الجمعة، 12 نوفمبر 2021

طبيخٌ في طبيخ..

 طبيخٌ في طبيخ..

أ. د. زينب عبد العزيز
أستاذة الحضارة الفرنسية

لم أجد عبارة أدق من ذلك العنوان، التهريجي النزعة، لأصف مجريات الأحداث التي تواكبت هذه الأيام وتداخلت بصورة يصعب فك الاشتباك بينها.

فمنها المناخية، ومنها الكنسية، ومنها ما بين هذا وذاك من مواقف وتصرفات بهلوانية النزعة رغم فداحتها..

ولفك الاشتباك فيما بينها أو لتسهيل قراءتها سأتناول تباعا:

مؤتمر الاحتباس الحراري:

لقد بدأ الاجتماع في روما يوما 30 و31/10/2021 قبل لحاق أفراده بالمجتمعين في جلاسجو بإسكتلاندا.

وذلك لكي يتمكن الرئيس چو بايدن من لقاء البابا فرانسيس.

وكانت بدعة مؤتمرات الاحتباس الحراري بدأت منذ ست سنوات،

وانتهي مؤتمر هذا العام بإعلان البيان الذي يؤكد فيه المسؤولون نفس أهداف اتفاقية باريس وأهمية التوصل إلى مستوي حيادية الكربون،

دون تحديد أية إجراءات معينة، ووضع حدا لتمويل مراكز الفحم خارج حدود البلدان الأعضاء..

وتحديد الاحتباس الحراري إلى درجة ونصف يعد هدفا طموحا لا بد منه، إلا أنه يتضمن أن تواصل البلدان الفقيرة تحمل نصيب السباع الجشعة..

فذلك «سيتطلب تصرفات والتزامات فعالة لها مغزاها لكافة البلدان».

وهذا هو ما أعلنه أعضاء مجموعة العشرين:

أي أنهم سيفرضون ضرائب 15% على الشركات متعددة الجنسيات،

والتزموا بمساعدة البلدان الفقيرة لمواجهة كورونا والاحتباس الحراري كلاما!

أما المفارقة فنطالعها في نفس تلك النخبة التي ابتدعت فكرة الاحتباس الحراري،

فهؤلاء الأعضاء هم الذين يساهمون في تلوث الجو بالكربون أكثر من مئات المواطنين في عام واحد.

وذلك باستخدامهم 400 طائرة خاصة لينتقل كل فريق منهم، من بلده إلى بلد انعقاد المؤتمر ومعه البوليس التابع له،

إضافة إلى رؤساء مؤسساته.. إذ أن كل ذلك العتاد قد ألقي فعلا 1300 طنا من ديوكسيد الكربون على الأرض،

وهو ما يمثل أكثر مما يسببه 1600 إسكتلندي متوسط الدخل لمدة عام ـ وذلك وفقا للصانداي ميل البريطانية..

أما وعود البلدان الثرية بتقديم مائة مليار دولار كل عام ابتداء من عام 2020 فتم ترحيلها الي عام 2023..

ثم يقولون إن الحضارة الإنسانية يمكنها أن تنهار مثلما انهارت الإمبراطورية الرومانية ما لم يتم حل مشكلة الاحتباس الحراري..

والمفارقة الأهم أنهم يدافعون عن المناخ بينما يعدون لنهاية العالم.

فقبل مؤتمر الاحتباس الحراري بأسبوعين تكتمت الحكومة الإيطالية على تجارب حلف الأطلنطي النووية تحت سمائها لمدة سبعة أيام. بينما كانت الغواصات النووية تعبث في أعماق المحيطات لمراقبة الحدود الروسية والصينية..

وبينما الأرض لا تعبأ باجتماعاتهم وتعد لثورتها التأديبية أو الانتقامية..

لقاء البابا فرانسيس وچو بايدن:

في زيارة بايدن لبابا الفاتيكان، توجه إليه في موكب مهيب مكون من 85 سيارة فارهة ملتهمه للطاقة،

وقد تحجبت زوجته وفقا لتعاليم بولس الرسول، بأن غطت رأسها لكيلا يُجز شعرها..

وقد ضرب الأتباع بهذه الوصية عرض الحائط إلا في حضرة البابا،

فهو مندوب الرب علي الأرض.. أما الرب نفسه فعليه السلام.

