الاثنين، 29 نوفمبر 2021

عرض كتاب “كيف نكتب التاريخ الإسلامي؟”

 عرض كتاب “كيف نكتب التاريخ الإسلامي؟”


يختلف تفسير التاريخ بحسب عقيدة الناظر اليه، وتاريخ كل أمة هو مجدها وسيرتها التي تريد استمرارها. وتشويه التاريخ الإسلامي مقصود، ومقصود أيضا قطع الأمة عنه الى تاريخ الوثنيات..!

التعريف بالكتاب

تأليف: محمد قطب

الناشر: دار الشروق

الطبعة: الأولى، 1412 هـ – 1992 م

عدد الأجزاء: 1

عدد الصفحات: 261

مقدمة

إن التاريخ الإسلامي هو تاريخ حياة أناس مسلمين لهم دين وعقيدة، وهي كانت الدافع في كل سلوكياتهم وهي منطلق تحركاتهم وأعمالهم محكومةً بما يعتقدون. وما الفتوحات الإسلامية التي قاموا بها بهدف نشر الإسلام وهداية الخلق إلا دليل على ذلك؛ وإلا لماذا لم يقوموا بها قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وكل الظروف المتوفرة بعد البعثة كانت متوفرة قبلها؛ فلا جديد إذن من حيث الإمكانات المادية .

وعلى هذا الأساس ينبغي أن تنطلق دراسة التاريخ الإسلامي. والتعامل مع الأحداث والوقائع وتفسيرها ينبغي أن يكون بميزان الشرع الإسلامي؛ فنقول أن هذا السلوك أو هذه الحرب، أو هذا الحكم وافق الشرع أو لم يوافقه. أما أن نحكم عليه انطلاقا من خلفيات غير إسلامية فهذا غير صحيح.

فمثلا تاريخ أوربا ـ خاصة العصر الحديث والمعاصر ـ قام على أساس العامل الإقتصادي، وحروبها وصراعاتها كانت بهدف إقتصادي، سواء “البورجوازية” ضد النبلاء والإقطاعيين، أو “البروليتاريا” ضد “البورجوازية”؛ فإذا فسرنا تاريخها وحكمنا عليه انطلاقا من المنهج المادي نكون أقرب إلى الصواب.

وبما أن “التاريخ الإسلامي” هو تاريخ “المسلمين”، فإن تقسيم مراحله ينبغي أن يكون حسب قوة المسلمين أو ضعفهم، ومدى تطبيق شرع الله في الأرض أو عدم تطبيقه.

وفي هذا الصدد وضع الأستاذ “محمد قطب” في كتابه : “كيف نكتب التاريخ الإسلامي”  تقسيما للتاريخ الإسلامي؛ حيث قسمه إلى أربعة مراحل كبرى:

البعثة وصدر الإسلام ـ المد الإسلامي ـ تراجع المد الإسلامي ـ الصحوة الإسلامية.

منهج إسلامي لكتابة التاريخ

الواقعة التاريخية حادثة مفردة تقع مرة واحدة ثم تنقضي ولا تتكرر. وإذا كان الباحثون والمؤرخون يتفقون على وقوع الحادثة فإن تفسيرهم لها وتعليلهم لأسبابها ودوافعها يختلف باختلاف المنهج الذي ينتهجه كل منهم، متأثراً في ذلك بعقيدته وتكوينه الفكري والثقافي، وتصوراته التي ينطلق منها في النظر للـ “الحياة البشرية”، ودور “الإنسان” في هذه الأحداث.

ولذلك كانت الدعوة إلى كتابة التاريخ البشري كله:

“من زاوية الرصد الإسلامية التي تقيس الإنجاز البشري بالمعيار الرباني، أي بمدى تحقيق الإنسان لغاية وجوده التي خلقه الله من أجلها؛ لأن هذا التاريخ يقدَّم لنا من زوايا تختلف اختلافاً جذرياً عن زاوية الرصد الإسلامية، فلزم أن نعيد كتابته ليتناسق مع الرؤية الإسلامية المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، فتكون لنا وحدة في التصور تتناسب مع كوننا مسلمين”.

ولئن كان ذلك ضرورياً بالنسبة للتاريخ البشري عامة ـ خارج نطاق الأمة الإسلامية ـ فإن الضرورة أشد والحاجة أكثر دينياً ومنهجياً لإعادة كتابة التاريخ الإسلامي خاصة.

وكتاب (كيف نكتب التاريخ الإسلامي؟) يتضمن الصورة الأخيرة لتفكير الأستاذ “محمد قطب” في موضوع كتابة التاريخ الإسلامي، ويقدم منهجاً إسلامياً وإطاراً للفكرة ذاتها. وهو يشعر جيداً ـ منذ البداية ـ بضخامة هذه المهمة وخطرها، ومدى الجهد اللازم لإنجازها؛ فهي أضخم من أن تكون جهد أفراد متفرقين في جيل من أجيال المسلمين، إنما تحتاج إلى جهد جماعي منظم تقوم به مؤسسات متخصصة على مدى قد يمتد بضعة أجيال.. ومع ذلك فلابد من القيام بهذا العمل، رغم المشقة البالغة فيه، لأنه ما من أمة تستطيع أن تعيش بلا تاريخ ممحص محقق ميسر التناول على جميع المستويات..

أهم الافكار التي تناولها هذا الكتاب بالرد

* الرد على فكرة أن الإسلام قد استنفذ أدواته وأنه لا نستطيع تطبيقه بعد فترة “الخلفاء الراشدين”.

* بيان أن هذا الدين على كل مثالياته نظام واقعي قابل للتطبيق مفصل من لدن حكيم خبير ليكون واقعاً معاشاً في الارض، لا ليكون شعارات.

وهذه الأمة ـ بالتحديد قرونها المفضلة الأولى ـ قامت بتطبيق مثالي لهذا الدين في عالم الواقع فارتفعت الى عالم المثل مع بشريتها الكاملة.

* الرد على فكرة أن الدين علاقة بين العبد والرب، محلها القلب، ولا علاقة لها بواقع الحياة.

* رفض التركيز على التاريخ السياسي للمسلمين ـ خاصة بعد فترة صدر الإسلام ـ على حساب باقي المجالات الحياتية الإسلامية: العقيدية، الفكرية، الحضارية، العلمية، الاجتماعية. والاقتصار عليه في عرض التاريخ يعطي صورة مشوهة!

* بيان خطأ التركيز في حضارة الإسلام على الزخارف والعمارة والمسكوكات. وبيان أنها هي ليست أثمن ما في الحضارة، ولكن كل هذا يكمل الصورة ويضع التفاصيل على الأطر القائمة لتنبض بالحياة.

* أن التوحيد هو النعمة الكبرى التي أضفاها الله على هذه الأمة، وهو الهدف الأكبر الذي أُخرجت هذه الأمة من أجله، وكُلفت بنشره في الأرض؛ التوحيد بمعناه الكامل الشامل الذي يعمل في مساحة واسعة تشمل الحياة كلها.

* فلسفة ومنهج دار الأرقم في التعليم وكيف يؤدي الى رفعة النفس وانطلاقها للبناء والانضباط بالضوابط الربانية وتوجيهه الطاقة كلها لله. وكيف كانت تلك النفوس توجهه إلى الله.

* وستقرأ أيضاً إجابة واضحة للسؤال: هل التخلف من طبيعة الإسلام؟

* وستتعلم كيف تقيم الحضارات.

* وهل هناك ذاتية للمسلم أكثر من إسلامه؟

* ستتعلم أيضاً كيف تطبق هذه الآية: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ وذلك حين تستقيم الأمة على دين ربها، وتجاهد في نشر دعوته تكون بالفعل شاهدة على البشرية، لأنها تكون قد أعطت النموذج الصيحيح، وأعطت القدوة، وبلّغت وأنذرت. والذي حدث حين نكلت الأمة عن الطريق أن النموذج الصحيح غاب عن الأنظار.

لماذا نعيد كتابة التاريخ؟

هناك عدة ملاحظات في أكثر من اتجاه، تجعلنا نلحّ على ضرورة إعادة كتابة التاريخ الإسلامي:

* فإذا نظرنا إلى المصادر الإسلامية القديمة، نجد فيها ذخيرة ضخمة من الأخبار والوقائع والروايات، تصلح زاداً للمتعمق، ولكنها ـ بصورتها الراهنة ـ لا تصلح للقارئ المتعجل الذي يريد خلاصة جاهزة ممحصة، سهلة الاستيعاب والهضم.

* وإذا نظرنا، من ناحية أخرى، إلى معظم المراجع الحديثة المتأثرة بالمنهج الاستشراقي، نجدها مكتوبة بصورة جذابة مغرية بالقراءة من ناحية الشكل، ولكن عيبها من الناحية المنهجية أن أغلبها بعيد عن الأمانة العلمية الواجبة، ملون تلويناً لتحقيق هدف معين، تكنّه صدور لا تحب الخير لهذا الدين.

* وسواء أكانت هذه المراجع من تأليف المستشرقين مباشرة، أو من تأليف تلاميذهم، فإن هذا العيب المنهجي الخطير يجعل مراجعهم غير صالحة للاستمداد منها، ويجعل إعادة النظر فيما تناولته من وقائع وتفسيرات ـ أمراً بالغ الأهمية.

* وهناك عيب رئيسي آخر في تلك الكتابات والمناهج بصفة عامة هو التركيز على التاريخ السياسي للمسلمين على حساب بقية مجالات الحياة الإسلامية: العقَدية والفكرية، والحضارية، والعلمية والاجتماعية.. إلخ، وذلك يعطي صورة مشوهة ممسوخة!

وذلك أن تقسيم التاريخ إلى مراحل سياسية، والحديث عن كل مرحلة، كأن هناك حدوداً فاصلة في مجرى التاريخ كله تفصل بين عهد وعهد، وتجعل كل عهد قائماً بذاته ـ هذا المنهج يقطع التواصل التاريخي بين أجيال هذه الأمة، كأنما لم تكن أمة واحدة متصلة، وكأنما لم تكن بالذات هي (الأمة الإسلامية).

* وأمر آخر من أمور الدلالات التاريخية نفتقده حين يغيب عنا المنهج الصحيح لدراسة تاريخ الأمة الإسلامية هو: علاقة أوضاع هذه الأمة ـ في خصوصيتها التي أخرجها الله من أجلها ـ بأوضاع البشر على اتساعها.

المهمة التربوية عند كتابة التاريخ الإسلامي

حين نعيد كتابة التاريخ الإسلامي ينبغي أن نوجه انتباهنا إلى أن التاريخ ليس مجرد أقاصيص تُحكى، ولا هو مجرد تسجيل للوقائع والأحداث..

إنما يُدرس التاريخ للعبرة، ويدرس للتربية. وكل أمة تصوغ تاريخها بحيث يؤدي مهمة تربوية في حياتها. وهذا ما نفتقده في الكتابات المعاصرة لتاريخنا..! التي تشتت ولاء المسلم وتجعله متذبذباً بين الإسلام وتلك الجاهليات التي يبعثها المستشرقون.

فينبغي ـ إذن ـ كتابة التاريخ الإسلامي بحيث تؤدي مهمة تربوية في تخريج أجيال مسلمة تعرف حقيقة دينها وتتمسك به، وتعمل على إحيائه في نفوسها وفي واقعها.

معاني يجب إبرازها

وفي سبيل تحقيق هذا الهدف التربوي علينا أن نبرز جملة من المعاني في تاريخ الأمة الإسلامية، لا نجدها بارزة المعالم في كثير من الدراسات المستحدثة على وجه الخصوص:

نعمة التوحيد

أن التوحيد هو النعمة الكبرى التي أضفاها الله على هذه الأمة، وهو الهدف الأكبر الذي أُخرجت هذه الأمة من أجله، وكُلفت بنشره في الأرض، التوحيد بمعناه الكامل الشامل الذي يعمل في مساحة واسعة تشمل الحياة كلها.

الإسلام حركة تحريرية

يجب أن نتبين من دراسة التاريخ أن التوحيد حركة تحريرية شاملة للإنسان كله، وللحياة من كل جوانبها.. وأنه الذي أنشأ أمة فريدة في التاريخ تجتمع على أساس العقيدة، التي تليق أن يجتمع الناس حولها وعليها.

تفرد حركة الفتح الإسلامي

وأن نتبين كذلك أن حركة الفتح الإسلامي كانت حركة فريدة تختلف عن كل الحركات التوسعية في تاريخ الأمم كلها، من حيث الهدف والآثار.

الأثر الحضاري

ثم تولدت عن حركة التوحيد الكبرى حركة علمية وحركة حضارية متميزة.

شبهات وسموم

في الجولة الأخيرة من حياة هذه الأمة (واقعنا المعاصر) ينبغي التنبه إلى أمور كثيرة في كتابة تاريخها لكثرة ما دُسَّ فيها من عوامل التشويه والتوجهات السامة التي يقصد بها التدمير، كالإيحاء بأن “الإسلام” قد استنفد أغراضه، وأن اتخاذ الحضارة “العلمانية” منهجاً للحياة هو طريق الإنقاذ وسبيل التقدم..!

وكذلك إبراز التيارات الهدامة الوافدة مع الغزو الفكري، من وطنية وقومية واشتراكية، وتمجيد أصحابها وتصويرهم بصورة الأبطال مع إهمال البطولة الحقة في تاريخنا الإسلامي، وأخيراً: تصوير الصحوة الإسلامية على أنها الخطر الداهم الذي سيؤدي بالعالم إلى الدمار..!

خاتمة .. وأخيرا

تلك أمور تدعو لإعادة كتابة التاريخ الإسلامي من جديد، وفي فصول الكتاب تفصيل وتطبيق للمنهج الذي أقام معالمه مؤلف الكتاب، ولذلك جاء الحديث عن “الجاهلية” و”الإسلام” و”البعثة وصدر الإسلام” ثم “المد الإسلامي” ودراسة “بدء الانحسار” لأخذ العبرة لتكون زاداً على طريق “الصحوة الإسلامية” التي تبشر بتحقيق وعد الله، سبحانه، لهذه الأمة بالتمكين والنصر عندما تفي بشرط ذلك كله.

ثم يغلق الكتاب بهذه العبارة المتفائلة التي تصدر عن إيمان عميق بوعد الله، سبحانه، وبشارة نبيه، صلى الله عليه وسلم، وهو يستشرف المستقبل الزاهر:

“وذات يوم ـ مقدَّر في علم الله ـ ستأتي الجولة الممكّنة للإسلام، التي بشر بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: 4-6]“.


اقرأ أيضا:

لتحميل الكتاب:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق