفهم لماذا لا يُطرح الانتقال كخيار، بل كاتجاه وأمر لا يناقش. لماذا لا يُسأل أين سيعمل الناس؟ كيف سيتنقلون؟ كيف سيدفعون؟ لأن الهدف ليس حل مشكلة كما يزعمون، بل إخلاء المركز.

وهنا كان قانون الإيجار القديم الذي اُدخل من الباب الخلفي بوصفه "تصحيحا تشريعيا"، بينما هو مجرد أداة تفريغ ناعمة بلا جرافات ولا صور صادمة. فمعظم سكان القاهرة الخديوية والإسلامية خاضعون له، ومع تطبيقه تصبح النتيجة معروفة سلفا: عجز عن الدفع، ونزاعات، وخروج قسري مغلّف بالقانون.

أي وطن يمكن أن يبقى ونظامه لا يرى في شعبه إلا عائقا أمام الصفقات؟ إزاحة للفلاحين من أجل الأجانب، إزاحة للعمال من أجل المستثمرين، إزاحة للسكان من أجل المستثمرين الأجانب

وحدات تُسلَّم "نظيفة" للمستثمر، حيث عدد الملاك أقل بكثير من عدد المستأجرين وإزالتهم أسهل. هكذا تُنجز الإزاحة دون أن تُسمّى إزاحة، وهكذا يتحول القانون من أداة عدالة إلى وسيط عقاري يعمل لصالح الملاك الجدد من الأجانب.

ولم ينسَ الخطاب الرسمي إضافة بعض المشاعر الزائفة ليقول: "مش بنبقى مبسوطين بإحالة المواطنين للنيابة". وكأن المشكلة في المشاعر لا في الفعل، وكأن العقاب قدرٌ حزين وليس سياسة مقصودة.

الحقيقة أبسط وأقسى.. ما يحدث ليس تنظيما بل إعادة هندسة قسرية للمدينة.. ليس تطويرا بل تغيير هوية، وليس علاجا للزحام بل تمهيد للبيع. القاهرة لا تُفرَّغ لأنها مكتظة، بل لأنها ثمينة، والسلطة لا تريد مدينة يعيش فيها أهلها، بل واجهة تُدار وتُسوَّق وتُستثمر.. بعد أن يخرج آخر سكانها من المشهد.

في النهاية، أي وطن يمكن أن يبقى ونظامه لا يرى في شعبه إلا عائقا أمام الصفقات؟ إزاحة للفلاحين من أجل الأجانب، إزاحة للعمال من أجل المستثمرين، إزاحة للسكان من أجل المستثمرين الأجانب.

هكذا تُباع القاهرة: جسدا بلا روح، وحجارة بلا ذاكرة. تاريخ يُشطب بإزاحة، وحضارة تُستبدل بفاتورة. ويبقى السؤال معلقا في هواء المدينة الذي يفرغ من أنفاس أهله: من سيشتري وطنا قد بيعت روحه؟

السبت، 29 نوفمبر 2025

الاغتصاب الاجتماعي: سجل الجرائم التي يعجز الورق عن حملها

 الاغتصاب الاجتماعي: سجل الجرائم التي يعجز الورق عن حملها



سيلين ساري

ثمة جرائم لا تُكتب؛ لا لأنها غامضة بل لأنها أكبر من قدرة الورق على الاحتمال، جرائم تمتد كظلّ ثقيل فوق جيل كامل تبدأ من حضانة صغيرة في العبور وتزحف إلى زنازين ضيقة لا يصلها نور، مرورا بمدرجات جامعية تُخطف فيها الأصوات قبل أن تكتمل الجملة. في كل محطة الصورة واحدة: جسدٌ مُنتهك، وروحٌ مُداسة، ودولة لا تريد أن ترى.

في مدرسة سيدز في منطقة العبور بمصر، حيث يُفترض أن يكون المكان بداية الحكاية بدأت النهاية.. أطفال في الرابعة والخامسة من عمرهم لم تعرف أيديهم الصغيرة بعد كيف تمسك بالقلم، لكن روحهم عرفت كيف يمسك بها الألم.. أطفال كان يجب أن يكون خوفهم الأكبر من انكسار لعبة فإذا بهم يواجهون رعبا يفوق قلوبهم الصغيرة.

لم تكن الجريمة حادثا عابرا بل صفحة جديدة في سجلّ اغتيال الطفولة، لكن ما زاد المشهد ظلاما هو الغياب المريب لاسم واحد: من يملك هذه المدرسة؟ لا سجل تُمسك به ولا مجلس إدارة، حالة فريدة من العدم لمنشأة تعليمية كاملة بلا صاحب بلا رأس، أو بمعنى أدق أن الرأس محمي لأنه فوق القانون؛ من يظهر فقط المجرم الأخير وهو الحلقة الأقل قيمة، فهل يمكن أن تكون هذه صدفة أم هو تصميم مسبق بجعل المسؤول غير مرئي ليواصل من خلف الستار أعماله؟

هنا تبرز الحقيقة المخيفة، هل ما يحدث هو مجرد انهيار أخلاقي أم خطة لإعادة تشكيل المجتمع بالقوة؟


ما قاله الأطفال عن تكميم وتكتيف وقناع يرتديه أحد الجناة؛ يضعنا أمام احتمال أن ما كان يحدث ليس جريمة اغتصاب وانتهاك يقوم بها مجموعة من مرضى النفوس، بل هو عمل منظم يدر أموالا وفيرة عبر الـ"دارك ويب".

هذا المشهد المرعب الذي صدمنا به في مدرسة سيدز لم يكن بعيدا عن جريمة الطفل ياسين الذي سُرقت فيه البراءة أولا، ثم سُرقت العدالة بعدها حين خفّف القضاء العقوبة على الجاني في خطوة لا يمكن تفسيرها إلا كجزء من منظومة تُعيد إنتاج الوجع وتحمي صانعيه وتدهس الضحية.

بتأمل هذا المشهد الذي فاق في رعبه أفلام هوليود، تجدنا لا نقف أمام حوادث متفرقة بل أمام نَسَق مجتمعي كامل، نسق يبدو كأنه مُصمَّم بدقة من الحضانة إلى الجامعة إلى السجن، وجيل يُسلَب قبل أن يفهم ما سُلب منه.

اغتيال يبدأ من لحظة التكوين

الأطفال في الحضانات والمدارس الخاصة ليسوا مجرد أطفال، إنهم الجيل الذي سيحمل لغة المجتمع أخلاقه تصوّراته إحساسه بنفسه مستقبله، وحين يتعرض هذا الجيل وبأعداد تزداد تدريجيا لانتهاكات جسدية ومعنوية فإن هذا لا يصنع ضحايا فقط، بل يصنع تغييرا قسريا في البنية العميقة للمجتمع كله.

وهنا تبرز الحقيقة المخيفة، هل ما يحدث هو مجرد انهيار أخلاقي أم خطة لإعادة تشكيل المجتمع بالقوة؟

لأعوام حاولت جهات كثيرة عبر الدراما وبرامج التوك شو فرض أنماط سلوكية وثقافية جديدة على مجتمع مسلم شرقي محافظ، لكن القوة الناعمة فشلت في ذلك، فالمجتمع قاوم، والوعي انتبه، والشارع لم يتقبّل، وعندما تفشل الخطة الناعمة تُستدعى دائما الخطة القذرة، خطة لا تعتمد على الإقناع بل على الصدمة والانكسار والتطبيع القسري مع كل ما كان يوما محرّما ومخيفا.

أطفال تُنتزع براءتهم في سنوات التكوين، فماذا يمكن أن يصبحوا حين يكبرون وهم أكثر هشاشة، وأكثر تبددا، وأكثر قابلية للانكسار، وأحيانا أكثر قابلية لإعادة إنتاج ما تعرضوا له.

كيف يصبح وطن كامل مسرحا لانتهاك مواطنيه؟ ومن المستفيد من شعب يُقتل وهو حي؟ ومن سيحمي البراءة حين يصبح القاتل غير معلن، والقاضي غير مستقل، والطفل بلا صوت؟


هكذا يتم صُنع بيادق من جيل كامل مُبلبل، مُنتهَك، مُفكَك الحدود النفسية، جيل لا يعرف أين يبدأ الجسد وأين تنتهي الحماية، جيل يمكن تشكيله لا لأنه اختار بل لأنه كُسِر.

"الاغتصاب الاجتماعي" السلاح الذي لا يُرى

نحن كشعب نتعرض هنا لاغتيال لا يتم بالسلاح المادي المتعارف عليه، بل بسلاح معنوي أشد فتكا اسمه انتزاع الكرامة بشكل ممنهج وتدريجي.. طفل تُنتهك براءته، فتاة تُهان في الشارع، شاب يُكسر في المعتقل.. أب تُداس كرامته بين طوابير الخبز وهو عاجز عن سد جوع صغاره.. أم تُهزم أمام مطلب بسيط لحماية طفلها.

تتراكم الانتهاكات وتتحول إلى وحش جماعي يلتهم كل ما هو جميل، حتى يصبح المجتمع نفسه مشروعا لمسخ مستسلِم للتغيير القسري، هشا وفاقدا المناعة. هذه ليست مصادفة وليست خللا فرديا كما يرددون لنا، إنما هي بيئة مُصمَّمة بعناية ووفق خطة ممنهجة لتفريغ الإنسان من إنسانيته.

الواقع المرير

ما حدث في مدرسة سيدز وما حدث لياسين وما يجري في الجامعات والزنازين والبيوت ليس خطوطا متوازية، إنه خيط واحد حاد طويل يخترق الجسد المصري من طفولته حتى كهولته.. أن يعيش الإنسان في وطنه بلا كرامة، بلا أمن، بلا براءة طفولته، بلا جسد مصان؛ هو أمر يفوق كل أساليب التعذيب وحشية.

وفي النهاية يبقى السؤال الجارح الذي لا يريد أحد أن يسمعه: 

كيف يصبح وطن كامل مسرحا لانتهاك مواطنيه؟ ومن المستفيد من شعب يُقتل وهو حي؟ ومن سيحمي البراءة حين يصبح القاتل غير معلن، والقاضي غير مستقل، والطفل بلا صوت؟