وقد علق إريك زمّور، المرشح لرئاسة فرنسا في الانتخابات القادمة، على هذه الزيارة قائلا:

«عندما يتلاعب چو بايدن والبابا فرانسيس ضد الأساقفة الأمريكان..

فمن الواضح أن رد فعل البابا ضد موضوع الأساقفة الأمريكان سيشهد مرة أخري الطابع الشديد العلمانية للكاثوليكية».

فبينما تواجه أوروبا صعود ديانة جديدة تخلط ما بين السلطة الزمانية والسلطة الدينية تتواجه مسألة الخلاف بين الفريقين.

وأترك هذا الصراع التلفيقي الممتد لأنتقل إلى الهدية التي قدمها البابا فرانسيس للرئيس الأمريكي:

لقد جري العرف على أن تكون الهدية في زيارة رسمية، بين مسيحيين، عبارة عن رمز ديني كنسي.

إلا أن البابا قد تمخض مخططه الحالي عن فكرة تقديم نسخة من وثيقة «الأخوة الإنسانية» قائلا لبايدن:

«أنها من طرف الدكتور أحمد الطيب»..

واللهم لا تعليق على استبعاده أي لقب يشير للإسلام سوي تساؤل أحمق:

هل البابا يعمل مندوبا عن فضيلة الإمام الأكبر،

أو هل د. أحمد الطيب يعمل لديه ضمن القطاع الفاتيكاني؟!

ولم تصدر أية تفاصيل أخري من الفاتيكان،

إلا أن سيادة القاضي السابق الذي كان يعمل مستشارا لفضيلة الإمام قد استقال ليعيّنه البابا رئيسا للجنة الخاصة، التابعة للفاتيكان،

والمكلّفة بتنفيذ قرارات تلك الوثيقة القائمة على الخدع والتلاعب في النص وخاصة في الترجمة.

فقد أعلن ذلك المستشار السابق على صفحته في تويتر قائلا:

«إن الأحداث والمشاكل التي تتهدد مستقبل الإنسانية كانت أهم الموضوعات التي تمت مناقشتها في ذلك الاجتماع».

ثم أضاف موضحا: أثناء تقديمه وثيقة «الأخوة الإنسانية» أكد البابا علي ضرورة توفيق الجهود بين الكيانات الدينية والرؤساء السياسيين

لتقوية فرص التوصل إلى أخوة إنسانية وتقديم أفضلها للعالم..

وذلك في الوقت الذي لم يصدر فيه أي تعليق من الفاتيكان حول هذا اللقاء سوي أن «بايدن كاثوليكي طيب»..

 و«أن المسيحية الكاثوليكية هي أفضل ما يمكن تقديمه للعام أجمع»..

 والمعني واضح لمن يفهم.

مؤتمر الأساقفة البروتستانت الأمريكيين:

أقر ذلك المؤتمر الذي لم يلحظ انعقاده تقريبا أي فرد، أقر بالانتخاب نصا حول «معني الإفخارستيا في حياة الكنيسة»،

وطالب القساوسة برفض تقديم الإفخارستيا (المناولة) للسياسيين الذين يساندون الإجهاض.

 ومن الواضح أن المقصود بهذا القرار الكنسي البروتستانتي هو: الرئيس الكاثوليكي چو بايدن، الذي يقر الإجهاض.

وهي من النقاط التي تناقش فيها مع البابا ولم يُعلن عنها أكثر من أن: “بايدن كاثوليكي ملتزم”..

وواضح أن المستهدف من إقامة ذلك المؤتمر في الولايات المتحدة هو چو بايدن، ثاني حاكم كاثوليكي بعد چون كينيدي.

فالإنجيليين البروتستانت جعلوا من فترة بعيدة «ورقة الإجهاض» عملية مساومة في الصراع السياسي.

بينما يطالب البروتستانت حاليا بإلغاء القرار الصادر سنة 1973 الذي أجاز الإجهاض.

الإفخارستيا في المسيحية:

لمن لا يعرف معني «الإفخارستيا»، فهي كلمة يونانية تعني «طقس المناولة»،

وهو من العقائد الأساسية بين الكنائس المختلفة.

ويقال في العهد الجديد أن يسوع هو الذي أقامه عشية صلبه بتوزيع الخبز والنبيذ على الحواريين قائلا:

«هذا جسدي».. «هذا دمي».. «ستقومون بذلك في ذكري».

والثابت علميا أن السيد المسيح لا يعرف شيئا عن هذه النصوص ولا عمّا يرد فيها،

فقد تم نسجها عبر معارك المجامع بين مختلف الفرَق التي تكونت من بعده، فلا أصول أصلية لها،

وكل ما هو موجود نصوص يونانية غير أصلية ومنقولة عن نصوص غير موجودة.

واستعارت تلك الكنائس المتناحرة منها أهم طقس عند كل شعب من الشعوب المكونة للإمبراطورية الرومانية لتكوين عقيدة تقبلها الشعوب لتسهيل حكمها.

وتعتمد عقيدة الإفخارستيا على أن من يتناولها من يد القس «أنه يؤمن إيمانا قاطعا بأن هذه اللقمة ورشفة النبيذ هي فعلا جزء من لحم المسيح ودمه».

وتختلف الكنائس في هذه الجزئية بمعني أن أكل لحم المسيح وشرب دمه فعْلي أم رمزي.

وقد تم إعادة تأكيد صحة هذه العقيدة في مجمع لاتران سنة 1215، ثم في مجمع ترانت 1563 ـ 1545.

بينما أتباع كالفن يعتبرونها خطيئة كبري في الكنيسة الكاثوليكية. ولم يُطلق عليهم آكلي لحوم الآلهة..

دعوة البابا فرانسيس لكل مسيحي:

دعي البابا فرانسيس كل مسيحي أيا كانت عقيدته «أن يكون ترجمة مبتكرة (Original) للإنجيل».

وبغض الطرف عن ذلك التوجيه العام لمختلف فرق وأنواع المسيحيين، الذين انقسموا إلى 350 كنيسة منشقة عقائديا،

فهو البابا الوحيد في العالم وفقا لقرار فصل كنائس الغرب عن كنائس الشرق عقائديا سنة 1054. وبذلك فهو يمارس حقه ويخاطب مسيحيو العالم.

وقد بدأ هذا الانقسام بقضية «الفليوك» في الكنيسة اليونانية، حول دور الابن يسوع وموقعه في الثالوث،

وهل هو مساوي لدور الآب وما موقعه من الروح القدس في الثالوث، الخ..

*  أعلن البابا يوم الجمعة 21 /5/2021 مشاركة كافة الكنائس المحلية لتدارس كيفية مواصلة تنفيذ قرارات مجمع الفاتيكان الثاني.

ولو وضعتُ عدة خطوت تحت هذا الخبر فلن يصدق معناه أحد كالمعاد!

كما أعلن في 7/9/2021 عن «الوثيقة الإعدادية لإقامة سينودس/مؤتمر عالمي حول حياة الكنيسة ورسالتها

وما ينتظره الرب من الكنيسة (ككل) في الألفية الثالثة لتنفيذ قرارات مجمع الفاتيكان الثاني (1965)»..

ومعني كلمة «ككل» أنه ينوي توحيد كافة الكنائس، إن لم يكن دمجها في كيان واحد تحت لواء كاثوليكية روما،

فعلي الأقل توحيدها في المشاركة العالمية لتنفيذ قرارات مجمع الفاتيكان الثاني. وتوحيدها عقائديا يعني أن جميعها كان علي خطأ..

وقد أعلن أن ذلك المؤتمر الكنائسي العام، والذي لن يحضر جلساته الختامية سوي أساقفة جميع كنائس العالم، سوف ينتهي في أكتوبر 2023.

وغني عن القول أو التكرار أن أهم قرارات المجمع الفاتيكاني الثاني (1965) تنص أساسا علي:

1- تبرئة اليهود من دم المسيح، بعد أن ظلوا يلعنونهم لمدة ألفي عام، والاستقواء بهم في محاربة الإسلام؛

2- إنشاء لجنة للحوار بين الأديان، ولجنة أخري لتنصير الشعوب؛

3-  تنصير العالم حتى تبدأ الألفية الثالثة والعالم بكله مسيحي.

ألم أقل إن كله طبيخٌ في طبيخ؟

أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه..

                                                                
أ.د. زينب عبد العزيز
4 نوفمبر 2021

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق