الأحد، 23 يناير 2022

تطبيع أردوغان وأمة محمد العوضي

 تطبيع أردوغان وأمة محمد العوضي


وائل قنديل

الطفل الكويتي، محمد العوضي، الذي لم يبلغ عامه الرابع عشر بعد، ربما لم يكن يعلم أنه برفضه اللعب أمام منافس من الكيان الصهيوني في بطولةٍ للتنس على ملاعب دبي، قد انتزع انتصارًا يشبه الإعجاز على واقع مفروض بقوة السلاح، وبقوة السياسة، وبقوة الإعلام.

السياق العام الذي تأتي فيه واقعة انسحاب العوضي، الذي لم يودع مرحلة طفولته، يشي بأن مقاومة التطبيع في هذه الأمة باتت ضربًا من الجنون، وخصوصًا عندما تجد التطبيع مفروضًا كالماء والهواء في كل مكان، من الملاعب إلى محطات التلفزة وقاعات الاجتماعات الرسمية الكبرى.

هذا المناخ التطبيعي السام، كنا نتصوّر أن خطورته على الأجيال الناشئة أكبر وأشد، بالنظر إلى أن هذه الأجيال ولدت وفتحت أعينها لتجد تغلغلًا صهيونيًا في الذات العربية، من اتجاهاتٍ عديدة، تعليمية وثقافية ورياضية، وقبل ذلك تلفزيونية، من خلال هجماتٍ مكثفةٍ بالدراما تقصف الوعي وتخلخل المفاهيم، وتزرع قيمًا غريبة وجديدة.

كانوا يردّدون أن الوقوف أمام عاصفة التطبيع معركة خاسرة، وأن فرص الخسارة سوف تتضاعف مع ولادة أجيال جديدة، فتحت كتاب الجغرافيا فوجدت على الخرائط إسرائيل، وفتحت كتاب التاريخ فلم تجد فلسطين، وفتحت الهاتف الذكي فعصف بها طوفان دراما نتفليكس، وفتحت التلفزة فوجدت أخبار وصور العناق بين الرسميين العرب والسياسيين الصهاينة.

من هنا تأتي أهمية الموقف الذي لقّن به الصبي محمد العوضي المهرولين نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني درسًا بليغًا وبسيطًا، ويجدّد الأمل في أن قضية فلسطين باعتبارها الحق الناصع تستعصي على النسيان والمحو، وتضع المتسابقين على كأس التطبيع من أشقاء فلسطين وإخوتها في موقف لا يُحسدون عليه، وهم ينظرون إلى وجوههم في مرايا الهرولة.

تأتي بطولة محمد العوضي لتنعش الروح المثقلة بأنباء اختيار الرئيس التركي نائب رئيس مستشفى إسرائيلي لعلاجه، واتصال وزير خارجيته للاطمئنان على صحة وزير الخارجية الصهيوني المصاب بكورونا، وقبلها نزول ابن عبد الفتاح السيسي ضيفًا على الاحتلال، والرحلات المتعاقبة لطائرة خليفة حفتر، وصفقات الغاز والماء والسلاح التي تسعى إليها أنظمة عربية بالجملة، ومشاركة مجموعة من أساطير العرب في مباراة استعراضية يقودها مدرب صهيوني في الدوحة.

وسط هذا الظلام الدامس، يسطع موقف اللاعب الكويتي الصغير، فتسطع معه مواقف مجموعات ونقابات وكيانات عربية تدعو إلى مقاطعة مؤتمر طبي تنظمه الإمارات، الشهر المقبل، بحضور شركات إسرائيلية.

الشاهد أن مقاومة التطبيع هي معركة مصير لكل عربي حقيقي، ولكل من يدّعي نسبًا ووصلًا بفلسطين، وليست ترفًا يمارسه المثقفون والكتاب، وليست ترصدًا أو تربصًا بأحد، كما يقول الغاضبون من انتقاد ذهاب تركيا أردوغان في طريق التطبيع، والذين يبرّرون له هذا الاتجاه، بينما ترتفع أصواتهم تنديدًا وشجبًا واستنكارًا إذا اتخذت أطراف أخرى المسار ذاته.

لقد صفقنا، وصفق العرب جميعًا، لأردوغان في العام 2008 ثم جاء عام 2008 مع العدوان الصهيوني على غزة واعتداء الزوارق الصهيونية على السفينة مرمرة، وكانت صور أردوغان ترفع فى مظاهرات الشارع العربي رمزا للدفاع عن الكرامة العربية في مواجهة السفالة الإسرائيلية والوضاعة التي بدا عليها الزعماء العرب النائمون في بيت الطاعة الأميركي ــ الإسرائيلي، في ذلك الوقت.
نحن لا نترصّد لأحد ولا نتربّص به. 
كل ما في الأمر أن نهاية خيط السكوت عن تطبيع من نؤيدهم في مواقف أخرى ستكون كارثية.

لا يريد أولئك الذين يكيلون بمكيالين في موضوع التطبيع أن الصهينة عن تطبيع الجهة التي تصفق لها، ستقودك حتمًا إلى التصفيق للتطبيع ذاته، وأن تطبيع أردوغان أخطر بكثير من تطبيع أنظمةٍ أخرى، يعرف الجميع أنها صنيعة هذا المسار.

وأغلب الظن أن معسكر التطبيع سيكون سعيدًا للغاية بتطبيع أردوغان، ويقول بخيلاء: انظر، الشخص الخير الذي يؤوي اللاجئين ويستقبل الفارّين من بطش الطغاة ويفتح بابه للمستغيثين والمستضعفين، يقبل على السلام مع إسرائيل ويحقق التطبيع معها، فيصفّق له محترفو التصفيق، أو بالحد الأدنى يصمتون، أو يتصنعون الغفلة.

أي دعاية للتطبيع أفضل من هذا؟ وأي دفعة لمسار التطبيع أقوى من أن يمارسه ويمضي فيه الرجل الذي صوّروه على أنه محامي المظلومين، والداعم للشعب الفلسطيني المحاصر والواقع تحت الاحتلال؟

يردّد بعضهم أن تركيا ليست دولة عربية، وأردوغان ليس زعيمًا عربيًا، وبالتالي ليس مطلوبًا منه أن يضحي بمصلحة بلاده، حسنًا هذا جيد للغاية، لكن المشكلة أن هذه الأصوات ذاتها هي التي تتحدّث في مواقف أخرى عن أن فلسطين ليست قضية عربية، وإنما قضية إسلامية، وتنظر إلى أردوغان بوصفه خليفة المسلمين.. فأي الموقفين نصدّق؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق